الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبالجملة؛ إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون".
ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف؛ لا عالما، ولا متعلما، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكا.
ولقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبورين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمة خصمه؛ حلف بالله فاجرًا، وإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني؛ تلعثم، وتلكأ، وأبى، واعترف بالحق! وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة!.
فيا علماء الدين! ويا ملوك المسلمين! أي رزء للإسلام أشد من الكفر؟! وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟! وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأي منكر يحب إنكاره لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا؟!
لقد أسمعت لو ناديت
…
حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارًا نفخت بها أضاءت
…
ولكن أنت تنفخ في رماد
انتهى كلام الشوكاني رحمه الله، وقد زاد البلاء بعده، وصار أشد مما وصف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
علاقة توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، والعكس:
وعلاقة أحد النوعين بالآخر: أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإليهة، بمعنى أن الإقرار بتوحيد الربوبية يوجب الإقرار بتوحيد الإلهية والقيام به، فمن عرف أن الله ربه وخالقه ومدبر أموره؛ وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له،
وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ بمعنى أن توحيد الربوبية يدخل ضمن توحيد الألوهية، فمن عبد الله وحده ولم يشرك به شيئا؛ فلا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه وخالقه؛ كما قال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام:{قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الآقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلاّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} 1.
والربوبية والألوهية تارة يذكران معا؛ فيفترقان في المعنى، ويكون أحدهما قسميا للآخر؛ كما قال في قوله تعالى:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ} ؛ فيكون معنى الرب هو المالك المتصرف في الخلق، ويكون معنى الإلة أنه المعبود بحق المستحق للعبادة وحده، وتارة يذكر أحدهما مفردًا عن الآخر، فيجتمعان في المعنى؛ كما في قول الملكين للميت في القبر: من ربك؟ ومعناه: من إلهك وخالقك؟ وكما في قوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله} 2، وقوله تعالى:{قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً} 3، وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا} 4، فالربوبية في هذه الآيات هي الإلهية.
والذي دعت إليه الرسل من النوعين هو توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية يقر به جمهور الأمم، ولم ينكره إلا شواذ من الخليقة، أنكروه في الظاهر فقط، والإقرار به وحده لا يكفي؛ فقد أقر به إبليس {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} 5، وأقر به المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دلت على ذلك الآيات البينات؛ كما قال تعالى-:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله} 6؛ فمن أقر بتوحيد الربوبية فقط؛ لم يكن مسلما، ولم يحرم دمه ولا ماله، حتى يقر بتوحيد الألوهية؛ فلا يعبد إلا الله.
1 سورة الشعراء، الآيتان:75 - 82.
2 سورة الحج، الآية:40.
3 سورة الأنعام، الآية:164.
4 سورة فصلت، الآية:30.
5 سورة الحجر، الآية:39.
6 سورة الزخرف، الآية:87.
وبهذا يتبين بطلان ما يزعمه علماء الكلام والصوفية أن التوحيد المطلوب من العباد هو الإقرار بأن الله هو الخالق المدبر، ومن أقر بذلك؛ صار عندهم مسلما، ولهذا يعرفون التوحيد في الكتب التي ألفوها في العقائد يما ينطبق على توحيد الربوبية فقط؛ حيث يقولون مثلاً: التوحيد هو الإقرار بوجود الله وأنه الخالق الرازق
…
إلخ، ثم يوردون أدلة توحيد الربوبية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع؛ فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى معنى الألوهية القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشتركين من العرب الذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم أولاً لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا يقرون بالقدر - أيضا، وهم مع هذا مشركون
…
".
هذا كلام الشيخ رحمه الله، وهو واضح في الرد على من اعتقد أن التوحيد المطلوب من الخلق هو الإقرار بتوحيد الربوبية.
ويؤيد هذا قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 1؛ فالرسل لم يقولوا لأممهم: أقروا أن الله هو الخالق؛ لأنهم مقرون بهذا، وإنما قالوا لهم: اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - أيضا -: "التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده؛ بأن يشهد أن لا إله إلا الله، لا يعبد إلا
1 سورة النحل، الآية:36.
إياه
…
".
إلى أن قال: "وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل؛ فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه؛ فقد فنوا في غاية التوحيد".
فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء؛ لم يكن موحدًا، حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده؛ فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلزم بعبادة الله وحده لا شريك له.
والإله هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، وليس الإله بمعنى القادر على الاختراع، فإذا فسر الإله بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفايتة، وهو الذي يقولونه عن أبي الحسن وأتباعه؛ لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين، قال تعالى-:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} 1، قال طائفة من السلف: تسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله. وهم مع هذا يعبدون غيره!.
1 سورة يوسف، الآية:106.
2 سورة المؤمنون، الآيات: 84 - 89.