الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس " (1) والله سبحانه مالك الملك ذو الجلال والإكرام.
* * *
(1) رواه - بهذه الزيادة في آخره: " وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس " - مسلم: الزهد (5259) وأحمد (8457). والترمذي (2264)، والنسائي في الوصايا (3555) وأحمد في مسنده (15715).
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
(213)
* * *
ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن الناس فريقان: فريق يسعى في الأرض فسادا، ويضل التاس بخلابة لسانه، وفريق باع نفسه للحق يفتديه، ولربه يبتغي رضاه، ولا يرجو سواه، وإن النضال بين الفريقين قائم، على مقتضى سنة هذا الوجود، من التنازع بين الخير والشر، وبين أهل الحق والضلال، وإنه من أجل ذلك سوغ الله سبحانه وتعالى لأهل الخير أن يحملوا السيف مناضلين مدافعين، وإن كان أصل الفضيلة في الأمن والسلام، ولكن إن كانت الحرب سبيل السلام الفاضل فهي مطلوبة لأجل السلم، وإن كانت شجرة السلام التي تظل أهل الحق لا تقوم إلا إذا سقيت بالدماء، وجب القتال، لأن ما لَا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب، والسلام واجب على بني الإنسان.
وفى هذه الآية يشير سبحانه إلى أن الاختلاف بين الناس ما بين عن فاضل، ومبطل شرير، مستكن في أصل الوجود قائم على أصل من الفطرة التي ألهمت فيها
النفوس فجورها وتقواها، وهداها الله النجدين؛ وأن الله العليم الحكيم بعث الرسل مبشرين بحسن العقبى لأهل الخير وسوء العقبى للأشرار؛ ليكون من ضل إنما يضل عن بيّنة، ومن اهتدى فعن بينة؛ ولتتحقق التبعة على الأفعال بالعقاب والثواب؛ وليكون الجزاء العادل على العمل إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ وليخفف بعث النبيين الخلاف وإن كان لَا يمحوه؛ فإن المماراة واللدد في الخصومة التي اختص بها أهل الشر يمنعانهم من أن يسلموا بالحق رغبا، وإن كانوا أحيانًا يسلمون به رهبًا، وبعضهم يطمس الله على بصيرته فلا يجديه ترغيب، ولا يؤثر فيه ترهيب؛ بل هو ضال مضل إلى يوم الدين.
ولهذا قال سبحانه وتعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) الأمة مأخوذة من أمَّ بمعنى قصد؛ والجماعة من الناس التي تربطها رابطة، وتجمعها جامعة تسمى أمة؛ لأن كل واحد منها يؤم المجموع ويقصده، ويعتمد عليه في مدلهم الأمور. ولقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني في معنى الأمة ما نصه: " والأمة كل جماعة يجمعهم أمر؛ إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء أكان الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا، وجمعها أمم، وقوله تعالى:(وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم. . .).
أي كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسُّرْفة (1)، ومدخرة كالنمل، ومعتمدة على قوت وقتها كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع؛ وقوله تعالى:(كَانَ النَّاسُ أمَّةً وَاحِدَةً) أي صنفا واحدًا وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر، وقوله:(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أمَّةً وَاحِدَةً. . .)، أي في الإيمان؛ وقوله:(وَلْتَكُن مِّنكمْ أمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ. . .)، أي جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم؛ وقوله:(إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ. . .)، أي على دين مجتمع. . إلخ ".
(1) السُّرْفة بضم السين وسكون الراء: دويبة تتخذ بيتا من دقاق العيدان فتدخله وتموت، ومنه المثل: أصنع من سُرْفة - قاموس.
ومن هذا التحقيق، وتتبع الآيات الكريمات، تبين أن معنى " أمة " الطائفة التي يجمعها أمر، ويربط بينها وصف جامع؛ فقوله تعالى:(كَان النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي كان الناس على اختلاف أجناسهم وأقاليمهم وألوانهم أمة واحدة، أي تجمعها رابطة واحدة، ووصف مشترك يوحد بينهم جميعا، مهما تختلف المنازع وهنا يتطلع العقل لمعرفة ذلك الأمر الذي اشترك الناس جميعا فيه، فكانوا بذلك الاشتراك أمة واحدة ثم إلى ما تدل عليه كلمة " كان " أهو الدلالة على الماضي من غير استمرار، بمعنى أن ذلك الوصف الجامع كان في الماضي وانتهى وانقطع، أي أن الناس في الماضي كانوا أمة واحدة، وفي الحاضر والاستقبال زال ذلك الوصف عنهم، أو على الأقل في حكم المسكوت عنه، والحكم على الماضي يشمل الحال والاستقبال؛ أم أن مدلول كان هو الوجود والاستقرار، فتدل على الوقوع في الماضي يشمل الحال والاستقبال، فتدل على وقوع في الماضي والاستمرار في الحاضر، والبقاء إلى المستقبل ككان في قوله تعالى:(وَكَانَ اللَّهُ غَفورًا رَّحِيمًا).
هذان هما الأمران اللذان يعدان مجال القول، عند تفهم مدلول تلك الجملة السامية:(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) فلنقصد لذكر أقوال العلماء فيهما، وهي في نظرنا ترجع إلى ثلاثة أقوال:
أولها - أن الوصف الجامع الذي كان يجتمع الناس جميعا عليه هو أنهم كانوا مهديين، وعلى الفطرة المستقيمة التي فطر الله الناس عليها؛ وقد اختلف العلماء في نوع هذه الهداية وأسبابها؛ والذي نختاره ما أشرنا إليه من أنها هداية الفطرة؛ " وكان " تكون للماضي ولا يستمر الحكم بها في الحاضر، ولا يمتد إلى القابل.
ويكون على هذا التخريج لابد أن يقدر ما يدل على زوال وصف الهداية، حتى تكون الحاجة إلى بعث الله النبيين، ولذلك قال العلماء: إن معنى الآية على هذا التخريج: كان الناس أمة واحدة مهديين فاختلفوا ما بين ضال ومهتد، فبعث الله النبيين بالكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
ويصح أن نقول: إن " كان " تدل على الاستمرار، ويكون المعنى أن الناس كانوا وما زالوا أمة واحدة مهديين بمقتضى الفطرة، ولكنهم يضلون أنفسهم، فبعث النبيون ليكونوا حجة على الناس، وليكون الجزاء من عقاب وثواب، وليتحمل كل امرئ عاقبة ما صنع بالتبليغ.
القول الثاني - أن الناس كانوا أمة واحدة من حيث إنهم كانوا ضالين، فبعث الله الأنبياء لهدايتهم، ولإنقاذهم - من حيرتهم، وليكونوا حجة عليهم، ولتترتب تبعات الأعمال، من عقاب وثواب، وذلك بالإنذار والتبشير.
" وكان " على هذا التخريج تكون للماضي واضحة المعنى، بينة، ولا حاجة إلى تقدير كلَام محذوف.
القول الثالث - وهو قول القرطبي، إذ يقول في أحكام القرآن: المراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا مَنُّ الله عليهم، وتفضله بإرسال الرسل إليهم، فلا تختص " كان " على هذا التأويل بالمضي فقط. بل معناه معنى قوله تعالى (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورَا رَّحِيمًا).
وإن هذا هو الذي نختاره (1) وعلى هذا التأويل لَا يكون ثمة حاجة إلى تقدير محذوف؛ لأن ذات حالهم من كونهم لَا علم لهم بالشرائع، ولا تهتدي عقولهم إلى الحقائق بنفسها، توجب البعث، ولأن تلك الحال التي تكون على الفطرة وحدها توجب الاختلاف فتوجب بعث النبيين، وذلك لأن النفوس إن تركت لمقتضى جبلتها من غير شرع مبين، ولا كتاب يحكم، تكون بين نفس غلبت عليها شقوتها، وبين نفس ضالة حائرة، تدفعها الغرائز إلى الشهوات دفعًا، فيكون التناحر والتنابذ، ولابد حينئذٍ من حاكم يقضي، ويقدع النفوس عن شهواتها.
(1) قال المصنف رحمه الله: وهو عين ما اختاره الأساذ الإمام الشيخ محمد عبده، وقد استفاض في توجيهه، وحرره بقلمه البليغ رضي الله عنه، فارجع إليه.
ثم إن نفس كل إنسان فيها نزوع " إلى الاجتماع، واستعانة بعضهم ببعض؛ وحيث كان الاجتماع لابد من نظام يربط، وشرع يحكم، وعقاب يردع؛ وإلا أكل القوي الضعيف، كما يأكل كبار السمك صغارها عند اجتماعها، وكما تفترس السبع الأوابد من يكون أضعف منها.
وعلى هذا تكون الفاء في قوله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) للترتيب والتعقيب في موضعها من غير حاجة إلى التقدير؛ لأن كون الناس أمة واحدة اقتضت الرسالة واقتضت الاختلاف، فكان لابد من شرائع السماء لتبخع الشهوات، ولتقضي على الخلاف، ولتهدي الناس وتنقذهم من الضلال. ولأن اتحاد الفطرة واتحاد الغرائز، واندفاعها إن لم يكن لها عاصم من شرع زاجر وعقاب مانع، يجعل الناس يتناحرون ويتنابذون فلابد من حكم صالح بين الناس، فكان ذلك الحكم من السماء.
" وكان " على هذا التأويل تكون دالة على الاستمرار والثبوت؛ لأن الناس بمقتضى فطرهم دائما في حاجة إلى شرع من السماء، لَا يهتدون إلا به، ولا ينير السبيل لهم شيء سواه؛ وإنه مهما تعلُ العقول فلن تقوى على التهذيب من تلقاء نفسها؛ بل لابد من دين قد اشتمل على الترغيب والترهيب من بارئ الكون ومنشئ الخلق، الذي خلق الإنسان وهداه النجدين: طريق الخير، وطريق الشر. واعتبِر بما ترى بالمدنية الحاضرة؛ فقد علت العقول عند أهلها، حتى استخرجوا كنوز الأرضن، وتعرفوا على كثير من نواميس الوجود، ولكنهم يأكل بعضهم بعضا لهجرهم الأديان، وعدم وجود داع ينادى بينهم باسم القرآن.
وقد يقول قائل: إن جعل " كان " للاستمرار، يفيد أن وحدة الناس في الفطرة وتأديها إلى التناحر يقتضي بعث النبيين إلى يوم القيامة، وإنه لابد من نبي لعصرنا؛ ونحن نسلم بالاعتراض، ولا ندفع إيراده، ونقول: نعم إنه لابد من قيام رسالة إلى يوم القيامة، وتلك الرسالة قائمة إلى يوم القيامة؛ وهي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم التي جاءت بكتاب تتجدد به الرسالة والبعث إلى أن تفنى الأرض ومن عليها، وذلك
بالقرآن الكريم لَا تبلى جدته، وبقائه محفوظا إلى يوم القيامة من غير تحريف ولا تغيير ولا تبديل؛ وكون الذي يقرؤه كأنما يتلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيتلقى التكليف؛ وهو في ذاته حجة قوية معجزة، ولا يختص إعجازها بجيل من الأجيال، ولا عصر من العصور؛ إذ هو بما اشتمل عليه من علم وشريعة، وقصص مستقيم، معجز إلى يوم الدين؛ وإذا كان الناس في جهالة به، ولم يتلقوا رسالته، فهذا من تقصير الذين توارثوه وانتقل إليهم متواترًا جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة؛ فبعثة النبي صلى الله عليه وسلم مبشرًا منذرًا إذن متجددة فيه؛ وحق على حملته، ومن توارثوا علمه أن يعلنوه بين الناس، ليصدق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم:" العلماء ورثة الأنبياء "(1) وإلا فهم عن ذلك في واد يهيمون.
(وَأَنزَلَ مَعَهُم الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) بعث الله سبحانه وتعالى النبيين مبشرين ومنذرين، أي مبشرين بحسن العقبى في الدنيا والآخرة إن أطاعوا ربهم، ومنذرين بسوء العقبى في الدنيا والآخرة إن عصوا ربهم، ووقعوا في الشر، ولم يستقيموا على الطريقة.
ولقد أنزل الله سبحانه كتابًا مشتملا على الحق مع كل نبي يرشد به ويبين ويهدي ويقوم ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، بالحق الذي اشتمل عليه، إذ إن الاختلاف من طبيعة التكوين الإنساني، ومشتق من كونهم أمة واحدة في الجهل بحقائق الوجود إلا من رحم الله، وإن الغرائز إن لم يكن لها عاصم من الإرادة القوية والهداية الإلهية تندفع إلى الشهوات فتتناحر القوى ويأكل القوي الضعيف ولقد ذكر الكتاب بصيغة المفرد، مع أن كل نبي مبعوث له كتاب، وجاء محمد بكتاب جامع مصدق لما بين يديه وما خلفه يهدي للتي هي أقوم؛ عبر بصيغة الواحد للإشارة إلى أن كتب النبيين وإن تعددت هي في لبها كتاب واحد؛ لاشتمالها على شرع واحد في أصله، كما قال تعالى: (شرَعَ لَكم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي
(1) جزء من حديث رواه الترمذي في العلم (2606)، وأبو داود: العلم (3157)، وابن ماجه في المقدمة (219)، والدارمي في المقدمة (346)، وأحمد في مند الأنصار رضي الله عنهم (0723 2) كلهم عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وذكره البخاري تعليقا في ترجمة بابأ العلم قبل القول والعمل ".
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13).
وكلمة (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) قرئت بضم الياء للبناء للمجهول؛ وقال القرطبي إنها قراءة شاذة؛ والمعنى عليها أن الكتاب مشتمل على ما يحكم به بين الناس فيما يختلفون فيه مما يتعلق بالدنيا والآخرة، فهو المرجع الذي يدركون به الحق في ذاته إذا اختلفوا في العقائد أو الشرائع، أو اليوم الآخر؛ وهو الحكم العدل إذا اختلفوا في شئون دنياهم، ومآرب الحياة، والمعنى على القراءة المشهورة " ليحكم " بفتح الياء للبناء المعلوم: أن القرآن هو الذي يحكم بين الناس، فهو الفيصل في الخلاف، وهو المصدر العلمي في كل شيء يتعلق بالدين، وفيه الحكم العادل إلى يوم القيامة، وإسناد الحكم إلى الكتاب للإشارة إلى وجوب الرجوع إليه عند كل اختلاف، وللإشارة إلى ألا نحكم أهواءنا في فهم الكتاب وتأويله تأويلا بعيدًا ليتفق مع رغباتنا، أو ما يسميه البعض مصالحنا، ولا مصلحة في غير ما جاء به النص المبين، ولقد قال في هذا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ما نصه:
الحكم مسند إلى الكتاب نفسه؛ فالكتاب ذاته هو الذي يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، وفيه نداء للحاكمين بالكتاب أن يلزموا حكمه ولا يعدلوا عنه إلى ما تسوله الأنفس وتزينه الأهواء؛ فإن الكتاب نفسه هو الحاكم وليس الحاكم في الحقيقة سواه؛ ولو ساغ للناس أن يؤولوا نصا من نصوص الكتب على حسب ما تنزع إليه عقولهم، بدون رجوع إلى بقية النصوص، وبناء التأويل على ما يؤخذ من جميعها جملة - لما كان لإنزال الكتب فائدة ولما كانت الكتب في الحقيقة حاكمة، بل تتحكم فيها الأهواء، وتذهب النفوس منازع شتى، فينضم إلى الاختلاف في المنابع اختلاف آخر جديد، وهو الاختلاف في ضروب التأويل، وبناء كل واحد حكما على ما نزع إليه، فتعود المصلحة مفسدة، وينقلب الدواء علة! ولهذا رد الله تعالى الحكم إلى الكتاب نفسه لَا إلى هوى الحاكم به. . ونسبة الحكم إلى الكتاب كنسبة النطق
والهدى التبشير إليه في قوله تعالى: (هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكم بِالْحَقِّ. . .)، وقوله تعالى:(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ويُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِين. . .).
