الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
(233)
* * *
بين الله سبحانه وتعالى حقوق الزوجين، وما لكل واحد منهما على صاحبه، ثم أحكام الافتراق إن لم تكن المودة سائدة؛ وبهذا بين العشرة الحسنة والتسريح بإحسان، أو الفراق الجميل.
وبعد بيان حقوق الزوجين في الاجتماع والافتراق، أخذ سبحانه وتعالى يبين حقوف من كانوا ثمرة لهذا الزواج، في حالي الاجتماعي والافتراق أيضًا، وهذه الآية تبين ذلك؛ وقد ذكرت أول حق يتقرر للطفل فور ولادته؛ وهو حق التغذية الأولى التي تناسب سنه، وتكوِّن لحمه، وتنشز عظمه؛ ولذا قال سبحانه وتعالى:(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ).
الوالدات: هن الأمهات، سواء أكنَّ أزواجا لآباء (1) الأولاد أم كن مطلقات منهم؛ والتعبير عن الأمهات بالوالدات فيه إشارة إلى أمرين:
(1) قال المصنف رحمه الله: كون المراد بالوالدات الأمهات سواء أكن أزواجا أو مطلقات هو الذي اخترناه من بين ثلاثة آراء لأنه هو الذي يتفق مع عموم كلمة الوالدات ومع المعاني النى يشير إلها التعبير بالوالدات، والرأيان الأخيران:
أولهما: أن المراد المطلقات؛ لأن السياق كله في الطلاق وأحكام الطلاق والمطلقات، ولأنهن مظنة إهمال =
أحدهما - أنهن اللائي ولدنهم وكن الوعاء الذي برزوا منه إلى الوجود، وقد تربوا فيه ومنه تغذوا، فكان من الحق أن يتغذوا منه حتى يستغنوا عنه؛ وفي هذا إيماء إلى وجوب الإرضاع على الأمهات.
وثانيهما - أن الغذاء الذي يناسب الطفل في مهده هو الغذاء الذي يكون من نوع ماكان يتغذى منه في بطن أمه؛ وكان في التعبير بالوالدات إشارة إلى ذلك؛ لأن الولادة انفصال الحمل عن أمه وبروزه إلى الوجود؛ فهي تشير إلى الصلة بين المكان الذي خرج منه، وحياته التي يستقبلها؛ وذلك إيماء إلى وجوب التناسب بين الحالين، والتناسب بينهما من حيث الغذاء، يوجب التجانس بين حالي الغذاء، وذلك يوحي من جهة ثانية إلى وجوب إرضاع الأم ولدها، وهو ما سيقت له الجملة السامية.
وقوله تعالى: (يُرْضِعْنَ أَوْلادَهنَّ) هو أمر جاء على صيغة الخبر؛ فمعنى (يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) ليرضعن؛ أي عليهن إرضاع أولادهن؛ وعبر عن الطلب بصيغة الخبر؛ للإشارة إلى أن ذلك الوجوب تنادي به الفطرة، ويتفق مع طبيعة الأمومة، وأن الأمهات يلبين الطلب فيه بداع من نفوسهن؛ فلذلك عبر بالخبر، كان الإرضاع وقع من غير طلب خارجي، فكان ذلك التعبير مفيدًا للأمر التكليفي، ومقررًا للأمر الفطري.
والفقهاء يقررون أنه مطلوب من المرأة أن ترضع ولدها، ولكنهم يختلفون في مدى هذا الطلب؛ فالحنفية يرون أن هذا الطلب للندب في جملته، فليس على الأم إرضاع ولدها، إلا في حال الضرورة، بأن لم يوجد من يرضعه سواها، أو لَا يلقم الولد إلا ثديها، أو كان الأب عاجزا عن استرضاع ولده عند ظئر؛ إذ لَا يملك أجرتها؛ وينافي هذا الرأي قوله تعالى: (وَانْ أَرَدْتّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكمْ فَلا جنَاحَ
= الولد عند المكايدة، ولان إيجابه الرزق بعد ذلك في نظير الرضاع يوجب ذلك، وللنهي عن المضارة وهي لا تصور إلا عند الطلاق.
ثانيهما: أن المراد الزوجات وهذا قول لَا حجة له، وما اخترناه أولى لما فيه من عموم ولا دليل على التخصيص.
عَلَيْكُمْ) لأن هذا يفيد أن الأب غير ملزم بالاسترضاع، بينما رأي الحنفية يفيد بأنه الملزم، والأم غير ملزمة ولما رأوا ذلك قالوا: إن الأم عليها الإرضاع ديانة لا قضاء.
والمالكية يرون أن المرأة عليها إرضاع ولدها إلا لعذر، واعتبر من الأعذار أن تكون من الطبقة التي لَا ترضع أولادها عادة.
وقوله تعالى: (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) يفيد أن الإرضاع اللازم للغذاء لَا يتجاوز حولين كاملين، ووصف الحولين بأنهما كاملان، للإشارة إلى النهاية الكاملة التي لَا يدخلها تجاوز ولا تسامح، وليتناسب مع قوله:(لِمَنْ أَرَادَ أن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وإن بيان الحدود من حيث الابتداء والانتهاء يجب أن يكون دقيقًا، وإن الناس قد يعدون ما دون الحولين إذا كان قليلا كشهر أو نحوه غير ناقص للمدة، فذكر سبحانه وتعالى وصف الكمال، لينفي مثل هذا الاحتمال).
