الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ختم سبحانه الآية الكريمة بذلك الختام السامي؛ والمعنى فيه أن الله ذا الجلال والإكرام المعبود بحق، الذي انفرد بالألوهية خبير، أي عليم علمًا دقيقًا صادقًا بما تعملون أيها المؤمنون.
فهذه الجملة السامية تشعر المؤمن برقابة الله تعالى على أعماله، وعلى بواعث هذه الأعمال وعلى القلوب التي تنبعث منها النيات والمقاصد، عليم سبحانه بكل ذلك؛ فإذا أحس العبد برقابة الله القوي القادر بهذا العلم السامي نقى قلبه من كل شوائب الرياء في صدقاته كلها، جهرها وسرها، خافيها وظاهرها. ثم هذه الجملة كما تربي في نفس المؤمن المهابة من الله، والشعور بمراقبته تتضمن وعدًا ووعيدًا؛ لأنه إذا كان الله سبحانه وتعالى عليمًا علمًا دقيقًا بكل ما يعمل العبد من خير وشر، فإنه يكافئ العبد بما ينتج فعله، إن خيرًا فالثواب والنعيم المقيم، وإن شرا فالعذاب الأليم.
* * *
(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ
…
(272)
* * *
كان المسلمون الأولون قلة في
أرض العرب، وكان المشركون يحيطون بهم، واليهود يجاورونهم، وكان يربطهم بالفريقين صلة قرابة، أو على الأقل صلة جوار.
فكان بعض المسلمين يمتنع عن مد يد المعونة بالمال ليهودي أو مشرك، مع شديد حاجته إليه، وكان ذلك الامتناع من قبل المعاملة بالمثل من جهة، ولأن فقراء المسلمين الأولى، ولحمل أولئك على الدخول في الإسلام دين الوحدانية والعزة؛ فبين الله سبحانه وتعالى أن الصدقة واجب إذا وجد سببها، ووجدت الحاجة إلى العطاء من غير نظر إلى الموضع الذي يستحقها، فإنك تكرم إنسانيته، لَا يهوديته، ولا نصرانيته ولا إشراكه.
ولقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بألا يتصدق إلا على أهل الإسلام، فنزلت هذه الآية:(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ). وقال ابن عباس أيضا: " كانوا (أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرخص لهم، فنزل قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء).
وبهذين الخبرين يتبين أن هذه الآية الكريمة نزلت لبيان أن الصدقة تسوغ على غير المسلم، بل تجب إذا كان غير المسلم في حاجة شديدة، ويخشى عليه إن لم يقدم له عطاء ينقذه.
وإن هذه الآية وما يليها من آيات تبين من يستحقون الصدقات ومن يؤثرون، فصدرها سبحانه وتعالى بالإشارة إلى أنه يسوغ إعطاء غير المسلمين، بل يجب، وبذلك التصدير يتبين موضع الإسلام من احترام الإنسانية، والإخاء الإنساني العام؛ فإنه يدعو إلى التعاون والسلم العام، وما يحارب إلا لتقرير ذلك السلام؛ فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَةً
…
)، وقال تعالى:(وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْم فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. . .).
ومعنى قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) أي أن الواجب المفروض عليك هو التبليغ والدعوة إلى ربك بالموعظة الحسنة؛ فليس عليك أن تهدي عاصيًا، ولا تدخل الإيمان في قلب كافر، فلا تمنع صدقة لأجل الكفر، ولا تمنع عطية للحمل على الإيمان (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) فهو يهدي من يسير في طريق الهداية، ويفتح قلبه لنور الإيمان، فيوفقه المولى العلي القدير العليم بما تخفي الصدور إلى الحق فيدركه بعد أن يأخذ في الأسباب، ويسد عن قلبه مداخل الشيطان إليه.
وعليك أنت أيها الرسول أن تبلغ ما أنزل إليك، وأن تعامل الناس بما يليق بأخلاق أهل الإيمان، وباحترام الإنسانية وسد حاجة المعوزين، ولو كانوا من المخالفين الذين يدينون بغير دينك، وأن تعاملهم بالتي هي أحسن.
وبهذا المنهاج القويم أخذ السلف الصالح رضوان الله تبارك وتعالى عليهم مقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم. وإنه يروى أنه في الموادعة التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين التي تمت في صلح الحديبية أصابت قريشا ضائقة، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي سفيان بن حرب زعيم الشرك في ذلك الإبان خمسمائة دينار يشتري بها قمحًا يفرج به ضائقتهم، ويسد حاجة المعوزين منهم، وهم ما زالوا مشركين (1).
(1) رواه أبو داود: الأدب - الحذر من الناس (4219)، وأحمد (21454).
ويروى أن عمر بن الخطاب وجد شيخا ذميا على باب المسجد يتكفف الناس، فأجرى عليه رزقًا مستمرا من بيت المال بعد أن قال له كلمته الرحيمة:" ما أنصفناك! أخذنا منك الجزية صغيرًا، وضيعناك كبيرًا ".
ولقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يعطوا فقراء غير المسلمين من صدقة الفطر فقال عليه السلام: " أغنوهم عن سؤال هذا اليوم "(1).
وإنه إذا كانت الصدقة جائزة على غير المسلمين فأولى أن تكون جائزة على عصاة المسلمين. وقد أجمع على ذلك علماء المسلمين، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا ابن تيمية؛ فقد أفتى بعدم جواز ذلك لئلا يكون ذلك تشجيعا لعصيانهم؛ وهذا غير ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم والبخاري عن أبي هريرة فقد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة فوضعها في يد زانية فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، قال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن الليلة، فخرج فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق فقال: اللهم لك الحمد على زانية وغني وسارق فأتى، فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته "(2).
(وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ) بيَّن سبحانه أن الصدقة تجوز لكل من يكون في حاجة إليها، سواء أكان مؤمنًا أم كان كافرًا، وسواء أكان برا تقيا، أم كان فاجرا عصيا، فالعطاء لإنقاذ الإنسانية أيا كان صاحبها بعد أن بين ذلك بين سبحانه أن الصدقة كيفما كانت، وأيا كان موضعها هي خير لصاحبها؛ وخيريتها ثابتة من ثلاث
نواح:
(1) أخرجه الدارقطني عن أبي معشر، كحا رواه ابن عدي في الكامل وأعلَّه بأبي معشر، وراجع أيضا جمع الجوامع (3667).
(2)
رواه البخاري: الزكاة - إذا تصدق على غني وهو لَا يعلم (1332)، ومسلم واللفظ له: الزكاة - ثبوت أجر المتصدق (1698)].
الناحية الأولى: أنها تعود على نفسه بالتهذيب والتربية، وتقوية الإحساس بحق الجماعة عليها، والتأليف الروحي بينها وبين الناس؛ وهذا ما ذكره سبحانه بقوله:(وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ) أي أن كل شيء تنفقونه خير عائد على أنفسكم من حيث إنه يهذبها، ويقوى صلاتها الاجتماعية، ويرهف الوجدان، وفوق هذا وذاك فإن الإنفاق يدفع غوائل اجتماعية إن سلطت على الجماعة أذهبت وحدتها، وقوضت بناءها؛ فإن أولئك الفقراء إن لم يمكنوا من حقهم في الحياة كانوا أداة تخريب وعنصر هدم، وكانوا كالشاة إذا جوعتها انتشرت ذئبًا، وافترست كل ما في طريقها؛ وإن دفع هذه الكوارث هو حماية للنفس، ودفاع عن الوجود، وهذا المعنى يتضمنه قوله تعالى:(وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ) لأنه حماية لها.