ويقول رضي الله عنه في إفساد الناس لمعاني الكتب المقدسة بسبب تحكيم المنافع الدنيوية والشهوات فيها: " يتخذ الواحد منهم كلمة من الكلمات أو أثرا ممن جاء به، وسيلة إلى تسخير غيره لما يريد، وذلك بقطع الكلمة أو الأثر عن بقية ما جاء في الكتاب والآثار الأخرى، وليّ اللسان أو تأويله بغير ما قصد منه، وما همُّ المؤول أن يعمل بالكتاب، وإنما كل ما يقصد هو أن يصل إلى مطلب لشهوته، أو عضد لسطوته، سواء أهدمت أحكام الله أم قامت، واعوجت السبيل أم استقامت؛ ثم يأتي ضال آخر يريد أن ينال من هذا ما نال غيره فيحرف ويؤول، حتى يجد المخدوعين بقوله، ويتخذهم عونًا على الخادع الأول، فيقع الاختلاف، والاضطراب؛ وآلة المختلفين في ذلك هو الكتاب "(1).
(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) من شأن الكتاب أن يزيل الخلاف ويحسم النزاع إن احتكموا إليه واهتدوا بهديه، وهو لَا يحمل الناس على الهداية حملا بل ينير الطريق ويهدي إلى التي هي أقوم، فهو كالضوء لَا يخلق البصر، ولكن ينير للمبصر؛ وهو كالدليل في الصحراء يبين السلك ولا يحمل على السير؛ ولذلك لم يزل الخلاف بين الناس بنزول الكتاب، بل يوجد خلاف آخر حوله؛ لأن الأهواء إذا استحكمت، لَا تسترشد بمرشد، ولا تتبع هاديا؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى:(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوه).
(1) قال الشيخ الإمام رحمه الله: نقلنا ذلك الكلام مع طوله ليعلم الناس رأي الإمام في طريق التأويل الصحيح، وليدركوا بطلان أقوال الذين يتعلقون بالإمام ليخضعوا الشريعة لحكم الزمان، فيعاقبون على الطلاق بالحبس والغرامة بدعوى عدم صلاحية ذلك للزمان، ويبيحون الربا بدعوى أن ذلك مصلحة الأيام، ويبيحون القمار بدعوى أنه كالبيع، أو هو تبرع، وهكذا وهكذا، ويحسبون أنهم يقلدون الإمام، والإمام من منهجهم بريء إلى يوم الدين، وتلك عباراته بقلمه، فقد كتب تفسير هذه الآية بقلمه (ج 2 ص 286، 289).
الضمير في " فيه " وفي " أوتوه " إما " أن نجعله يعود إلى الحق، وإما أن نجعله يعود إلى الكتاب، وكلاهما مذكور، وله وجه؛ فإن كان الضمير يعود إلى الحق، فالمعنى على ذلك: إن الذين يختلفون في شأن الحق، اختلافهم ظلم، هم مأخوذون به معاقبون عليه، فليس الاختلاف مبنيا على جهالة كالاختلاف قبل نزول الكتاب، بل هو ترك للحق عن بينة؛ لأنهم أوتوا الحق أي أوتوا العلم به، فليسوا جاهلين كشأنهم الأول؛ ولأنهم علموا الحق ببينات جاءتهم؛ ولذا قال سبحانه:(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي من بعد ما جاءتهم الحجج البينة المثبتة له التي يدركها كل إنسان إلا من ران الله على قلبه؛ ولأن البغي أي الظلم الشديد هو الذي يدفعهم إلى ذلك الاختلاف.
ولو جعلنا الضمير يعود على الكتاب، يكون المعنى أن الاختلاف يكون حول الكتاب الذي هو بيان الحق ونوره؛ وذلك لأن الذين في قلوبهم مرض، وعلى - أعينهم غشاوة، تبعث الرسل إليهم لهدايتهم بكتب فيها الحق والميزان فيجعلون تلك الكتب موضع الجدل والاختلاف ولكنه ليس كخلافهم قبل البعث؛ لأن الخلاف الأول عن جهل ففيه العذر، أما الخلاف الثاني فلا عذر فيه؛ لأنه خلاف بعد أن أوتوا علم الكتاب، وما اشتمل عليه، وبعد أن جاءتهم البينات والدلائل على الصدق.
ولقد ذكر سبحانه الباعث على الخلاف بعد نزول الكتب المقدسة بالحق المبين المؤيد بالأدلة القاطعة، فقال سبحانه:(بَغْيًا بَيْنَهُمْ) والبغي معناه طلب الشيء متجاوزا حد الاقتصاد. وقال الراغب الأصفهاني:
البغي على ضربين: محمود وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع؛ والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل.
وأكثر ما يكون البغي في الثاني، وهو المراد هنا، أي أن الباعث على الخلاف في الكتاب بعد نزوله مؤيدا بالحجج الدامغة والأدلة القاطعة هو الشهوات المستحكمة التي تدفع النفوس إلى مجاوزة الحد في الطلب، وقال سبحانه:(بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي أن
البغي واقع فيهم، وإن لم يكونوا كلهم بغاة، فيكفي أن يكون بعضهم باغيا ليقع الخلاف حول الكتاب، بين طلاب الحق المهتدين، والذين أركسوا في الباطل فلا ينطقون إلا تحت سلطانه، ولا يعملون إلا تحت تأثيره.
والاختلاف في الكتاب يشمل الاختلاف في شأنه ما بين مصدقين بما جاء به ومكذبين، ومذعنين لأحكامه ومخالفين، ويشمل الاختلاف في أحكامه ما بين منفذين خاضعين، وعصاة لها قد ارتضوا حكم الجاهلية بدل حكم الله، ويشمل أيضا الاختلاف في تفسيره وتأويله ما بين راسخ في علم الكتاب، يطلبه من أوجهه، وبين زائغ القلب والبصيرة يتبع المتشابه، أو يثير حوله الشبه ولو كان واضحا بينا صريحًا.
وكل هذا يدفع إليه البغي والعدوان، ولا يعتمد على حجة من برهان، وهو حجة كما قررنا على المختلفين، لأنه بعد أن " أوتوه " أي أوتوا علم الكتاب مؤيدا بالبينات، ولكن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، واستحكمت شهواتهم، وسموها مصالح ومنافع، وأرادوا أن يخضعوا نصوص الكتاب لها، فضلوا ضلالا بعيدا.
(فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) أشار سبحانه في الجملة الكريمة السابقة إلى السبب في غواية الغاوين، وإثارة الخلاف،، وهو البغي وتحكم الشهوات التي تدفع إليه، وفي هذه الجملة الكريمة يبين موقف المهتدين؛ ولذا قال سبحانه:(فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) والفاء هنا للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر، إذ المعنى: إذا كان هذا شأن الظالمين فقد هدى الله الذين آمنوا. . إلى آخره.
وعبر بالذين آمنوا للإشارة إلى سبب هدايتهم للحق، والإيمان والإذعان؛ فهم يؤمنون بالحق إذا جاءهم، ويذعنون له ويخضعون، وهم لاستقامة نفوسهم يتبعون النور الذي يكشف لهم الطريق ويسيرون فيه.
وأسندت الهداية إلى الله سبحانه وتعالى لأنه مقلب القلوب، وهو علام الغيوب، المسيطر على كل شيء. وللعبد إرادة أيضا، فمن كان له قصد إلى الخير، واتجاه إلى الفضيلة وسار في الطريق المستقيم، قذف الله في قلبه بنور مشرق، وسار
به مهديا في مضطرب الخلاف، ومعترك النزاع؛ فالمؤمن باتجاهه المستقيم وإذعانه لليقين، وهداية رب العالمين يصل إلى الحق في موضوع الخلاف، والصواب في متنازع الآراء، لأن الذي يفسد الرأي هو الهوى، وتسلط الشهوات، فهي إذا استحكمت أضلت ذا اللب، وطمست البصيرة إذ أصبح محكوما بالأهواء والشهوات، يسير في مسارها، وهو يحسب أنه يسير وراء العقل؛ وذلك هو الضلال المبين؛ فإذا خلص المؤمن من أدران الهوى ولم تتحكم فيه الشهوات فسيصل إلى الحق لَا محالة، لأن الذي يضل العقول رَيْنُ الشهوات.
و" مِن " في قوله تعالى: (لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ) هي البيانية، والمعنى: هدى الله الذين آمنوا للحق في موضع الخلاف، فلا يطيش عقله ولا يضل فهمه، بل يتجه إلى الحق الذي جرى الخلاف حوله من غير أن تتأثر نفسه بهوى أهل الأهواء الذين اختلفوا فيه، وكانوا بسبب الاختلاف في ريب يترددون؛ لأن الاختلاف بالنسبة للمؤمن يجلو الحق ويمحصه، وبالنسبة لمريض القلب يطمس الحق في نفسه فيتخذ منه تعللات يبرر بها ضلاله.
وقوله تعالى: (بِإِذْنِهِ) معناها بتيسيره وتوفيقه، وقال الزجاج معناها: بعلمه: وقال بعضهم: بأمره، ونحن نرى أن التيسير والتوفيق يتضمن هذا كله، لأن الله سبحانه وتعالى أعلم بالحق وأمر به، وهذا من تيسيره، ثم وفق سبحانه المؤمن للعمل به، لاستقامة فكره وقلبه، ولم يوفق غير المؤمن ذلك التوفيق لتحكم الأهواء والشهوات في قلبه، فلم يتجه اتجاها مستقيما لطلب الحق والعمل به.
(وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ) الصراط: هو الطريق المستقيم، فوصفه بالاستقامة تأكيد لمعنى الاستقامة، وقد ذيل الله سبحانه الآية الكريمة بهذه الجملة السامية الحكيمة؛ لبيان كمال سلطانه سبحانه، وأن الذين يعاندون حكم الكتاب هم في قبضة يده لو أراد أن يهديهم لفعل، فليس لأحد سلطان بجوار سلطان الله؛ وليس الشر قوة قائمة بذاتها، إنما الجميع تحت أمر الله الكوني وسلطانه؛ ولو أراد أن يكون الجميع مهديين لكانوا، ولكنه يختبر الإنسان في هذا
الوجود، فجعل الشر بجوار الخير، وجعل المعركة قائمة بينهما ليكون للمهتدى ثواب الهداية إذا قصد إليها، وعلى الضال إثم ضلاله؛ وإن الاعتراك بين الخير والشر يصقل أهل الحق، ويزكي نفوسهم. وفقنا الله إلى الحق. ومن الدعاء المأثور: اللهم أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله متلبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماما.
* * *
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)
* * *
بين الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة أن الناس جميعًا قد فطروا على فطرة واحدة، وأن من هذا الاتحاد كان الافتراق والاختلاف، ولقد ألهم الله كل نفس فجورها وتقواها؛ وخلق الناس مستعدين للخير وللشر، وللطاعة والعصيان؛ فكان منهم من غلبت عليه شقوته فاتجه نحو الشر، ومنهم من عمَّته رحمة الله فاهتدى إلى الخير؛ فكان من الناس الأخيار والأشرار؛ وكان هذا من مقتضى الاستعداد للأمرين بمقتضى الفطرة التي فطر الناس عليها وكانوا فيها على سواء.
ولا شك أن العاقبة للخير، لأن الله هو الذي أمر به، فإذا كان الناس فيهم الفجار والأبرار، وأن في نفس كل امرئ استعدادًا للفجور والتقوى، فالله سبحانه قد دعا إلى الخير، وحث عليه، وهو غالب على أمره، وهو لابد ناصر للخير، هازم للشر، والعاقبة للمتقين، ولكن النصر يكون على مقتضى تدبير محكم، وصبر على البلاء، وعدم استنامة إلى الرخاء.
فلا ينتصر الخير على الشر إلا بشدائد ومكاره تنزل بالأخيار ويتغلبون عليها بعد مغالبتها، ومغالبة الأشرار معها، ولذلك أردف الله سبحانه وتعالى الآية الدالة على اتفاق الناس واختلافهم، بالآيات الدالة على الشدائد النازلة بالأخيار وأتباع النبيين، فقال سبحانه:
(أَمْ حسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ). . إلخ.
في هذه الآيات إذن يبين الله سبحانه وتعالى ما ينزل بالأخيار في سبيل الاستمساك بالحق والدفاع عنه، وكيف يغالبون المحن التي تنزل بهم، والأعداء الذين يحيطون بدولتهم، ولقد وصف سبحانه وتعالى أولا البلاء في الداخل والخارج، ثم وصف علاجه في الداخل بالبر والإنفاق ثم وصف علاجه في الخارج، بالمقاومة وحمل السيف عند الاضطرار.
(أَمْ حَسِبْتمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلكُم مَّسَّتْهمُ الْبَأسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا) في هذه الجملة السامية بين الله سبحانه وتعالى أن طريق الجنة محفوف بالشدائد، كما قال صلى الله عليه وسلم:" حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات "(1) وأن نعيم الجنة مرتقى عظيم، لَا يرتفع إليه إلا الجاهدون؛ وأنه كلما عظمت الشدة وطالت المدة كان الخير أعظم، ومعه رضوان الله وهو أكبر، وأن البلاء منوع مختلف؛ فهو بالبأساء وهي الشدائد والمكاره التي تكون من خارج الجسم، كحرب ضروس، أو خطر داهم، والبلاء قد يكون بالضراء، وهي الآلام والشدائد التي تحل بالجسم، كجراح شديدة، أو أمراض ممضة، أو آلام نفسية مزعجة وإن هذه الآلام قد تزعجهم وتشتد عليهم، وتصير كالزلازل تهز نفوسهم هزا عنيفا؛ كما يهز الزلزال
(1) رواه مسلم: صفة الجنة (5049)، والترمذي (2482)، وأحمد في مسنده (12101)، والدارمي في الرقاق (2720) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
أديم الأرض؛ وإذا كان زلزال الأرض يهزها حتى يلقى ما عليها من قصور مشيدة، فزلزال المؤمنين لَا يقلب نفوسهم، ولا ينكسر ما في صدورهم؛ بل يصقلها وينفض عنها ما عساه يعلق بها من درن.
ولقد فسر العلماء البأساء - بالشدة من خارج الجسم، والضراء بما يكون داخله كما نوهنا - وهي واضحة في الآحاد؛ وقد تكون البأساء والضراء بالنسبة للمجموع؛ فالبأساء التي تنال المجموع هي مهاجمة الأعداء، واعتداؤهم وتوالي إيذائهم؛ وعدم تركهم أهل الحق في قرار واطمئنان؛ والضراء في المجموع هي ما يكون من فقر ومرض، وما يتخلل صفوف المؤمنين من منافقين يرجفون بينهم بالأقوال الكاذبة، ويخذلون، ضعاف الإيمان عند لقاء الأعداء، ثم ما يكون من نقص في الأموال والأنفس والثمرات كما قال سبحانه:(وَلنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ والأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِرِ الصَّابِرِينَ).