وفى التعبير عن السنة بالحول في هذا المقال، إشارة إلى معنى دقيق، يبين أنه في انتهاء السنتين يكون الطفل قد بلغ حد الاستغناء؛ ذلك أن كلمة حول تدل على التحول من حال إلى حال، فيكون التعبير بها مشيرًا إلى تحول في مدارج نموه من وقت ظهوره في الوجود، ورؤيته شمسه، فإنه ينتقل شهرًا بعد آخر في التغذية، تبعًا لنمو قواه، وحاجة جسمه، فهو يبتدئ ضعيفا لَا يستطيع أن يتناول غذاءه إلا من ثدي أمه، ثم يتناولى غيره قليلا، ثم يزاد حتى إذا أتى على الحولين حالت الحال، واستغني تمامًا عن الرضاعة؛ ولذا قال سبحانه:(لِمَنْ أَرَادَ أَن يتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وهذه الجملة السامية تشير إلى أنه قد يستغني الطفل عن أمه قبل الحولين، وأن من أراد التمام إن وجدت أسبابه يصل إلى نهاية الحولين، سواء أكان المريد الأب أو - الأم.
وهذه المدة هي حد لثلاثة أمور عند جمهور الفقهاء:
أولها - أجرة الرضاعة التي تستحقها الأم، والتي دل عليها قوله تعالى من بعد (وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
وثانيها - على نهاية الوجوب الذي أوجبه الشارع على الأم عند القائلين بأنه يجب عليها قضاءًا إرضاع ولدها؛ وعلى نهاية الوجوب الديني عند الذين لا يفرضون عليها إلا الوجوب الديني دون القضائي.
وثالثها - أن الرضاع المحرِّم الذي يكون موجبًا لصلة تكون الأنثى فيها حرامًا كالنسب تماما في كل أحوال التحريم لَا يكون إلا في هذين الحولين؛ أما بعد ذلك فالرضاع لَا يحرم (1)، وعلى ذلك الرأي جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة: الرضاع المحرم مدته ثلاثون شهرًا، وأما الرضاع من حيث الأجرة، ومن حيث الوجوب على الأم ديانة أو قضاء فمدته حولان كنص الآية الكريمة.
وإن هذا الوجوب الذي أوجبه القرآن الكريم على الوالدة يدل على مقدار عناية الإسلام بالرضاعة، ومقدار عنايته بتربية الأطفال، وتغذيتهم، وعنايته بأجسامهم، وسلامة دمهم، فإن لبن الأم هو الغذاء الطبيعي لولدها، ينمو بنموه، ويسير من حيث كم الغذاء مع تقدم سن الطفل شهرًا بعد شهر، وهو غذاؤه في بطن أمه، فيكون هو غذاءه بعد ولادته وإن تعرض الطفل للمراضع يعرضه للأدواء الوراثية تنتقل إليه، بل يعرضه للأدواء النفسية والعقلية تؤثر فيه، فإن المرضع تحمل إليه مع اللبن ما في جسمها من عيوب وراثية، وما في نفسها وعقلها من عيوب أيضًا، وقد أثبتت التجربة أن العيوب النفسية في المرضع تسري إلى من أرضعته، وتتشربها نفسه، بل تتكون منها طباعه، كما تكون من لبنها جسمه.
ومن عناية الشارع بالرضاعة جعلها من أسباب التحريم، فيوجد الرضاعة بين الطفل ومن أرضعته وذويها وكل من تلقوا من ثديها صلة تشبه صلة النسب، ولكي يتحرى الآباء من يرضعن أولادهن، وتتحرى الأمهات من تقمن مقامهن، أو من يشركنهن في الأمومة الفطرية التي أوجدتها الولادة.
(1) قال المصنف رحمه الله: فرق أبو حنيفة بين مدة الرضاعة التي تجب فيها الأجرة، ومدة الرضاعة المحرِّمة، فاعتبر الأولى حولين كاملين كنص الآية الكريمة، واعتبر الثانية ثلاثين شهرا، بقوله تعالى:(وحمله وفصله ثلاثون شهرا) إذ فهم منها أن مدة الفصال الذي ينتهي بانتهاء الرضاعة تحتمل أن تكون ثلاثين شهرا، فللاحتياط أعمل ذلك الاحتمال في التحريم بالرضاع.
(وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) في الجملة السامية السابقة نص على واجب الأمهات المشتق من كونهن والدات؛ وفي النص واجب يقابله على الآباء لكونهم قد ولد لهم، فالتعبير عن الأب بقوله تعالى:(وَعَلَى الْمَولودِ لَهُ) هو في مقابل التعبير عن الأمهات بالوالدات؛ وكما أن الأول أوجب عليهن الرضاعة، فالثاني أوجب على الآباء النفقة؛ لأن الولادة لهم، فالنسب لهم، والولد تابع تبعية مطلقة لهم؛ وكأنه كسب كسبوه، وغنم غنموه، فحق عليهم القيام على شئونه ورعايته، والإنفاق على من خصصت نفسها وخصصتها الفطرة لخدمته ورعايته وتغذيته بلبنها الذي هو دَرّ من دمها.
