الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كالبيع، ولا تجدون صديقا يدفع عنكم، ولا شفيعا يشفع لكم فيحط من سيئاتكم إلا أن يأذن رب العالمين. والمغزى على هذا يكون الوعيد فيه أشد وأوضح؛ لأن المعنى نجوا أنفسكم بالإنفاق قبل أن يكون زمان لَا منجاة فيه.
(وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ذيلت هذه الآية الكريمة بهذه الجملة السامية للإشارة إلى أن المؤمنين عدول إذا قاتلوا الكافرين؛ لأنهم هم الذين اعتدوا، وإلى أن الذي يقع بهم من عقاب يوم القيامة يستحقونه، وإلى أنهم هم الذين حركوا ذلك الشر، وأنهم هم الذين أشعلوا نيران الحروب بالشر الذي كان في نفوسهم.
ثم إن الكافرين ليس ظلمهم فقط لغيرهم، بل ظلمهم لأنفسهم، لأنهم طمسوا قلوبهم، وجعلوا أنفسهم في شدة وبلاء، ثم هم ظالمون فيما بينهم؛ كبراؤهم يظلمون ضعافهم، وضعفاؤهم يظلمون أنفسهم، بالاستضعاف والحياة الهون بينهم، وظلموا أنفسهم بأن حرموها من سعادة الإيمان وبرد اليقين ونور الحق، ورضوان الله ونعمة الله (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ. . .).
لكل هذه المعاني كانوا ظالمين، وقد أكد الله سبحانه وتعالى ظلمهم بالقَصْر، أي قصر الظلم عليهم؛ لأنه لَا ظالم غيرهم؛ وبالجملة الاسمية والضمير المنفصل.
هدانا الله إلى سبيل الحق والعدل والنور، إنه سميع مجيب الدعاء.
* * *
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
(255)
* * *
اقتتل الذين جاءوا بعد النبيين كما بينت الآية السابقة، واختلفوا في تلك الحقيقة المقررة الثابتة التي دعا إليها النبيون منذ أول مبعوث رحمة للعالمين؛ ولقد ناسب أن يبين سبحانه بعد ذكر الخلاف ثم القتال ما جعله المشركون موضع خلاف، وهو في حقيقة الأمر فوق كل خلاف إن استقامت العقول، وسلمت الفطرة، ولم يُدَسِّ النفس في الشر نازغ الشيطان، ويضل ابن آدم حتى يطمس في قلبه نور البرهان.
ولذلك قال سبحانه: (اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وهذه الآية الكريمة تذكر صفات الله تعالى وسلطانه وكمال وجوده، وفيضه بنعمة الوجود على كل شيء في الوجود. ولقد ذكر العلماء أنها تشتمل على حقيقتين مقررتين تؤكدان معنى الوحدانية، وتربيان المهابة الإلهية في قلب كل مؤمن صافي السريرة قد خلا قلبه من كل رين الشرك؛ ومن مظاهر العبودية لغير الله سبحانه وتعالى:
الحقيقة الأولى: أنها تشتمل على عشر جمل، كل جملة منها تشتمل على وصف أو وصفين فيه بيان كمال الله العلي الأعلى، وسلطانه الشامل الكامل، وألوهيته الحق المستقرة في ثنايا كل نفس إلا من ختم الله على قلبه. الحقيقة الثانية: أنها أكثر آي الكتاب الكريم ذكرًا لله رب العالمين. ولقد ذكر بعض العلماء أن الله العلي العليم ذكر فيها بالاسم الظاهر أو الضمير أكثر من سبع عشرة مرة، وقد أحصاها عدا.
ولاشتمال تلك الآية الكريمة على ذكر الاسم المقدس، وتنزيهه سبحانه وكمال سلطانه، وامتيازها بتكرار ذكر الله - ذكر كثير من العلماء أنها أعظم آية في كتاب الله، واستندوا في ذلك إلى أخبار صحاح وردت في صحاح السنة، من أقوال النبي الأمين (1). والقرآن كله فوق قدرة العقل البشرى، وهو في ذاته أعظم كتاب نزل من
(1) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ "[رواه مسلم: صلاة المسافرين - فضل سورة الكهف وآية الكرسي].
رب العالمين، لأنه كتاب الحقيقة من بدء الخليقة، ولا نرى ما يمنع أن تتفاوت آياته في العظم، وإن كان أصل العظم التسامي عن قدرة البشر محققًا مؤكدًا فيه كله، وفى كل آية بخصوصها.
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) تلك هي الجملة السامية الأولى من الجمل العشر التي اشتملت عليها الآية الكريمة، ولفظ الجلالة " الله " قال العلماء: إن أصله: إله، دخلت عليه أداة التعريف " أل " وحذفت الهمزة فصارت: الله. وهي بهذا المعنى تفيد التعريف بأنه وحده هو الإله، فهي تتضمن معنى الألوهية المنفردة، دلت على ذلك " أل " التي تفيد التعريف، فمعنى كلمة الله: الإله المنفرد بالألوهية التي لَا يشاركه فيها سواه، وعلى ذلك تكون كلمة الله تفيد معنى استحقاق العبادة، ومعنى الوحدانية، ومعنى الكمال كله، لأنه النفرد بذلك كله، فإذا أطلق اللفظ انصرف إليه، ولم يفهم منه سواه، تعالى سبحانه عن الشبيه والمثيل، والمقارب والنظير.
وإن ذلك المعنى المفهوم من لفظ الجلالة وأصل اشتقاقه قد صرح به في هذه الآية الكريمة، فقد قال سبحانه:(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فهو تصريح بما فهم ضمنًا مما قبله، فاجتمعت في الدلالة على الوحدانية الدلالتان: الدلالة التضمنية، والدلالة اللفظية، أو الدلالة بالإشارة، والدلالة بالعبارة، فكان في ذلك تأكيد فضل تأكيد لمعنى الوحدانية في الألوهية. ومعنى قوله تعالى:(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) لَا معبود بحق إلا هو، وهذا هو المعنى الذي اختاره جمهور المفسرين، وهو واضح، وفيه إشارة إلى وقائع الأمور، ذلك لأن بعض الناس عبدوا غير الله تعالى، فعبد بعضهم الشمس والكواكب، وعبد بعضهم النار، وعبد بعضهم الأوثان، واعتبروا كل هذه آلهة، فكانت عبادتهم باطلة وبغير حق إنما المعبود حقا، والمستحق للعبادة صدقا هو الله سبحانه وتعالى، وهو العليم الحكيم، العلي القدير.
