المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلفي أسباب شرح الصدر وحصولها على الكمال له صلى الله عليه وسلم - زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم - جـ ٢

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الصدقة والزكاة

- ‌فصلفي أسباب شرح الصَّدر وحصولها على الكمال له صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الصِّيام

- ‌فصلفي هديه في صيام التطوع

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في حجِّه وعُمَره

- ‌فصلفي سياق هديه صلى الله عليه وسلم في حجَّته

- ‌فصلغَلِط في عُمَر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم خمس طوائف:

- ‌فصلفي أعذار القائلين بهذه الأقوال، وبيان منشأ الوهم والغلط

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في تسمية المولود وختانه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الأسماء والكنى

- ‌فصلفي فقه هذا الباب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ المنطق واختيار الألفاظ

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الذِّكر

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم عند دخوله منزلَه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الوضوء

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الأذان وأذكاره

- ‌فصلفيما يقوله مَن رأى مُبتلًى

- ‌فصلفيما يقوله من لحقَتْه طِيَرَة

- ‌فصلفيما يقوله مَن رأى في منامه ما يكرهه

- ‌فصلفيما يقوله ويفعله من بُلِيَ(7)بالوسواس

- ‌فصلفيما يقوله ويفعله مَن اشتدَّ غضبُه

- ‌فصلوكان صلى الله عليه وسلم يدعو لمن تقرَّب إليه بما يحبُّ

الفصل: ‌فصلفي أسباب شرح الصدر وحصولها على الكمال له صلى الله عليه وسلم

‌فصل

في أسباب شرح الصَّدر وحصولها على الكمال له صلى الله عليه وسلم

-

فأعظم أسباب شرح الصدر: التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراحُ صدر صاحبه. قال تعالى:{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22]. وقال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125]. فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضِيق الصدر وانحراجه.

ومنها: النور الذي يَقْذِفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يَشرح الصدر ويُوسِّعه ويُفرح القلب. فإذا فُقِد هذا النور من القلب

(1)

ضاقَ وحرِجَ، وصار في أضيقِ سجنٍ وأصعبِه.

وقد روى الترمذي في «جامعه»

(2)

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا دخل النور القلبَ انفسحَ وانشرحَ» . قالوا: وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتَّجافِي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» .

(1)

في المطبوع: «قلب العبد» . والمثبت من النسخ.

(2)

لم أجده فيه، وقد رواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (540) من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف جدًّا، ورُوي أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، ومن حديث الحسن البصري وأبي جعفر المدائني مرسلًا. وقد أطال الألباني الكلام عليه في «الضعيفة» (965). وانظر:«علل الدارقطني» (5/ 189) و «العلل المتناهية» (2/ 318).

ص: 28

فنصيبُ

(1)

العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، وكذلك النور الحسي والظلمة الحسية، هذا يشرح

(2)

الصدر وهذه تُضيِّقه.

ومنها: العلم، فإنه

(3)

يشرح الصدر، ويُوسِّعه حتى يكون أوسعَ من الدنيا، والجهل يُورِثُه الضِّيقَ والحَصَرَ والحَبْس، فكلَّما اتَّسعَ علم العبد انشرح صدره واتَّسعَ، وليس هذا لكلِّ علمٍ، بل للعلم الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو العلم النافع، فأهلُه أشرحُ الناس صدورًا

(4)

، وأوسعهم قلوبًا، وأحسنهم أخلاقًا، وأطيبهم عيشًا.

ومنها: الإنابة إلى الله، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعُّم بعبادته، فلا شيءَ أشرحُ لصدر العبد من ذلك، حتى إنه ليقول أحيانًا: إن كنتُ في الجنة في مثل هذه الحال فإني إذًا في عيشٍ طيِّب. وللمحبة تأثير عجيب في انشراحِ الصدر وطيبِ النفس ونعيمِ القلب، لا يعرفه إلا من له حسٌّ به، وكلَّما كانت المحبة أقوى وأشدَّ كان الصدر أفسحَ وأشرحَ، ولا يضيق إلا عند رؤية البطَّالين الفارغين من هذا الشأن، فرؤيتهم قَذَى عينهِ، ومخالطتُهم حُمَّى روحِه.