و" أم " في قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ) قد اختلف العلماء بشأنها من ناحية التخريج اللفظى بمقتضى الأحوال التي تستعمل فيها " أم "، فقال بعضهم: إنها للاستفهام المجرد، وهذا هو ما قاله الزجاج، وجوزه الزمخشري؛ والمعنى على ذلك التخريج واضح، ويكون من قبل الاستفهام الإنكاري بمعنى إنكار النهي؛ أي لا تحسبوا أنكم تدخلون الجنة (وَلَمَّا يَأتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم) أي لم تأتكم حال كحال الذين مضوا من قبلكم إذ مستهم أي أصابتهم البأساء والضراء، والتعبير بمستهم للإشارة إلى أنها نالتهم بالأذى أحسوا به، والآلام نالت حسهم، ولكن لم تنل قلوبهم.
وقال بعضهم: إن " أم " هي " أم المتصلة "؛ وكان في الكلام محذوفا دل عليه لازم قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً. . .)، وما قبلها، وكأن تقدير القول هكذا: أفرضيتم بالحق تنصرونه، وتدفعون بغي الباغين عليه متحملين الشدائد والمكاره، " أم " حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء. . . . وبهذا تكون (أم) متصلة دالة على المعادلة بين حالين،
والموازنة بين أمرين، وقد قال سيبويه في الكتاب أن " أم " المتصلة تكون دائمًا دالة على المعادلة والتسوية، وإن كان التعادل غير مذكور، كان مقدرًا في القول مطويا في ثناياه.
وقال بعضهم إن " أم " هي أم المنقطعة الدالة على الإضراب " وقد قال البصريون: إن أم المنقطعة تدل على الإضراب والاستفهام معًا، وكأن تقدير القول لقد نزلت بكم الشدائد من أذى شديد في مكة وأنتم مستضعفون، ومن حرب وبلاء وهزيمة أحيانا وأنتم بالمدينة، ونزعت العرب كلها عن قوس واحدة في غزوة الأحزاب، لتقتلع مدينة الله من أرضه، فعليكم أن تصبروا. . (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214).
و" لا " في هذا الكلام الكريم تدل على النفي مع توقع وقوع النفي كما قال الزمخشري، والمعنى: لم ينزل بكم مثل حال الذين خلوا من قبلكم وقد ينزل أو سينزل، فإن نزل فاصبروا واعلموا أن الله مع الصابرين.
والزلزلة: شدة التحريك، وهي تكون في الأشياء وفي الأشخاص، وفي الأحوال، فيقال زلزلت الأرض إذا تحركت واضطربت، وزلزلوا أي خوفوا. وقال الزجاج: أصل الزلزلة من زل الشيء عن مكانه، فإذا قلت زلزلته فمعناه كررت زلَلَه.
والمعنى في الجملة أن أهل الحق دائمًا مُعَنَّوْنَ بظلم الظالمين، وتضييق الأشرار عليهم، ودس الأشرار ونفاق المنافقين، ودعاة التردد والهزيمة، وهم لهذا في بأساء وضراء، وقد نزل ذلك بالذين خلوا من قبل، فحياة الأنبياء وحواريهم كانت كلها امتحانا واختبارا، وأن على أصحاب محمد أن يعلموا أنه نازل بهم ما نزل بالسابقين من بأساء وضراء، وشدائد تزلزل النفوس وتضطرب لها القلوب بين الجنوب، وأن ذلك طريق الجنة، ولقد قال صلى الله عليه وسلم:" أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ "(1).
(1) رواه أحمد في مسند بني هاشم (2860).
وإن تلك الشدائد كانت تبلغ أقصاها، حتى إذا وصلت القلوب إلى حال تقارب اليأس من الفرج، إذ تغمرها الشدائد غمرا، حتى تكون في شبه ظلماء لولا نور القلوب، جاء نصر الله؛ وهذا ما يدل عليه قوله تعالى:
(حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيب) أي أن الشدائد كانت تنزل بالماضين من أنصار الحق والدعاة إليه، ويطول زمنها، ويتطاول فيها أهل الباطل، حتى تصير النفوس في حال تريد النصر القريب.
وليس معنى ذلك أن الهلع يستولي عليهم، أو أن اليأس يملك قلوبهم؛ فإن المؤمن لَا ييئس من روح الله؛ إنما معناه أنهم تنزل الشديدة فيحتملونها ويألفونها ثم تنزل الأخرى التي تكون أشد قسوة فيروضون نفوسهم على احتمالها مستعذبين العذاب في سبيل الحق؛ وهكذا تترادف عليهم الشدائد، وتتوالى عليهم المحن حتى تصل إلى أقصى ما تحتمله النفوس الآدمية، وتبلغ حد الطاقة البشرية؛ عندئذ يطلب الرسول والذين آمنوا معه النصر. وقدم الرسول في هذا المقام للدلالة على أمرين: أولهما: أن الشدة قد بلغت منتهاها بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم سارع بطلب النصر من رب العالمين؛ والثاني: أن رأفة الرسول صلى الله عليه وسلم بأتباعه تجعله يسارع بطلب نصر الله، رحمة بهم، وإشفاقًا عليهم.
وعند بلوغ الشدة هذا الحد يكون ابتداء الفرج؛ ولذا قال سبحانه: (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) أى الله سبحانه وتعالى يبشرهم في هذه الحال بأن النفوس قد انتهى اختبارها، وبدا جوهرها، وأن النصر لَا محالة آت وهو قريب؛ فهذه الجملة الكريمة من كلام الله تعالى لهم. وقد قال بعض العلماء: إن هذه الجملة يصح أن تكون من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه؛ أي أنهم لفرط إيمانهم بحسن العقبى، ورجائهم في نصر ربهم، وإيمانهم بأن الحق منصور، يحسون في الحال التي يطلبون فيها النصر بأن النصر منهم قريب؛ فيقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد طلب النصر ويستمعون إليه مصدقين كأنهم القائلون:(أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) والتعبير على هذا الشكل يدل على توكيد الخبر بالنصر؛ من جملة وجوه؛ ففيه التعبير بالجملة الاسمية
فى مقام الفعلية فلم يمَل ستنصرون، والتعبير بالجملة الاسمية دليل على التوكيد؛ وفيه أداة الاستفتاح؛ وفيه " إن " الدالة على التوكيد؛ وفيه إضافة النصر إلى رب العالمين القادر على كل شيء (وَلَيَنصُرَن اللَّه مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
والرسول في الآية الكريمة للجنس، أي أن هذه الحال هي حال عامة تعرض لكل رسول من الرسل في قومه إذ يدعوهم إلى الحق؛ وإن قصص القرآن عن النبيين ينبئ عن ذلك، فموسى عليه السلام آذاه وأصحابه فرعونُ حتى قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبهم في جذوع النخل، وعيسى عليه السلام آذوه هو ومعه الحواريون؛ ومن قبل إبراهيم ولوط ونوح؛ وهكذا أهل الحق لَا يصلون إلى الغاية الفاضلة إلا بعد أن يقطعوا كل ما يلقيه في طريقهم أهل الباطل من أحجار تدعثره، وأشواك تعوق السالك فيه.
ولقد قال العلماء: إن هذه الآية نزلت بعد أن أصاب المسلمين القرح في أحُد، فكانت هذه الآية للتسلية لهم؛ ولكن الذي نزل في غزوة أحد هو قوله (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدوا منكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)، بدليل ما قبلها، وهو قوله تعالى:(إِن يَمْسسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. . .)، ولذلك يرجح أكثر العلماء الذين عنوا ببيان أسباب النزول أن هذه الآية نزلت عند غزوة الأحزاب، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من جهد ومشقة، وهم يحفرون الخندق، ثم أصابهم من تهديد في الأموال والأنفس عندما جاء أولئك الأحزاب مجتمعين؛ كما قال الله تعالى:(وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا).
ومهما يكن من سبب لنزول هذه الآية الكريمة فإنها تدل على أن أهل الحق في مغالبة دائمة، وأنهم لَا ينتقلون من شدة إلا إلى أعلى منها حتى يفوزوا؛ فإن الشيطان من يوم أن وسوس لآدم وحواء وأخرجهما من الجنة، وأبناؤهما في بلاء: تستغوي الشهوات جموعهم، فيندفعون فيها مجترعين من عسلها الوبئ، ثم يلغون
في الشر، ويكلبون على أهل الخير؛ فإذا تقدم دعاة الخير يدعونهم بعد أن يتبين الرشد من الغي ببعث النبيين مبشرين ومنذرين، عادوهم وناوءوهم وأصابوهم، واعتقدوا أن ما يدعون إليه فيه ذهاب طغيانهم، وقدع شهواتهم، والحد من أهوائهم، وحاولوا افتراسهم كالوحوش الأوابد عندما تحس بمن يمنعها من الافتراس، ويكبحها عن الأذى.
وإذا كان أهل الحق يصابون بالضراء وهي الأذى الذي يكون في داخل جماعتهم كما قررنا، والبأساء وهي الأذى الذي يأتي من خارجهم، فقد وجب عليهم أن يدَّرعوا، ويعملوا صابرين على دفع الأذى في الداخل والخارج؛ ودفع الأذى في الداخل بالتعاون والتكافل الاجتماعي، ودفع الأذى الخارجي بأخذ الأهبة للقتال، والتعاون أيضًا، فإن التكافل الاجتماعي هو العدة لدفع أذى الداخل والخارج معا.
ولقد أخذ يبين الله سبحانه أساس التكافل الاجتماعي، وهو معاونة الفقير والضعيف ودفع حاجته بالمال؛ ولذا قال تعالى:
(يَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) لقد سألوا عن نوع ما ينفقون، وقد تضافرت الآيات الحاثة على الإنفاق الداعية إليه، باعتبار أن التعاون الاجتماعي ركن من أركان الإسلام؛ فقد قرن سبحانه وتعالى الزكاة بالصلاة باعتبارهما صنوين لَا يفترقان، سألوا عن نوع ما ينفقون ومقداره بعد أن سمعوا الدعوة إليه، ولكن الله سبحانه وتعالى قال في الإجابة عن هذا السؤال:(قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) وظاهر القول أن الجواب ليس عن السؤال، لأنهم سألوا عن النوع، فأجيبوا عن المصرِف، وعلى حد تعبير علماء الاقتصاد: سألوا عن وعاء الفريضة فأجيبوا بموضع صرفها، فلماذا عدل الله سبحانه وتعالى عن الإجابة عن سؤالهم إلى هذه الإجابة؛ الجواب عن ذلك أن النوع والمقدار يبينه المصرف، فأجاب عن المصرف، ليعلموا أن المطلوب هو سد حاجة هؤلاء؛ والنوع الذي يسد حاجتهم مطلوب إنفاقه. فالإجابة ببيان
المصرف فيها أسلوب حكيم، وفيها إيجاز معجز، لأنه قد بين بها موضع الصرف، وإن لم يسألوا عنه، وبين فيها المقدار، لأن حاجة هؤلاء هي التي تعنيه، وفيها بين النوع، فإن كانوا محتاجين إلى ثياب يكسون، وإن كانوا محتاجين إلى طعام يطعمون، وإن كانوا محتاجين إلى مأوى يؤوَوْن. وفي هذه الإجابة فوف ذلك تصريح بحق هؤلاء على ذويهم وعلى المجتمع الذي يعيشون فيه، وهو أن يمكنوا من العيش طاعمين كاسين آوين مطمئنين، وأي مقدار ينفق في ذلك من حقهم على ذويهم وعلى الناس.
وإن ذلك الحق واجب على كل من عنده يسار بالنسبة لهم، واليسار يفهم من قوله تعالى (مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ) فكلمة خير تطلق بالنسبة للمال على الوفير منه، لا على القليل، ومن ذلك قوله تعالى:(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقرَبِينَ. . .)، فالخير هنا هو المال الوفير كالخير في تلك الآية الكريمة.
ذكر سبحانه أن موضع الإنفاق هم الوالدان، والأقربون، واليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل، ذكر هؤلاء بذلك الترتيب، وإذا كان العطف بالواو لا يفيد ترتيبًا من الناحية النحوية فمن المؤكد أن الترتيب في الذكر يفيد معنى الأولوية من الناحية البلاغية، فالترتيب في الذكر إذن يشير بلا شك بأولوية البعض على البعض، فيسد حاجة الأبوين، ثم يسد حاجة الأقربين، ثم يسد حاجة المحتاجين من غير أسرته.
وقد روى في سبب النزول عن عطاء: أن هذه الآية نزلت في رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي دينارًا، فقال:" أنفقه على نفسك " قال: إن لي دينارين، قال:
" أنفقهما على أهلك " قال: إن لي ثلاثة، قال:" أنفقها على خادمك " قال: إن لي أربعة، قال:" أنفقها على والديك "، قال: إن لي خمسة قال: " أنفقها على قرابتك "
قال: إن لي ستة، قال:" أنفقها في سبيل الله تعالى "(1). وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تصدقوا "، فقال رجل: عندي دينار. قال: " تصدق به على نفسك " قال: عندي دينار آخر، قال:" تصدق به على زوجك " قال: عندي دينار آخر، قال:" تصدق به على ولدك "، قال: عندي دينار آخر، قال:" تصدق به على خادمك " قال: عندي دينار آخر، قال:" أنت أبصر "(2).
فهذه الآثار تبين أن الترتيب في الذكر هنا يفيد الأولوية في العطاء إن ضاق الخير عن أن يشمل الأنواع كلها، وقد ذكر سبحانه الوالدين والأقربين من غير ذكر ما يدل على الحاجة، وذكر بقية الأصناف مع ذكر بقية الأوصاف الدالة على الحاجة؛ لأن الوالدين والأقربين يجب رعايتهم والإحسان إليهم، وإن لم تكن فيهم حاجة شديدة؛ فإن كانوا في حاجة شديدة فالإنفاق ألزم. ولقد قال صلى الله عليه وسلم:" أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك "(3)، ولقد قال صلى الله عليه وسلم:" من أراد منكم أن يبارَك له في رزقه، وينسَأ له في أجله فليْصِلْ رحمه "(4). والبر بذي الرحم مطلوب في القطيعة أشد منه عند المودة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح "(5)
(1) ذكر ذلك عن عطاء الرازي في تفسيره: البقرة (215) وجاءت الرواية في البحر المحيط، وفي آخرها:" أنفقهما في سبيل الله، وهو أحسنها "، وذُكرت في ضعفاء الكامل عن جابر قال: قال رجل: يا رسول الله عندي دينار. قال: أنفقه على نفسك ". قال: عندي آخر. قال: " أنفقه على زوجتك ". قال: عندي آخر. قال: " أنفقه على ولدك أو خادمك " - شك الوليد - قال: عندي آخر. قال: " اجعله في سبيل الله وهو أحسنها موضعا ". وروي عن جابر أيضا: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جالس عنده فقال: يا رسول الله عندي دينار، فقال: " أنفقه على نفسك ". قال: يا رسول الله عندي آخر. فقال: " أنفقه على زوجتك ". قال: يا رسول الله عندي الثالث. قال: " أنفقه على خادمك إن كانت لك ". قال: يا رسول الله عندي الرابع والذي أكرمك ما عندي غيره، قال: " فاجعله في سبيل الله عز وجل وهو أدناها أجرا ".