ولقد سلك بعض العلماء مسلكا آخر في تفسير قوله تعالى: (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فذكر أن معنى الألوهية هو تسخير الكون كله لقوة القادر الغالب على كل شيء، وتعلق الخلق كله بخالقه، واتصاله به اتصال إنشاء وتكوين، ثم اتصال تدبير
وتنظيم، ثم اتصال خضوع وسيطرة كاملة، وتعلق به سبحانه وعلى هذا يكون المعنى: لَا منشئ ولا خالق ولا مسخر ولا مسيطر على الوجود إلا رب الوجود وهو الله سبحانه وتعالى، ولا خضوع إلا لقدرته، ولا تتعلق الأشياء إلا بذاته سبحانه وتعالى؛ وإذا كان كذلك فإنه لَا مستحق للعبادة سواه، وبذلك يجيء المعنى الأول نتيجة لهذا المعنى وثمرة له، وهما بهذا متلاقيان.
وفى الحق أن أصل اشتقاق كلمة " إله " يتضمن معاني الخلق، والعبادة، والمحبة، والضراعة إليه سبحانه. ولننقل عبارة الأصفهاني في أصل اشتقاقها، فإنها في هذا شاملة كاشفة، فقد قال:
" وإله جعلوه اسمًا لكل معبود لهم، وسموا الشمس إلها، لاتخاذهم إياها معبودًا، وألَهَ فلان يأله عَبَد، وقيل تَألَّه، فالإله على هذا المعنى هو المعبود، وقيل هو من ألَه أي تَحيَّر. . وذلك أن العبد إذا تفكر في صفاته تحير فيها، ولذا قيل: تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله. وقيل أصل إله ولاه، فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك لكون كل مخلوق وَالهِا نحوه، إما بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإما بالتسخير والإرادة معًا كبعض الناس. ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها. ودل عليه قوله تعالى: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ. . .).
(الْحَيُّ الْقَيُّومُ) هذا خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو الحي القيوم. والحي هو ذو الحياة الكاملة، والحياة الكاملة مظهرها الشعور والإدراك والعلم، وهي كمال الوجود في المحسوسات والمخلوقات، ولكنها بالنسبة لله سبحانه وتعالى صفة كمال له جلت قدرته، مظهرها العلم والإرادة والقدرة، والخلق والتكوين! فإنه وإن اشترط لفظ الحياة بين الباقي والفاني، فمعناه في الفاني لَا يليق بذاته، ومعناه في الباقي سبحانه وتعالى يليق بذاته العلية (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. . .).
والحياة على هذا صفة كمال قد وصف الله سبحانه وتعالى بها ذاته الكريمة، والعقل يوجب اتصافه سبحانه بها، لأنها من كمال الوجود، والله سبحانه وتعالى
هو وحده كامل الوجود، وفوق كل موجود. وقد ذكر الأستاذ الشيخ محمد عبده بيان وجه الكمال في صفة الحياة له سبحانه، فقال في رسالة التوحيد:
" إذ وجب أن يكون له سبحانه صفة الحياة، وهي صفة تستتبع العلم والإرادة؛ وذلك أن الحياة مما يعتبر كمالا، للوجود بداهة؛ فإن الحياة مع ما يتبعها مصدر النظام وناموس الحكمة، وهي في أي مراتبها مبدأ الظهور والاستقرار، فهي كمال وجودي، ويمكن أن يتصف بها الواجب، وكل كمال وجودي يمكن أن يتصف به وجب أن يثبت له، فواجب الوجود حي، وإن باينت حياته حياة الممكنات، فإن ما هو كمال للوجود إنما هو مبدأ العلم والإرادة، ولو لم تثبت له هذه الصفة لكان في الممكنات ما هو أكمل منه وجودا. . والواجب هو واهب الوجود وما يتبعه فكيف يكون فاقدًا للحياة ويعطيها؟ ".
وإذا كان الله سبحانه وتعالى حيًّا ذا إرادة كاملة، وعلم شامل، وقدرة قاهرة، فإن الكون نشأ بإرادته، وقام بسلطانه، وهو فوقه والمسيطر عليه، ولم ينشأ عنه سبحانه كما ينشأ المعلول عن علته، كما قال بعض الفلاسفة قديمًا، وكما يزعم بعض الماديين حديثًا، ممن ينكرون القوة الغيبية المسيطرة القادرة المريدة.
و (الْقَيُّومُ) معناه القائم بنفسه الذي لَا يقوم بغيره، فلا يحلُّ في شخص ولا في شيء؛ والقائم على كل شيء بالتدبير والحياطة والكلاءة (من يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. . .)، والقائم على كل نفس يحصي عليها ما كسبت وما اكتسبت، والقائم الداِئم الذي لَا يفنى ولا يزول.
ويظهر أن كلمة قَيُوم بهذا المعنى كانت معروفة عند العرب وصفًا لله سبحانه وتعالى؛ فقد قال أمية بن أبي الصلت:
لم تُخلق السماءُ والنجومُ
…
والشمسُ معها قمر يقومُ
قدَّره مهيمن قيومُ
…
والحشرُ والجنةُ والنعيمُ
إلا لأمْرٍ شأنُهُ عَظِيمُ
وأصل اشتقاق قيوم من قام يقوم قياما، ووزن قيوم فيعول، أصلها قيووم، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.
(لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) هذا وصف سلبي يؤكد الوصف الإيجابي السابق؛ فإن قيامه سبحانه وتعالى على الكون وكلاءته له يقتضي ألا تأخذه سِنة ولا نوم، لأن الحركة المستمرة للعالم، والبنيان الذي ارتبطت به أجزاؤه يقتضيان ألا تعرض غفلة للقائم عليه:(إِنَّ اللَّهَ يُمْسكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. . .). ولأن السِّنة والنوم من أعراض الجسم الحيواني، سواء أكان ناطقا أم كان غير ناطق، والله سبحانه وتعالى منزه عن مشابهة الحوادث، وليس سبحانه وتعالى جسما، وليست له أعراض أي جسم. والسِّنة هي النعاس، وهو ما يسبق النوم من فتور، وقيل إن السِّنة أسبق من النعاس، وذلك أنه تحدث ثلاث مراتب عند وجود أسباب النوم: أن يُحِسَّ الشخص بفتور ويبتدئ يفقد سيطرته على أعضائه، ثم يجيء النعاس، فتتراخى العين، وتبتدئ الأعضاء كلها في التراخي، ثم يحصل النوم، وبه يفقد الشخص وعيه، ولذا قال المفضل:" السِّنَة، من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب " والسِّنة أصلها وَسْنة، حذفت الواو ثم كسرت السين ليمكن الابتداء بها، ففعلها وسَن. وقد قال عَدِي بن الرِّقاع:
وَسْنان أقْصَدَهُ النُعَاسُ فَرَنَّقَتْ
…
فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنَائِم
ولقد كان مقتضى النسق أن ينفي عنه سبحانه النوم، ثم ينفي السِّنة، لأن نفي النوم لَا يقتضي نفي السِّنة، وعلى العكس نفي السِّنة يقتضي نفي النوم.
ولكن عدل عن ذلك، بنفي السِّنة ثم نَفى النوم لمعنى بلاغي، ذلك أن الترتيب الطبيعي لهذه الحقائق في الوجود أن السِّنة تسبق النوم، وإن ذلك الترتيب الطبيعي يعطي للقارئ صورة حية للتالي لكتاب الله تعالى، إذ يتصور الذين يعرض لهم النوم كيف يبتدئ بالسنة ثم النعاس ثم النوم، وإذا تصور ذلك المنظر الطبيعي تصور معه الضعف الإنساني أمام سلطان النوم بمقدماته، وإذا تصور ذلك تبينت له استحالة
ذلك على الله سبحانه وتعالى القوي القادر القاهر لكل شيء، فكان ذلك الترتيب الطبيعي فيه إشارة إلى دليل مانع من أن يوصف المولى العلي القدير بهما.
وفى التعبير بقوله سبحانه: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) إشارة أخرى إلى استحالة قيامهما بالذات العلية فقوله: (لا تَأْخُذُهُ) فيها دلالة على القوة القاهرة للنوم، وأنها تأخذ الحيَّ أخذًا، وتقهره قهرًا، وذلك مستحيل أن يكون للقاهر فوق عباده.
والنوم معروف، وهو حقيقة ترى، كما يرى الضوء، وكما تحس الحرارة، ولكن ما سببه؛ وقد اتفق المتقدمون والمتأخرون على أن سببه التعب الجسمي، وإن كانت عباراتهم مختلفة في تأثير التعب على الجسم حتى يكون منه النوم، فيقول البيضاوي في تفسيره:" النوم حال يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا ".
وقال علماء العصر: (إن النوم وقوف سلطان المخ على الأعضاء بسبب ما تولده الحركة من السموم الغازية المؤثرة في العصب). وقيل بسبب ما تفرزه الحويصلات العصبية من الماء الكثير وقت العمل، فكثرة هذا الماء تضعف قوة تأثير المخ في العضلات، فيحدث الفتور، فيكون النوم، ويستمر ذلك إلى أن يتبخر ذلك الماء، وعند ذلك تتنبه الأعصاب ويرجع إليها تأثرها وإدراكها ".
(لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) في هذه الجملة السامية إثبات كمال سلطانه سبحانه، وتمام سيطرته على الكون؛ لأنه ملكه، ولا مالك فيه غيره. وذكر السماوات بالجمع، للإشارة إلى ملكية كل دقائقها، وكل نواميسها وسننها، فهو الذي يغير فيها ويبدل، وهو الذي أوجدها على ذلك النسق البديع المحكم الذي ربط أجزاءها بأواصر قوية. وكان إفراد الأرض مع جمع السماوات للإشارة إلى وحدتها في الجملة بالنسبة لعالم السماوات، وإن كانت الأرض طبقات؛ وللإشارة إلى أن ما في الأرض ليس إلا مظهرًا من حركات السماء، وأن الأرض شيء صغير بجوار السماوات وما فيها.
والجملة السامية تفيد الملكية المطلقة لرب العالمين، فيملك ما فيها من حي وجماد، ومن ناطقين وغير ناطقين، والجميع في قبضة العليم الخبير.
وتقديم الجار والمجرور وهو " له " لإفادة القصر، أي ملك السماوات والأرض له سبحانه، فليس لأحد سواه، فهو المنفرد بالسلطان فيها، والملكية لها؛ فهذا القصر يدل على الوحدانية في الخلق والتكوين، كما يدل قوله تعالى:(لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. . .) على الوحدانية في العبادة.
(مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الاستفهام في هذه الآية إنكاري: لمعنى النفي، أي لَا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، وسيق النفي بطريق الاستفهام للإشارة إلى استحالة ذلك كأنه قد سئل وبحث عن نظير تكون له قدرة الخالق الباري حتى يكون شفيعًا عنده قريبًا منه يؤثر في إرادته، فلم يوجد، لأن ذلك مستحيل استحالة مطلقة.
والشفيع يكون: لمعنى النصير للمشفوع لأجله، المعاضد له، ويكون في مرتبة المشفوع عنده أو قريبًا منه؛ لأنه يؤثر في إرادته، ويحوله من نظر إلى نظر، وله معه أو عنده سلطان أو شركة في أمره؛ وإن ذلك مستحيل على الله سبحانه وتعالى، فلا نظير له سبحانه؛ إنه القادر فعال لما يريد، فلا إرادة لأحد بجوار إرادته سبحانه، إنما الإرادة له وحده؛ ولذلك كان أكثر العلماء على أن هذه الجملة السامية سيقت لبيان عموم سلطانه، وأنه قد انفرد بالتدبير، فلا إرادة لأحد في سلطانه غير إرادته.
