المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قلبي على دينك " فقالت له يا رسول الله ما - زهرة التفاسير - جـ ٢

[محمد أبو زهرة]

الفصل: قلبي على دينك " فقالت له يا رسول الله ما

قلبي على دينك " فقالت له يا رسول الله ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ فقال: " يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه معلق بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ " (1).

(وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) هذا بقية الدعاء والضراعة التي تجري على ألسنة الراسخين في العلم، وهي من تعليم الله سبحانه وتعالى، وهذا الدعاء يتضمن طلب الرحمة، وقد تضمن الأول طلب تثبيت الإيمان، وهو أول أبواب الرحمة، والأصل لكل رحمة؛ فبعد أن علمنا الضراعة بأن لَا تميل قلوبنا، وجهِّنا لطلب الأثر كذَلك وهو الرحمة، ورحمة الله تفضُّل وإنعام على العبد؛ لأنه وما يملك ملك لله تعالى يتصرف فيه كما يتصرف المالك في ملكه، وليس لأحد عند رب العالمين حساب. والرحمة المطلوبة كلمة شاملة جامعة، فتجمع النصر في الدنيا والقرار والاطمئنان فيها، والنعيم في الآخرة. والتعبير بقوله تعالى:(مِن لَّدُنكَ) أي من عندك، وَلَدُن لَا تستعمل بمعنى عند إلا إذا كانت العندية في موضع خطير جليل عال. والمعنى على هذا أن الرحمة فيض من فيوض الله ينزل على عباده كما ينزل المطر من مرتفع السماء إلى الأرض. وقد ختمت الآية الكريمة بما يدل على أن هبة الرحمة شأن من شئون العلي القدير، ووصف من أوصافه، فقال سبحانه على ألسنة الضارعين المبتهلين:(إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) في هذا تأكيد رحمة الله تعالى بعدة مؤكدات، منها " إنَّ " التي للتوكيد، ومنها تأكيد الضميو بقوله " أنت " ومنها القصر، أي لَا يهب أحد سواك، وذلك بتعريف الطرفين، ومنها التعبير بصيغة المبالغة، وهي: الوهاب، وإنه سبحانه قد انفرد بالرحمة وهبة الرحمة لمن يشاء، وإن رحمته وسعت كل شيء.

* * *

(1) رواه الترمذي: الدعوات (3444) عن شهر بن حوشب رضي الله عنه، وأحمد: مسند الأنصار (25457).

ص: 1118

(رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ‌

(9)

* * *

هذه هي الضراعة الثانية التي اقترنت بآية المحكم والمتشابه في القرآن، والكلام فيها كالكلام

ص: 1118

في الآية السابقة، من حيث كون هذا الدعاء من مقول الراسخين في العلم، أو تعليم من الله للراسخين في العلم من المؤمنين، وكلاهما ينتهي إلى أن هذه الضراعة إن صدرت عن القلب تكون مانعة له من الزيغ، فإن الإيمان باليوم الآخر لبُّ الإيمان، وهو يربي الإذعان، وفيه كل معاني التفويض، وبه يستعين المؤمن على محاربة داعي الهوى والشهوة. وقوله تعالى على لسان المؤمن الراسخ في العلم:(رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) تنبيه إلى أنه في هذا اليوم يتبين الحق، ويواجه الحق والمبطل، ويعلن الذين يزيغون والذين يذعنون، ويتبين زيغ الزائغ وجزاؤه، وثمرات الإيمان وجزاؤه. وفي هذا تنبيه أيضا إلى أن اليوم الآخر لا ينبغي أن يكون محلَّ ريب، لأن الذي أخبر به هو الذي خلق الخلق، فهو الذي بدأهم، وهو الذي يعيدهم، ولأنه سبحانه ما خلق الخلق عبثا، وما ترك الأمر للباطل والمبطلين يرتعون في الأرض ويفسدون، بل جعل للحق سلطانا، وجعل له العلو، فإن لم يكن في الحال، فإنه سيكون لَا محالة في المآل، والله على كل شيء قدير.