(2)
رواه النسائي في الزكاة (2488)، وأبو داود (1441)، وأحمد (7112) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
رواه النسائي: كتاب الزكاة (3485) عن طارق المحاربي، وأبو داود: بر الوالدين (4474) عن كُلَيْب بْنِ مَنْفَعَةَ، وأحمد عن أبي رمثة رفاعة بن يثربي (6808).
(4)
سبق تخريجه.
(5)
رواه أحمد: مسند المكيين (4781 1)، والدارمي: الزكاة (1617) عن حكيم بن حزام رضي الله عنه.
والكاشح: الذي يطوي العداوة في باطنه ولا يظهرها.
وقال صلى الله عليه وسلم " ليس الواصل بالمكافئ، وإنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة "(1).
أما بقية الأصناف فإن العطاء فيها أساسه الحاجة، فاليتامى يعطون لاحتياجهم إن تركهم آباؤهم من غير مال. والمسكين: هو الفقير الذي أسكنته الحاجة، أو أسكنه المرض أو السن وجعله في عوز. وابن السبيل: المسافر الذي لَا مأوى له، وقد انقطع عن ماله إن كان له مالي، وأولئك يعطون ما يسد حاجتهم، وينقع غلتهم.
(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم) ذيَّل الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بهذه الجملة السامية لبيان فضل عمل الخير، والحث عليه؛ لأنها تدل على فضل ذلك العمل وتدفع إلى الرغبة فيه، إذ إن الله سبحانه وتعالى يعلمه؛ وإحساس المؤمن التقي بأن الله يرى عمله في الخير حين يعمله، وأنه يبصره وهو يقدم عليه، يشجعه على الاستمرار عليه، لأنه إذا كانت رؤية أي عظيم من الناس لعمل خير يعمله الإنسان يحمله على الاستمرار، فكيف إذا شعر المؤمن الذي يحس بعظمة خالق الكون بما فيه ومن فيه؛ ثم إنه فوق ذلك ينال جزاءين مع ذلك؛ أولهما: رضاه: وهو وحده جزاء ليس فوقه جزاء؛ ولذلك قال سبحانه بعد بيان ثوابه في الآخرة: (وَرِضْوَانٌ منَ اللَّهِ أَكْبَرُ. . .). وثانيهمات النعيم المقيم يوم القيامة جزاء وفاقا لما قاموا من عمل صالح علمه رب العالمين وقت وقوعه، وحين أدائه.
(1) رواه البخاري: الأدب (5532)، والترمذي: البر والصلة (1831)، وأبو داود في الزكاة (1446)، وأحمد في مسنده (1446).
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لكُمْ) بين سبحانه الطريق لدفع الضراء، والآلام الداخلية، وهو التعاون، ثم بين بعد ذلك ما يدفع البأساء، وهي الشدائد التي تدهم الجماعة من الخارج، وهو أخذ الأهبة والاستعداد للقتال، فقال تعالى:(كتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كرْهٌ) وقد قرئ بضم الكاف وفتحها، والضم أكثر، وهو بمعنى الكراهة؛ أي القتالى لشدة ويلاته وما فيه من إزهاق الأرواح كأنه الكراهة نفسها ويصح أن يكون كره بمعنى المكروه أي خبز بمعنى المخبوز، أي هو أمر مكروه في
ذاته وعلى قراءة الفتح يكون فيه معنى الإكراه، فيكون المعنى عليه: كتب عليكم القتال، وهو أمر أنتم تلجئون إليه إلجاء، وتضطرون إليه اضطرارا؛ إذ إن الكَره ضد الطوع؛ فكأنكم لَا تدخلون الحرب طائعين، بل تدخلونها مكرهين كارهين، مضطرين غير مختارين، ألجأكم إليها الاعتداء عليكم، وانتهاك الحرمات والفتنة في الدين، فأنتم مضطرون مكرهون على القتال؛ لإزالة الفتنة وصونا للحرمات، وذودا عن الدين، تقاتلون حتى يكون الدين كله لله.
والأمر على قراءة الفتح واضح؛ لأن القتال في الإسلام أمر غير مرغوب فيه لذاته، إنما اضطر إليه المسلمون اضطرارا، كما قال تعالى:(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ).
وأما على القراءة المشهورة، وهي قراءة ضم الكاف، فكيف كان القتال مكروها، مع أن الصحابة كان الموت في سبيل الله أحب إليهم، وكانوا يرون الشهادة في سبيل الحق غنما وليست غرما؛.
لقد قال المفسرون: إن القتال مهما يكن أمره فيه ويلات وشدائد تتلوها شدائد، ومشقات تتلوها مشقات؛ فلا يمكن أن يكون محبوبا مع ما فيه من صعاب، ومج ما يكتنفه من شدائد، فهو كان مكروها لشدائده، والعافية أحب.
ولكن ذلك لَا يتفق مع ما عرف عن العرب عامة من أنهم أهل بأس وقوة، وعزيمة ونجدة، ولا ما عرف عن أصحاب محمد خاصة من أنهم كانوا يتنافسون على أماكن الردى، يلقون بأنفسهم في مواطن الموت، لَا يهمهم إلا أن يغنموا النصر أو يغنموا الشهادة، ففي كليهما فضل عظيم.
ولذا لابد أن نبحث عن سبب آخر للكراهة؛ وذلك السبب هو الذي يتفق مع الهدى المحمدي، والمنزع الإسلامي، ذلك أن الإسلام أودع قلوب المؤمنين رأفة ورحمة، وإلفا وائتلافا، وسلاما واطمئنانا، وبرا بالرحم، وحنانا على الأقربين؛ وتلك المبادئ لَا تلتقي في قلب مع الحب في إزهاق الروح، وقتل النفوس، وإلقاء الحتوف في ميادين القتال، فليس من خلق المؤمن المحب للسلام، أن يكون محبا
للقتال، ولعله كان من الصحابة من يؤثرون مطاولة المشركين، رجاء إيمانهم، ورغبة في هدايتهم، مساوقا بذلك الهدى الإسلامي، ولكن الله سبحانه وتعالى كتب القتال مع هذه الكراهة، لأنه الأهدى سبيلا بعد أن قامت الحجة، ووضحت المحجة، واستطالوا على المؤمنين بالأذى، وأخرجوهم من ديارهم، وألبوا العرب عليهم، وجمعوا الجموع.
(وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكُمْ) أي عسى أن تكرهوا القتال رحمة بمخالفيكم ورجاء هدايتهم، ورجاء الخير منهم، وهم لا يريدون لكم إلا خبالا، ولو سكتم عنهم لكان أمرهم وأمركم وبالا، وفسدت أمورهم وأموركم، واضطربت حالهم وحالكم، فكانوا يغيرون عليكم، وأنتم ساكتون؛ ولو قاتلتموهم وأريتموهم الحق مؤيدًا بالسلاح يقمع رءوس المعاندين المعتدين الذين يفتنون الناس عن دينهم ويحاولون نشر الفساد، لكان ذلك خيرًا لكم ولهم. ووجه الخير لكم أنه رد الاعتداء، ووقف الأعداء، والذود عن الحياض؛ وأما وجه الخير لهم فهو أنهم عساهم يهتدون؛ فإن الناس أقسام ثلاثة في قبول الحق: نوع يقنعه الدليل ويهديه البرهان، ونوع تجديه الموعظة الحسنة، ونوع جائر بائر طاغ فاسد مفسد لَا تجدي فيه الموعظة ولا يقنعه الدليل، فقال الله فيه:(وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ. . .)، فبقتاله قد يسكت عن الشر واللجاجة فيه، ويتدبر الأمر من جديد، كما قال أبو سفيان في غزوة: لو كانت آلهتنا تنفع وتضر لنفعتنا! فكان ذلك هو السبيل لدخول الإيمان إلى قلبه، فآمن وصار من المهتدين وإن لم يكن من السابقين بالقبول والإحسان.
ثم عسى أن تحبوا الأمن والسلام وتؤثروا المحبة على الخصام، وأعداؤكم يتربصون بكم الدوائر، ويرتعون في الشر رتعا شديدًا، فلو تركتموهم وأمرهم لكان ذلك شرا لكم، ولكانوا هم قوما بورا، لَا يرشدون ولا يسترشدون؛ فمن الرحمة ما تحوي في نفسها أقسى الظلم، ومن الرفق ما يشجع أشد العنف؛ ولذا ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بقوله:(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فالله يعلم مغيب الأمور
ومكنون المستقبل وأنتم لَا تعلمون، والله يعلم ما تكنه الصدور وما تخفيه وأنتم لا تعلمون، والله يعلم ما تصلح به أمور الناس في الدنيا والآخرة وأنتم لَا تعلمون؛ وأنى يكون علم المخلوق كعلم الخالق، وعلم الناقص كعلم الكامل، وعلم القاصر كعلم اللطيف الخبير!.
وقبل أن ننهي الكلام في تفسير هذه الآية نقرر أمرين:
أحدهما: أن قوله تعالى (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ) هي قضية عامة في كل التكليفات الشرعية يجب أن نقر صاغرين بها، وأن نقبلها طائعين ما دامت قد ثبتت بدليل قطعي لَا شبهة فيه، وألا نمكن أهواءنا من التحكم في أمور ديننا، فعسى أن يكون ما نحب شرا، وما نكره خيرا؛ كما يجب ألا نتململ بأحكام الشارع بدعوى معارضتها للمصالح، أو لروح العصر، فقد يكون ذلك هوى لا مصلحة، وفسادا ومضرة. وليس صلاحا ومنفعة!.
ثانيهما: أن هذه الآية فيها فرضية القتال؛ وظاهرها أنها تفرض الجهاد على جميع الناس القادرين عليه، وقد قال بعض العلماء لهذا: إن الجهاد فرض عين على القادرين عليه؛ ولقد قال صلى الله عليه وسلم: " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية "(1) وقال بعض العلماء: إن الجهاد فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين؛ وقد قال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر. وقد أجمع العلماء على أنه إذا نزل العدو بساحة البلاد وجب القتال على كل المسلمين، كل بمقدار قدرته؛ وقد ابتلى الله أكثر البلاد الإسلامية بالعدو نزل بساحتها، فالجهاد حق على كل مسلم حتى لَا يكون فيها عدو متحكم، وتكون العزة لله ولرسوله، وللمؤمنين.
* * *
(1) رواه مسلم: الإمارة (3533)، والترمذي: فضانل الجهاد (1589)، والنسائي: الجهاد (3046) وأبو داود (2141) وأحمد في مسنده (8510).
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)
* * *
شرع الله القتال دفعا للأذى، ومنعا للفتنة، ونصرا للحق وخفضا للباطل، ولقد بين سبحانه أن المؤمنين الذين أرهف وجدانهم ومازج حب البشرية قلوبهم، كرهوه، فقال سبحانه:(كتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهوَ كُرْهٌ لكُمْ) كرهه المؤمنون المخلصون، وتمنوا لو أن قومهم آمنوا طائعين أو كفوا عن أذاهم حتى لَا تزهق أرواح، ولا تخضب الأرض بالدماء، ولكن الله سبحانه بين لهم أنه لَا سبيل لرفع الحق إلا بعزة أهله، ولا عز له بين المشركين إلا بنور الحق، وبريق السيف، وإن ذلك في مصلحتهم، كما فيه إعلان الحق لهم، ومنع الأذى عن المؤمنين، وزوال الفتنة في الدين، حتى يصير الدين كله لله، يطلبه من يريده حرا، ويريده من يريده مخلصا، لَا لوم ولا تثريب، ولا فتنة ولا تعذيب.
والمؤمنون الذين كرهوا القتال في ذاته كرهوه أيضا لملابساته، ففد يكون في زمان له حرمة وتقديس، أو في مكان مقدس قد حرم فيه القتال جاهلية وإسلاما،
فتتضاعف الكراهة؛ إذ تجتمع الكراهة الذاتية، والكراهة الإضافية لزمان القتال أو مكانه؛ فبين الله سبحانه ما يطمئن قلوب المؤمنين، وإن من يرد الاعتداء بر لا فاجر، ولو اضطر إلى القتال في الشهر الحرام أو البيت الحرام ولذا قال سبحانه:
(يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ).
الشهر الحرام - قد بيناه في تفسير قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص. . .). وإنه مفرد أريد به الجمع وإن الأشهر الحرم أربعة، هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وبينا البلاغة التي أدركناها في التعبير بالمفرد في معنى الجمع.
وقوله تعالى: (قِتَال فِيهِ) بدل اشتمال من الشهر الحرام، قد وقعت كلمة قتال في موضع الجر على البدلية، والمعنى: أن السؤال عن القتال في الشهر الحرام، لا عن ذات الشهر، وإنما ابتدأ بذكر الشهر لأنه موضع القداسة في نفوسهم، ولأنه أساس التحريم، فالقتال في ذاته لم يعد موضع تفكير، بعد أن اطمأنت قلوبهم إلى أمر ربهم، وأنه سبيل الدفاع عن نفوسهم، إنما موضع السؤال هو القتال في تلك الأزمنة، فابتدئ بذكرها، لأنها الباعث على السؤال: وهو الذي سارع إلى الخاطر، فكان الابتداء به مجاوبة للمسارعة الفكرية بالسبق البياني.
ومن هم الذين سألوا؟ أهم المشركون، فيكون السؤال تشنيعا، أم هم المؤمنون فيكون السؤال تحرجا وتأثما من الوقوع، أو ندما أن فرط ذلك منهم؛ إن ذلك أمر لا يعرف إلا من صحيح الآثار.
لقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والبيهقي في سننه بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعثا على رأسه عبد الله بن جحش ليتبع عيرا لقريش قبل غزوة بدر، وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا، وقال له:" لا تكرهن أحدا على السير معك "، فلما قرأ الكتاب قال: سمعا وطاعة، وخير أصحابه، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع منهم اثنان وتبع العير فغنم غنائم وأسر أسيرين، وكان ذلك في أول ليلة من رجب حسبوها آخر ليلة من جمادى، وقيل في
آخر ليلة من رجب، ولم يستأنوا إلى أول شعبان حتى لَا تفلت طلبتهم، ولما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد علم أنهم قاتلوا في الشهر الحرام، توقف وقال:" ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام "(1).
ويروى أن المشركين قالوا: قد استحل محمد الشهر الحرام، فسفك فيه الدماء، وقالوا لمن عندهم من المسلمين المستضعفين: يا معشر الصبأة استحللتم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه.
وهذا الخبر يفيد فائدتين: أولاهما - أن تلك السرية قاتلت في الشهر الحرام جاهلة بدخوله، أو مضطرة، وكلتا الحالين تحمل العذر أو المسوغ.
الثانية - إن قريشا عيرت المسلمين بذلك وأن النبي صلى الله عليه وسلم توقف عن التصرف حتى ينزل قرآن فنزل، وعلى ذلك يصح أن يكون السؤال من المشركين، وهو أوضح.