ويلاحظ هنا عندما أوجب الله سبحانه وتعالى على الآباء الإنفاق على الأمهات اللائي يرضعن أولادهن، أمران:
أولهما: أنه قيد الإنفاق بالمعروف، وهو الأمر الذي يتعارفه العقلاء، فلا تستنكره العقول ولا يجفوه الذوق السليم بأن يليق بحالها ويكفيها شئونها، ولا يخرج عن طاقة الأب، ولا يكلفه شططا، ويسهل لها الأب ذلك الإنفاق؛ فيجيء إليها من غير جهد منها، ولا إعنات لها.
ثاني الأمرين: أن الله سبحانه وتعالى ذكر أن الإنفاق يكون في وضع الرجل فلا يرهقه، ولا يشق عليه؛ ولذا قال:(لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا)، وهي قضية عامة، وقاعدة كلية في كل تكليفات الشارع الإسلامي، يلاحظ فيها أن تكون في وسع المكلف، وليس معنى الوُسع هو الطاقة، فإن الفرق بينهما كبير؛ لأن الطاقة هي أقصى قدرة المكلف بحيث لَا يستطيع الأمر إلا بمشقة وجهد؛ أما الوسع فهو قدرة المكلف على الأمر، مع بقاء فضل من جهده، بحيث لَا يستغرق العمل أقصى قدرته؛ وقد وضح ذلك المعنى في إيجاز بليغ فجعل مناط التكليف ما تسعه قدرة المكلف؛ قال تعالى:(لا يُكَلِّف اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسعَهَا. . .)، تنبيها إلى أنه لَا يكلف دون ما تنوء به قدرته.
وإذا كان الأمر كذلك فكل التكليفات الشرعية يكون في الوسع القيام بها، بمعنى أنها تؤدى بيسر وسهولة ولا مشقة فيها لمن ذاق طعم الطاعة، وفهم معناها؛ ولذا قال تعالى:(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. . .).
ولا شك أن الإنفاق على الأم بالمعروف، هو تكليف بما في الوسع الذي يقوم به المرء بيسر وسهولة؛ لأن أساس المعروف ألا يكون فيه غضاضة على المرأة، وألا يكون شطط على الرجل؛ فلا يكلف أحدهما إلا وسعه وما يكون يسرا من أمره.
ولقد عبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة عن الإنفاق بالرزق والكسوة، أي بالإطعام والإيواء والكسوة، وعبر في آية الطلاق بالأجرة، فقد قال الله تعالى:(فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهنَّ أُجُورَهُنَّ. . .)، فالأجرة هنالك هي الكسوة والرزق هنا؛ وتخالف التعبيران؛ لأن كل واحد فيما يناسبه؛ فالتعبير بالأجرة؛ لأن الكلام في المطلقات، وما يفرض لهن من نفقة وأمدها؛ ثم بين ما يستحق في مقابل الإرضاع إن أرضعن وقد خرجن من بيت الرجل وسلطانه.
أما في هذه الآية فالكلام في أصل وجوب الإرضاع على الأمهات، وبيان توزيع التكليفات؛ والآية هنا عبر القرآن فيها عن الأم بوصف كونها والدة، وعلى الأب بوصف كونه مولودًا له، فناسب أن يعبر عن النفقة هنا بالرزق والكسوة لأن مؤدى التعبير الكريم أن الواجبات للطفل موزعة، والحقوق فيه متقابلة؛ فالأم لأنها تفرغت لخدمته، وقامت على حياطته، وغذته من لبنها بعد أن غذته من دمها، وأوجب عليها الشارع ذلك الغذاء - كان على الأب في نظير ذلك أن يكدح ويعمل ليوفر لها رزقها وكسوتها بالمعروف من غير غضاضة ولا شطط.
(لا تُضَارَ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَولودٌ لهُ بِوَلَدِهِ) هذه الجملة السامية في مقام التعليل للأحكام السابقة الموزعة بين الوالد والوالدة، والتي أساسها القيام بحق ذلك المخلوق الذي كان كل واحد منهما طريقا لخروجه إلى هذا الوجود الإنساني. والمعنى أنه لا يصح أن يقع ضرر على الأم بسبب ولدها لما لها من حنو وعطف، فيستغل ذلك الحنو وذلك العطف لإنزال الأذى بها وإعناتها وتكليفها ما ليس في وسعها، وما
ليس متفقا مع فطرتها؛ وكذلك لَا يصح أن يقع ضرر بالأب بسبب ولد لأنه يعني بإنباته نباتًا حسنًا وتنشئته على أكمل وجه، فيرهق بالمطالب المالية، ويكلف ما ليس في وسعه أو لَا تتسع له قدرته عليه إلا بمشقة وجهد شديد.
وفى هذه الجملة السامية بحثان لفظيان نقولهما بإيجاز:
أولهما - أن كلمة (لَا تُضَارَّ) من مادة المفاعلة من الضرر، وقد قرئت مرفوعة على معنى نفي الضرر، ونفي الضرر يقتضي النهي عنه؛ وقرئت مجزومة، وعند الوصل خفف السكون بالفتح على أصل التخلص من التقاء الساكنين، وإن لم يكن هنا ساكنان؛ ولذا قرئ بالسكون، وقراءة السكون تدل على النهي الصريح.
ولأن كلمة (لَا تُضَارَّ) من المفاعلة تصلح أن تكون مبنية للمفعول؛ والمعنى في الفرضين واحد، وهو أنه لَا يجوز أن يضر كل واحد منهما صاحبه، أو يُضَر مِن صاحبه بسبب عطفه على ولده وحنوه عليه.