فهذه هي الناحية الأولى التي تعود بالخير على المنفق، أيا كان من يعطيه، وأيا كان مقدار العطاء قليلا أو كثيرًا؛ ولذا قال:(مِنْ خَيْرٍ) فـ " من " الدالة على البعضية تنبئ عن أنه يجوز الإنفاق بالقليل والكثير، وفي كل خير يعود على النفس.
والناحية الثانية: ما أشار إليها سبحانه بقوله تعالى: (وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) فهذه الجملة السامية تثبت الخيرية في الصدقة، ولو كانت لعاص أو كافر؛ ذلك لأنه لَا يقصد بالعطاء إرضاء العاصي أو الكافر إنما يقصد بالعطاء وجه الله تعالى ورضاه، ورضا الله سبحانه وحده غاية ترجى، وخير عظيم يطلب، ومقصد أسمى يتجه إليه المؤمن ويبتغيه طالب الهداية؛ فإن المؤمن العامر قلبه بالإيمان يحس بروحانية إن طلب رضا الله وابتغاه، أي طلبه بشدة.
وقوله تعالى: (ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) لَا يدل على طلب رضا الله فقط، بل يدل مع ذلك على طلب إقبال الله تعالى عليه؛ لأن كلمة (وَجْهِ اللَّهِ) تدل على الرغبة في المواجهة والاتصال بالله تعالى، وإقباله على ربه، وإقبال ربه عليه؛ وتلك منزلة
روحية سامية حسبها جزاء للصدقة، ولو كان المعطَى كافرًا عاصيًا ولقد قال بعض الصوفية في معنى (ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) أي يطلب المتصدق وجه الباقي، أي الناحية الباقية في الدنيا والآخرة، وهي ناحية الله تعالى؛ ولذا يقولون إن لكل شيء ولكل عمل وجهين: وجهًا يتجه إلى هذا العالم وما فيه من أناسي، وهو الوجه الفاني، والوجه الثاني هو الوجه الدائم الباقي، وهو رضا الله تعالى.
هذه هي الناحية الثانية من الخيرية في النفقة بالنسبة للمنفق من غير نظر إلى من أنفق عليه.
أما الناحية الثالثة: فهي التي بينها قوله تعالى: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) في هذه الآية الكريمة يبين سبحانه جزاء الصدقات، من حيث إنها تعود على المنفق مغباتها وثمراتها؛ والمعنى: أن ما تنفقون من خير في هذه الدنيا يوفى إليكم جزاؤه في هذه الدنيا، وفي الآخرة؛ أما في الآخرة فبالنعيم المقيم الخالد، وهو أضعاف مضاعفة للصدقة، وجزاؤها في الدنيا من حيث إنها تقوية للعناصر الضعيفة في الأمة، فتنقلب إلى عناصر قوة تمدها بالخير والمعونة الصادقة، فتكون قوة عاملة منتجة تعود ثمرات أعمالها إلى الجميع ومنهم المنفقون، وإن الفقراء إن لم يعطوا كانوا أداة تخريب وهدم، والصدقة تجعلهم عنصر عمل وبناء، وخير ذلك للجميع.
وقد أشار سبحانه إلى أن ذلك الجزاء الدنيوي والأخروي هو للصدقة، وكأنه وفاء لها مولَّد منها؛ ولذا سماه بها، فقال:(وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكمْ) أي يعود إليكم ذات الخير، فالجزاء لأنه ثمرة لازمة كأنه هو نفس الإنفاق، والنتيجة لأنها متولدة عن الإنفاق كانت كأنها هو. ثم ختم سبحانه الآية بقوله:(وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ) أي لَا تنقصون أي جزاء لعمل قدمتموه لَا تبغون به إلا وجه الله تعالى، وهو العليم الحكيم القادر على كل شيء، وإلى الله المصير.
* * *
(لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)
* * *
بيَّن سبحانه وتعالى في الآيات السابقة آفات الصدقات التي تذهب بخيرها بالنسبة لمعطيها من منٍّ وأذى ورياء وقصد إلى الخبيث دون الطيب ينفق منه، مع أن الله طيب لَا يقبل إلا طيبًا؛ ثم بيَّن أنه لَا يصح أن يكون الكفر أو العصيان سببًا للمنع حيث يجب العطاء، ليُحْمَل الشرك على الإيمان، والعاصي على الطاعة. بعد هذا بيّن سبحانه موضع الصدقات والصفات التي تُوجب العطاء في مستحقها؛ وقد قصد سبحانه وتعالى إلى بيان موضع الأولوية فيها؛ فقال تعالى:
(لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي أن الصدقة تكون للفقراء الذين اتصفوا بهذه الصفات، وكانوا على تلك الأحوال، وهي خمس؛ فالجار والمجرور (للفقراء) خبر لمبتدأ محذوف يفهم من مطاوي الكلام الكريم السابق كله وثناياه؛ لأن الكلام السابق كله في الإنفاق في سبيل الله، والصدقات المأجورة المشكورة، وما يعكر إخلاصها، ويعوق جزاءها؛ فكان المحذوف المطوي في القول مع قيام المشير إليه هو " الصدقة "، فهو محذوف في حكم المذكور، ولكن لماذا آثر النص القرآني الحذف مع أن الأصل الذكر ليتم النسق الكلامي؟ الجواب عن ذلك هو، أولاً الإيجاز العجز الذي يكون فيه قصر اللفظ مع غزارة المعنى، وثانيًا هو تعليم العباد
من حيث إنه طوى لفظ الصدقة، ولم يصرح فيه بالإسناد ووضعه بجوار الفقراء؛ للإشارة إلى أن الأدب يوجب على المعطي ألا يصرح أن يعطيه بأن هذا صدقة، حتى لَا يحس بمذلة الأخذ، فحذف القرآن لفظ الصدقة عند الإسناد إلى الفقراء مع وجوده في السابق من القول، يخفيه المعطي عند العطاء، مع احتسابه النية بإخفائه المقصد.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى للفقراء الذين يستحقون الصدقة أوصافًا أو أحوالاً خمسة:
الوصف الأول منها: ما ذكره سبحانه وتعالى بقوله: (أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي مُنعوا من الكسب الحلال الطيب الذي يطلبه صاحبه مجاهدًا في طلبه.
فالإحصار هنا المنع؛ وأصله من الحصر بمعنى التضييق كما قال تعالى: (وَاحْصُرُوهُمْ. . .)، أي ضيِّقوا عليهم. والإحصار هو التشديد في التضييق بالمنع من الحركة والسير والعمل المنتج المثمر؛ والمنع إما أن يكون لعجز مطلق بمرض أو شيخوخة أو صغر أو غير ذلك، وإما أن يكون المنع بسبب ضيق مسالك الكسب، فإن كان قادرًا ولا يجد عملا مع طلبه، أو هو مشغول عن طلب الرزق لنفسه بما هو أجدى على الجماعة وأنفع كالفدائيين الذين يتقدمون الصفوف ليفتدوا جماعتهم، ويعلوا كلمة الحق، ويخفضوا كلمة الباطل؛ فكل هذا إحصار ومنع من اكتساب الرزق.