ولقد قال البيضاوي، وهو من أئمة أهل السنة، في تفسير قوله تعالى:(مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)" بيان لكبرياء شأنه، وأنه لَا أحد يساويه أو يدانيه، يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة، فضلا عن أن يعاوقه عنادًا أو مناصبة أي مخاصمة ".
وإنه من كمال سلطانه وشمول إرادته أنه لَا إرادة لأحد إلا مشتقة من إرادته؛ ولذا كان الاستثناء في قوله تعالى: (إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي أنه لَا يكون لأحد إرادة إلا إذا كانت مستمدة من إذنه؛ فهو المسيطر على كل شيء، يعطي من يشاء ويمنع من
يشاء، ويأذن لمن يشاء، ويعطي لمن يشاء إرادة في سلطان إرادته، هو المنفرد بالأمر والتدبير.
وأصل كلمة الشفاعة من الشفع بمعنى الضم، ولقد وضحها الأصفهاني في غريب القرآن، فقال:
" الشفع ضم الشيء إلى مثله. . والشفاعة الانضمام إلى آخر مناصرًا له وسائلا عنه؛ وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في القيامة؛ قال تعالى: (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)، وقال تعالى: (لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن. . .) ".
وترى أن هذه الآية الكريمة على تخريج كثير من المفسرين لَا صلة لها بالشفاعة يوم القيامة، التي هي موضع خلاف فينفيها المعتزلة، ويؤولون الآية الواردة بها بأنها معلقة على الإذن، ولم يثبت تحقق ذلك الإذن بدليل قطعي، وما ورد من الأحاديث المثبتة للشفاعة المفصلة لما يجري فيها يوم القيامة من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هي أحاديث آحاد، وأحاديث الآحاد لَا تثبت بها العقائد، والإيمان بالشفاعة يوم القيامة لَا يسوغ أن يثبت إلا بدليل قطعي لَا شبهة فيه.
والجمهور على إثبات شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم بإذن ربه، تكريمًا له عليه الصلاة والسلام، ورحمة بالناس، وعفوًا من الله العلي القدير، والأحاديث الواردة في هذا الباب صحيحة كثيرة، قد أثبتت في الصحاح من كتب السنة، فلا يصح أن ينكرها أحد، وإن لم تبلغ في قوة الاستدلال بها مبلغ الدليل القطعي الذي لَا شبهة فيه، ولا يدخله الاحتمال قط.
ولقد قرر الزمخشري وهو من المعتزلة أن هذه الجملة السامية لَا تثبتها، وقال في ذلك:(مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) بيان لملكوته وكبريائه، وأن أحدًا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام، كقوله تعالى:(لا يَتَكَلَّمُونَ إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن. . .).
(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) هذه الجملة تأكيد لنفي الشفاعة وتأكيد لكمال سلطان الله سبحانه وتعالى في هذا الوجود. والضمير في أيديهم وخلفهم يعود إلى ما في السماوات وما في الأرض؛ وعبر بضمير الذكور العقلاء تغليبًا لجانب العقلاء في السماوات والأرض من ملائكة أطهار وأناسي سواء أكانوا أشرارًا أم كانوا أبرارًا؛ وما بين أيديهم هو ما يعلمونه من شئون سابقة أو حاضرة، وما وقع منهم مما يوجب الحساب والجزاء من ثواب أو عقاب. وعبر عن هذا بما بين أيديهم؛ لأنه حاضر يستطيعون أن يعرفوه؛ ولا عجب في أن يعرف الإنسان ما وقع في الماضي؛ فهو من حيث التمكن من معرفته كالشيء الذي يكون بين يدي الإنسان من حيث إنه يكون محضرا مهيئًا، وكذلك يكون مما بين يدي الإنسان المحسوسات والمعلومات التجربية التي يمكن الإنسان بعقله أن يدركها. وأما ما خلفهم فهو ما يكون علمه مغيبا عنهم، إما لأنه في ذاته خفي لَا يدرك كنهه، ولا تعلم حقيقته؛ وليس في طاقة العقل البشرى - من غير استعانة بالنقل - معرفته؛ وإما لأنه أمور ستقع في المستقبل قد غيب عن البشر العلم بها، ومنه ما يكون يوم القيامة، أو اختص بها عالم الغيب في السماوات وفي الأرض، وعبر عن ذلك النوع من العلم بأنه (خَلْفَهُمْ) لأنه يخلفهم في زمانه، ولأنه مستقبل وليس من مستدبر الماضي.
وإن العلم بالماضي والحاضر والمستقبل - وما وقع وما لَا يقع ينفي الشفاعة بمعنى أن يستنزل الشفيع المشفوع عنده عما اعتزم وأراد؛ لأن ذلك يقتضي ألا يكون عالما بما مضى أو بما يكون، إذ الشفيع ينبه المشفوع عنده بما غاب عنه من أمر، وذلك لَا يليق في حق العليم الخبير، وهو ينافي علمه بالماضي والقابل وما يقع في الحس، وما يكون في الغيب؛ ولذلك أجمع علماء المسلمين على نفي الشفاعة بهذا المعنى، إذ الشفاعة التي قررها جمهور أهل السنة هي الشفاعة لمن ارتضى، والتي قدر الله سبحانه وتعالى إجابتها تكريمًا للشافع، ورحمة بالمشفوع لأجله.
(وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) هذه الجملة السامية بيان لنقصان علم المخلوق بجوار علم الخالق، والعلم المراد به المعلوم، أي لَا يحيطون بشيء من
المعلومات التي يعلمها الله سبحانه وتعالى. والإحاطة معناها هي العلم الكامل بالأمر فيدركه العقل إدراكا ويستولي عليه استيلاء، كما تحيط الدائرة بكل أقطارها وما في داخلها. وهذه الجملة السامية تدل على نقص العلم البشرى من ناحيتين: أولاهما: أن أحدًا من البشر لَا يستطيع أن يعلم كل شيء، بل إن ما يجهل أضعاف كثيرة مما يعلم، كما قال تعالى:(وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).