البحث الثاني - في التعبير بقوله سبحانه، (وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَولودٌ لهُ بِوَلَدِهِ) وتقديم الأم على الأب؛ فإن ذلك التعبير يشير إلى منزلة الولد من قلب كل منهما، وأنه قطعة من قلوبهما؛ ولا يصح أن يكون مزيد العطف الوالدي سببًا في أن يتخذه كل منهما ذريعة لإيذاء الآخر والعبث بحقوقه، ولإشعارهما بأن الإيذاء باسم الحنو قد يؤدي إلى نقص العطف على الولد، ولكي يعرف كل منهما أن الولد ولدهما معًا ومزيج من جسمهما معًا، فلا يصح أن يتخذ سبيلا للكيد والإعنات والإرهاق؛ وقدمت الأم لأن حنوها أشد، ولأن مظنة إنزال الأذى بها أقرب، (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) هذه الجملة الكريمة سيقت لبيان من ينفق على الولد إن لم يكن له أب، أو كان له أب عاجز عن الإنفاق عليه؛ فإن الإنفاق في هذه الحال يكون على الوارث الذي يرث الولد إذا مات؛ لأن الغُنم بالغُرم، فما دام يرثه عند الوفاة إن كان له مال، فإنه ينفق عليه إذا كان محتاجًا عاجزًا.
وفى التعبير بكلمة (الْوَارِثِ) بدل كلمة قريب، إشارة إلى أن الوراثة هي السبب في وجوب تقديم الرزق والكسوة، لَا مجرد القرابة، أو القرابة المحرمية؛
وعلى ذلك يكون الوجوب تابعا لمقدار الميراث، ولدرجة التوريث؛ لأن الميراث هو السبب في الوجوب، فيكون الوجوب مشتقًا من درجته ومقداره وقوته.
وفى هذا الكلام الحكيم تنظيم للعلاقات المالية بين الأسرة أو إشارة إليه؛ فإنه يوضح أن الحقوق المالية في الأسرة متقابلة، فمن كان له حق الميراث عليه واجب الإنفاق؛ وكأن مال الأسرة شركة بين آحادها يتوارثون المال فيما بينهم؛ ويتعاونون في الإنفاق فيما بينهم؛ فالقادر ينفق على العاجز، والغني يمد الفقير بحاجته في موضع الحاجة.
ولقد فهم الإمام أحمد بن حنبل من هذه الآية أن نفقة القرابة تسير مع الميراث وجودًا وعدمًا، وقوة في الوجوب، وتقديرا له؛ لأن الميراث جعل أساس الإنفاق بمقتضى نص الآية الكريمة (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ).
وقبل أن نترك الكلام في هذا نشير إلى معنى لفظي أشار إليه النص، وهو قوله:(وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) فإنه أشار إلى أن الوجوب على الوارث هو وجوب بدلي، أي أن الوارث قام فيه مقام الأب، والوجوب الأصلي على الأب؛ فقد قال في الوجوب على الوارث:(مِثْلُ ذَلِكَ) فالتعبير بالمثل يشير إلى أن أصل الوجوب على الأب؛ ولذلك قرر أن الأب لَا يشاركه أحد في الإنفاق على ولده، ولو كان يشارك الأب في الميراث من الولد غيره، فلا تشارك الأبَ القادر غير العاجز الأمُّ في الإنفاق إذا كانت غنية.
(فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ منْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) تبين في سابق النص الكريم أن الحد بالحولين من حيث وجوب الإرضاع ووجوب الإنفاق ليس حدًّا لازمًا بل هو حد للكمال لمن أراد أن يتم الرضاعة كما صرح النص الحكيم؛ ولذلك كان للأب والأم مجتمعين غير منفرد أحدهما ولا مستبد أن يفطما الطفل قبل هذه المدة؛ ولذا سيقت الجملة السامية، (فَإنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ منْهمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي لَا إثم عليهما إن فعلا ذلك، والفصال هنا هو الفطام؛ لأن الفطام يفصل الولد عن ثدي أمه، ويفصله تدريجيا عن ملازمتها. وإن الفصال لابد فيه من أمرين:
أحدهما - التشاور فيه بأن يفحصحا حال الطفل من حيث قوته وقدرته على الاستغناء عن لبن الأم، وسلامة جسمه ونموه، ولا مانع من أن يستعينا في ذلك برأى خبير رشيد وقد أوجب سبحانه وتعالى التشاور عند الفطام، لأن ذلك سيؤثر في صحته في قابل حياته، بل ربما أثر في أعصابه؛ وإن لذلك خطره وشأنه فوجب التشاور فيه، والشورى واجبة في كل أمر ذي شأن وخطر.
وثاني الأمرين اللذين لابد من وجودهما عند الفطام: أن يكون الفطام بإرادة حرة صريحة واضحة ورضا كامل من كل منهما؛ ولذلك أكد الرضا من كل منهما بالذكر مرتين: أولهما أنه قال: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا) فأوجب تحقق إرادتهما، وثانيهما أنه قال:(عَن تَرَاضٍ) أي إرادة حرة صريحة صادرة عن تراض صحيح ليس فيه شائبة إكراه.
وفى ذلك فوق ما فيه من رعاية مصلحة الطفل احترام لإرادة المرأة فيما يتعلق بطفلها، وأنها ليست كمًّا مهملا في البيت، بل لها الرأي بجوار رأي الرجل في أخطر الأمور وأشدها أثرًا.