وعبر في الآية الكريمة بـ (أُحْصِرُوا) بالبناء للمجهول للإشارة إلى أن فقرهم لم يكن نتيجة امتناع عن العمل المجدي النافع، ولم يكن تخاذلا أو كسلا، أو تهاونا في طلب الرزق الحلال، إنما كان بمنع من غيرهم، أو ليس لهم فيه إرادة حرة قد آثروا فيها الكسل على العمل، وإنما كان المنع عجزا؛ أو لأنهم بمقتضى التوزيع العادل والتنسيق الكامل في الأعمال تحبسهم الجماعة عن طلب الرزق لينصرفوا إلى عمل آخر يجدي وينفع كالجهاد في سبيل الله، فكانوا ممنوعين عن طلب الرزق بحكم الواقع أو التكليف ولم يكونوا ممتنعين.
وكلمة (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ما موضعها في الوصف المذكور؟ قال بعض العلماء: إن كلمة في سبيل الله في هذا المقام فيها إشارة إلى سبب الإحصار والمنع، وهو أنهم حبسوا أنفسهم للعمل في سبيل الله، وانقطعوا عن المكاسب وطلب الرزق؛ لأنهم ربطوا أنفسهم في سبيل الله بالجهاد في سبيل إعلاء الحق، أو بالقيام بعمل عام، وقالوا إن هذه الآية نزلت في أهل الصُّفَّة، وهم طائفة من المهاجرين الفقراء انقطعوا عن أموالهم، وأقاموا: بالمدينة لَا مرتزق لهم فيها، ينتظرون غزوة يسيرون فيها، أو سرية يذهبون معها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الصحابة ذوي اليسار باستضافتهم، فتستضيف كل أسرة واحدًا أو أكثر على حسب قدرتها، ومن بقي منهم من غير استضافة بسط النبي صلى الله عليه وسلم مائدته لهم في المسجد وأكلوا معه، وقد أقام لهم في المسجد صُفَّة، أي ظلة يأوون إليها يتقون الحر والبرد.
وعلى هذا التخريج يكون الإحصار المذكور في الآية ما يكون سببه الانصراف عن العمل بالاشتغال بعمل عام، فإن هذا يوجب على الجماعة التي يعملون فيها أن تجري على العامل ما يكفيه وأهله بالمعروف؛ فإن لم تفعل الدولة ذلك، وهي التي تمثل الجماعة، تولى الآحاد والجماعات من الناس تهيئة أسباب الرزق لهم بما يكفيهم.
ولكن الأوصاف اللاحقة لهذا الوصف تومئ إلى أن الآية الكريمة يدخل في عمومها كل فقير يتعفف عن السؤال، ولا يستطيع كسب عيشه لأي سبب منِ الأسباب المانعة أو العوقة من العمل للرزق؛ بل إن قوله تعالى:(لا يَسْأَلُونَ النَّاس إِلْحَافًا)، يجعل موضوع الآية الكريمة الفقراء العاجزين عن الكسب غير المتفرغين لخدمة عامة، لأن هؤلاء لَا يتعرضون للسؤال ثم يمتنعون عنه، إنما الذي يتعرض له، ويعف عنه هو العاجز لغير ذلك السبب.
حينئذ يكون قوله تعالى: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أعم من الحال التي ذكرها أولئك المفسرون بأن يكون معناها، أي في سبيل القيام بما يجب عليهم، سواء أكان ذلك الواجب رزقًا يطلبونه، ولكنهم يعجزون عن الحصول عليه، فهم في سبيل هذا
الطلب في سبيل الله، أم كان ذلك الواجب خدمة عامة حبسوا أنفسهم لها، أو القيام بأمر من الفروض الكفائية التي تخصصوا في بعضها كطلب العلم، فإن هؤلاء على المجتمع فرادى وجماعات وعلى الدولة أن تسهل لهم الحياة، وتمكنهم من الاستمرار على طلب ما يطلبون.
والخلاصة أن الإحصار على هذا يشمل العجز المادي عن الكسب إما لمرض أو شيخوخة أو نحوهما، أو لطلب العمل مع عدم القدرة عليه، كما يشمل الذين حبسوا لتكليف عام، والقيام بفرض من فروض الكفاية.
وأما الوصف الثاني منِ أوصاف أولئك الفقراء الذين هم أولى الناس بالإنفاق عليهم أنهم (لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ). والضرب في الأرض إما أن نقول إنه بمعنى الذهاب في الأرض والسفر فيها طلبًا للرزق؛ إذ إن هذا المسافر يضرب الأرض برجله كما قال تعالى: (وَإِذَا ضربْتُمْ فِي الأَرْضِ
…
)، والمعنى على هذا أن هؤلاء لَا يستطيعون السفر للاتِّجار وكسب الرزق.
إما أن يقال هذا، وإما أن يقال إن الضرب في الأرض بمعنى حرثها وزرعها، فإن الحارث الزارع يضرب الأرض بفأسه ويشقها بمحراثه. والأولى في نظري أن تكون كلمة الضرب في الأرض شاملة، وأن يكون النفي شاملا، أي أن هؤلاء الفقراء لَا يستطيعون العمل في الأرض بالزراعة، أو الذهاب فيها للاحتطاب والكسب، أو السفر للاتِّجار، والتنقل بين الأمصار سعيًا في الرزق، لَا يستطيع أولئك الفقراء شيئًا من هذا بسبب الحجز المادي، أو لأنهم حبسوا لنفع عام، أو واجب كفائي على العموم، وقد تخصصوا هم لأدائه، ولقد قال صلى الله عليه وسلم:" لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ "(1).
وأما الوصف الثالث من أوصاف أولئك الفقراء الذين هم جديرون بالعطاء أنهم (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ)، ومعناه أنهم متجملون لَا يعرف حالهم
(1) رواه الترمذي: الزكاة - من لَا تحل له الصدقة (589)، وأبو داود: الزكاة - من يعطى من الصدقة وحد الغنى (1392) وأحمد (6244)، وابن ماجه، الزكاة - من سأل عن ظهر غنى (1829) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
من فقر مدقع إلا أهل الخبرة بالنفوس وذوو البصيرة النفاذة، والفراسة الصادقة، فهم لا يعرفون بفقرهم وحاجتهم وعوزهم، بل يحسبهم الجاهل، أي يظنهم أغنياء ويقوم ذلك بحسبانه وتقديره من غير أمارات ظاهرة وبينات قائمة، فالظن في قوله تعالى:(يَحْسَبُهُمُ) ظن في حسبان صاحبه فقط؛ و " الجاهل " إما أن يكون المراد به من لا يعرف حالهم، أو المراد به من لَا ينفذ إلى حقائق الأمور، بل يأخذها بمظاهرها التي تبدو بادي النظر، وليس عنده إحساس مرهف يعاونه على إدراك حال هؤلاء الفقراء مما يحيط بهم لَا من مجرد الظاهر، وهذا هو الحق، و " التعفف ": يكلُّف العفة إما بالمبالغة فيها، والشدة في النزاهة، أو بمحاولة الصبر عليها وتحمل الشقة في سبيلها، أي أن الدواعي لتركها أقوى من البواعث على الاستمساك بها، ولكنه يستعين بالصبر، فيرجح العفة بعد تكلف الشقة واحتمالها. والآية الكريمة تقبل المعنيين، فإن الفقير العاجز عن الكسب عند تحمله ما يتحمل الحر الكريم في سبيل عفته، والمحافظة عليها مبالغ في العفة؛ أولا: لأن المبالغة في العفة ليست بالقدر منها، إنما يكون بقدر ما يبذل في سبيل المحافظة عليها، فالغني لَا يبالغ في العفة إن امتنع عن أخذ أموال الناس، أو طلب المعونة منهم أو أكل مالهم بالباطل، أو سرقتهم أو اغتصابهم، ولكن العاجز عن الكسب يعد مبالغًا في العفة إن امتنع عن طلب المعونة، وهو في أمس الحاجة إليها. . وهذا الفقير يبالغ في العفة ثانيًا: بتحمل المشقات والتصبر عليها وفي سبيلها.