ومهما يكن فإن القتال في الأشهر الحرم حرام في حال الاختيار والابتداء فلا يصح البدء بالغزو فيه. ولقد قال جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لَا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ (2).
ولقد قال بعض العلماء: إن تحريم القتال في الشهر الحرام منسوخ بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَةً. . .)، وبقتال النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فيه، ولكن قال عطاء: إنه لم ينسخ.
والحقيقة إنه لم يثبت ناسخ صريح في النسخ فإن قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةً) العموم فيه بالنسبة للمقاتلين لَا بالنسبة لزمان القتال، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبتدئ قتالا في الشهر الحرام مختارا قط، والتحريم في الاختيار والابتداء كما بينا لَا في البقاء والاضطرار؛ ولذا قال سبحانه:(فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ. . .)
(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى، ج 13 ص 210 عن جندب بن عبد الله (18109)، وعن عروة بن الزبير ج 13 ص 316) 18362). وانظر البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 45.
(2)
سبق تخريجه.
ولأن الأشهر الحرام نص عليها في خطبة الوداع، وكل ما جاء فيها غير منسوخ. وقد بينا حكمة تحريم القتال في الأشهر الحرم عند تفسير قوله تعالى:(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ. . .).
(قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) عير المشركون المؤمنين بأنهم قتلوا أو قاتلوا في الأشهر الحرم مع أنهم كانوا معذورين، لجهلهم باليقات، أو لدفع الضرر عن أنفسهم بمبادرة عدوهم قبل أن يقتلهم، وما سوغ أحد ترك الدفاع عن النفس إن هاجمه العدو، فرد الله سبحانه قولهم بقوله تعالى:(قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) فهو رد بالموافقة، أي أن القتال في الشهر الحرام أمر كبير على النفوس تستثقله القلوب المؤمنة فكيف إذا كان هو أمرا مكروها في الجاهلية والإسلام، لأن الشهر الحرام مقدس في الإسلام، أو يقال إن المعنى القتال فيه ذنب كبير، وعمل خطير، لأن فيه اعتداء على الشهر الحرام المقدس.
وهذا التسليم ليس لأن المؤمنين جديرون بأن يعيروا، لأنهم معذورون بل إن التسليم ليأخذ الكفار من نواصيهم إلى الحق، ويبين لهم مقدار ضلالهم وفسادهم، فإذا كان كبيرا وخطيرا وذنبا وإثما قتال في الشهر الحرام لأنه اعتداء عليه هو، فكيف يكون الصد عن سبيل الله، والكفر بالله، والكفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، وكيف تكون الفتنة في دين الله، وحمل الناس على الخروج منه؛ إن ذلك يكون بلا شك أعظم وأخطر لأنه اعتداء على الله وعلى بيت الله، وعلى الأنفس، وعلى الأهل والعشيرة، ولذا قال سبحانه:(وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكبَرُ). أي أن هذه الأمور مجتمعة ومنفردة أكبر من القتال في الشهر الحرام، ومع ذلك ارتكبوها وأخذوا على الناس القتال الشريف اضطرارا في هذا الزمان.
والكلام مستقيم تمام الاستقامة على أن السؤال كان من المشركين، والإجابة له مفحمة ملزمة موجهة باعثة على الخير. وإذا كان السؤال من المؤمنين كالسؤال في
قوله تعالى: (يَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ. . .)، وكالسؤال فيما يأتي:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ. . .)، إذا كان السؤال من المؤمنين إعلانا لندمهم على صنيعهم، فقوله تعالى:(قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) فيه بيان معذرتهم، وأنهم مضطرون لَا مختارون وإن الذين قاتلوهم ارتكبوا معهم الشر بكل صنوفه، فإن أخطأتم غير قاصدين فأولئك ارتكبوا أصناف الشر قاصدين، وهم لَا يرقبون فيكم إِلًّا وَلَا ذِمَّةً.
والأصناف التي ذكرها الله سبحانه من اعتدائهم خمسة: هي الصد عن سبيل الله، والكفر بالله، والكفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، والفتنة في دين الله.
أما الصد عن سبيل الله فمعناه المنع من سبيل الله، أي السن المستقيم الذي سنه الله سبحانه وتعالى لخلقه ليسيروا على الفضيلة متآخين متحابين وابتدأ الله ببيان صدهم عن سبيله للإشارة إلى أنهم يعاندون الحق في ذاته ويمنعون أن تقام العلاقات بين الناس على أسس من الفضيلة.
والفعل صد: يستعمل لازما ومتعديا، فيقال: صد عن هذا الأمر أو عن فلان صدودا إذا أعرض غنه وانصرف، ويقال: صده عن هذا الأمر صدا أي منعه وصرفه.
والكفر بالله يشمل الشرك، ويشمل كفر النعم التي غمرهم الله بها وأسبغها عليهم، سواء أكانت مادية ببسط الرزق، أم كانت معنوية بآياته البينات، وبعث الرسالة فيهم تهديهم وترشدهم، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم منهم (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ. . .).
والكفر بالمسجد الحرام عدم شكر الله على نعمته إذ جعلهم في حرم آمن والناس يتخطفون من حولهم: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّف النَّاس مِن حَوْلِهِمْ. . .)، ومن الكفر أنه بيت الله ومع ذلك يقيمون عليه الأصنام وهي الأحجار التي يشركونها بالله في العبادة، ومن الكفر به أن يمنعوا الناس من القيام بحقه في الزيارة والطواف في الحج والاعتمار، ومن الكفر أن يؤذوا الناس حوله ويقتلوهم ويفتنوهم عن دينهم في بطحاء مكة، وهكذا لم يقيموا للبيت
أي حرمة ويتمسحون بالشهر الحرام والقتال فيه، فيعيبون ناسا اضطروا إلى القتال غير قاصدين، وقد ارتكبوا هم معهم المنكر والزور.
وإخراج أهل المسجد منه، فإن إخراج الآمنين من مستقرهم جريمة كبيرة، وإخراج الساكنين حول البيت أكبر جرما وأعظم إثما، لأنه اعتداء عليهم، واعتداء على البيت واعتداء على الأمن الذي بقي لهم من شريعة إبراهيم عليه السلام، إذ قال:(رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ)، فهم تعدد اعتداؤهم عليه: فأزالوا الأمن الذي أوجبه الله، ووضعوا حوله الأصنام، وأخرجوا أهله منه.
هذه الأمور الأربعة كلها جرائم متتالية، وكل واحدة منها جريمة بذاتها، ولكنها في مجموعها تساوي جريمة واحدة قائمة بذاتها وهي الفتنة في دين الله، ولذلك خصها الله سبحانه وتعالى بالذكر كأنها وحدها تساوي الكل أو تزيد وهي مبعث أكثرها، فقال سبحانه:(وَالْفِتْنَة أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ).
فالفتنة في دين الله، بإنزال الشدائد بالمؤمنين ليحملوهم على ترك دينهم وتضليلهم وصرفهم عن الحق الذي اختاروه بالمحن والشدائد، وتوهين نفوس الضعفاء ليرتدوا عن دينهم.
وأصل اشتقاق كلمة الفتنة من الفَتْن، وهو إدخال الذهب النار لتظهر جودته من ردائته، واستعمل في إدخال الإنسان النار، قال تعالى:(يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ. . .)، أي عذابكم، وتستعمل الفتنة في الاختبار ومن ذلك قوله تعالى:(وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا. . .)، وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا، وقد جاء فيهما قوله تعالى:(وَنَبْلُوكُم بِالشَّر وَالْخَيْرِ فتْنَةً. . .). وقال في الشدة: (إِنَّمَا نَحْنُ فتْنَة. . .)، (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ. . .)، (1).
(1) جاء في الهامش: مفردات القرآن للراغب الأصفهاني - فتن.
والفتنة التي أنزلها المشركون بالمؤمنين، وهم مستضعفون بمكة كانت أكبر من القتل؛ لأنها أذى شديد يلحق الروح، وأذى الروح وبخعها بحملها على الكفر بعد الهداية لَا يقل عن القتل، فهذا موت مادي، وذلك موت أكبر وأعظم، ولقد قال تعالى (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ منهَا)، فالضلال كالموت، بل هو أشد الموت، والهداية حياة أي حياة.
والفتنة فوق ذلك محاربة الفضيلة، ومحاربة قيام الجماعة على أسس من الخير فهي تؤدي إلى موت الجماعة، لأن حياة الأم بروابط الفضيلة بين أحدها وكيف يكون قتل واحد أو اثنين أو عشرة مساويا لقتل أمة، وذهاب وحدتها وتحكم الأشرار وسيادة الظلم وانتشار الفوضى؟! وإن الحرية الدينية هي معنى الإنسانية، فقتلها بالفتنة قتل لأقدس معاني الإنسانية.
ولقد كان أولئك المشركون يفتنون المسلمين الأولين عن دينهم بصنوف الأذى، والابتلاء لم يسلم من أذاهم ضعيف أو ذو عصبة، فذوو العصبة كانوا يستهزئون بهم ويثيرون السخرية حولهم، وقد تمتد أيديهم بالأذى إليهم، وقد كانوا يقاطعونهم ويمتنعون عن معاملتهم كما فعلوا ببني هاشم عندما ناصروا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلموه إليهم ليقتلوه.
وكان أشد الأذى بالضعفاء وخصوصا الموالي، وقد حفظ التاريخ بلاء شديدا لكثيرين من المؤمنين أمثال عمار بن ياسر وأبيه وأمه، وقد مات الأب والأم في العذاب الأليم، وبقي الابن وقد خرج من المحنة مصقول النفس قوي الجنان ثابت الإيمان، وكذلك نزل بخباب بن الأرت وبلال وغيرهم.
وإن أولئك الذين فتنوا المؤمنين الأولين وهم مستضعفون، ولا يزالون على نيتهم، وقد صار الإسلام في عزة، ولذا قال سبحانه:(وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) فهؤلاء المشركون أعداؤكم لَا تأخذكم بهم هوادة، ولا تجعلوا لهم عندكم إرادة، لأنهم أعداء دينكم، فتنوكم فيه في الماضي،
وأخرجوكم من دياركم، وما زالوا على هذه النية في الحاضر، لَا يودون لكم إلا خبالا، وهم دائما في قتال معكم، فالتعيير بالفعل الدال على الاستمرار مع التعبير بالمضارع يدل على الدوام والبقاء، فهم مستمرون على القتال معكم، وأنتم معهم في قتال دائم، فإن قاتلتموهم في الشهر الحرام، فأنتم لم تبتدئوهم، بل هم الطغاة المبتدئون، وإن تركتموهم لم يتركوكم، وإن تركتموهم زمنا فقد مكنتموهم من فرصة ينتهزونها، وسهلتم لهم رغبتهم التي يضعونها نصب أعينهم وهي أن يردوكم عن دينكم.
وقد بين الله سبحانه أيضا غايتهم من هذا القتال، وأمنيتهم التي يتمنونها، وهي أن يردوكم عن دينكم الذي ارتضيتم؛ لأنهم رأوا أن هذا الدين يهدم طغيانهم، ويأتي بنيانهم من قواعده، ولأنه دين الفضيلة وهم أعداؤها ودين المساواة وهم لا يحبونها، ودين العدل وهم لَا يرتضونه، ودين النور وهم يطمسونه.
ولكن الله سبحانه وتعالى لَا يمكنهم وهو ناصركم، (إِن يَنصُرْكمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْده. . .).
ولقد عقب الله سبحانه وتعالى الجملة الكريمة بقوله: (إِنِ اسْتَطَاعُوا).
والتعبير بـ " إنْ " يفيد الشك في قدرتهم، بل إن الزمخشري يقول إن قوله تعالى:(إِنِ اسْتَطَاعُوا) دالة على عدم قدرتهم على ذلك أو استبعاد ذلك، فهو كقول الرجل لعدوه، لَا تبق عليّ إن ظفرت بي وهو واثق أنه لن يظفر به، وكأنه قيل لهم وأنى لهم أن يستطيعوا ذلك، والله محيط بهم، ولهذا الدين رب يحميه، ولن يذل قوم الله ناصرهم!!
بيد أنهم إن عجزوا عن ذلك بالنسبة للجماعة فلن ترد تلك العصابة المطهرة عن دينها، قد يميل معهم من يكون في قلبه مرض، أو فيه ضعف، أو لم يكن قوي الإيمان بحيث يصبر على المحن، وتصقله التجارب، وتضيء قلبه الشدائد.
ولقد حذر الله سبحانه وتعالى أولئك الضعفاء، فقال تعالت كلماته:
(وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) بين الله سبحانه وتعالى في تلك العبارات السامية حال من يرتد، ويستمر على ردته إلى أن يموت، ولقد أشار في قوله تعالى:(مِنكُمْ) إلى أنه لَا يتصور أن تتحقق بغية المشركين، وهي أن يردوكم أجمعين، بل أقصى ما يصلون أن ينالوا ضعيف الإيمان، فيعيدوه إليهم ولا خير فيهم ولا فيه، والنار أولى بهم جميعا.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الردة عن الدين وحكمها، والردة أن يكفر بالله بعد إذ آمن، أو بالرسول بعد أن أذعن لما جاء به أو ينكر شيئا مما جاء بالكتاب من أخبار النبيين، أو الأعمال التكليفية، وبالجملة ينكر شيئا مما علم من الدين بالضرورة، ولقد عقب الله سبحانه وتعالى الردة بالموت كافرا غير مؤمن؛ ولذا عطف بالفاء، وكأن الردة يترتب عليها الموت كافرا، وذلك لأن الشخص إذا كان مضطربا غير مستقر، يؤمن ثم يكفر، ليس من شأنه أن يموت مستيقنا ثابتا قارا على حال، كما قال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا)، فالمضطرب العقيدة يغلب عليه ألا يموت مستقرا على حال، بل يموت كافرا، وإذا كان الشرع الإسلامي قد أوجب استتابة المرتد فلكيلا يكون ثمة عذر في قتله، ولقد منع الإمام مالك استتابة الزنادقة لكيلا يتخذوا التوبة الظاهرة ذريعة لدسهم الخبيث. وقد ذكر الله سبحانه جزاء المرتدين، فذكر عقوبتين: إحداهما: بطلان أعمالهم الصالحة في الدنيا، فلا يكونون أمام الناس مؤمنين، وفوق ذلك تفسد نفس المرتد، فيذهب عنه نور البصيرة الذي يستفيده بالإيمان، فإن العقيدة الصحيحة توجه الفكر والعمل توجيها صحيحا يكون إشراقا في العقل، واستقامة في الأفعال والأقوال، وفوق ذلك يفقد المرتد الثقة بنفسه وثقة الناس به، وأما بطلان أعماله في الآخرة فبعدم الجزاء عليها، وهو النعيم المقيم الذي خصص للمتقين.
وعبر عن بطلان أعمال المرتدين بقوله تعالى: (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، وأصل الحبْط من الحبط وهو أن تأكل الدابة أكلا حتى تنتفخ بطنها، فلا تنتفع بما أكلت ويفسد حالها، وكذلك الأعمال التي يحبطها الله يكون فسادها من صاحبها وتكون ضررا له وقد كان الأصل أن تكون خيرا.