ومن أعظم أسباب ضيق الصدر: الإعراض عن الله، وتعلُّق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبةُ سواه؛ فإن من أحبَّ شيئًا غيرَ الله عُذِّب به وسُجِن قلبُه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسفُ بالًا، ولا أنكدُ عيشًا، ولا أتعبُ قلبًا.

(1)

ق، ب، ص، م، مب:«فيصيب» . والمثبت من بقية النسخ.

(2)

ق، ب، م، مب:«هذه تشرح» . والمثبت من بقية النسخ.

(3)

«فإنه» ليست في ص.

(4)

في المطبوع: «صدرًا» . والمثبت من النسخ.

ص: 29

فهما محبَّتان: محبةٌ هي جنّة الدنيا، وسرورُ النفس

(1)

، ولذة القلب، ونعيم الروح وغذاؤها ودواؤها، بل حياتها وقُرَّةُ عينها، وهي محبَّةُ الله وحدَه بكلِّ القلب، وانجذابِ قُوى الميل والإرادة والمحبة كلِّها إليه. ومحبةٌ هي عذاب الروح، وغَمُّ النفس، وسجنُ القلب، وضِيق الصَّدر، وهي سبب الألم والنكد والعناء وهي محبة ما سواه سبحانه.

ومن أسباب شَرْح الصدر: دوامُ ذكره على كلِّ حالٍ وفي كلِّ موطنٍ، فللذِّكر تأثيرٌ عجيب في انشراحِ الصدر ونعيمِ القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضِيْقه وحَبْسِه وعذابِه.

ومنها: الإحسان إلى الخلق، ونفْعُهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرحُ النَّاس صدرًا وأطيبُهم نفسًا وأنعمُهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسانٌ أضيقُ الناس صدرًا وأنكدُهم عيشًا وأعظمُهم غمًّا وهمًّا. وقد ضربَ رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

مثلَ البخيل والمتصدِّق

(3)

كمثل رجلين عليهما جُبَّتانِ

(4)

من حديدٍ، كلَّما هَمَّ

(5)

المتصدِّق بصدقةٍ اتسعتْ عليه وانبسطتْ، حتى تُجِنَّ بَنَانَه

(6)

وتُعفِّيَ أثرَه، وكلَّما هَمَّ البخيل بالصدقة لزِمتْ كلُّ حَلْقةٍ مكانَها، ولم تتَّسعْ عليه.

(1)

بعدها في ص: «ولذة العيش» . وليست في بقية النسخ.

(2)

بعدها في المطبوع: «في الصحيح» . وليست في النسخ.

(3)

رواه البخاري (1443، 2917، 5299، 5797) ومسلم (1021) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

في المطبوع: «جُنَّتان» . والمثبت من النسخ. والرواية بالوجهين.

(5)

ج، ص، ع:«تَصدَّق» . والمثبت من بقية النسخ.

(6)

في المطبوع: «يجرّ ثيابه» ، تحريف، وهو خلاف النسخ والرواية.

ص: 30

فهذا مَثَل انشراحِ صدر المؤمن

(1)

المتصدِّق وانفساحِ قلبه، ومَثَلُ ضيقِ صدر البخيل وانحصارِ قلبه.

ومنها: الشَّجاعة، فإن الشُّجاع منشرحُ الصدر واسعُ البِطان متَّسعُ القلب، والجبان أضيقُ الناس صدرًا وأحصرُهم قلبًا، لا فرحةَ له ولا سرور، ولا لذةَ ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيم

(2)

، وأما سرور الروح ولذتها ونعيمها وابتهاجُها فمحرَّمٌ على كلِّ جَبان، كما هو محرَّمٌ على كلِّ بخيل، وعلى كل مُعرِضٍ عن الله غافلٍ عن ذكرِه، جاهلٍ به وبأسمائه تعالى وصفاتِه ودينهِ، متعلِّقِ القلب بغيره.