وأما الوصف الرابع فهو (تَعْرِفهُم بسِيمَاهُمْ) وهو أمر متصل بهم وبمن يراهم من ذوي الحس المرهف، والبصيرة الخافذة، ولذا كان الخطاب في معرفة سيماهم للنبي صلى الله عليه وسلم وهو البصير النافذ البصيرة، ولمن كان مقتديًا به من كل مؤمن قوي الوجدان، ممن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:" اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "(1).
والسيما: العلامة، فما هي علامة الفقراء المتجملين الذين ستروا حاجتهم، والتي يعرفون بها؟ قال بعض العلماء: التواضع والخشوع؛ وقال بعضهم: الرثاثة ومظاهر
(1) الترمذي: تفسير القرآن - ومن سورة الحجر (3052).
الفقر؛ وقال بعضهم الجوع وآثاره والحق أن الله سبحانه وتعالى لم يبين لنا هذه العلامة التي يعرفون بها؛ ولكنه ذكر أنها تعرف لذي البصيرة؛ أي أن الشخص المدرك الفاهم يستطيع معرفتها بزكانة (1) نفسه، من لمحات الوجه، ومن تعرف مصادر الشخص وموارده، وما يحاول به ستر حاله؛ فإنه مهما يحاول الفقير التجمل والصبر فإنه لابد أن تبدو حاجته لذي البصيرة الكريم الذي لَا يعلن عورات الناس؛ فالعلامة إذن هي الظاهرة التي تبدو للفاحص الذي يُطْمَأن إليه.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى بهذا أمرين: أحدهما ينسب للجاهل وهو الظن بأنهم من الأغنياء، إذ قال سبحانه:(يَحْسَبهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ)؛ هذا ظن الجاهل بالنفوس يحسبهم لفرط تجملهم بالصبر أغنياء، والأمر الثاني أن لهم سيما ومظهرًا لَا يعرفه الجاهل، ويعرفه غيره بالنظر الفاحص العاطف، الكاشف الساتر.
وأما الوصف الخامس من أوصافهم أنهم (لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) أي أنهم لا يسألون الناس، ولا يلحفون في السؤال أو الطلب؛ ولقد قال الزمخشري في معنى " إلحافًا ":" الإلحاف الإلحاح، وهو اللزوم، وألا يفارقه إلا بشيء يعطاه من قولهم: (لحفني من فضل لحافه) أي أعطاني من فضل ما عنده "، وقال الراغب الأصفهاني:" أصله من اللحاف، وهو ما يتغطى به " وعلى هذا يكون معنى الإلحاف: هو الملازمة في الطلب وملاصقة من يطلب العطاء كملاصقة اللحاف لمن يستر به، أو الإلحاف يأخذ به الفضل الذي يعطاه.
وقد اختلف العلماء في النفي بهذه الجملة السامية: أهو نفي للإلحاف وليس نفيًا للسؤال " أي أنهم يسألون ولكن لَا يلحفون في السؤال؛ أم هو نفي للسؤال مطلقًا سواء أكان إلحافًا أم من غير إلحاف؟
قال بعض العلماء: إن النص الكريم يفيد بظاهره نفي الإلحاف لَا نفي أصل السؤال، لأن النفي منصب عليه، إذ النفي إذا كان لأمر مقيد بوصف يكون موضعه ومناطه هو القيد، لَا الأصل.
(1) الزكانة والزَّكَنُ بالتحريك التفرس والظن يقال زَكِنْتُه صالحا أي ظتته. [لسان العرب - زكن].
وقال بعض آخر: إن أولئك الفقراء لَا يسألون مطلقا لَا بإلحاف ولا بغير إلحاف؛ وإني أرى أن ذلك هو الراجح؛ لأنهم لو كانوا يسألون ما حسبهم الجاهل أغنياء من التعفف؛ ولو كانوا يسألون ما كانوا متعففين، ولو كانوا يسألون ما احتاج البصير ذو الوجدان إلى تعرف حالهم بالمظاهر والسمات؛ فإن طلبهم يغني عن التعرف، إذ هم يعرفون أنفسهم بالسؤال؛ فسياق الآية يفيد أنهم لَا يسألون مطلقا؛ ولكن لماذا كان النفي متجهًا إلى الإلحاف في ظاهره، لَا في أصل السؤال؟ فنقول في الجواب عن ذلك: إن النفي ذكر بهذه الصيغة، ليكون فيه إيماء إلى أن يوازيهم المعطي بغيرهم، وأن غيرهم يسأل الناس إلحافًا وهم لَا يسألون، فالله سبحانه وتعالى نفَى عنهم ما يقع من غيرهم، والنفي بهذه الصيغة فيه تعريض بالملحفين، وبه يبدو فضل المتعففين.
وفى الحقيقة إن نفي السؤال قد فهم فهما ضمنيا واضح الدلالة من الأوصاف السابقة؛ أما الوصف الأخير فهو ينفي عنهم ما يقع من غيرهم وهو الإلحاف، ويندر أن يكون سائل غير ملحف، وذلك لأن السؤال حيث وقع يكون التعفف قد زال، وإذا زال التعفف وجد الطلب والرغبة في الأخذ، وعند ذلك يكون الإلحاف، حتما.
وإنه بلا شك يجب على المعطي أن يبتدئ في عطائه بأولئك المتعففين الذين لا يسألون؛ لأنهم الذين يستحقون، وهم المساكين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، إنما السكين المتعفف، اقرءوا إن شئتم (لا يَسأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا "(1).
وإنه إذا أعطى هذا المتعفف يجب عليه أن يستر حاله، ولا يكشف أمره، ليكون ذلك عونًا له على تعففه وتحمله، وكل كشف له أذى، والأذى من آفات الصدقات.
(1) رواه البخاري: التفسير - لَا يسألون الناس إلحافا (4175)، ومسلم واللفظ له: الزكاة - المسكين الذي لا يجد غنى (1723).
وإذا فضل شيء بعد كفاية المتعفف أعطى السائل؛ فإن مذلة السؤال توجب العطف؛ ولذا ورد " للسائل حق ولو جاء على فرس "(1) وإن على من يعطي سائلًا أن يتعرف حاله أهو يسأل متكثرا، وهو غني أم هو فقير يسأل مستعينا؛ وليتهم نفسه وشحه قبل أن يتهم السائل؛ ولأن يخطئ في إعطاء غني عن جهالة خير من أن يخطي بمنع فقير تظنُّنًا وتأثمًا؛ فإن في الأول ثوابًا له بنيته، وفي الثاني إثما عليه بتغليب شح نفسه، وتركه فقيرًا يتضور جوعًا، مسوغًا ذلك بالظن الآثم والتهمة.