والأساس في العلم باليوم الآخر هو إخبار الله تعالى الذي لَا يحتمل إخلافا؛ ولذلك قال سبحانه بعد ذلك: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) أي إن اليوم الآخر الذي لَا ينبغي لمؤمن أن يرتاب فيه هو وعد الله الذي وعد به المتقين، ونذيره الذي أنذر به الجاحدين الضالين، والله سبحانه وتعالى لَا يخلف اليعاد. وفى هذه الجملة السامية (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) إشارة إلى الجزاء الأخروي وما فيه من جزاء بعد الحساب، فهي تتضمن تبشيرا للمؤمنين، وإنذارا للعاصين الكافرين. جعلنا الله من المتقين المهتدين، الذين لَا يزيغون في فهم دينه، وتفهم قرآنه، والمذعنين للحق الطالبين له.

* * *

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا

(10)

* * *

كان السبب في كفر من كفر، وزيع من يزيغ، هو اغترارهم في هذه الحياة الدنيا بكثرة المال، وعزة النفر، وقوة العصبية، مما جعلهم يبغون على الناس، ويبغون على أنفسهم،

ص: 1119

فتطمس مسالك النور إلى قلوبهم؛ وإنه لَا شيء يُدَلِّي بالنفس فتعمى عن الإدراك

أكثر من الغرور؛ ولذلك ذكر سبحانه وتعالى أن هذه الأموال وأولئك الأولاد وإن كانوا العصبة أولي القوة لن تغني عنهم شيئاً. وقد أكد القول سبحانه في موضعين في قوله:

ص: 1120

(إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا) وبهذا يؤكد سبحانه وقوع الكفر منهم، ويؤكد النفي سبحانه في قوله، (لَن تغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئَا) إذ نفي بـ:" لن "؛ فالخبران مؤكدان: الإثبات والنفي؛ فكفرهم وعدم نفع أعراض الدنيا مؤكدان، وكأن مجرى القول هكذا: غرتهم أماني الدنيا بالأموال والأولاد فكفروا كفراً مؤكدا مع أنه من المؤكد أنها لن تنفعهم بأي نفع، ولن يكون فيها ما يغني عن رحمة الله التي حرموها بسبب كفرهم المؤكد، وهنا بعض إشارات بيانية منها قوله:(لَن تُعْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ) فقد قال بعض المفسرين: إن معناها لن تدفع عنهم من عذاب الله شيئا. فـ تغني معناها تدفع، والدفع المنفي هو منع العذاب، ولكن كلمة تغني لَا تدل على معنى الدفع إلا على سبيل المجاز، الذي يرشح له ويقويه قوله تعالى:(مِّنَ اللَّهِ) و " من " هنا بمعنى البدلية، والمعنى يكون على هذا: لَا تكون الأموال والأولاد مغنية أي غناء ونافعة أي نفع بدل رحمة اللهِ تعالى وقدرته وإرادته ونفعه لعباده؛ فالغاية أن الأولاد والأموال لَا تجلب رحمة بدل رحمة الله تعالى ونفعه لعباده شيئا من الغَنَاء أو النفع.

ثم قوله في نفي نفع الأولاد بعد نفي نفع الأموال (وَلا أَوْلادُهُم) إشارة إلى أن قوة النفع بمقتضى الفطرة والعادات الجارية في الأولاد أكثر؛ ولذا أكد النفي فيه بعد تأكيده أولا بتكرار " لا " كأن نفي نفع الأموال أسهل قبولا من نفي نفع الأولاد، ولذا زاده توكيدا بعد توكيد؛ وإن أولئك الكافرين إذا كانوا قد حرموا نفع الأولاد والأموال، ولم يستبدلوا برحمة الله شيئا، فلهم مع ذلك عذاب شديد، ولذا قال سبحانه بعد ذلك:

ص: 1120