وإن العناية بأمر الفطام على ذلك النحو تدل على عناية الشارع الإسلامي بالناشئة وتربيتها تربية جسمية وخلقية وعقلية، فإن العناية بالطفل عناية بجيل كامل من الأمة، وعلى حسب العناية بالتربية الأولى يكون الجيل من الأجيال.
(وَإِنْ أَرَدْتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ) ما تقدم كان في إرضاع الأم ولدها، وفيه بيان وجوبه عليها، وما يقابل ذلك من حق لها على الأب، وفي هذا الكلام يبين الله الحكم في استرضاع الأب غير الأم، فبيَّن أن ذلك يكون برضا الأم وقد قال سبحانه:(وَإِنْ أَرَدْتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) أي إن اجتمع رأي الأب ورأي الأم على أن يسترضعوا لولدهما ظئرا، فلا إثم عليهما في ذلك، ولكن على الآباء أن يلاحظوا حق ذلك المرضع من الأجرة؛ ولذا قال سبحانه:(إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ) أي سلمتم ما وجب عليكم إعطاؤه بالمعروف أي يكون تقديره بالمعروف بين الناس
الذي يتعارفونه أجرًا، ويكون عطاؤه من غير ممانعة، ولا مماكسة، بل بالمعروف الذي لا يستنكره الناس وتقره العقول والأخلاق القويمة، وهنا بحث لفظي في موضعين:
أولهما: في قوله تعالى: (أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ) فإن استرضع كما قال الإمام الزمخشري منقول من أرضع، يقال أرضعت المرأة الصبي، واسترضعتها الصبي، فهي متعدية إلى مفعولين، كما يقال نجحت الحاجة، واستنجحته الحاجة؛ وفى الآية الكريمة قد حذف أحد المفعولين، إذ المعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم، وحذفه متسق مع السياق الكريم، لأن الحذف يدل على العموم وعدم تخصيص مرضع دون مرضع، فإنه عند إرادة الاسترضاع لَا يتقيد الأب بواحدة دون الأخرى ما توافرت السلامة فيهن، ولم ينل الطفل من إحداهن ضرر في جسمه أو خلقه أو أعصابه.
الموضع الثاني: في قوله تعالى: (إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم) ففي قوله تعالى (آتَيْتُم) ثلاث قراءات: أولاها آتيتم بالمد، وثانيها من غير مد مع ضم الهمزة، وثالثتها (أوتيتم) والقراءات الثلاث تتلاقى في معنى واحد، وهو إعطاء الأجرة بالمعروف أي المتعارف كما نوهنا؛ وتخريجه على القراءة الأولى (مَّا آتَيْتُم) أي أردتم إيتاءه كقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ. . .) أي أردتم القيام إلى الصلاة، وعلى القراءة الثانية " ما أتيتم " أي مما أعطيتم من مال، لأن أتى تستعمل بمعنى أحسن، فيقال أتى إليه إحسانا إذا فعله، وتكون متعدية، ومنه قوله تعالى:(إِنَّهُ كَانَ وَعْدُة مَأتِيًّا -). وعلى القراءة الثالثة (أوتيتم) أي أعطيتم المعنى واضح صريح فيها.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ذَيَّلَ الله سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة التي تبيِّن واجب الآباء والأمهات نحو الأمانة التي سلمها الله لهم؛ ليقدموها للمجتمع الإسلامي غرسًا طيبًا وجيلا قويًا طاهرًا؛ ذيَّل تلك الآية الحكيمة بالأمر بتقواه، والتذكير بأنه علِم بكل شيء علْم المبصر الذي يرى؛ إذ خلجات القلوب في علمه الأزلي المحيط، كأنها المرئيات المبصرات.
ولذلك التذييل الكريم فوائد ثلاث:
أولاها: تربية المهابة في قلوب المؤمنين؛ ليتذكروا الله سبحانه وتعالى في كل أعمالهم الصغيرة والكبيرة، وليعلموا أن شئون الحياة كلها سواء كان منها ما يتعلق بالأسرة أو ما يتعلق بالمجتمع، وما يتعلق بالآحاد، لَا تستقيم إلا بمراقبة الله تعالى، والإحساس بتقواه، وأنه عليم بما تخفي الصدور وما تكنه القلوب، وأن من يعمل عملا يعمله كأنه يرى الله، فإن لم يكن يراه فإن الله سبحانه وتعالى يراه.
وثانيها: بيان أن العلاقات بين الآباء وأولادهم وأمهاتهم لَا يغفل الله عنها، وسيجزي المحسن إحسانًا والمسيى سوءا، وإن استطاع الرجال أو النساء أن يستطيلوا ويظلموا في الدنيا، أو يخدعوا القضاء بزور من القول، فلن يخدعوا الله سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء رقيب، وسيجزي كلًّا بما صنع، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌ.
والثالثة: التذكير بأن شئون الأسرة تقوم على التدين، لَا على الظواهر المادية، فإنه إذا صلحت القلوب استقامت العلاقة بين الرجل وأهله وأولاده، وإن تقطعت حبال المودة، وذهبت التقوى من القلوب، وأقفرت النفوس، فسيكون الظلم مهما تكن الأحكام، ومهما يكن القضاء.
