المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ … ‌ ‌(3) - زهرة التفاسير - جـ ٢

[محمد أبو زهرة]

الفصل: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ … ‌ ‌(3)

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ

(3)

الكتاب: هو القرآن الكريم، وإن أكثر السور التي تبتدئ بتلك الحروف تقترن فيها الحروف بالتنويه بذكر القرآن، وإعلاء شأنه، مما جعل المفسرين يعتبرون تلك الحروف أسماءً للسور، سماها القرآن بها، وفواصل محكمة بين سورة وأخرى من سور القرآن الكريم، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل. وقد عبر سبحانه وتعالى عن نزول القرآن الكريم بـ (نَزَّلَ) للإشارة إلى أن النزول كان تدريجيا، ولم يكن دفعة واحدة، إذ إن التنزيل يدل على التدرج في النزول، وكذلك كان القرآن الكريم؛ فقد نزل منجما ينزل في الوقائع، أو الأسئلة ليكون السبب الذي اقترن بنزوله معِينا على فهمه وإدراك بعض مغازيه.

وقد ذكر تنزيل القرآن مقترنا بأمرين متصلا بهما:

أولهما: أنه حق في ذاته، ومبين للحق مشتمل عليه، وداع إليه، فقال الله تعالى:(بِالْحَقِّ) أي مصاحبا له مقترنا به ملازما له، فهو حق لأنه نزل من عند رب العالمين، واشتمل على الحق، فكل ما فيه من قصص وأخبار وشرائع وأحكام وعقائد حق لَا شك فيه، وهو يدعو إلى الحق والعدل، فهو الحق الملازم للحق، الناصر للحق.

وثاني الأمرين: أنه مصدق لما بين يديه؛ أي الشرائع الإلهية التي سبقته؛ ولذا قال سبحانه: (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) فهو في لبه ومعناه مبين لكل الشرائع مصدق لصدقها؛ وهذا يدل على أن الشرائع الإلهية واحدة في لبها ومعناها وأصولها؛ ولذا قال سبحانه: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. . .).

فالإسلام هو لب الأديان وغايتها؛ ولذا قال سبحانه (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ. . .).

(وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) هذا تصريح ببعض ما تضمنته الجملة السامية السابقة؛ إذ قد تضمنت الجملة السابقة أن القرآن يصدق الثابت النازل من عند الله

ص: 1100

في الشرائع السابقة، وهي تتضمن أنها كانت هداية للناس؛ وهذه الجملة تصرح بأن التوراة أنزلت هي والإنجيل من عند الله هداية للذين أنزلت لهم. وفي هذه الجملة إشارة إلى معنى آخر، وهو أن لكل أمة كتابا وهداية خاصة، وإن كانت في معناها مشتقة من الهدى الإلهي العام، حتى إذا كانت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم كانت هي الهدى العام الخالد إلى يوم القيامة.

(التَّوْرَاةَ) اسم للكتاب الذي اشتمل على شريعة موسى عليه السلام، ونزل عليه من رب العالمين، وليست هي التوراة التي يتلوها اليهود اليوم؛ لأن هذه التي تسمى بهذا الاسم الآن تشمل ما نزل في عهد موسى، وتشمل ما جاء بعد ذلك في عهد النبيين الذين بُعثوا في بني إسرائيل كداود وسليمان وغيرهما، وفوق ذلك فإن القرآن الكريم أشار في عدة مواضع إلى أن أهل الكتاب نسوا حظا مما ذكروا به، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وغيروا وبدلوا، ثم كانت التخريبات التي حلت بأورشليم في عهد بختنصر أولا، ثم في عهد الرومان ثانيا سببا في أنهم نسوا حظا مما ذُكَروا به، فليست التوراة المذكورة في القرآن هي التوراة الشائعة الآن.

(وَالإِنجِيلَ) كلمة يونانية (1) معناها البشارة، والإنجيل هو الكتاب الذي نزل على عيسى، وليس هو هذه الأناجيل التي يقرؤها المسيحيون اليوم، فإن هذه مؤلفات ألفت بعد السيد المسيح عيسى عليه السلام؛ نسبت إلى بعض الحواريين من أصحابه؛ ولقد كان للمسيح عليه السلام إنجيل غير هذه الأناجيل، وهو الذي ذكره القرآن الكريم على أنه هداية للناس. ولقد قرر الأحرار من النصارى ذلك؛ فقد قال أكهارن من مؤلفي تاريخ النصرانية:" إنه كان في ابتداء المسيحية رسالة مختصرة يجوز أن يقال إنها هي الإنجيل الأصلي، والغالب أن هذا الإنجيل كان للمريدين الذين لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم ولم يروا أحواله بأعينهم، وكان هذا الإنجيل بمنزلة القلب، وما كانت الأحوال المسيحية مكتوبة فيه على الترتيب "(2).

(1) وقيل: سرياية، وقيل: أعجمية (اللباب 5/ 19 - 20).

(2)

راجع تاريخ الأناجيل وصحة نسبتها في كتاب " محاضرات في النصراية " للأستاذ محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي.

ص: 1101