العقوبة الثانية: ملازمة النار في الآخرة والخلود، ولذا قال سبحانه:(وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أن هذا التعبير فيه تأكيد نزول العذاب بهم من ثلاثة وجوه:
أولها - الإشارة إلى سببه، فإن الإشارة في قوله سبحانه:(أُوْلَئِكَ) إلى هؤلاء الذين يرتدون باضطراب قلوبهم وفساد خلقهم، وذكر السبب مع الحكم تأكيد له.
والثاني - أنه ذكر أنهم ملازمون للنار ملازمة الصاحب لصاحبه، وكأنهم مختصون بها وهي مختصة بهم.
والثالث - التعبير بالجملة الاسمية مع التأكيد بضمير الفصل، وإن ذلك التعبير السامي كثير الورود في كتاب الله تعالى في مقام العقاب ومقام الثواب، والتعبير عن العقاب والثواب بالنسبة للكافرين والمؤمنين بالخلود، يدل على الدوام السرمدي والبقاء الأبدي، لأن ذلك صريح، ولكن فهم بعض العلماء أن المراد طول المدة لا البقاء الدائم، وأولئك يحسبون أن عذاب النار غير دائم، وذلك لَا دليل عليه بل عبارات القرآن صريحة قاطعة، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لَا تقبل الشك في دلالتها. وإنها للجنة أبدا أو للنار أبدا.
وأن أولئك المشركين قد اعترضوا على القتال في الشهر الحرام مع أنهم المعتدون ولا يبغون إلا أن يرتد المؤمنون عن دينهم، وقد تألم المجاهدون لقتالهم في الشهر الحرام مع أنهم مدافعون، ولم يكونوا قاصدين القتال فيه وقد رد الله سبحانه كيد الضالين في نحورهم، وبين عقاب من يجيبون رغبتهم، وقد بين بعد ذلك حال المؤمنين ومنزلتهم من ربهم ليزول ندمهم، فقال سبحانه:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
هذه أوصاف ثلاثة لأولئك المقربين الصديقين:
أولها - أنهم آمنوا، والإيمان تصديق للحق، وإذعان لحكمه، وتنفيذ لأوامره، وإخلاص في القلب، ونور في البصيرة، وذلك وحده كاف للجزأء إن قام المؤمن به، وحقق لوازمه وخواصه، وصار شعاره ومظهره، وسريرته وحقيقته.
وثانيها - الهجرة، فقال تعالى:(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا) وكرر الوصول هنا للإشارة إلى أن الهجرة وحدها عمل زائد على الإيمان يستحق وحده الثواب لأنه ترك للمال والأهل، وطلب للعزة وإعزاز الدين، بدل البقاء في الذلة والرضا بحياة المستضعفين وقد أمر الله بالهجرة عند الاستضعاف، ونهى عن البقاء تحت نير غير المسلمين؛ ولذا قال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100).
وثالثها - الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو باب الجنة، وهو رهبانية هذه الأمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" رهبانية هذه الأمة في الجهاد في سبيل الله عز وجل "(1).
ولقد بين سبحانه جزاءهم فقال: (أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) أي إن أولئك المتصفين بهذه الصفات ليس من شأنهم أن يخافوا العذاب لخطأ غير مقصود في الجهاد، بل إنهم يرجون الرحمة والثواب، ومن رجا طلب، ومن خاف هرب،
(1) رواه أحمد (13306) في مسنده.
فلا تخافوا في الجهاد إلا الله، ومن أخطأ فله أجر، ثم ذيل سبحانه الجملة الكريمة بقوله:(وَاللَّه غَفُورٌ رحِيمٌ) لبيان أنه سبحانه يقبل التوبة عن عباده فيقبل إسلام الكافرين والإسلام يجب ما قبله، وكما قال تعالى:(قُل لِّلَّذِين كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ. . .)، ويقبل توبة العاصي ويدنيه، وإن غفران الذنوب تشجيع على الطاعات وهجر المنكرات، وعند اليأس تموت النفس ولا يقدع الهوى، وإن ذلك كله برحمة الله تعالى لعباده آحادا وجماعات، فمن مصلحة الآحاد أن يهجروا المعاصي ويكونوا عاملين في بناء الفضيلة، ومن مصلحة الجماعة تكثير العاملين على الخير وإقامة الحق والعدل، والله من ورائهم محيط.
* * *
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
* * *
أسئلة ثلاثة وإجابتها، وكلها يتصل بإصلاح المجتمع، وتقوية بنيانه، وكل واحد منها يتجه إلى ناحية إصلاحية، وكلها يتلاقى نحو مقصد واحد، وهو إقامة بناء المجتمع على دعائم من الفضيلة والمودة والتعاون على الخير، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وقد جاءت هذه المعاني الإصلاحية التي توثق الوحدة، وتقوى الروابط بعد الأمر بالجهاد مع بعض أحكام القتال؛ لأن القتال حماية للدولة من أن
يلتهمها العدو الخارجي، والإصلاح في هذه المسائل الثلاث يتناول حماية الأمة من أن تأكلها نيران العدو الداخلي، وهو التنابذ، وأن تنظر كل طائفة للأخرى نظر العدو المترصد، لَا نظر العضو المتعاون والأخ المتودد، ولأن الوحدة الداخلية والاتحاد المكين عدة القتال، وذخيرة الحرب، فقوة الحرب تستمد من السلم، ولأن مقصد الإسلام الأسمى هو إيجاد جماعة متآخية متحابة على أسس من الفضيلة والخلق الكريم ولكنه ما إن دعا بدعايته، حتى خرج عليه إخوان الشيطان يحاولون أن يبيدوه وأن يقضوا عليه في مهده، وفتن المسلمون في دينهم، وعذبوا في إيمانهم عذابا شديدا فأذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وساروا على سنة الوجود، وهو أن يدافعوا ذلك العدو المعتدي الذي يريد الفتك بهم، حتى إذا دفعوه وأمنوا شره، أو فلوا قوته، وخضدوا شوكته، اتجهوا إلى إقامة مدينتهم الفاضلة، وإرساء قواعدها وحققوا بهذا القصد الأول، ومكنوا لأنفسهم وأعدوا بالفضائل عدة أقوى لمنازلة الأعداء.
وقد ابتدأ القرآن الكريم في إصلاح المجتمع الإسلامي بهذه المسائل والإجابة عنها؛ لأنها هي التي تنفي الأذى وتدفع الخطر الاجتماعي، ومن المقرر عند علماء الإسلام أن التخلية مقدمة على التحلية، أي أن نفي الإثم مقدم على جلب النفع، وأن دفع المفسدة مقدم على جلب المنفعة، إذ إنه لَا منفعة مع أن الفساد يشيع، والداء يستشري، والأذى يستمكن، ومثل الجماعة في علاجها من أدوائها، كمثل الجسم الإنساني في علاجه من أمراضه، فإن الطبيب النطاسى (1) لَا يبادر بتقوية الجسم ويترك الجراثيم تفتك به بل يجتهد أولا وبالذات في محاربة هذه الجراثيم والقضاء عليها، ثم يقوى الجسم، وإن عمد إلى التقوية في أثناء العلاج فلتقوى المقاومة، ولتزداد الحصانة، ولتشتد المناعة وغرضه الأول محاربة الآفات، وكذلك الأمر في إصلاح الأمم: يبتدئ بإماطة الأذى الذي يفتك بها، ثم يثني بأعمال الإنشاء، التي تقيم البناء.
(1) نِطاسيّ: عالم بالأمور حاذق بالطب وغيره. [لسان العرب - نطس].
وإن هذه الأسئلة الثلاثة - هي: السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن مقدار ما ينفق والسؤال عن اليتامى وإصلاحهم.
أما السؤال الأول، فقد جاء فيه قوله تعالى:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) السؤال عن الخمر والميسر هو بلا شك عن الحل والتحريم لَا عن الحقيقة والذات، فإنهم يعرفونهما بلا شك، وكان الأغنياء وذوو المقدرة فيهم منغمسين فيهما، ولذلك كان الجواب مشيرا إلى عدم رضا الشارع عنهما أو مشيرا إلى تحريمهما، لأن ما غلبت مضرته على منفعته - كما هو حكم الإسلام - يكون حراما، ولا يكون حلالا، وقد صرح سبحانه وتعالى بذلك، فكان يحق على المؤمن النقي النفس، الذي خلص من أدران الهوى أن يكتفي بذلك ويجتنبهما، وكذلك فعل خواص المؤمنين، والعلية من أصحاب الرسول الأمين كأبي بكر وعمر وغيرهما من السابقين المقربين. ولقد كان عمر رضي الله عنه يحس بأن شرب الخمر لَا يسوغ في الإسلام، ولذا كان يدعو الله قائلا: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، خصوصا بعد أن نزلت الآيات التي تشير إلى التحريم، ولا تصرح به.
ولماذا كان السؤال عن الخمر والميسر، وممن كان السؤال؟ إن السؤال بلا ريب من المؤمنين، ولم يكن من غيرهم، لأنهم رأوا الخمر تذهب الرشد، وتضعف العقل، وتجعل المرء يقع فيما لَا يحسن، حتى أنه ليروى أن حمزة بن عبد المطلب شرب الخمر، فعقر ناقة لعلي بن أبي طالب قد أعدها ليحتطب عليها، ويجمع بذلك مهر فاطمة الزهراء، فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عمه، ولما خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم كان سكران، فقال للرسول الكريم: ما أنتم إلا عبيد أبي (1)! فما كان المؤمنون الأولون وقد أرهف الإيمان قلوبهم وزكت أرواحهم، وطهرت نفوسهم ليرضوا عن الخمر، وإن لم يصرح القرآن بالتحريم، ولذلك كثر سؤالهم عنها، ليكون القطع في أمرها.
(1) متفق عليه؛ رواه بنحو من ذلك البخاري: كتاب المساقاة - بيع الحطب والكلأ (2202)، ومسلم: الأشربة - تحريم الخمر (3660) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ولقد نزل في الخمر أربع آيات من القرآن الكريم
أولها: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67).
والثانية: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ).
والثالثة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتمْ سُكَارَى. . .).
والرابعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90).
ولقد اتفق العلماء على أن الآية الأولى أول ما نزل في القرآن خاصا بالخمر، مشيرا إليها، لأنها نزلت بمكة، إذ إنها من سورة النحل وهي مكية. وقد اتفقوا أيضا على أن آية المائدة وهي الرابعة آخر آية نزلت في الخمر، لأنها القاطعة في التحريم؛ ولذا قال عمر عندما سمع قوله تعالى في آية المائدة:(فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)،: انتهينا، وشفى ذلك ما في نفس الفاروق من الخمر. والأكثرون على أن قوله تعالى:(يَسْألُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ) سبقت في النزول آية: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى. . .)، ولكن يميل بعض المتأخرين (1) إلى أن آية (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) مقدمة على آية (يَسْألُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ) لأن هذه فيها إشارة إلى التحريم المطلق لأنه من المقررات الشرعية أنه إذا كان الضرر أكبر من النفع، فإن الحكم هو التحريم، وكذلك كل المحرمات ضررها أكبر من نفعها، ولا يكاد يوجد أمر يكون ضارا ضررا محضا، إذ إنه ما من ضار إلا فيه نفع، وما من شر إلا كان فيه بعض الخير، وما من نفع إلا تأشب به بعض الضرر، والعبرة في التحريم بالغالب فإن غلب النفع كانت الإباحة، وإن غلب الضرر كان التحريم، فإذا كانت آية (يَسْألُونَكَ عَن الْخَمْرِ) قد صرحت بعلة التحريم فقد أومأت إلى التحريم المطلق، أما آية (لا تَقْرَبَوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) فهي لم تصرح بالتحريم المطلق،
(1) قال الشيخ رحمه الله: ذكر ذلك الأستاذ الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا رضي الله عنهما.
بل أومأت إلى التحريم المؤقت أو العلل بكونه لأجل الصلاة، وإذا كان الترتيب في النزول لأجل التدرج في المنع، فالمنطق يوجب أن يكون ما فيه إشارة إلى التحريم المطلق مؤخرا عما فيه إشارة إلى التحريم المؤقت، والعلل بكونه لأجل الصلاة.
وقبل أن نترك الكلام في آيات الخمر عامة إلى الكلام في هذه الآية الخاصة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ) لابد أن نشير إلى معنى خاص بالآية الأولى وهو قوله تعالى (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ والأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا. . .)، فقد فهم بعض الناس أنها تبيح الخمر، ومن المقررات العلمية في الإسلام أن ما أباحه الله لَا يرد نص صريح بإباحته بل يكون متروكا لَا نص فيه بالإباحة ولا بالمنع، ولذا يقول علماء الأصول أنه لَا يكون مباحا، بل يكون في مرتبة العفو لأن ما فيه من أسباب التحريم قائم، ولكن لَا نص يمنع، فيكون محل عفو الله، إذ لا عقوبة من غير نص، فكيف تكون هذه الآية مشيرة بالإباحة؛ والجواب عن ذلك أن ذا الفهم المستقيم لَا يأخذ من الآية الأولى دلالة على الإباحة لَا بالإشارة ولا بالعبارة، بل إنها تدل على التحريم بالإشارة، وإن لم تكن قريبة كالإشارة في قوله تعالى:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) ووجه الإشارة إلى التحريم في تلك الآية أن الله سبحانه وتعالى يمن عليهم بنعمه وذكرها لهم، فذكر أنه سبحانه وتعالى رزقهم ثمرات النخيل والأعناب فاتخذوا منه سكرا، ورزقا حسنا، أي أنهم أخذوا منه نوعين متقابلين: أحدهما مسكر والآخر شراب حسن وطعام جيد سماه رزقا حسنا، فتسميته أحد النوعين بأنه رزق حسن معنى ذلك أن مقابله ليس رزقا حسنا، بل هو استعمال سيئ لما أنعم الله به، وفي ذلك بلا ريب إشارة إلى أنه مبغض غير مستحسن، ولا يقر من يتخذه كذلك على ما يفعل، فليس في هذه الآية إذن إشارة إلى الإباحة بل فيها إشارة إلى التحريم أو تصريح بعدم الاستحسان أو ما هو في حكم التصريح من حيث الدلالة اللغوية.
وبعد ذلك نتكلم عن حقيقة الخمر عند الفقهاء، ثم نتكلم عما فيها من إثم، وما فيها من نفع، ووجه الكبر في إثمها والقلة في نفعها، وقبل أن نخوض في كلام الفقهاء نذكر الاشتقاق اللغوي لكلمة الخمر:
أصل كلمة " خمر تستعمل بمعنى الستر، وبمعنى " الترك، وبمعنى الاختلاط فيقال خمر بمعنى ستر، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها، ومنه: خمروا آنيتكم أي غطوها، ويقال للشجر الملتف (خمرا) لأنه يستر بعضه بعضا ومنه قول القائل: دخل في غمار الناس وخمارهم، أي اختفى فيهم وستر بهم.
ومن استعمالها بمعنى الترك قولهم: اختمر العجين، أي ترك حتى بلغ إدراكه، وقولهم خمر الرأي واختمر أي تركت حتى تبين وجه الحق فيه ومن استعمالها بمعنى المخالطة أن يقول القائل: ما خامرني شك، أي خالطني شك. والخمر التي تسكر فيها المعاني الثلاثة، فهي تستر العقل، وهي لَا تكون كذلك مسكرة إلا إذا تركت مدة طالت أو قصرت حتى تتكون منها المادة المسكرة، وهي تجعل الشارب لها يختلط عقله، ويغلب صوابه، فلا يعرف الحق من الباطل، واللائق من غير اللائق، والضار من النافع.
