الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التصوير والبناء على القبور، وهذا وأمثاله من أكبر مصالح الدين وحماية عقيدة المسلمين.
وقد كثر في زماننا هذا التصوير واستعماله ونصب الصور بتعليقها والاحتفاظ بالصور التذكارية1، وكثر - أيضا - في هذا الزمان البناء على القبور، حتى صار ذلك أمرًا مألوفا، وذلك بسب غربة الدين، وخفاء السنن، وظهور البدع، وسكوت كثير من العلماء، واستسلامهم للأمر الواقع، حتى أصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفا في غالب البلدان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فالواجب التنبيه والنصيحة لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم، خصوصا وأن دعاة الضلال والمروجين للباطل كثيرون؛ فلا بد من كشف زيفهم، ورد ضلالهم، وتبصير المسلمين بشرهم حتى يحذرهم.
وفق الله المسلمين للعمل بكتابه وسنة رسوله.
نقض المشركين التى يتعلقون بها في تسويغ شركهم في توحيد الإلهية
…
نقض شبهات المشركين التي يتعلقون بها في تسويغ شركهم في توحد الإلهية:
إنه بسبب رواج الشبه والحكايات التي ضل بها أكثر الناس وعدوها أدلة يستندون إليها في تبرير ضلالتهم وشركهم؛ استمرؤوا ما هم عليه؛ فكان لا بد من كشف زيفها وبيان بطلانها؛ {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} 2.
وهذه الشُّبَه منها ما هو قديم أدلى به المشركون من الأمم السابقة، ومنها
1 وإذا جاء التصوير في الحالات الضرورية؛ كالتصوير لحفيظة النفوس وجواز السفر ورخصة القيادة؛ فإنه يقتصر على تلك الحالات الضرورية، ولا يتوسع في غيرها؛ لأن الرخص تقدر بالضرورة.
2 سورة الأنفال، الآية:42.
ما أدلى به مشركو هذه الأمة.
ومن هذه الشبه:
أولاً: شبهة تكاد تكون مشتركة بين طوائف المشركين في مختلف الأمم، وهي: شبهة الاحتجاج بما كان عليه الآباء والأجداد، وأنهم ورثوا هذه العقيدة خلفا عن سلف.
كما قال - الله تعالى - عنهم: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} 1.
وهذه حجة يلجأ إليها من يعجز عن إقامة الدليل على دعواه، وهي حجة داحضة، لا يقام لها وزن في سوق المناظرة؛ فإن هؤلاء الآباء الذين قلدوهم ليسوا على هدى، ومن كان كذلك؛ لا تجوز متابعته والاقتداء به؛ قال تعالى ردّاً عليهم:{قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} 2وقال تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} 3وقال: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} 4.
وإنما يكون الاقتداء بالآباء محمودًا إذا كانوا على حق؛ كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام؛ أنه قال: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} 5، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} 6.
وشبهة الاحتجاج بما كان عليه الآباء الضالون متغلغلة في نفوس المشركين، يقابلون بها دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: فقوم نوح لما قال لهم نوح: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأُوَّلِينَ} 7.
1 سورة الزخرف، الآية:23.
2 سورة الزخرف، الآية:24.
3 سورة المائدة، الآية:104.
4سورة البقرة، الآية:170.
5سورة يوسف، الآية:38.
6سورة الطور، الآية: 21
7سورة المؤمنين، الآيتان: 23 ـ 24.
فجعلوا ما عليه آباؤهم حجة يعارضون بها ما جاءهم به نبيهم نوح عليه السلام.
وقوم صالح يقولون له: {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} 1. وقوم إبراهيم يقولون له: {بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} 2.وفرعون يقول لموسى عليه السلام: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى} 3.ومشركوا العرب يقولون لمحمد صلى الله عليه وسلم لما قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله) ؛ قالوا: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاّ اخْتِلاقٌ} 4.
ثانيا: ومن الشبه التي يدلي بها عباد القبور اليوم: ظنهم أن مجرد النطق بلا إله إلا الله يكفي لدخول الجنة، ولو فعل الإنسان ما فعل؛ فإنه لا يكفر، وهو يقول: لا إله إلا الله، متمسكين بظواهر الأحاديث التي ورد فيها أن من نطق بالشهادتين؛ حرم على النار.
والجواب عن هذه الشبهة: أن هذه الأحاديث ليست على إطلاقها، وإنما هي مقيدة بأحاديث أخرى جاء فيها؛ أنه لا بد لمن قال: لا إله إلا الله أن يعتقد معناها بقلبه، ويعمل بمقتضاها، فيكفر بما يعبد من دون الله؛ كما في حديث عتبان:"فإن الله حرم النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله "، وإلا فالمنافقون يقولون لا إله إلا الله بألسنتهم، وهم في الدرك الأسفل من النار، ولم ينفعهم النطق بلا إله إلا الله؛ لأنهم لا يعتقدون ما دلت عليه بقلوبهم، وفي (صحيح مسلم) :"من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله"؛ فعلق النبي صلى الله عليه وسلم حرمة المال والدم على أمرين: الأول: قول: لا إله إلا الله. والثاني: الكفر بما يعبد من دون
1 سورة هود، الآية:62.
2 سورةالشعراء، الآية:74.
3 سورة طه، الآية:51.
4 سورة ص، الآية:7.
الله. ولم يكتف بمجرد النطق بلا إله إلا الله؛ فدل على أن الذي يقول: لا إله إلا الله، ولا يترك عبادة الموتى والتعلق بالأضرحة، لا يحرم ماله ولا دمه.
ثالثا: ومن الشبه التي يدلون بها أيضا: دعواهم أنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية شرك، وهم يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأن هذا الذي يمارسونه عند الأضرحة من عبادة الموتى ودعائهم من دون الله لا يسمى شركا عندهم.
والجواب عن هذه الشبهة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيكون في هذه الأمة مشابهة لليهود والنصارى فيما هم عليه، ومن جملة ذلك اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنها لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمته بالمشركين، وحتى تعبد فئات من أمته الأوثان، وقد حدث في هذه الأمة من الشرك والمبادىء الهدامة والنحل الضالة ما خرج به كثير من الناس عن دين الإسلام وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
رابعا: ومن الشبه التي تعلقوا بها: قضية الشفاعة؛ حيث يقولون: نحن لا نريد من الأولياء والصالحين قضاء الحاجات من دون الله، ولكن نريد منهم أن يشفعوا لنا عند الله؛ لأنهم أهل صلاح ومكانة عند الله؛ فنحن نريد بجاههم وشفاعتهم.
والجواب: أن هذا هو عين ما قاله المشركون من قبل في تسويغ ما هم عليه، وقد كفَّرهم الله، وسمَّاهم مشركين؛ كما في قوله تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 1.
والشفاعة حق؛ ولكنها ملك لله وحده؛ كمال قال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} 2 فهي تطلب من الله من الأموات؛ لأن الله لم يرخص
1 سورة يونس، الآية:18.
2 سورة الزمر، الآية:44.