الثانية: أن الجزء الذي يعلمه البشر من الأشياء علمه فيه ناقص كل النقص، وهذا ما قرره سبحانه في قوله تعالى:(وَلا يحِيطونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ) أي أنهم لا يعلمون شيئًا واحدًا علم إحاطة واستغراق لكل ما يشتمل عليه، وعلم الإحاطة هو العلم الكامل. ولقد فسره الأصفهاني بقوله " الإحاطة بالشيء علمًا هي أن تعلم وجوده، وجنسه، وكيفيته، وغرضه المقصود به وبإيجاده وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلا لله تعالى ".
وعلم الإنسان لَا يكون إلا بالقدر الذي يشاؤه الله سبحانه وتعالى، ولذلك كان الاستثناء في قوله سبحانه:(إِلَّا بِمَا شَاءَ) إذ إنه إذا كان علم الإحاطة الكامل لشيء لَا يمكن أن يكون إلا لله العليم الخبير، فالله سبحانه يعطي البشر من العلم ببعض الأشياء بالقدر الذي يريده سبحانه ويقدره، وقد خلق البشر على استعداد له.
(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) الكرسي في تعارف الناس ما يقعد عليه، وهو منسوب إلى الكرس بمعنى المجتمع، ومنه الكُرَّاسَة للمتَجمِّع من الأوراق ويقال كَرِس الرجل كثر علمه.
والعلماء في تفسير معنى الكرسي هنا على وجهين:
أحدهما: أن لله سبحانه وتعالى كرسيا وعلينا أن نؤمن بوجوده وإن كنا لا ندرك كنهه ولا نعرف حقيقته، إذ ليس ذلك في مقدور العقل البشرى، ومن هؤلاء العلماء من قال: إن الكرسي هو العرش، وقد قبله الزمخشري احتمالا للآية؛
وروى في ذلك قول الحسن البصري: " الكرسي هو العرش " وقد اختار ذلك الوجه جمهور المفسرين.
الوجه الثاني: أن الكرسي في الآية كناية عن عظم السلطان ونفوذ القدرة وشمول الإرادة، فهو كقول بعض الناس: شمل كرسي الملك الفلاني ربع أقطار الأرض والمراد نفوذ سلطانه، وعظم دولته.
أو يكون الكرسي كناية عن عظم العلم وشموله واتساعه. وتفسيره بعظم السلطان يتناسب مع قوله تعالى بعد ذلك: (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) وتفسيره بمعنى شمول العلم يتناسب مع قوله سبحانه قبل ذلك: (وَلا يحِيطُونَ بشَيْءٍ مِّنْ علْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) ولذلك يصح أن نقول إن قوله تعالى: (وسِعَ كُرْسِيُّه السًّمَوَاتِ وَالأرْضَ) كناية عن عظيم قدرته ونفوذ إرادته، وواسع علمه، وكمال إحاطته.
وإن ذلك الوجه قد ورد عن السلف، كما ورد الوجه الأول عن السلف؛ فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:" كرسيه علمه " وروى مثل ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقد اختار ذلك المفسر السلفي ابن جرير الطبري.
وقد لخص الآراء ووجهها توجيها جيدًا الزمخشري في تفسيره، فقال: " وفى قوله وسع كرسيه أربعة أوجه:
أحدها: أن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته، وما هو إلا تصوير لعظمته، ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد كقوله تعالى:(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ. . .). من غير تصور قبضة وطي ويمين، وإنما هو تصوير لعظمة شأنه وتمثيل حسي.
والثاني: وسع علمه، وسمي العلم كرسيًا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم.
والثالث: وسع ملكه، تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك.
والرابع: أنه خلق كرسيًا هو بين يدي العرش، دونه السماوات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء. وعن الحسن (الكرسي هو العرش).
وعندي أن أجود هذه الوجوه هو أن يكون كناية عن سعة الملك وسعة العلم، وهو المناسب لنسق الآية الكريمة، وهو تفسير ترجمان القرآن عبد الله بن عباس.
(وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) هذا وصف يدل على كمال قدرته، وعظيم حياطة خلقه، ومعنى (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) لَا يثقله ولا يتعبه حفظ السماوات والأرض وكلاءتهما، لأن ذاته العلية منزهة عن التعب، إذ هو من صفات الأجسام الحيوانية، والله سبحانه وتعالى منزه عن مشابهة الحوادث.
وأصل آدَ من الأود بمعنى العوج، فآده يؤده بمعنى عوجه بثقله وعبئه. وإن ذلك النص الكريم يدل على أن كل شيء في الكون في حفظ الله وحياطته؛ فالسماء بأفلاكها وطبقاتها وكواكبها، وكل ما فيها يسير على نظام محكم محفوظ بعناية بديع السماوات والأرض، والأرض وما عليها ومن عليها، وما فيها ظاهرًا وباطنًا، كل ذلك في حفظ الله خاضع لقوانينه التي سنها في خلقه، ولا شيء يكون فيها أو منها إلا بإرادته سبحانه (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ في عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبيرُ الْمُتَعَالِ).
(وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) هذان هما الوصفان الشاملان لكل الأوصاف السابقة؛ فالله سبحانه هو العلي: علا بصفاته وذاته عن مشابهة المخلوقات، وعلا أيضا على خلقه بمعنى سيطر عليهم، وسيرهم، فالعلو يشمل معنيين:
أولهما: علو المنزلة والقدر، وذلك متحقق بتنزهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين وأنه فوق كل موجود.
وثانيهما: علو السلطان؛ والقدرة - والقهر - ومن هذا الباب لغة (لا معنى لأنه يناسب المقام هنا) قوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا. . .). والله سبحانه غالب على كل شيء، قاهر كل شيء، وهو فوق عباده. هذا هو الوصف الأول. أما الوصف الثاني فهو عظم الذات العلية وصفاتها،
فذاته العلية جلت عن المشابهة، وهو الخالق القاهر القادر، وهو وحده الإله المعبود بحق، وهو الذي يسبح كل شيء في الوجود بحمده، فهو العظيم وحده، والمعبود حقا وحده، المعظم وحده. وإذا كانت غواشي الحياة قد أضلت الأكثرين فلم يدروا عظمته في الفانية، فستتجلى لهم عظمة ذي الجلال في الباقية، وهم من خشيته مشفقون (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112).
