المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وثانيهما: أن تكون المضاعفة التي يضاعفها ثوابًا أكثر من سبعمائة - زهرة التفاسير - جـ ٢

[محمد أبو زهرة]

الفصل: وثانيهما: أن تكون المضاعفة التي يضاعفها ثوابًا أكثر من سبعمائة

وثانيهما: أن تكون المضاعفة التي يضاعفها ثوابًا أكثر من سبعمائة المثل وفوقها، ونماء أوفر منها، وعطاء أكبر.

فالله سبحانه، وهو رب كل شيء وخالق الأسباب والمسببات يستطيع أن يعطي سبعمائة وأكثر منها لمن يشاء؛ إذ يوفقه لفعل الخير بنية خالصة وقلب نقي، فيضاعف له أضعافًا كثيرة بعد السبعمائة التي نص عليها سبحانه.

ومهما يكن فإن الاتجاه واحد، وهو بيان سعة عطاء الله تعالى، وسعة نمائه، وهو الرزاق ذو القوة المتين.

وقد ذيل سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) أي أنه سبحانه عطاؤه واسع، فالسعة وصف للعطاء، أو وصف لله سبحانه وتعالى باعتبار شمول قدرته، وسعة ما يدخل في سلطان إرادته، فلا حد يحد هذه القدرة، ولا سلطان لغيوه سبحانه يمنع شمول هذه الإرادة.

وهو سبحانه عليم بعباده، عليم بالسر والجهر، وبما يجري على الألسنة وما تخفيه الصدور، وعليم بالأعمال، والنيات التي تنبعث عنها هذه الأعمال، وعليم بالأعمال ونتائجها، وهو سبحانه بقدرته القاهرة هو الذي يرتب المسببات على الأسباب، وينشئ بحكمته العلاقة المؤثرة بينهما، فلا يؤثر السبب في المسبب إلا بقدرته وإرادته التي تسير على مقتضى علمه الذي شمل كل شيء.

وقد ذيل سبحانه الآية بهذين الوصفيق للذات العلية، لكيلا يقع في نفس قارئ وهم بالاستكثار أو الاستبعاد، فإنه لابعيد على قدرته سبحانه، ولا كثير أمام إرادته، وإن كل شيء عند الله بمقدار، وهو يدبر كل أمر بعلمه وحكمته، وهو العزيز الحكيم، وهو بكل شيء عليم.

* * *

ص: 974

(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‌

(262)

الإنفاق في سبيل الله، سبيل النفع العام، يثمر ثمراته من الخير العميم؛ لأن العطاء المادي ينتج نتائجه من معونة في الجهاد، وسد للثغور، ومنع للأذى، ودفع للكرب، ولكن المنفق لَا يستحق ثواب الإنفاق إلا إذا كان طيب النفس في عطائه لَا يُرَنِّقه من ولا أذى ولا رياء؛ فالصدقة

ص: 974

تنتج آثارها في الجماعة حتما، مهما تكن نية صاحبها، ولكن صاحبها لَا ينال أجر المنفق إلا إذا خلصت نفسه من هذه العناصر الثلاثة: المن، والأذى، والرياء؛ فإن النتائج للأعمال، أما الثواب فللنيات؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى "(1).

والمن: أن يَعُدَّ الإنسان إحسانه على من أحسن إليه، متطاولا به عليه، مبينًا له: أنها فضل ساقه إليه، غير مشكور، وإن ذلك فيه اتجاه إلى طلب المثوبة من العبد، لَا من الرب، فله ما اختار. ولقد قال الزمخشري في تفسيره:" صنوان مَن منح سائله ومَنَّ، ومن منع نائله وضنَّ " ولقد قال صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لَا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنانُّ بما أعطى "(2).

والأذى: أن يصدر عنه ما يؤلم من يأخذ ولو بغير منٍّ، كأن يقول له: ألا تعمل! أو يتجهم في وجهه عند العطاء، أو ينتقد بغير الحق الذين قاموا على المال الذي جمع لوجه عام. ويروى أن امرأة قالت لصحابي: دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقًّا، فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه، فإن عندي أسهمًا وجعبة، فقال:" لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم! ".