وإن الإثم في ترك السائلين يسألون إنما هو في عدم تنظيم الإحسان، وإغناء الفقراء عن مذلة السؤال.
ولقد تكلم العلماء في السؤال أهو سائغ من الفقير أم غير سائغ؛ فاتفقوا على أنه جائز عند الضرورة، وأنه لَا يصح أن يسأل من عنده قوت يكفيه. ولقد روى الإمام أحمد بن حنبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" المسألة لَا تحل إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع "(2).
وإن السؤال في غير هذه الأحوال غير سائغ، وهو داخل في عموم النهي؛ ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ، فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ "(3) فالسؤال حيث القدرة على العمل غير جائز.
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم " قالوا يا رسول الله: وما يغنيه؟ قال: " ما يغديه أو يعشيه "(4).
(1) سبق تخريجه.
(2)
قال المصنف رحمه الله: الفقر المدقع: هو الذي يلصق صاحبه بالأرض. والغرم المفظع: الدين الشديد الكثير. وذو الدم الموجع: المتحمل لدية ثقيلة الأداء. اهـ. والحديث رواه أحمد في مسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه (11830)، ورواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بأطول من هذا.
(3)
رواه البخاري: الزكاة - الاستعفاف عن المسألة (1727)، ومسلم واللفظ له: الزكاة - كراهة المسألة (1727).
(4)
جزء من حديث رواه أحمد: مسند الشاميين (16967) عن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه.
وإن كل سائل وعنده ما يغنيه يعد ملحفا، والإلحاف بكل صوره منهي عنه؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم:" من استعف أعفه الله، ومن استغني أغناه الله، ومن يسأل الناس، وله عدل خمس أواق فقد سأل الناس إلحافًا "(1).
وفى الجملة إن السؤال ذل وأمر قبيح لَا يلجأ إليه المؤمن إلا عند الضرورة، وعلى من يرى سائلًا أن يعطيه إن كان المعطِي في سعة، وإن قام في نفسه أنه غنى لا يعطيه، ولكن عليه أن يحتاط لدينه كما يحتاط لصدقته؛ وخصوصًا في عصرنا هذا الذي أهمل فيه حق الفقير، فلا يجري عليه رزق دائم من الدولة، وليس للناس مروءات يغنون بها ذوي الحاجات، فكان حقا على الناس أن يعطوا هؤلاء المحرومين، كما قال تعالى:(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ للسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ).
(وَمَا تنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) هذه الجملة السامية ختمت بها الآية الكريمة، لثلاثة أمور:
أولها: تربية الشعور بمراقبة الله في نفس المؤمن، فإنه إذا أحس أن الله سبحانه وتعالى مطلع دائمًا على كل ما يعمل من خير ومن شر، أحس بمراقبته سبحانه، ودام ذكره له، وشعوره بعظمته، فيكون في مقام العبودية الرفيع، ويعبد الله كأنه يراه، كما قال صلى الله عليه وسلم:" اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك "(2).
ثانيها: هو الإحساس برضا الله عنه عند فعل الخير، إذ إن الله يراه وهو يفعله، والإحساس بمرضاة الله مقام جليل، فرضوان الله أكبر من كل نعيم.
(1) أحمد: مسند الشاميين - حديث رجل من مزينة رضي الله عنه.
(2)
سبق تخريجه قريبا من رواية البخاري ومسلم ويخرهما عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
ثالثها: العلم بالجزاء الأخروي؛ فإن الله إذا كان يعلم الخير من الأخيار، فإنه يثيبه عليه؛ لأن الله لايضيع أجر من أحسن عملًا.
(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَلْوَالَهُم بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) هذا ختام آيات الإنفاق في سبيل الله، وقد ختم سبحانه هذه الآيات كما بدأها؛ بدأها بالجزاء الأوفى لمن يتصدق وينفق في سبيل الله، وختمها بالعاقبة الحسنى لمن يتحرى في الصدقات مواضعها، أيا كان زمنها، وأيا كان حالها، فتستوي نفقة الليل ونفقة النهار، وصدقة السر وصدقة العلن، ما دامت الصدقات قد قصد بها مرضاة الله تعالى، وسلمت من آفاتها وهي المن والأذى والرياء.
وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ) فيه بيان عموم الأزمان، فليس للصدقات وقت معلوم تقبل فيه، وآخر ترد وترفض، بل هي خير كلها، المقصود منها النفع العام، وهو متحقق فيها ليلًا ونهارًا، وغدوة وعشيا، وفي الضحى وفي الأصيل، فالعبرة بالفعل ونيته ونتيجته لَا بزمانه ولا بوقته. وقوله تعالى:(سِرًّا وَعَلانِيَةً) فيه بيان عموم الأحوال، ما دامت الصدقة قد خلت مما يرنِّق صفو الإخلاص فيها، ولا يجعلها خالصة لوجه الله الكريم. ولقد قالوا إن تقديم الليل على النهار، والسر على العلانية فيه إيماء إلى أن الأولى الإخفاء والستر؛ وإن ذلك واضح؛ لأن في الإخفاء والستر احتياطا للنفس وصونا لها عن كل ما يؤدي إلى الرياء؛ فإن الإعلان قد يؤدي إلى الحمد والثناء، وقد يستمرئ المعطي ذلك، ويستطيبه، ثم يطلبه ويقصده، وعند ذلك يدخل الرياء، إذ يجد الثغرة في هذا الموضع فينفذ إلى النفس منها.
وهناك نوع من التعميم آخر في الآية غير عموم الزمان والحال، وهو عموم الإنفاق؛ فقد قال تعالى:(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم) ولم يقل مثلًا يطعمون، فالإنفاق باب واسع يشمل الإطعام والكسوة، كما يشمل سداد الدين ودفع المغارم، وإعداد العدة في سبيل الله تعالى، وإمداد المحاربين، وشراء ما يخصص للنفع العام، كشراء عثمان بئر رومة؛ فكل هذا من الإنفاق، وعمم مع الإنفاق الأموال التي تنفق، فكله خير وكله له جزاؤه.
(فَلَهُمْ أَجْرهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنونَ) هذا جزاء الذين ينفقون بإخلاص غير مقيدين بزمان ولا حال ولا مكان، ولا قدر من الإنفاق، ولا نوع منه. والجملة موقعها من الإعراب أنها خبر والمبتدأ الذين ينفقون، ودخلت الفاء في الخبر، لأن الموصول في معنى الشرط فتدخل الفاء في خبره جوازًا، كما تدخل جواب الشرط.
والجزاء الذي ذكره سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع:
أولها: الثواب يوم القيامة، وفي الدنيا، وذلك بالبركة، وبفضل التعاون الذي توجده الصدقة والإنفاق في سبيل الله؛ ثم بالنعيم المقيم يوم القيامة. وقد سمى سبحانه وتعالى ذلك أجرًا، وسماه في مواضع أخرى جزاء، مع أنه المعطي والمانع، والرازق والباسط، وذلك تفضل منه وكرم، ولنتعلم من الله عدم المنِّ في العطاء.