أما بعد، فهذه آية الكرسي، أعظم آية في كتاب الله، كما ورد في بعض الآثار المثبتة في الصحاح؛ وإنها لتدل على وحدانية الله تعالى بكل شعبها؛ ذلك بأن الوحدانية لها شعب ثلاث: وحدانية الألوهية، وقد دلت عليها بقوله تعالى:(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هوَ) ووحدانية الخلق والتكوين فلا خالق مع الله تعالى، ولا إرادة تمنع إرادته، وقد دل على ذلك بأكثر ما في الآية الكريمة كقوله سبحانه:(الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وقوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) والشعبة الثالثة وحدانية الذات والصفات، بمعنى أنه لَا يشبهه شيء أو أحد من خلقه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. . .)، وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله تعالى:(لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) وبقوله تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) تعالى الله رب العالمين علوا كبيرًا؛ تولانا سبحانه بعنايته وتوفيقه وهدايته.
* * *
(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)
* * *
في الآيات السابقة بين الله سبحانه وتعالى أمرين:
أحدهما: المغالبة بين أهل الحق وأهل الباطل، وأن تلك مشيئته الأبدية الأزلية منذ خلق بني آدم على ذلك التكوين الذي يضم فيه كل آدمي بين جنبيه نزوع الخير ونزوغ الشر، ومنذ قال لآدم وحواء وإبليس:(. . . اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ).
الأمر الثاني: هو ما يجري حوله الخلاف بين أهل الحق الذين يستمسكون بالهدى والنور، وأهل الباطل الذين يستمسكون بالضلالة؛ وذلك الأمر هو وحدانية الله سبحانه وتعالى في الألوهية، وفي الخلق والتكوين، وفي المشيئة والإرادة وفي الذات والصفات:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وإن هذا أمر تقره بداهة العقول، ولا مجال فيه للريب فما كان ينبغي القتال حوله، ولكن من ضل وغوى أيجوز إكراهه على الدخول في ذلك النور بحكم تلك المغالبة بين الحق والباطل القررة في هذا الوجود؟ أجاب الله سبحانه وتعالى عن ذلك السؤال الذي يتردد في قلب كل من يؤمن بالحق، إذ يكون واقفًا أمام حق نير واضح مستبين، ولجاجة في باطل مظلم، وقد تكون الهداية أن يقضى على تلك اللجاجة الآثمة.
وقد كان جواب الله العلي القدير، كلامًا محكمًا لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو قول الحق:
(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي) نفت الجملة الأولى من هاتين الجملتين الساميتين الإكراه في الدين، وبينت الجملة الثانية علة هذا النفي، وكيف تدرك الأديان، ومهمة الداعي إليها؛ فأما النفي الذي قررته الجملة الأولى فهو يتضمن أمرين:
أحدهما: تقرير حقيقة مقررة ثابتة، وهو أن الإكراه في الدين لَا يتأتي؛ لأن التدين إدراك فكري، وإذعان قلبي، واتجاه بالنفس والجوارح بإرادة مختارة حرة إلى الله سبحانه وتعالى، وتلك معان لَا يتصور فيها الإكراه؛ إذ الإكراه حمل الشخص على ما يكره بقوة ملجئة حاملة، مفسدة للإرادة الحرة، ومزيلة للاختيار الكامل، فلا يكون إيمان ولا تدين، إذ لَا يكون إذعان قلبي، ولا اتجاه حر مختار بالنفس والجوارح إلى الله رب العالمين.
الأمر الثاني: الذي تضمنه نفي الإكراه هو النهي عن وقوعه، فلا يسوغ للداعي إلى الحق أن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؛ لأن الإكراه والتدين نقيضان لا يجتمعان، ولا يمكن أن يكون أحدهما ثمرة للآخر، ونتيجة له؛ لأنه كلما حمل الإنسان على أمر بقوة قاهرة غالبة ازداد كرهًا له ونفورًا منه.
فالنفي عن الإكراه إذن تضمن نفي تصوره في شئون الدين، ونفي المطالبة به، أو بالأحرى نهي الداعي إلى الحق عن سلوك سبيله؛ لأنه ليس سبيل المؤمنين، وليس من الموعظة الحسنة في شيء:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمن ضَلَّ عَن سَبِيلِه وَهُوَ أَعْلَمُ بالْمُهْتَدينَ).
هذه معاني الجملة الأولى السامية، أما الثانية وهي:(قَد تَّبَيَّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، فمعناها قد تبين وجه الحق ولاح نوره، وتبين الغي، وهو الضلال والبعد عن محجة الحق، وطمس معالمه، وهذه الجملة السامية تفيد أمرين كسابقتها:
أحدهما: أن طريق التدين هو بيان الرشد، وبيان الصواب، وبيان الضلال في وسط النور؛ فمن رأى الحق بينًا فقد أدرك السبيل، وعليه أن يسير فيها، وليس لأحد أن يحمله حملا؛ لأنه لَا سبب للتدين إلا المعرفة، بإدراك الحق وغايته، ومعرفة الباطل ونهايته. وذلك المعنى في مرتبة التعليل للنهي عن الإكراه ونفيه، لأنه إذا عرف الحق معرفة مثبتة له بالأدلة القاطعة، وعرف الباطل معرفة مبينة وجه الضلال فيه، فقد توافر سبب التدين، ومن كفر بعد ذلك فعن بينة كفر، ولا سبيل لهدايته، وليتحمل مغبة كفره بعد هذه البينات الواضحة الكاشفة.
الأمر الثاني: الذي يدل عليه قوله تعالى: (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي)، هو بيان أقصى قدر من التكليف للداعي إلى الحق من الرسل ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فليس على الداعي إلى الحق إلا تكليف واحد، وهو بيان الرشد من الغي، فهو لم يكلف حمل الناس على الهدى، إنما هو مكلف أن يبين الهدى من الضلال، والهداية بعد ذلك من الله سبحانه وتعالى:(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. . .).