وإن هذا النعيم والسرور ليصير في القبر

(3)

رياضًا

(4)

وجَنَّةً، وذلك الضيق والحَصَر ينقلب في القبر عذابًا وسجنًا. فحال العبد في القبر كحال القلب في الصدر نعيمًا وعذابًا، وسَجْنًا وإطلاقًا

(5)

، ولا عبرةَ بانشراح صدر

(6)

هذا لعارضٍ

(7)

ولا بضيق صدرِ هذا لعارضٍ، فإن العوارض تزول بزوال أسبابها، وإنما المُعوَّل على الصفة التي قامت بالقلب تُوجِب انشراحَه وحَبْسَه، فهي الميزان، والله المستعان.

(1)

«المؤمن» ليست في ج.

(2)

في المطبوع: «البهيمي» خلاف النسخ.

(3)

ع: «القلب» ، تحريف. ج:«القبور» .

(4)

«رياضًا» ليست في مب.

(5)

في المطبوع: «وانطلاقًا» خلاف النسخ.

(6)

«صدر» ليست في ج، ص، ع.

(7)

في النسخ: «هذا العارض» هنا وفيما بعد.

ص: 31

ومنها بل من أعظمها: إخراج دَغَل القلب من الصِّفات المذمومة، التي تُوجِب ضيقَه وعذابه، وتحول بينه وبين حصول البُرْءِ، فإن العبد إذا أتى بالأسباب

(1)

التي تَشرح صدره، ولم يُخرِج

(2)

تلك الأوصاف المذمومة من قلبه، لم يَحْظَ من انشراحِ صدره بطائلٍ، وغايتُه أن تكون له مادَّتانِ تَعتَوِران على قلبه، وهو للمادة الغالبة عليه منهما.

ومنها: تركُ فضولِ النظرِ والكلامِ والاستماعِ والخُلْطةِ

(3)

والأكلِ والنومِ، فإن هذه الفضول تستحيل آلامًا وغُمومًا وهمومًا في القلب، تَحْصُره وتَحْبِسه وتُضيِّقه ويتعذَّب بها، بل غالبُ عذاب الدنيا والآخرة منها. فلا إله إلا الله، ما أضيقَ صَدْرَ مَن ضربَ في كل آفةٍ من هذه الآفات بسهمٍ! وما أنكدَ عيشَه، وما أسوأَ حالَه، وما أشدَّ حَصَرَ قلبِه! ولا إله إلا الله، ما أنعمَ عيشَ مَن ضربَ في كل خصلةٍ من تلك الخصال المحمودة بسهْمٍ! وكانت هِمَّتُه دائرةً عليها حائمةً حولَها، فلهذا

(4)

نصيبٌ وافرٌ من قوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: 13]، ولذاك نصيبٌ وافرٌ من قوله:{وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 14]، وبينهما مراتبُ متفاوتة لا يُحصِيها إلا الله.

والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكملُ الخلق في كل صفة يحصل بها انشراحُ الصدر، واتساعُ القلب، وقُرَّةُ العين، وحياةُ الروح، فهو أكملُ الخلق في هذا الشرح والحياة وقُرَّةِ العين، مع ما خُصَّ به من الشرح الحسِّي. وأكملُ

(1)

في المطبوع: «الأسباب» . ع: «الأشياء» . والمثبت من بقية النسخ.

(2)

ص، ق، ج، م:«تخرج» .

(3)

في المطبوع: «والمخالطة» . والمثبت من النسخ.

(4)

ص: «فلها» .

ص: 32

الخلق متابعةً له أكملُهم انشراحًا ولذةً وقرَّةَ عينٍ، وعلى حسب متابعتِه ينال العبدُ من انشراح صدرِه وقرَّةِ عينهِ ولذة روحه ما ينال. فهو في ذِروة الكمال من شَرْح الصدر ورَفْعِ الذكر ووَضْعِ الوزر، ولأتباعِه من ذلك بحسب نصيبهم من اتّباعِه، والله المستعان.

وهكذا لأتباعه نصيبٌ من حفْظِ الله لهم، وعِصْمته إياهم، ودفاعِه عنهم، وإعزازِه لهم، ونصْرِه لهم، بحسب نصيبِهم من المتابعة، فمستقِلٌّ ومستكثِرٌ. فمن وجدَ خيرًا فليحمدِ الله، ومن وجدَ غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه.

* * * *

ص: 33