منحنا الله سبحانه رضوانه، ووهبنا عرفانه، وأصلح لنا في ذرياتنا، إنه سميع مجيب الدعاء.
* * *
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)
* * *
في الآيات السابقات بيَّن سبحانه إنشاء الزواج، وما ينبغي أن يكون في الاختيار وما يجب، ثم بيَّن العشرة الزوجية، ثم بيَّن الفراق بين الزوجين والأحكام التي تتبع عند الافتراق، وأن الزواج إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وأنه إذا لم يكن واحدًا منهما فهو الكفر في الإسلام، أو الجهل بأحكامه أو الزيغ عن قانونه، والخروج من ربقته ونظامه؛ ثم أشار سبحانه إلى حقوق ثمرة الزواج في حالي الوفاق والخلاف، وأنها حقوق مقررة في الحالين.
وبعد ذلك بيَّن الحكم إذا فرَّق بين الزوجين الموت، فذكر القيود المعقولة التي تقيد بها المرأة، وبعدها تكون الحرية التي يكون من آثارها اختيار الزوج الكفء، فقال تعالى:
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) في هذه الآية الكريمة يتبين عدة المتوفى عنها زوجها، وهي أربعة أشهر قمرية وعشرة
أيام؛ وعبر سبحانه عن العشر بما يدل على أن المعدود مؤنث؛ إذ إنه حذف التاء، فدل على أن المراد عشر ليال والمؤدى واحد، ولكن التعبير بالليالي فيه فائدة أكبر من التعبير بالأيام؛ لأن فيه إشارة إلى أن تقدير الأشهر بالقمرية كما نوهنا؛ لأن الليالي هي التي تعرف فيها أحوال القمر وأدواره؛ فكان التعبير بها توجيها لما يكون فيها، وهو القمر بأطواره وأحواله.
وقبل أن نخوض في حكمة تقدير عدة الوفاة ذلك التقدير، وما يعارض ظاهرها في سورة الطلاق؛ وما كان عليه العرب من عادات في حداد المرأة على زوجها؛ قبل ذلك نذكر بعض مباحث لفظية في تلك الجملة السامية.
وأول تلك المباحث اللفظية، هو في كلمة (يُتَوَفَوْنَ) بالبناء للمجهول، ولم تقرأ غير ذلك؛ لأن الفعل توفى متعد؛ فالله سبحانه وتعالى يقول:(اللَّهُ يَتَوَفَى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا. . .)، فإذا لم يذكر الفاعل بني للمفعول.
وثانيها: في كلمة " يذرون " معناها يتركون؛ وقد ادعى علماء النحو أنه من الأفعال التي مات ماضيها، ولم يعرف إلا فعل المستقبل لها؛ مضارعا كان أو أمرًا؛ ولكن وجدنا في أساس البلاغة للزمخشري ما دل على أن ماضيها حي وليس بميت؛ فقد جاء فيه ما نصه:(ذره واحذره والعرب أماتت المصدر منه فيقولون: ذر تركا، وإذا قيل لهم ذروه قالوا وذرناه)(1).
ونرى من هذا أن ذلك العالم اللغوي العظيم لم يعترف إلا بأن العرب أماتوا المصدر، أما الماضي فلم يميتوه، وذكر الاستعمال الذي يدل على حياته، فقال:(إنهم إذا قيل لهم: ذروه. قالوا: وذرناه).
وثالث المباحث اللفظية: في كلمة " أزواج " وهي جمع لزوج، وهو كلمة تفيد بأصل معناها الدلالة على اثنين اتحدا في الخواص والصفات وكل المشخصات حتى صار كل واحد منهما صورة كاملة من الثاني، وكأنه هو في شخصه؛ ولذلك أطلق
(1) قال المصنف رحمه الله: انظر أساس البلاغة ج 2 ص 498 طبع دار الكتب.
على كل واحد منهما بأنه زوج، وأطلق على كل واحد من الرجل والمرأة بعد ذلك العقد المقدس بأنه زوج؛ لأنه ثاني اثنين قد امتزجت حياتهما، وتلاءمت شخصياتهما حتى صار كل واحد منهما كأنه صورة من الآخر، وكأنَّه شخصه في كونه ووجوده لما ارتبطا به من حياة، ولكمال الخلطة بينهما، ولتماثل الحقوق والواجبات عليهما ولاتحاد شخصيتهما بذلك الزواج الموحِّد بينهما.
ورابع المباحث اللفظية: في كلمة " يتربصن " والتربص معناه الانتظار؛ فقد قال تعالى: (فتَرَبَّصُوِا بِهِ حَتَّى حِينٍ)، وقال تعالى:(وَمِنَ الأَعْرَاب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ. . .)، وقال تعالى:(أَمْ يَقولُونَ شَاعِرٌ نتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)، وفي كل هذه الآيات الكريمة كان التربص معناه الانتظار مع الترقب؛ والتربص من المتوفى عنها زوجها في هذا المعنى تقريبا.
و" يتربصن " هي خبر في معنى الطلب فالمعنى ليتربصن، كقوله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ. . .)، وفي ذلك إشارة إلى أن التربص أمر نظري يتلاقى مع الأمر الشرعي؛ فإن الحرَّة الكريمة لَا ترضي لنفسها ولا ترضى معها أسرتها أن تتزوج فور وفاة زوجها، أو بعدها بمدة قليلة؛ فإن ذلك أمر مستهجن في الفطرة السليمة، وفي الشرع الحكيم، وفي عرف الناس، ولا ترضى العقول به والمدارك الصحيحة.