ولماذا كان المن والأذى مانعين للأجر؛ لأن الأجر هو جزاء من الله، فمن تصدق يبتغي وجه الله فله ثوابه، ومن مَنَّ أو آذي فقد قصد غير وجه الله فليس له أن يطلب ثوابه. ولقد قال في ذلك ابن جرير الطبري:

(أوجب الأجر لمن كان غير مان ولا مؤذ لمن أنفق عليه في سبيل الله؛ لأن النفقة في سبيل الله مما ابتغي به وجه الله وطلب به ما عنده؛ فإذا كان معنى النفقة في سبيل الله هو ما وصفنا، فلا وجه لمن المنفق على من أنفق عليه؛ لأنه لَا يد له قِبَله، ولا صنيعة يستحق بها عليه - إن لم يكافئه عليها - المنَّ والأذى إذا كانت نفقة مَا أنفق عليه احتسابًا وابتغاء ثواب الله وطلب مرضاته، وعلى الله مثوبته دون من أنفق عليه).

(1) سبق قريبا تخريجه من رواية البخاري ومسلم، وقد استفتح به البخاري صحيحه.

(2)

رواه النسائي: الزكاة - المنان بما أعطى (2515)].

ص: 975

وقد بين سبحانه جزاء الذين ينفقون على هذا الوجه لَا يبتغون إلا رضاء سبحانه، ولا يرجون ثوابًا من أحد سواه، فذكر جزاءين عظيمين:

أولهما: (لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ) أي لهم جزاؤهم مكافأة لهم على أعمالهم

وسماه سبحانه وتعالى أجرًا، وهو المعطي الوهاب، توثيقًا للعطاء، وقال سبحانه:" لهم "، ولم يقل مثلا:" أعطيهم "، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى للإشارة إلى أنه كان لهم بنياتهم، واستحقوه باحتسابهم، وليعلمهم كيف يكون العطاء من غير أجر؛ إنه سبحانه وتعالى هو الذي منحهم المال الذي أعطوا منه، وهو الذي وفقهم لأن يعطوا، وهو الذي يملكهم وما ينفقون وما يعملون، ومع ذلك يسمى ما يعطيهم أجرًا قدموا مثيله من قبله مع أنه يعطيهم أضعافًا كثيرة عنه، ولكنه يعلم الناس كيف يكون البعد عن المن، وكيف العطاء غير ممنون.

الجزاء الثاني الذي ذكره رب العالمين هو الأمن والاطمئنان؛ ولذا قال سبحانه: (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) وقد نفَى سبحانه وتعالى الخوف، ولم يقل لَا يخافون؛ لأن الخوف أمر نفسي، وقد يكون من غير مخوف، وتكون الخشية والخوف من شأن المؤمن شعورًا بتحمل التبعة؛ ولذا نفَى سبحانه الخوف أي الأمر المخوف، أي لَا ينزل بهم أمر من شأنه أن يخافوه، ولم ينف الخشية النفسية في ذاتها؛ إذ الحال النفسية من قوة الإحساس؛ ولذا يقول الصوفية: غلب الخوف على الرجاء. أما الحزن وهو الهم الذي يصيب القلب فهو منفي في كل صورة ولا يصح أن يكون حالا من حالات الإيمان.

وما الخوف المنفي والحزن؟ أهما ما يكونان في الآخرة؛ جل العلماء على ذلك، ولكن لماذا لَا يراد ما هو أعم من أحوال الدنيا والآخرة؛ وإن ذلك ما نختاره؛ لأن الإنفاق في سبيل الله يدفع خطر الأعداء من خارج الأمة، ويجمع الوحدة ويقضي على أسباب الفتن الداخلية، فيكون الأمن في الداخل والخارج معًا، فالمنفقون في سبيل الله لَا خوف عليهم في الدنيا، ولا يحزنون في الدنيا أيضًا كما أنهم لَا خوف عليهم في الآخرة ولا يحزنون.

ص: 976