والثاني من الجزاء: الأمن من الخوف؛ إذ قال سبحانه: (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) والصدقة تؤمن من الخوف في الدنيا وفي الآخرة، فهي أمن من عذاب الله يوم القيامة؛ إذ إنها تكفر السيئات، كما قال تعالى:(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. . .)، وكما قال صلى الله عليه وسلم:" الصدقة تطفئ الخطيئة "(1)، أما الأمن من من الخوف في الدنيا، فلأن الإنفاق في مواضع الإنفاق وقاية للمجتمع من غوائل الفقر، وعوامل التخريب، فلا يحصن مال الغني إلا الإنفاق في كل ما يعود على الفقير والمجتمع بالنفع، وإن الأمن من الخوف بالإنفاق واضح كل الوضوح في الإنفاق لإمداد القوات المجاهدة في الدفاع عن الأمة، كما هو واضح في سد حاجات الفقير، وتهيئة فرص الحياة الرفيعة والعمل له.
(1) سبق قريبا.
والثالث من أنواع الجزاء: نفي الحزن، والبعد عن أسبابه. والحزن هم نفسي؛ ولذا عبر عنه بالفعل الذي يصور النفس والشخص فقال سبحانه:(وَلا هُمْ يَحْزَنونَ) وهَم النفس يُدْفع بالاعتماد على الله، وطلب رضاه، واطمئنان الضمير، وبرد اليقين، وذلك كله يتحقق في الدنيا بالصدقة، وزوال الحزن في الآخرة بها أعظم وأكبر.
هذا والآية عامة تشمل كل من يسارع إلى الإنفاق في وقت الحاجة إليه في سر أو في إعلان في ليل أو في نهار، غير قاصد بما أنفق إلا الخير يبتغيه، ومرضاة الله سبحانه وتعالى، لَا يرائي ولا يمنُّ ولا يؤذي، ولقد ذكر العلماء أن الآية مع عمومها وجدت روايات في سبب نزولها.
وهذه الروايات كلها لَا تمنع عمومها، وإنها تبين فضل المنفق المخلص الذي يعم إنفاقه، ويجيء في وقت الحاجة إليه، و " الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه "(1).
* * *
(1) جزء من حديث رواه مسلم: الذكر والدعاء - فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (4867) عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)
* * *
كانت الآيات الكرِيمات من قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه كَمَثَلِ حَبَّةِ أَنْبَتَتْ سَبْع سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ. . .)، إلى هذه الآيَة الكريمةَ
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) كلها في الصدقات؛ بينت مقاصدها، وبينت آفاتها، وبينت وعاءها، وما يكون الإنفاق منه، ثم بينت مواضع الصدقات، وما ينبغي الإنفاق فيه؛ وفي هذه الآية الكريمة يبين سبحانه قبح الربا، وإن المناسبة بين الإنفاق في سبيل الله والربا، هي المناسبة بين الضدين؛ فإنه إذا تذكر الشخص أحد الضدين سبق إلى ذهنه ضده؛ وإن التضاد ثابت بين الإنفاق في سبيل الجماعة والربا من عدة نواح: من ناحية النفس التي ينبعث منها الربا، والنفس التي تنبعث منها الصدقة، فنفس الربوي نفس محب لذاته يريد أن يحتاز كل شيء، ونفس المنفق في سبيل الله نفس محب للناس ألوف، يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، ومن ناحية الحقيقة، فالربا أكل لأموال الناس بالباطل، والإنفاق بذل لمال النفس في سبيل الغير ورفعة شأن الجماعة، وأكل أموال الناس نقيض لإعطاء الناس من حر ماله. ومن ناحية النتيجة فالربا يقطع التعاون بين الناس، أو يكون التعاون قائمًا على الإثم والعدوان، بينما الإنفاق في
سبيل الله يقيم التعاون بين الجماعة والآحاد على أساس من الفضيلة، والبر والتقوى، ثم الربا يوجد قلق المرابي، والصدقة توجد اطمئنانًا وقرارًا.
فالربا والإنفاق في سبيل الله نقيضان لَا يجتمعان؛ ولذا جعلهما سبحانه وتعالى متقابلين تقابل الأضداد، في قوله تعالى:(وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ومَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ).
وقد ابتدأ سبحانه في بيان حقيقة الربا وحكمه ببيان أثره في نفس المرابي، ليعلم كل إنسان أن أثره شر في نفس صاحبه، وأن أول من يناله الضرر هو المرابي نفسه، فهو بمقدار ما يكثر من مال يكثر من الهموم؛ ولذا قال سبحانه:(الَّذِينَ يَأْكلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) فهذه الجملة السامية تصوير لحال المرابي، واضطراب نفسه، وقلقه في حياته، فالله سبحانه وتعالى يمثل المرابي في قلقه المستمر وانزعاجه الدائم بحال الشخص الذي أصيب بجنون واضطراب، فهو يتخبط في أموره وفي أحواله، وهو في قلق مستمر.
ومعنى التخبط الضرب في غير استواء؛ ولذا قيل في المثل: خبط عشواء. والمعنى على هذا أن الذين يأكلون الربا، ويتخذونه سبيلًا من سبل الكسب هم في حال لا يقرون فيها ولا يطمئنون، فلا يقومون ولا يتحركون إلا وهمُّ المال قد استولى على نفوسهم، والخوف عليه من الضياع مع الحرص الشديد قد أوجد قلقا نفسيا دائما في عامة أحوالهم، فهم كالمتخبط بسبب ما مسَّه الشيطان.
وإن تشبيه حال المرابين بحال المجنون الذي مسه الشيطان فيه إشارة إلى أن الشيطان قد يمسُّ نفس الإنسان فيصيبه. وقد أنكر ذلك الزمخشري في تفسيره، وخرج الآية الكريمة على غير المعنى الذي يفيد هذا فقال في الكشاف في هذا التعبير الكريم: وتخبط الشيطان من زعمات العرب، فورد على ما كانوا يعتقدون، والمس الجنون، ورجل ممسوس، وهذا أيضا من زعماتهم وأن الجني يمسه فيختلط عقله،
وكذلك جُنَّ الرجل معناه ضربته الجن، ورأيتهم لهم في الجنِّ قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات.
وإن هذا الكلام يفيد بفحواه أن العرب يزعمون صلة بين الجنون والجن، وأنه من مسِّ شياطين الجنِّ، وأن القرآن ورد التعبير فيه على مثل ما كانوا يعبرون، وإن لم يكن ذلك حقيقة مقررة في الإسلام عند الزمخشري.
ولكن وردت أحاديث تفيد أن الشيطان يمس الإنسان، ويكون لمسِّه أثر في فكره وعقله، فهل نترك ظواهر هذه الأحاديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي:" اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا "(1).
وفى الحق إن البحوث الروحية التي يجريها العلماء الآن في أوربا أثبتت أن الشياطين من الجن تخبط نفس الإنسان أو تمسها فيكون الجنون، وأن تلك العبارات التي كانت تجري على ألسنة العرب حقائق ثابتة الآن، فلا يسوغ لنا أن نؤول القرآن الكريم بغير ظاهره، لإنكار لَا دليل عليه.
وإن ظاهر الآية الكريمة يفيد أن هذا التمثيل هو لبيان حالهم في الدنيا، فهو تصوير لاضطرابهم وقلقهم وتخبطهم في حياتهم، وإن بدوا منظمين فهو تنظيم مادي، ومعه القلق النفسي، والانزعاج المستمر.