وقد اختلف الفقهاء في مدلول كلمة خمر التي نص عليها القرآن بالتحريم مع أن كل مادة من شأنها الإسكار تكون حراما، إنما موضع الخلاف في الأمر الذي حرم بنص الآية أيشمل المسكرات كلها، فيدخل في عموم التحريم بالنص كل الأنبذة وكل المواد التي من شأنها أن تسكر، وإن لم يسكر المتناول فعلا سواء أكانت تلك المواد من عصير العنب أم كانت من غيره. . أم أن النص الوارد بالتحريم في الخمر هو فيما كان من عصير العنب، وغيره من المحرمات ثبت تحريمه بالقياس عليه لتحقق علة التحريم فيه، ولعموم النص في الحديث " كل مسكر حرام "؛ (1).
قال الجمهور الأول)، وهو أن كلمة خمر تشمل كل مسكر، وحجتهم في قولهم أصل الاشتقاق لأن كل مسكر يتلاقى مع أصل الاشتقاق في الكلمة، لأنه يستر العقل، ويجعل الشارب مختلط الفكر مضطرب النظر لَا يعرف الحق من الباطل، وقد تبين من قبل أصل الاشتقاق. وقد روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) متفق عليه؛ رواه البخاري: كتاب المغازي - بعث أبي معاذ إلى اليمن (3997)، ومسلم: الأشربة - بيان أن كل مسكر خمر وكل خمر حرام (3829).
قال: " كل مسكر خمر " فكان هذا تبيينا من النبي صلى الله عليه وسلم لمعنى كلمة خمر، والنبي صلى الله عليه وسلم هو المبين الأول للقرآن الكريم، فلا تفسير وراء تفسيره، ولقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:" إن من العنب خمرا وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا "(1) فلم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيره على عصير العنب، بل شمل أكثر المواد التي كان يتخذ العرب منها خمورهم.
ولقد فهم الصحابة، وهم من العرب الذين أوتوا علم هذه اللغة، تحريم كل مسكر عندما نزل قوله تعالى:(إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ من عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ. . .)؛ ولذلك أراقوا كل الأنبذة التي كانوا يتناولونها، وليس فيها شيء من عصير العنب. ولقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال:" حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمرا من الأعناب إلا قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر "(2).
هذا تفسير الجمهور لكلمة خمر الواردة في القرآن الكريم، ولقد خالف أبو حنيفة وأصحابه الجمهور في تفسير كلمة خمر التي ورد بها النص القرآني، فقالوا: إنها النيئ من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، وما عدا ذلك لَا يسمى خمرا، وإن كان مسكرا محرما. وترى أنهم لَا يعدون حتى كل عصير العنب من الخمر، فلا يدخل في كلمة الخمر المطبوخ من ماء العنب، إنما كلمة خمر مقصورة على النيئ منه غير المطبوخ، ويستدلون لقولهم هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بنشوان فقال:" أشربت خمرا؟ " فقال: ما شربتها منذ حرمها الله ورسوله. قال: " فماذا شربت "؟ قال: الخليطين. فحرم الرسول صلى الله عليه وسلم الخليطين " (3). فنَفى الشارب اسم الخمر عن
(1) رواه أبو داود: كتاب الأشربة (ا9 1 3)، وبنحوه الترمذي (5 79 1)، وابن ماجه (3370)، وأحمد (17627) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(2)
رواه البخاري: كتاب الأشربة (5152).
(3)
قال المصنف رحمه الله تعالى: راجع كتاب أحكام القرآن للجصاص. والخليطان من نبيذ الرطب والتمر، أو العنب والزبيب، أو الزبيب والتمر. وأنا لَا أرى في ذلك حجة؛ لأنَّ الرجل كان نشوان فيحاول التخلص، كما ادعى بعض الشاربين أن قوله تعالى:(ليس على الذين آنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا)[المائدة: 93] يدل على الحل، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليجادل نشوان ويصحح له اللغة، بل جاء من أقرب طريق وهو أن هذا حرام أيضا. انتهى كلامه رحمه الله.
الخليطين بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينكره عليه، ولو كان ذلك يسمى خمرا من جهة لغة أو شرع لما أقره صلى الله عليه وسلم.
وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع، - وقد سئل عن الأشربة:" حرام الخمر بعينها والمسكر من كل شراب ".
ومهما يكن من الاختلاف في تفسير كلمة خمر، فقد اتفق الفقهاء على أن كل مادة من شأنها الإسكار تكون حراما وتأخذ حكم الخمر تماما، وإنما موضع الخلاف هو في أن كل المسكرات داخلة في النهي بنص الآية أم داخلة بالقياس وبالحديث؛ قال الجمهور الأول، وقال الحنفية الثاني.
وإن الأحاديث الصحيحة تثبت أن علة تحريم الخمر إسكارها أو تخديرها على حد تعبير العلماء اليوم، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كل مسكر خمر وكل مسكر حرام "(1)، وإذا توافرت هذه العلة في شراب كان حراما قليله وكثيره؛ لأنه يكون حرام التناول في الكثير لذاته، وفي القليل لسد الذريعة، ولأنه إذا كان مسكرا فإنه لَا يكون عند الأكثرين طاهرا، ولأنه إذا كان مسكرا في ذاته فإن قليله مهما قل يكون مخدرا. وفى الحقيقة أن المسكر حرام، لَا لأنه مسكر فقط، بل لأنه يميت الضمير، أو يخفت صوت الوجدان الخلقي، ويضعف صوت النفس اللوامة، وإن ذلك يحدث في القليل والكثير، ويحدث لكل الناس، حتى أولئك الذين لَا تظهر عليهم أمارات السكر من اضطراب القول واختلاط مظاهر التفكير. وتعجبني كلمة في هذا قالها الفيلسوف تولستوي فقد قال في كتابه الآفات الاجتماعية:(إن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم حرم الخمر لأنها تميت الوجدان أو تضعفه). والخمر كذلك حقيقة، لأن الرجل يؤنبه ضميره على فعل، فلا يتناول الكأس حتى يزول تأنيب الضمير، والرجل يهم أن يقدم على الشر فيستيقظ وجدانه، ويقف حائلا بينه وبين فعله، فلا يلبث أن يتناول الكأس أو بعضه حتى تزول محاجزات الضمير، ويندفع في الشر اندفاعا لَا يقف في
(1) رواه مسلم: كتاب الأشربة (3734)، والترمذي (1784)، والنسائي (5491)، وأبو داود (3194)، وأحمد (4416).
سبيله واعظ من ضمير، أو زاجر من نفس لائمة، ويستوي في ذلك قليل الخمر وكثيره، كما يستوي في ذلك من لَا يسكر ومن يسكر من الشرب.
بعد هذا نشير في إلمامة موجزة إلى معنى قوله تعالى: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)(وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) ولنبتدئ الآن ببيان إثم الخمر ثم نعقب على ذلك ببيان إثم الميسر.
الإثم في أصل معناه: اسم لكل فعل معوق مبطئ لَا يوصل إلى الأغراض والنتائج، ثم أطلق في لغة القرآن على أفعال الشر، لأن الشر يعوق الإنسان عن الوصول إلى الغاية الإنسانية الكاملة، ويبطئ عن الوصول إلى الثواب في الآخرة.
وقد تطلق كلمة إثم في لغة القرآن الكريم ويراد منه العذاب والعقاب ومن ذلك قوله تعالى: (. . . وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا).
والمراد من الإثم في الآية الكريمة ما يقابل النفع وهو الضرر. وفي الحقيقة أن الخمر فيها ضرر لَا شك في ذلك، وضررها أكبر من نفعها بلا ريب، وحسبها ضررا أمران لَا شك في وجودهما، ولاريب في أنهما يترتبان عليها:
أولهما - إضعاف صوت الضمير، ولا شيء يضر في الاجتماع أكثر من صوت الضمير أو إضعافه، لأن الخلق الاجتماعي الذي يترتب عليه الإلف، والائتلاف بين الناس أساسه الحياء، والإحساس بسلطان الجماعة لائمة ومهذبة، وتبادل الشعور بينه وبين غيره، ثم النفس اللوامة، وإن الكأس تذهب بكل هذا: تذهب بالحياء والحياء خير كله، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، ويندفع الشخص في مخالفة الجماعة غير هياب ولا وجل، وكثيرا ما يكون القصد الأول من الشرب خرق حجاب الحياء، لينطلق بالقول والفعل بما لَا يليق.
وإن ذلك الأمر يعم كل شارب، سواء أكان ممن تقرب سكرتهم، أم كان ممن تبعد، وسواء أكان المقدار قليلا، أم كان كثيرا، فلا يكاد يكون شارب بعد شربه في حيائه الذي كان عليه من قبل، وفي قوة وجدانه وضميره التي كانت له قبل أن يتناول ذلك السم الخلقي الذي يفتك بالأخلاق والفضيلة، ولذلك سميت الخمر بحق
أم الخبائث؛ لأنها بعد تناولها تسهل كل خبيثة كانت مستعصية لَا تقبلها النفس ويعافها الشارب.
ثاني الأمرين اللذين يترتبان على الشرب بلا مراء: ذهاب الرشد، أو إضعاف الإدراك ووزن الأمور وزنا صحيا، وإنا والله لنعجب لأولئك الذين يرضون الضلال بدل الرشد، والغفلة بدل الصحو، وقد كان في الجاهلية رجال عافوا ذلك، ولم يرتضوه لأنفسهم، وقد قيل للعباس بن مرداس، وكان لَا يشرب:(ألا تشرب الخمر، فإنها تزيد في حرارتك؟) فقال: (ما أنا آخذ جهلي بيدي، فأدخله في جوفي، ولا أرضى بأن أصبح سيد القوم وأمسي سفيههم).
ولكن الفوضى الخلقية التي صار عليها الناس اليوم جعلتهم يغفلون عن هذه الحقائق المقررة الظاهرة، ولا يلتفتون إليها، بل لقد ذهب بعضهم إلى المغالاة فزعم أنها ضرورية للمدنية اليوم، فإن الآلام النفسية قد اشتدت، والمحن قد كثرت، ولا دواء لهذا الداء إلا الخمر، فهي اليوم دواء لَا داء، وإنها علاج المجتمع! ذلك قولهم بأفواههم، وذلك تفكيرهم في أهوائهم.
ونحن نقول: إنها تناسب مدنيتهم، وهي خاصة من خواصها، لأنها مدنية اتسمت بالرذيلة، وصارت شعارها، فكان من المناسب أن تكون الخمر دواءها؛ لأن الدواء يكون من جنس الداء، وأم الخبائث هي التي ترأم الخبائث، وتكنفها وتحوطها وترعاها، فلا عجب إذا رأينا التفكير المعكوس هو الذي يدافع عن الخمر، ولابد أن قائله قاله ورائحتها تنبعث من فيه!.
من ذا الذي يقول إن تفاقم الرذائل داع للانغمار فيها؛ إنه كلما تفاقم الشر وجب جمع العزائم لمحاربته، وإن المحن النفسية إذا اشتدت وجب تقوية الوجدان الخلقي، والضمير الخلقي، وتربية الناس على ضبط النفس والصبر الجميل، وإيقاظ النزوع الديني، والعزاء الروحي، أما إذا تألمت النفس وقوي الضمير، واشتد اللوم النفسي فأخذ المتألم الكاس ليخفي الألم وليضعف صوت الضمير، فإنه كالجندي يفر من مواطن الجهاد، وميدان العمل إلى أن يكون في موضع الهمل، فهل يرضى كريم
لإنسانيته بتلك المنزلة الهون فيميت آدميته ويقتل خلقه، ويذهب بمروءته ورشده، ويكون ملهى الصبيان، يتلعب بكرامته الغلمان، أو على الأقل يعمل على أن يفسد تقديره ووزنه للأمور، لأنَّ معرفتها على حقيقتها تؤلمه! وهل يذهب بأسباب المحن غفلته عنها وابتعاده عن الإحساس بها!! كلا إنه يتردى بالخمر من محنة إلى محنة فغفلته عن المحنة، بالخمر تدفعه إلى ثانية ثم إلى ثالثة، وهكذا تتوالى عليه المحن بها، حتى يضيع نفسه، وأهله، وأولاده، وأصحابه ولا يبقى معه إلا إخوان الشر، ودعاة الفساد!
هذه إشارة إلى مضار الخمر المعنوية والاجتماعية، أما مضارها الجسمية، فيكاد العلم الحديث يثبت أنه لَا شيء يدخل الجسم أضر عليه من الخمر، فهي تأكل الكبد وتضخمه، وتفسد الكلية، وتضعف أنسجة الجسم وتنهك الأعضاء الداخلية العاملة، وتفقد الشهية للطعام، وتفسد المعدة وتحدث تصلبا في الشرايين وتمددا فيها، وأحيانا يموت السكير فجأة لهذا الداء، والخمر تضعف الحنجرة، وشعب التنفس، وتكثر السعال.
وقد أثبت التحليل الطبي أن الجسم لَا يستفيد منها أية فائدة، فإنها وإن كانت فيها مواد غذائية، يذهب السم الذي صاحبها بفائدتها فهي في جملتها عقاقير سامة، وما يحدث من نشاط في الجسم ونشوة عند شربها سببه أنها مواد غريبة على المزاج الجسمي، فعناصر الجسم تقاومها وتدافعها وبهذه المقاومة والمدافعة يتولد الإحساس بالنشاط، وإذا كانت الخمر في أحيان قليلة تقي من بعض الأمراض التي لَا خطر منها، فالضرر الناشئ عنها أشد من الأضرار الناشئة عما تدفعه!.
وقد يقول قائل: إنها تتخذ دواء أحيانا، ولذلك يتساهل بعضهم في ذلك، ولكن وجدنا طبيبا إنجليزيا يصرح في قوة قائلا:(أنا لَا أعلم مرضا قط شُفي من الخمر)! ويقول آخر أسكتلندى: (الخمر لَا تشفي شيئا) ويقول ثالث: (إن الخمر تدخل الجسم وتخرج منه ولا أثر لها إلا ما تحدثه من أضرار)(1). وهكذا تتوارد
(1) قال المصنف رحمه الله: هذه النقول من كتاب جواهر القرآن للمرحوم الشيخ طنطاوى جوهري.
أقوال الأطباء في أنها لَا تصلح شفاء وإن كانت تقي في حالات قليلة من بعض أمراض لَا خطر فيها، وبهذا يصح الأثر عن السلف:" لا دواء في محرم "، ولقد روى مسلم أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إني أصنعها للدواء، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:" إنه ليس بدواء ولكنه داء "(1) فما أصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه المبلغ عن ربه، وكفى ذلك تصديقا.