وكان مع ذلك التعبير بقوله تعالى: (بِأنفُسِهِنَّ) فيه إشارة إلى أن ذلك التربص فيه صيانة لأنفسهن، وحفظ لكرامتهن، ودفع لمعنى الامتهان والعار الذي يلحق المرأة من أن يموت ضجيعها، فلا تلبث إلا قليلًا بعد أن يسجى ويدفن، حتى تعرض نفسها طالبة الأزواج، كأنه ليس المتوفى عشيرًا أليفًا يستحق الحداد.
وقد حد الشارع للمتوفى عنها زوجها عدة هي في جملتها أكثر من عدة المطلقات؛ لأن تلك ثلاثة قروء تجيء عادة في نحو ثلاثة أشهر - وهنا يرد سؤالان:
أولهما: لماذا كانت العدة في المتوفى عنها زوجها بالأشهر دون الحيض، فلم تجعل أربع حيضات بدل ثلاثة؟. . ولماذا كانت الزيادة؟
ولم نجد أحدًا تصدى لبيان الحكمة في جعلها بالأشهر، ويبدو لنا أن الحكمة التي تدركها عقولنا - وإن كانت الحكمة الشرعية السامية قد تعلو على مداركنا - هي أن عدة الوفاة تكون للمدخول بها وغير المدخول بها، وللصغيرة والكبيرة، والأساس فيها هو الحداد على الزواج السابق الذي انتهى بوفاة أحد ركنيه، فلزم أن يكون بأمر يشترك فيه الجميع ما دام السبب واحدًا في الجميع؛ وفوق ذلك إن العدة في الوفاة لو قدرت بالحيض، وهو أمر لَا يعلم إلا من جهة المرأة، فربما تدفعها الرغبة في الزواج إلى الكذب فتدعيه وهو لم يقع؛ وفي المطلقات العدة حق للمطلق فيستطيع أن ينكر عليها، أو يظهر كذبها، وهي تخشى صولته، فتبتعد ما أمكن عن المراء؛ أما في حال الوفاة فصاحب الحق الأول قد مات وصار الحق لله خاصًا، فحد ذلك الحق بالأشهر والأيام حتى لَا يكون مساغًا للكذب وادعاء ما لم يحصل؛ لأنَّ الأيام والأشهر تعرف بالكتاب والحساب، وليست أمرًا يعرف من جهتها فقط.
أما الجواب عن الأمر الثاني وهو: لماذا كانت العدة بالوفاة أكثر في الجملة من العدة الناشئة عن الطلاق؛ فيبدو بادي الرأي، من القرق بين حال الطلاق وحال الوفاة، أن الطلاق نتيجة شقاق؛ فالحداد على الزوج الذي ينشئه ليس قويًا، ومعنى براءة الرحم وإعطاء الزوج فرصة للرجعة يكون أوضح في معنى العدة، ويكفي لذلك نحو ثلاثة أشهر؛ أما حال الموت، فإن مرارة الفراق فيها أوضح وأشد، ومعنى الحداد يغلب فيها معنى براءة الرحم؛ ولذلك تجب على المدخول بها وغير المدخول بها، وإن الشارع قد جعلها لذلك أطول من عدة الطلاق؛ وإن الشارع الحكيم قد خفف من حدة ما كانت تعمله النسوة الجاهلية، فقد كانت المرأة في الجاهلية تغلق على نفسها أضيق مكان في مسكنها وتقضي فيه سنة كاملة؛ حدادا على زوجها، فجاء الإسلام، وخفف عليها وجعلها أربعة أشهر وعشرًا، ولنذكر لك ما كان في الجاهلية وما كان في الإسلام، كما روي في صحاح السنة:
فقد روى البخاري ومسلم عن زينب بنت أم مسلمة أنها قالت: " دخلت عليَّ أم حبيبة حين توفى أبو سفيان (أبوها) فدعت أم حبيبة بطيب فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا (1)، قالت زينب: سمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفى زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا) مرتين أو ثلاثًا. ثم قال: " إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَحِدُّ السَّنَةَ، ثُمَّ تَرْمِي الْبَعْرَةَ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؛ " قال الراوى (2) قلت لزينب: مَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةَ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فقالت زينب: " كانت المرأة إذا توفى عنها زوجها دخلت حفشا (3) ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتعطى بعرة، فترمى بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره "(4).
وترى من هذا أن الإسلام قد ألغى تلك العادات الجاهلية، وقصر أمد الحداد على الوفاة، فجعله أربعة أشهر وعشرًا بدل سنة.
وقد يرد سؤال آخر: لماذا حد العدد بأربعة أشهر وعشرًا؟ وإن تقدير الأعداد كما يقرر الفقهاء أمر توقيفي خالص لَا يجري فيه القياس؛ ولكن ليس معنى ذلك أنه لَا حكمة فيه؛ وإن الحكمة يقررها العلماء في أمرين:
أولهما - أن الأشهر الأربعة هي التي يظهر فيها الحمل ويستبين، وقد جعلت العشر بعدها للاحتياط، وتعرّف أعراضه وظواهره؛ وذلك لأنه لما وكل أمر براءة الرحم إلى مدة، لوحظ فيه المدة التي فيها يعرف ويستبين وتظهر أعراضه.