هذا هو ظاهر الآية، وبه قال بعض المفسرين، ولكن قال الزمخشري ومعه الكثيرون: إن ذلك التخبط من أكلة الربا هو يوم القيامة، فقال في الكشاف: " المعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف، وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا، ينهضون
(1) رواه النسائي: الاستعاذة - الاستعاذة من التردي والهدم (5436) عن أبي اليسر، وأبو اليسر هو كعب بن عمرو بن عباد الأنصاري توفى 55 هـ. وعنه أيضا رواه أبو داود: الصلاة - الاستعاذة (1328)، وأحمد: مسند المكيين (14975)].
ويسقطون كالمصروعين؛ لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض ". ونرى من هذا أن الكشاف يقصر تلك الحال التي صورها التمثيل على الآخرة. وإني أرى أنه يصور حالهم في الدنيا والآخرة؛ فهم في الدنيا في قلق مستمر، وفي الآخرة تثقلهم سيئاتهم فيتخبطون، وكأنهم المصروعون.
ولا عجب في أن تكون تلك حالهم في الدنيا، فالربويون أكثر الناس تعرضًا للأزمات القلبية، كما يعرَضون الجماعات للأزمات الاقتصادية؛ ولقد قرر الأطباء أن نسبة ضغط الدم، وتصلب الشرايين، والشلل والذبحة الصدرية عند الربويين أضعافها عند غيرهم، وما علمت ربويا مات إلا سبقه الشلل أو أخواته قبل أن يجيء إليه الموت ليستقبل نار جهنم؛ وذلك لأنهم (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّدي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) والله أصدق القائلين.
والربا معناه واضح يفهمه العامة وهو الزيادة في الذين في نظير الأجل، ولكن الذين يحاولون تطويع الشريعة لتكون أمةً ذليلة للاقتصاد الربوي عقدوا معنى الربا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولذلك وجب أن نتكلم بإيجاز في معنى هذه الكلمة.
أصل الربا من " ربا " يربو بمعنى " زاد "، أو " نما "، ثم أطلقت كلمة ربا على ذلك النوع من التداين، وهو أن يزيد المدين في الدَّين في نظير الزيادة في الأجل، وقد صار إطلاق كلمة الربا على هذا المعنى حقيقة لغوية، أو هو عرف لغوي، وهذا هو الربا المذكور في قوله:(يَا أَيُّهَا الَّذينِ آمُوا لَا تَأْكلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضاعَفَةً. . .) وقوله تعالى: (ومَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ. . .)، وقوله صلى الله عليه وسلم " ألا إن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب "(1) وهذا الربا يسمى ربا النسيئة؛ ولقد ورد في
(1) جزء من حديث طويل رواه مسلم: الحج - حجة النبي صلى الله عليه وسلم (2137)، وأبو داود في المناسك - صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1628)، وابن ماجه: المناسك (3065)، وأحمد: أول مسند البصريين (19774).
الأثر (إنما الربا النسيئة)(1) ولم يشك أحد من الفقهاء في أن هذا محرم، فتحريمه ثابت بالنص القرآني، والحديث النبوي، والإجماع الفقهي؛ ولقد سئل الإمام أحمد عن الربا المحرم قطعًا، فقال رضي الله عنه: أن تزيد في الدين في نظير الزيادة في الأجل.
وهناك نوع سمي الربا في الشرع الإسلامي، لَا في الحقيقة اللغوية، وهو ربا العقود، الثابت بقوله صلى الله عليه وسلم:" الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والآخذ والمعطي فيه سواء "(2).
وهذا النوع من الربا لم يكن معروفًا في الجاهلية، بل هو حقيقة إسلامية وردت في مقام النهي؛ ولذا يقسم الجصاص الربا قسمين: ربا غير اصطلاحي، وهو ربا الجاهلية عرفته اللغة، ولا مجال للريب فيه؛ وربا اصطلاحي، وهو الربا الذي جاء الإسلام بتحريمه.
ومع وضوح معنى الربا الجاهلي ذلك الوضوح، وهو الذي جاء بتحريمه القرآن الكريم، وجدنا ناسًا يحاولون أن يشككوا الناس في حقيقته، ليحلوا بذلك التشكيك ربا الصارف، وقد سلكوا للتشكيك مسلكين:
أولهما: أن قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً. . .)، فهموا منه أو بالأحرى حاولوا أن يفهموا الناس أن الربا المحرم هو ما يكون بمضاعفة الدين، وما دون ذلك حلال، وأهملوا قوله تعالى:(وَإِن تُبْتمْ فَلَكمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)، مع أن قوله تعالى:
(أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً مهو حال من (الربا) وهو الزيادة، أي لَا تأكلوا تلك الزيادة التي
(1) رواه البخاري: البيوع - بيع الدينار بالدينار نساء (2033)، ومسلم واللفظ له: المساقاة - بيع الطعام مثلا بمثل (2991)].
(2)
رواه مسلم: المساقاة - الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا (2971)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. كما رواه أحمد والنسائي بمثل هذا.
تتضاعف عاما بعد عام، فالمضاعفة في الزيادة لَا في أصل الدَّين، وفوق ذلك فالوصف جار مجرى الواقع من تكرار الزيادة حتى تصل إلى قدر الدَّين أو تزيد. ثم إنه من المقرر فقهًا أن النهي إذا ورد عاما ثم جاء نهي في بعض أفراد هذا العام لا يكون ثمة تعارض حتى يخصص العام، بل أقصاه أن بعض أفراد العام ورد فيه النهي مرتين، فله فضل تأكيد، وكذلك الأمر، كما في قوله تعالى:(حَافظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى. . .).
المسلك الثاني من مسالك التشكيك أنهم قالوا: إن الربا المحرم هو ما قصد فيه المقترض أن يستدين للاستهلاك لَا للاستغلال؛ فمن يقترض لشراء حاجات لازمة لنفسه أو أهله لَا يصح أن يؤخذ منه زيادة نظير الأجل، ومن اقترض ليوسع تجارته، أو ليصلح زراعته، فهو مستغل بما اقترض، فالزيادة لَا تكون ربا، بل هي مشاركة في الربح.
ذلك قولهم بأفواههم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. وإنه ينقض ذلك الزعم أمران:
أحدهما: عموم النص القرآني، فهو عام في كل قرض قد جر زيادة فوق رأس المال، بدليل (وَإِن تبْتمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ. . .). وثانيهما: أن الذين كانوا يقرضون تجارًا، وكان ربا الجاهلية في مكة التي اشتهرت بالتجارة، وكان تجارها ينقلون بضائع الروم إلى الفرس والفرس إلى الروم، وكانت أمن والشام فيهما الجلب والعرض، كما قال تعالى:(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2)، فشيوع الربا في ذلك الجو التجاري يدل على أنه كان ثمة ربا استغلال، وأن ربا الاستهلاك والاستغلال كلاهما حرام.
ولا يصح أن يسمى ربا الاستغلال مشاركة في الربح؛ لأن أصول المشاركة أن يكون ثمة شركة في المغنم والمغرم معا، لَا أن تكون الشركة في المغنم دون المغرم.