وليست أضرار الخمر الجسمية والعقلية مقصورة على المتناول، بل إنها تنتقل إلى ذريته من بعده، إذ يكون النسل ضعيفا ضاويا، في جسمه وعقله، حتى يكون أقرب إلى الجنون، وأشد استعدادا له، فإن تناولها يجعل السكير ضعيف العقل، إذ تضعف قواه العقلية شيئا فشيئا حتى يصير كالأبله، وينتقل ذلك إلى ورثته. ولقد قال بنتام في كتاب " أصول الشرائع " ما نصه:(النبيذ في الأقاليم الشمالية يجعل الإنسان كالأبله، وفي الأقاليم الجنوبية يصير كالمجنون، وقد حرمت ديانة محمد صلى الله عليه وسلم جميع المشروبات، وهذه من محاسنها)(2).
ولقد علم الأوربيون مضار الخمر علما يقينا، ووجدوا أن الإكثار منها بين أمم أفريقيا والشرق قد يبيدها، أو يفسد العناصر الصالحة فيها؛ ولذا جاء في كتاب " الإسلام خواطر وسوانح " في عجز المدنية الأوربية عن إبادة المسلمين:(إن المسكرات التي استعملها بعض الفاتحين لَا تؤثر في أهالي الجزائر لكونهم يمقتونها مقتا شديدا)(3).
ولكن المسلمين قد أصبح قادة الفكر فيهم لَا يمقتونها اليوم، فهل فتحت أبواب الفناء، وزالت حواجز البقاء؛ اللهم أصلح الأحوال، وقوِّ العزائم، وهيئ لنا من أمرنا رشدا!.
هذه بعض آثار الخمر، فما منافعها؟ والله العلي القدير لولا أن القرآن الكريم ذكر أن فيها منافع للناس ما ظننت أن فيها نفعا ولو بطريق الشبهة، ولكن هكذا قال
(1) أخرجه مسلم: كتاب الأشربة (3670)، والترمذي: الطب (1969)، وأبو داود (3357)، وأحمد: مسند الكوفيين (18036).
(2)
ترجمة فتحي زغلول باشا.
(3)
ترجمة فتحي زغلول باشا.
القرآن، وليس لنا إلا الإيمان. ولقد ذكر بعض العلماء منافع ظاهرية لها، منها أنها وقاية أحيانا من بعض جراثيم الأمراض بما فيها من كحول، ومنها أنها قد تثير النخوة، ومنها أنها تسلي، ومنها أنها تسخي البخيل أحيانا، وأن ما يكنف هذه الأمور التي يكون ظاهرها نفعا من أضرار يجعل النفع لَا جدوى فيه، بل يكون الضرر في هذه الأحوال نفسها أكثر من النفع.
هذه الخمر، أما الميسر، فهو قمار العرب، ويطلق على كل قمار اسم الميسر، فكل ما يتخاطر فيه الناس من معاملة فيها خطر الكسب الطلق أو الخسارة المطلقة يعد ميسرا أو قمارا، وأصل اشتقاق كلمة ميسر إما من الميسر بمعنى السهولة؛ لأن المال يجيء للكاسب عفوا من غير جهد، وإما من يسر بمعنى وجب؛ لأن اللاعب إذا آل إليه الكسب يصير واجبا، وإما من يسر بمعنى جزأ، وقد اختار ذلك الأزهري، فقال: " الميسر: الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسرا، لأنه يجزأ، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجزار، لأنه يجزئ لحم الجزور. . وهذا الأصل في الياسر، ثم قيل للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور ياسرون؛ لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك).
هذا هو الأصل في استعمال كلمة ميسر، وقد أطلقت على كل قمار، وقمار العرب الذي أطلقوا عليه كلمة ميسر هو أنهم كانوا يقسمون البعير المذبوح إلى ثمانية وعشرين قسما، ويوضع عشرة أقداح، ثلاثة منها غفل لَا علامة عليها تسمى: السفيح، والمنيح، والوغد، ومن طلع له واحد منها لَا يأخذ شيئا، وقد تزاد الغفل على هذا العدد، أما السبعة الأخرى فهي الكاسبة وهي: الفذ وله سهم واحد، والتوأم وله سهمان، والرقيب وله ثلاثة، والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسل وله ستة، والمعلى وله سبعة، والمجموع ثمانية وعشرون.
ولا شك أن هذا من قبيل ما نسميه اليوم (ورق اليانصيب)، وقد كانت عادة العرب أن يفعلوا ذلك عند اشتداد الضائقة ليتبرعوا بنتائج الكسب على الفقراء، وما أشد الشبه بين هذا وبين عمل الجماعات التي تجمع التبرعات بهذه الطريقة!.
ولقد جاءت النصوص الصريحة بتحريم كل قمار، وقد ورد أن رجلا قال: إن أكلت كذا وكذا بيضة فلك كذا، فارتفعا إلى عَليّ فقال: ذلك قمار!.
والميسر مضاره كثيرة، فهو يؤدي إلى إتلاف المال وإهمال الأعمال، وهو أكل لمال الناس بالباطل، ويفسد الأخلاق، وقد يترتب عليه خراب البيوت، وهو فوق ذلك يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويورث العداوة والبغضاء، كما قال تعالى:(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يوقِعَ بَيْنَكمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ).
ومنافع الميسر ضئيلة أيضا بجوار مضاره، ومنها إعطاء الفقراء، كما يرى فيما تصنع جماعات الإحسان، وأن الحكومات التي تعنى بتربية شعوبها وتهذيب نفوسهم تحارب انتشار القمار، وتقطع السبل المؤدية إليه، ولو كانت تبيحه في النوادي الخاصة فبعض الأمم الأوربية يحرم قانونها بيع أوراق اليانصيب، ولو كانت للبر؛ لأنها تربي في الشعب روح المقامرة، مع أن هذه الأمم تبيح فتح النوادي للقمار، فهي لَا تمنع فتحها للحرية الشخصية في زعمها، ولكنها تمنع ما يبعث في الشعب روح المقامرة.
ويلاحظ في الكلمات السامية: (قلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كبِير وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) أنه أطلق الإثم ولم يضفه فلم يقل إثم على الناس أو للناس، وقيد المنافع بأنها للناس، وهذا يدل على أن الإثم في الخمر والميسر ذاتي، فهما في ذاتهما رجس كبير، وخطر وبيل، وأن ما فيهما من منافع فهي ضئيلة وهي بالنسبة لبعض الناس، فهي منافع إضافية، لَا منافع ذاتية، فجوهر الخمر والميسر شر لَا خير فيه، وما يكون من نفع فيهما في بعض الملابسات، كما يلاحظ في بيع الأوراق لتمويل بعض جماعات البر، فليس ذلك لأن في الميسر خيرا أو نفعا، بل لأن النفوس فسدت، وشحت بالخير، فلا تجود إلا من هذا الطريق الفاسد، فما فيه من نفع إضافي سببه فساد الناس، وهو نفع ضئيل للناس ومشتق من أحوالهم.
وأما السؤال الثاني فقد جاء في قوله تعالى:
(وَيَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)، ومناسبته للسؤال الأول أنهم كانوا يتخذون من الخمر والميسر طريقا لتسخية نفوس الأشحة على الخير الذين لَا يجودون من تلقاء أنفسهم، فكان السؤال عن الإنفاق على البر، عقب السؤال عن الأمر الآثم الذي كانوا يحسبونه برا وهو إثم لَا بر فيه. وفي الإجابة عن هذا السؤال بيان طريق العطاء المنظم المعلوم الخالي من الإثم، بدل العطاء المجهول غير المنتظم للتأشب بالإثم الذي أحاط به. والعفو معناه: السهل، أو الزائد فإن كلمة عفو لها ثلاثة إطلاقات أولها الترك، كما قال تعالى:(عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ. . .)، أي تركه وتجاوز عنه، وبمعنى السهل، كما قوله تعالى:(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). وبمعنى الزيادة. والمعنى هنا السهل الزائد عن الحاجة. سألوا عما ينفقون من مال في البر، فقال لنبيه (قُلِ الْعَفْوَ) أي السهل الزائد عن حاجتكم الأصلية الذي لَا يشق عليكم بذله، إن استقامت النفوس، وامتلأت القلوب بالإيمان، وعمرت بالرحمة وأجابت نداء الرحمن. والعفو يشمل الزكاة المفروضة؛ لأنها ليست إلا فضلا قليلا من المال، كما يشمل صدقة التطوع، وكما يشمل الصدقات التي يتعين أداؤها إذا كان شخص في مخمصة ولا يدفع غائلة الجوع إلا شخص واحد يعرفه، ولا يعرفه سواه، فإنه يتعين عليه الأداء، وأنه في وقت الحاجات يفيض الغنى على الفقير بكل ما يسد حاجته. ولقد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل على راحلة فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لَا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له " فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لَا حق لأحد منا في فضل (1).
(1) رواه مسلم: كتاب اللقطة (3258) واللفظ له، وأبو داود: الزكاة (1416)، وأحمد: باقي المكثرين (19863).
وإن الآية كما تدل على ذلك توجب على المتصدق أن يبقي لنفسه ولعياله ما يكفيهم! ولذا قال صلى الله عليه وسلم: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى "(1) وروى أن رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم فقال: خذها مني صدقة فأعرض عنه حتى كرر عليه مرارا. . . فردها الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: " يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس ويتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى "(2).
وقد ختم الله سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) أي يبين سبحانه وتعالى في كل الأحوال بيانا كهذا الذي ذكره في الإنفاق وفي الخمر والميسر لكي تتفكروا وتتدبروا في مصالحكم في الدنيا والآخرة، فتسيروا على الطريق المستقيم في الدنيا، وتتكون منكم الجماعة الفاضلة المتعاونة المتآزرة، ويحسن جزاؤكم في الآخرة، وتحظوا برضوان الله، وذلك هو الفوز العظيم. و " لعل " للرجاء، وهو من الله سببحانه وتعالى في معنى التعليل، لأنه لا رجاء من الله، إنما الرجاء من العبيد فهذا التمثيل والتصريف في آيات الله البينات ليرجوا التفكر والتدبر، ويسيروا فيه ليصلوا إلى الغاية الصالحة.
وأما السؤال الثالث فقد جاء فيه قوله تعالى:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). والإجابة فيه وأساسها أيضا إماطة الأذى عن الجماعة الإسلامية، فإنه إذا كان الإنفاق على الفقراء يحمي المجتمع من الفقر وأهواله وغوائله، فحماية اليتامى وكلاءتهم تحمي المجتمع من أن يكون منهم شريرون يبغضون المجتمع، ويجلبون له الويلات وهم في كنف المجتمع ورعايته. لقد سألوا عن اليتامى أيضمونهم إليهم ويأكلون معهم أم يدعونهم وأموالهم، وكيف يرعونها، وكيف يقومون عليها؛ سألوا هذه الأسئلة ومايشبهها، وقد قرأوا قوله تعالى:(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)، وقوله تعالى:
(1) رواه البخاري: كتاب الزكاة (1337)، والنسائي (2497)، وأبو داود (427 1)، وأحمد (6885)، والدارمي (1592).
(2)
رواه أبو داود: الزكاة (1425)، ورواه الدارمي: الزكاة (1600) بنحوه.
(وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. . .)، وقوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) فكانوا من أمرهم في حيرة: إن قاربوهم وأموالهم يخشون على أنفسهم أن ينالوا إثما، وإن تركوهم ضاعوا وهم في كفالة المجتمع كله، فأمر الله نبيه أن يقول لهم أن المطلوب إصلاحهم، فقال سبحانه:(قُلْ إِصْلاحٌ لهُمْ خَيْرٌ) أي أن المطلوب إصلاحهم وإصلاح مالهم، وذكر إصلاحهم، لأنه المقصد الأول، ولأن إصلاح مالهم إصلاح لهم، وخير لكم ولهم، وإصلاح حالهم بالتهذيب والتربية والعطف والمحبة، والرأفة، وعدم تكليفهم ما يشق عليهم، لأن الغلظة معهم تربي فيهم الجفوة، وتنشأ عنها القسوة، فينشئون وهم يبغضون الناس، ويتربصون بهم الدوائر.
وقد أثبت علم النفس الجنائي أن روح الإجرام تنبعث عند النشأة الأولى في الغلمان الذين يحسون بأن المجتمع يجفوهم، ويغلظ عليهم فيخافونه ويبغضونه، ويترقبون الفرصة السانحة ليستلبوا المال أو الأرواح، أو ما يمكنهم أن يصلوا إليه، فكان لابد من تربية اليتيم بالإصلاح والتهذيب، وألا يقهر نفسه حتى لَا يجفو فيكون من وراء ذلك الشر المستطير والخطر الكبير.
وإذا كان المطلوب هو الإصلاح بكل وسائله، وهو الغاية المطلوبة فإن كان الإصلاح بمخالطتهم وضمهم إليهم من غير أن تؤكل أموالهم، فالمخالطة سائغة جائزة، ولذا قال سبحانه:(وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانكُمْ) أي عند المخالطة استشعروا أنهم إخوانكم في الدين والإنسانية وأبناء إخوانكم، وعاملوهم بتلك الأخوة الرحيمة الرابطة، ولا تنظروا إليهم شذرًا، وتؤكلوهم نزرا،، لأنهم غرباء عن بيتكم، بل أشعروهم بأنهم دائما في بيت أهلهم وذويهم، حتى لَا تتربى نفوسهم على الجفوة فيبغضوا الناس، ويتربصوا بهم الدوائر، ويكون ذلك في طبعهم إذا كبروا وبلغوا أشدهم. .
ثم قال سبحانه (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) وهذا ترغيب في الإصلاح، وترهيب من الفساد؛ لأنه إذا كان يعلم المؤمن أن الله مطلع على ما يفعل، تجنب الشر، وآثر الخير، فتجنب إهمال اليتيم لكيلا يفسد وعمد إلى تهذيبه لكي يكون عضوا عاملا في الجماعة يبني كما يبني غيره، وتقوم الجماعة على سواعد قوية يشترك الجميع في إقامتها. ثم إنه إذا علم الله المصلح فسيجزيه خير الجزاء، وما دام يعلم المفسد، فحسابه وعقابه بمقدار فساده.
ثم قال سبحانه (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ). العنت المشقة، وأعنتكم: أوقعكم في المشقة، وذلك بأن يترككم تهملون أيتامكم، فيكونون إلبا عليكم في قابل حياتهم، وشوكة في جنب الدولة، ويكون منهم قطاع الطريق واللصوص والمنتكهون لحرمات المنازل، ويفتكون بمجتمعكم، وينزلون الأذى بكم ولكن الله سبحانه كان من رحمته أن دعاكم إلى العناية باليتامى ليكونوا عاملين بدل أن يكونوا هادمين، وليكونوا قوة للجماعة بدل أن يكونوا قوة عليها هادمة في بنائها.
ثم ذيل الله سبحانه الآيات بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) للإشارة إلى ثلاثة أمور:
أولها: أن الله سبحانه عزيز يعز من يشاء ويذل من يشاء فمن أذل يتيما أذله الله، ومن أعزه أعزه الله سبحانه.
وثانيها: أن الله سبحانه وتعالى هو الغالب على كل شيء، فهو الذي سيجزي القوامين على اليتامى بما يفعلون، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
وثالثها: أن هذا التنظيم هو من حكمته ورحمته، فمن رحمته بخلقه أن حثهم على معاونة اليتيم وإصلاحه، والقيام على شئونه، وليكون التراحم بين الناس، وليضعف الشر فيهم، ويكثر الخير والإنتاج، والله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.
* * *