وإذا كان الرشد قد تبين من الغي وتميز، ولم يعد مختلطا به، بل خلص منه، وخرج نيرًا واضحًا. كما يخرج أشور من الظلمة عند انبثاق فجر الحقيقة، وظهوره ساطعًا منيرًا هاديًا، إذا كان الأمر كذلك فعلى كل طالب للتدين أن يسلك سبيل الحق، ومن بقي مترديًا في الباطل، فعليه إثم بقائه، وما عليك من أمره شيء، ولذا قال سبحانه:(فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوت وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا) الطاغوت أصله مأخوذ من الطغيان، ويؤدي معنى الطغيان، وإن اختلف علماء اللغة في أصل اشتقاقه، وفي وزنه الصرفي.
والطاغوت يطلق في القرآن على كل ما يطغى على النفس فيسيطر عليها، أو على العقل فيضله، أو على الأمة فيتحكم فيها ظلمًا، أو على الجماعة فينشر فيها أهواء مردية، وآراء فاسدة؛ ولذلك يطلق الطاغوت على الكاهن، والشيطان، وكل رأس للضلال. وقد جاء في تفسير القرطبي: قد يكون واحدًا؛ قال الله تعالى:
(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)، وقد يكون جمعًا، قال الله تعالى:(أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغُوتُ. . .).
وما المراد بالطاغوت هنا؛ الظاهر أن الطاغوت هو كل طغيان يطغى على النفس أو العقل أو الجماعة، فيتسلط عليه، ويمنعهم من اتباع الحق من زعماء يقودونها إلى الضلال، أو ملوك يسوقونها إلى الباطل سوقا؛ ولعل أظهر معاني الطاغوت أن يفسر بالملوك المتحكمين والكبراء المتجبرين الذين يفتنون الناس عن دين الحق، ويكرهونهم على اعتناق الباطل. وقد سوغ لنا استظهار ذلك ما جاء من نفي الإكراه في الدين سابقًا لهذه الجملة السامية، وما سيق بعد ذلك من قصة ملك متجبر يريد أن يتحكم في عقائد الناس وأهوائهم، فإن ذلك يومئ لنا أن نفهم من كلمة الطاغوت بأنه الحاكم المتجبر، أو الكبير المسيطر، أو الملك القاهر بالباطل، ويكون المعنى: فمن يكفر بالطاغوت، أي يزيل سلطان المتجبرين عن نفسه، ويمنع تحكم المسيطرين على قلبه، ويحرر عقله من أوهام الطغيان، ويؤمن بالله، فقد استمسك بالعروة الوثقى. أي اعتمد على جانب قوي، وعماد على لَا يهن من اعتمد عليه، ولا يسقط من ركن إليه، وفي ذلك إشارة إلى أمرين:
أحدهما: أن لَا يحجب النفوس عن الإيمان بالله إلا طغيان المتجبرين عليها، وسيطرة أوهام الكبراء، فمن تحرر من ربقة الطاغوت تتكشف له الحقيقة العالية فيؤمن بها، ويدركها، ويعتصم بالله سبحانه وتعالى.
ثانيهما: إرشاد ضعفاء النفوس ومن أصاب الخور عزائمهم وأماتت الأوهام ثقتهم بأنفسهم أنهم إن رفضوا سلطان الطغاة، وحاجزوا بينهم وبين قلوبهم، فقد أمِنُوا، ولن يصيبهم ضير إن آمنوا؛ لأنهم آووا إلى ركن شديد، وإلى معتصم حصين، فلن تضيرهم مخالفة الملوك وغيرهم؛ لأن سلطانهم وهمي، وسلطان الله حقيقي، وقوتهم فانية، وقوة الله أزلية باقية، فمن آمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لَا انفصام لها.
والعروة في أصل معناها اللغوي تطلق على ما يتعلق بالشيء من عراه أي ناحيته، فالعروة من الدلو والكوز المقبض، ومن الثوب مدخل الزر؛ وتطلق العروة أيضا على الشجر الملتف الذي تأكل منه الدواب حيث لَا كلأ ولا نبات.
والوثقى مؤنث الأوثق، وهو الشيء المحكم الموثق، وتطلق كلمة الموثق أيضا على الشجر الذي يتجه إليه الناس عندما ينقطع الكلأ. والانفصام الانكسار، وهو مطاوع فصم بمعنى كسر؛ وإنما تكون المطاوعة حيث يحتاج الفصم إلى معالجة، أي أن الشيء المفصوم يكون قويا، بحيث يعالج الشخص كسره حتى ينكسر بعد طول المحاولة وعلى ذلك فالعروة الوثقى في الآية إما أن تخرج على أنها الحبل الموثق الشديد الأسر الذي يربط بين شيئين، ويكون المعنى: من آمن بالله وكفر بالطاغوت فقد استمسك، أي أمسك بقوة وشدة طالبًا العصمة بحبل موصول موثق قوى لا انفصام له. وقد تخرج العروة على أنها الشجر الذي لَا يوجد سواه للمرعى والغذاء، فيكون من كفر بالطاغوت وآمن بالله فقد اتجه وأخذ الجانب المفيد المربى المغذى وترك الجدب الذي لَا يجدي. وقد مال الزمخشري إلى التخريج الأول، وهو عندي أوضح وأشهر.
والاستمساك كما أشرنا هو الإمساك المطلوب المستقر؛ لأن السين والتاء تدل على الطلب، والطلب هنا يفسر بأنه هجر الطاغوت طلبًا للاعتصام بهذا الجانب القوي الذي لايضل من طلبه، ويصل إليه من اعتمد عليه ولم يطلب سواه. وقد ذكر الزمخشري في تفسيره أن هذا التعبير الكريم كله (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا) فيه تمثيل وتصوير للمعاني السامية بالأشياء المحسوسة فقال:(هذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوره السامع كأنما ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده والتيقن به).