هذه حقيقة الربا، وهي واضحة إلا عند الذين يتقبلون تشكيك المشككين وقد كان أهل الجاهلية يسوغون الربا مع إحساسهم الفطري بأنه ليس أمرًا حسنا، وكانوا يسوغونه بعقد المشابهة بينه وبين البيع، ولذا قال الله تعالى فيهم وفي الرد عليهم:(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) لقد عقد أولئك المشركون مقايسة بين البيع والربا، فقالوا: إن البيع يماثل الربا، فكما أن كسب البيع حلال، فكسب الربا حلال أيضا، ولا فرق بينهما في نظرهم الكليل، كالذين قالوا مقالتهم في ظل الإسلام، لَا في حكم الجاهلية. ولكن ما الوصف الجامع في نظرهم بين البيع والربا؛ لعلهم نظروا إلى أن البيع قد يكون فيه بيع ما يساوي عشرة بخمسة عشر، فكان كسبه من تلك الزيادة، وهي حلال، فكذلك إعطاء مائة وأخذ عشرين ومائة حلال أيضا؛ وإلى أن من يقترض مالا ليتجر فيه يكسب منه وكسبه حلال بالبيع والشراء، فكذلك يكون الربا بالمشاركة في هذا الكسب؛ وإلى أن البيع بثمن مؤجل أكثر من الثمن العاجل حلال، فكذلك تأجيل الدَّين في نظير زيادة يكون حلالاً، وتكون الزيادة كسبًا طيبًا.
ذلك قولهم، وقد ردَّ الله سبحانه وتعالى قولهم بقوله:(وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) فهذه الجملة السامية رد من الله سبحانه وتعالى لقولهم، وعلى ذلك جمهور المفسرين، ويؤيده قوله تعالى:(فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ من رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ).
ومرمى الرد الحكيم، أن طالب الحق من عند الله يجب عليه أن يتلقى حكم الله من غير محاولة تشكيك ولا اعتراض، والله قد حرم الربا وأحل البيع، فحق على كل امرئ يؤمن بالله أن يذعن لحكم الله، من غير تململ ولا اعتراض؛ وإنه نظام الله الذي ارتضاه، ولم يرتض سبحانه سواه، وإن هذا الكلام جدير بأن يخاطب الذين يحاولون التخلص من النهي عن الربا بالتفرقة بين الاستدانة للاستهلاك، والاستدانة للاستغلال.
وإن التفرقة بين البيع والربا واضحة، فإن البيع موضوعه عين مغلة أو منتفع بها مع بقاء عينها، أو يجري عليها الغلاء والرخص، فكان من المعقول أن يجري
فيها الكسب أما الدَّين فموضوعه نقد لَا يغل بنفسه، ولا ينتفع من عينه، ولا يجري عليه الغلاء والرخص؛ لأنه ميزان لقيم الأشياء، فلا تتغير قيمته في الأمة، وإن اختلفت قوة الشراء به، فالتفرقة بين البيع والربا ثابتة، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلمنا الأدب في تلقى أحكامه، فلا يصح أن نقايس أمام أمر الله ونهيه، لتناقض عموم أمر الله ونهيه، وكل تفكير فيه معارضة لأوامر الله أو لنهيه فهو رد على صاحبه.
ولقد كان مقتضى القياس الظاهري أن يقاس الربا على البيع فيقال: إنما الربا مثل البيع، لَا أن يقاس البيع على الربا فيقال:(إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْل الرِّبَا) ولكن جاء سياق القول على ذلك النحو؛ للإشارة إلى أن أولئك يؤمنون بالربا أشد الإيمان، حتى إنهم ليجعلونه أصلًا في التشبيه، فيشبهون البيع به، وكأن حلَّه أصل، والبيع فرع. ولقد ذكر ابن كثير أنهم بقولهم هذا إنما يعترضون على الله في تحريمه، فاقتضى ذلك أن يكون أصلًا، وكأن مرادهم أن يقولوا: إن البيع يشبه الربا تماما، فما دام الإسلام قد حكم بتحريم الربا، فكان ينبغي أن يحكم بتحريم البيع؛ ولذلك رد سبحانه وتعالى ذلك عليهم بقوله:(وَأَحَلَّ اللَّهَ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وما كان لهم أن يعترضوا على أحكام ربهم، وهو العليم بكل أمورهم، الخبير بالصالح لهم، وينبغي أن يتلقوا أوامره ونواهيه بالإذعان الكامل؛ ولذا قال سبحانه وتعالى بعد ذلك:(فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَة مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ).
الموعظة: اسم لما يأمر الله سبحانه وتعالى زاجرًا للناس إن خالفوا، مبينًا لهم أن المصلحة في اتباعه، ضاربًا لهم الأمثال على أن فيه مصلحتهم في معادهم ومعاشهم؛ والمعنى: من جاءه الأمر من الله سبحانه وتعالى أو النهي عنه فعليه اتباعه والتفكير فيه والاتعاظ به، بالبحث عن حكمته، لَا أن يعترض عليه، ويجعل الشريعة تبعًا لهواه، ويخالف قول الرسول صلى الله عليه وسلم:" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به "(1) بأن يخضع الشريعة لأهواء الناس. وإن انتهى من جاءته موعظة
(1) سبق تخريجه. وقد صححه النووي في آخر الأربعين النووية من رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الله فله ما سلف من أمره، أي لَا يعاقبه سبحانه على ما سلف من أمره قبل وجود الأمر والنهي فالإسلام يَجُبُّ ما قبله، وقانونه لَا يطبق على الماضي قبله، فما أكله المرابي من قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه وهو ملك له، وليس له أي حق ربوي بعد التحريم، وليس كذلك من أكل الربا بعد التحريم فإنه لَا تَجُبُّه توبة حتى يعطي المال لصاحبه، لأنه أكل لمال الناس بالباطل، وقد أكل بعد النص على التحريم، فإن لم يعرف له صاحب فإن عليه أن يتصدق به، ولعل الله سبحانه وتعالى يقبل توبته.
ولقد قال الله سبحانه: (وَأَمْرهُ إِلَى اللَّهِ) أي أمر المرابي الذي رابى قبل التحريم إلى ربه، وهو العفو الغفور الرحيم؛ وفي هذا إشارة إلى أن ما يحرمه الشارع الإسلامي لَا يكون مباحًا قبل التحريم بل يكون في مرتبة العفو من الله سبحانه، وأمره إلمِه تعالت حكمته.
هذا شأن من انتهى، أما من عاد إلى الحرم بعد تحريمه، فقد بينه سبحانه بقوله:(وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
أي ومن عاد إلى حكم الجاهلية بعد إذ بين سبحانه حكم الإسلام فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. وفي هذا التعبير الكريم إشارات بيانية إلى عدة معان، منها:
أولا: تأكيد العقاب النازل بهم بالتعبير بـ " أولئك " التي تدل على البعيد، فإنهم بعيدون عن رحمة الله تعالى، والتعبير بالجملة الاسمية، وفيه فضل توكيد؛ وتأكيد القول بـ " هم "؛ والتعبير بـ " أصحاب "، فإنه يدل على ملازمة العقاب. وثانيا: أنه سبحانه قال (فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) ولم يقل فعقابهم، للإشارة إلى الملازمة بين الجريمة والعقاب، وإلى أن العقاب ثمرتها.
وثالثًا: الإشارة إلى أن المعاند لإرادة الله سبحانه وتعالى، والمستحل لما حرم الله تعالى إذ يحكم بالحل وقد حكم سبحانه بالتحريم كافر؛ ولذا حكم الله سبحانه بأنه خالد في النار، ولا يخلد في النار مؤمن.