(1) متفق عليه؛ رواه البخاري: الجنائز - إحداد المرأة على غير زوجها (1201)، ومسلم: الطلاق - وجوب الإحداد في عدة الزواج (2730).
(2)
الراوي هو حميد بن نافع، شيخ البخاري، من الطبقة الوسطى من التابعين، وكنيته أبو أفلح.
(3)
الحفش: المكان الضيق في البيت.
(4)
هذا الحديث متفق عليه، رواه البخاري: الطلاق: تحد اتموفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا (4920)، ومسلم: وجوب الإحداد (2730).
ثانيهما - أن مدة أربعة الأشهر هي المدة التي قررها الشارع أقصى مدة للحرمان من الرجال، ولذلك جعل الإيلاء مدته أربعة أشهر، بحيث إذا حلف الرجل ألا يقرب امرأته أربعة أشهر، ومضى في يمينه وانتهت المدة طلقت منه، فكان من التنسيق بين الأحكام الشرعية أن تجعل مدة الإحداد على الزواج في حدود هذه المدة، ومقاربة لها في الجملة، وليس من المعقول أن يعاقب الشارع الرجل إذا أصر على هجر زوجه بالفراق إذا أصر عليه أربعة أشهر، وفي الوقت نفسه يلزمها بالحداد مدة أطول من ذلك، بل ينبغي أن تكون مدة الإحداد حول هذه المدة أيضًا.
(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ) بيَّنت الجملة السامية السابقة مدة العدة للمتوفى عنهن أزواجهن، وفي هذه الجملة الكريمة يبين سبحانه وتعالى انتهاءها وما يترتب على الانتهاء، والمعنى: إذا انتهت المدة المقررة للتربص، فلا إثم على الناس فيما يفعلن في أنفسهن من زينة واستعداد للزواج والزواج بالفعل، ونرى في التعبير الفعل المباح منسوبًا لهن، ونَفى الإثم عن الناس المتصلين بهؤلاء المتوفى عنهن أزواجهن، وفي ذلك دلالة على أمرين:
أحدهما: أن المرأة تباح لها الزينة بالمعروف، أي بالأمر المعقول الذي تقره العقول، وتدركه الأفهام، وتعرفه أهل المدارك السليمة والأذواق الدقيقة المحكومة بشكائم الأخلاق، ويدخل فيما يفعلن بأنفسهن الزواج، فلها اختيار الزوج، وتولي العقد، بشرط أن يكون ذلك في دائرة العرف والتقيد بالكفاءة، وألا تجلب عارًا على أسرتها وذويها.
وثانيهما: أن نفي الإثم عن الجماعة فيما يفعلن بأنفسهن بالمعروف غير المستنكر، دليل على أن الجماعة الإسلامية متعاونة متآزرة متماسكة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن على كل امرئ أن يصلح من شأن أخيه، ويقوِّمه بالمعروف، ويبين له أوامر الشرع وحكم الله تعالى، ولا تذهب عنه هذه المسئولية حتى يكون عمل من يكون ذا صلة به في دائرة الشرع والخلق القويم.
وقبل أن نترك الكلام في عدة المتوفى عنها زوجها، نشير إلى موضوع يتصل به، أو هو من لبه، وهو مقدار شمول هذا النص للمعتدات من وفاة: أيشمل الحامل وغير الحامل، أم يختص بغير الحامل فقط؛ لقد ورد في عدة الحامل قوله تعالى:(وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. . .)، وورد في عدة الوفاة هذه الآية الكريمة التي نتكلم في معناها، وهذان عمومان متعارضان، أو يبدو في الظاهر أنهما متعارضان.
وقد قال جمهور الفقهاء: إن آية عدة الوفاة التي نتكلم فيها خاصة بغير الحوامل، فعدة المتوفى عنها زوجها غير الحامل تكون بأربعة أشهر وعشرًا، وعدة الحامل بوضع الحمل عملًا بآية الحمل، فكانت آية الحمل شاملة لحال الطلاق وحال الوفاة؛ ويستدل على ذلك الرأي، بالحديث الشريف؛ فإنه روى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفتى سبيعة الأسلمية، بأنها حلت حين وضع حملها، وكانت قد ولدت بعد موت زوجها بنصف شهر.
هذا رأي جمهور الفقهاء، وذلك نظرهم؛ ولكن يروي عن علي، وابن عباس رضي الله عنهما أن المعتدة الحامل من وفاة تعتد بوضع الحمل، بشرط ألا تقل العدة عن أربعة أشهر وعشر؛ أي أنها تعتد بأبعد الأجلين: وضع الحمل، أو مضى أربعة أشهر وعشر.
وذلك الرأي إعمالاً للآيتين الكريمتين وإمضاءً لعمومهما، وهو يتفق مع الحكمة من إطالة مدة العدة بالنسبة للمتوفى عنها زوجها؛ فإنه لَا يتفق مع ذلك أن تنتهي العدة بوضع الحمل بعد ساعة من الوفاة.
(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ذَيَّلَ الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بهذا التذييل؛ لبيان أنه سبحانه وتعالى عليم عِلْمَ الخبير الدقيق الذي لَا تخفى عليه خافية، بما يعملون من تنفيذهم لأوامره، أو إهمالهم؛ وأن من سنته سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أنه بعد كل أمر أو نهي يذكر رقابته سبحانه وتعالى في التنفيذ، ليعلم من