هذه هداية الله سبحانه وتعالى، لَا يكره أحد عليها، ولكن يدعى الناس إليها بالبينات الواضحة التي يتميز بها الخير من الشر، والحق من الباطل، والنور من
الظلام، وبعد ذلك " يكون الأمر لله تعالي، ولقد ذيل سبحانه الآية بقوله تعالي (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وفي هذا إشارة إلى أمرين جليلين:
أولهما: رقابة الله سبحانه وتعالى في الدنيا رقابة العليم الخبير، فهو يعلم علم من يسمع همسات القلوب، وخلجات الأنفس، وهو وحده المتصف بالعلم المطلق الذي لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا في الأنفس؛ وإذا كان المؤمن يحس برقابة الله تعالى المطلقة فإنه يتجافى عن المعاصي، ويبتعد عنها استحياء من الله، فقوة الإحساس بعلم الله ترهف وجدان المؤمن وهذا مقام الإحسان كما في الحديث الشريف " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك "(1).
الأمر الثاني: التنبيه إلى ما يترتب على العلم من الرضوان والثواب المقيم الدائم لمن أطاع الله وطلب رضاه، والعذاب الأليم وغضب الله لمن عصاه سبحانه.
هذه الآية الكريمة واضحة كما قررنا في حقيقتين ثابتتين:
إحداهما: أن التدين لَا يكون مع الإكراه، لأن الإكراه ينافي الاختيار الحر، والتدين طلب الحق والأخذ به في حرية واختيار لَا تشوبهما شائبة.
الحقيقة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى ينهى عن الإكراه في الدين، وحمل الناس عليه بقوة السيف حتى لَا يكثر النفاق والمنافقون. وكثرة المنافقين، وإن كثر عدد المسلمين في الظاهر، تفسد جماعتهم في الحقيقة والواقع.
ولكن مع هذا الحق السائغ، والنور المبين، وجدنا الكثيرين يدَّعون أن هذه الآية منسوخة، وادعوا أن الذي نسخها قوله تعالى في آيات كثيرة من آيات الجهاد ما يدل على القتال، حتى يكون الإسلام مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ
(1) جزء من حديث جبريل الشهير، متفق عليه؛ من رواية البخاري (48)، ومسلم (10): كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وَالْمُنَافقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ. . .)، ومثل قوله تعالى: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بًأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ
…
)، وقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123).
ففي هذه الآية تصريح بالقتال والغلظة مع الكفار، وفي بعضها جعلت غاية القتال أن يسلموا، ولقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل:" أسلم " قال إني أجدني كارهًا، فقال صلى الله عليه وسلم:" وإن كنت كارها "(1).
والحق أن حكم هذه الآية (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ماض إلى يوم القيامة؛ لأنها تؤيد حقيقة ثابتة، وتزكيها آيات أخرى، وأحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله سبحانه وتعالى يقول:(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِينَ).
وإن الباعث على القتال كما تصرح آيات القتال هو دفع الاعتداء، فقد قال تعالى:(أُذنَ للَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)، وقال تعالى:(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا. . .)، وجعل سبحانه وتعالى نهاية القتال أن تنتهي الفتنة في الدين، والإكراه عليه، فقد قال تعالى:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)، وهكذا فليس القتال في الإسلام للإكراه على الدين لأن الدين اختيار ورضا، ولا اختيار أو رضا مع الإكراه، والآيات الواردة بالأمر بالجهاد كلها محمولة على حال الاعتداء، أو التحفز للاعتداء، فلا يسوغ لمؤمن أن ينتظر حتى يغزى؛ فإنه ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا.
وحياة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة والمدينة تنبئ عن منع الإكراه في الدين، فقد كان صلى الله عليه وسلم في مكة هو ومن معه من المؤمنين في اضطهاد ومحاولة لفتن الضعفاء منهم عن دينهم، وحملهم على تغيير اعتقادهم وأنزلوا بهم من الأذى والعذاب ما لَا تحتمله النفس البشرية حتى اضطر بعضهم إلى النطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؛
(1) رواه أحمد في مسنده (11618).
ولما انتقل إلى المدينة لم يحارب أحدًا إلا بعد أن شنوا عليه الغارة، أو استعدوا لها، وألبوا عليه، وكان على ذلك إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى.
وإن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه لرجل: " أسلم وإن كنت كارها " لَا يدل على جواز الإكراه في الدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أكرهه بالسيف أو بالأذى على أن يسلم، بل إن الرجل بدت له البينات الواضحات، والحجج النيرات، ومع ذلك كان مأخوذًا بما ألف، كارهًا بعاطفته لأن يغير ما كان عليه آباؤه؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يوصيه بأن يتغلب على إحساسه ويتبع البرهان والدليل؛ وكثير من الناس يبدو له وجه الحق واضحًا، وتلوح له بيناته باهرة، ومع ذلك يكره السير في هذا النور، اتباعًا لما كان معروفًا، وسيرًا وراء ما كان مألوفًا؛ فمثل هذا عليه أن يتبع الحق ولو كان كارهًا، وأن يستولي على نفسه فيحملها على اتباع الحق ولو كرهته؛ والطاعات قد تثقل على النفوس، ولكن يجب اتباعها؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم " حفت الجنة بالمكاره "(1) فحديث النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل من هذا الباب.
بعد هذا البيان نكرر ما قررنا وهو أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، وخصوصًا أن ادعاء النسخ لَا دليل عليه، وإن النسخ لَا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق بين الآيتين، فلو أمكن التوفيق ولو بتخصيص إحدى الآيتين لوجب السير إلى التخصيص دون النسخ؛ وإن التوفيق هنا ممكن بين آيات القتال وهذه الآية، بل إن شئت الحق فقل إنه لَا تعارض حتى تكون محاولة التوفيق، فما كان القتال لحمل الناس على الإسلام، بل كان القتال لدفع الاعتداء أولاً، ولكي يخلو الوجه للدعوة الإسلامية ثانيًا، ولتكون كلمة الحق هي العليا ثالثًا، والناس في كل الأحوال أحرار فيما يعتقدون وما يؤمنون به (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. . .).
ولقد روي في سبب نزول هذه الآية: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) أن رجلا من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو
(1) متفق عليه؛ رواه البخاري: الرقاق (6006)، ومسلم: الجنة وصفة نعيمها (5049).