الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
…
(270)
* * *
النفقة هي العطاء العاجل
في باب من أبواب البر، فهي عطاء منجز، توجبه حاجة من يعطيه، أو حاجة الجماعة التي يعيش فيها، والضرورات الاجتماعية، أو السياسية أو العسكرية لها. أما النَّذْر فهو التزام طاعة من الطاعات، أو عطاء في بر. ويقول الراغب: النَّذْر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر، يقال نذرت قال تعالى:(إِنِي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ايوْمَ إِنسِيًّا)، وأصل مادة نذر من الخوف؛ لأن الإنسان إنما يلتزم ما يلتزمه على نفسه مما ليس بلازم عليه خوف التقصير وخوف أن تضعف الإرادة البشرية في القيام بذلك الفعل الذي ليس واجبًا في أصله. والصيغة المشهورة للنذر أن يقول: لله عليَّ نذر أو نذرت لله كذا، فهي في معناها تتضمن العهد الموثق لله.
ومعنى الجملة السامية: ما أنفقتم من نفقة عاجلة وأديتموها، أو التزمتم بنفقة قابلة وعاهدتم الله على القيام بها، فإن الله تعالى سبحانه وتعالى يعلمه، فيعلم الباعث عليه أقصد ابتغاء مرضاة الله أم قصد به رئاء الناس، أو كان من الطيِّب الذي يقبله الله، أم تيمم الخبيث فلم يختر لله سواه، وأتبعه مَنًّا وأذى، وجرحًا للكرامة وعزة النفس، أم كان بطيب النفس، ومن غير ذل ولا امتهان؛ ثم يعلم سبحانه أَوَفَّى الناذر بنذره على الوجه الأكمل أم نكث عهده، وأبطل ذمته؟ يعلم الله سبحانه وتعالى ذلك كله، يعلمه علم القادر القائم على كل شيء، الذي يجازي المحسن إحسانًا والمسيء إساءة؛ فقوله تعالى:(فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) مع إيجازها أفادت فوائد جمة: أفادت الوعد والوعيد، أفادت التبشير بالثواب والنعيم المقيم ورضوان الله تعالى، وأفادت الإنذار بالعقاب، لمن فسد قلبه، فلم يقصد بعطائه وجه الله تعالى، ولمن نقض عهده، وأخلَّ بذمته؛ ثم أفادت مع ذلك تربية المهابة في قلب المؤمن؛ فإن المؤمن إذا ذكر أن الله تعالى يعلم عمله، أحس برقابته في خلجات نفسه، وخصوصًا أن الجملة السامية:(فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) صُدِّرت بما يؤكدها. وذكر العليم الحكيم بلفظ الجلالة الدال على الاستحقاق الكامل للألوهية، وانفراده سبحانه وتعالى بها، فإن ذلك كله من شأنه أن يجعل المؤمن يحس بمقام الألوهية،
ويشعر بحق العبودية، فتخلص نيته، ويخلص قلبه من كل الشوائب والأغراض الدنيوية.
(وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ): ختم الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بهذه الجملة السامية التي تفيد النفي المطلق لنصرة الظالمين، ومعناها ليس للظالمين أي نصير في الدنيا والآخرة، وهي تؤكد الوعيد في الجملة السابقة، وتشير إلى أن الامتناع عن الإعطاء ظلم، وليس للظالم نصير؛ وأن الامتناع عن الإعطاء حقيقة هو ظلم، فهو ظلم للجماعة، لأنه منع صاحب الحق من حقه؛ لأن الله سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين حكم بأن للفقير في مال الغني حقا معلوما، ولا ظلم أفحش من أن يمنع صاحب الحق من حقه، ولأن الممتنع عن العطاء يظلم نفسه؛ لأنه يعرضها للهوان في الدنيا، ولعذاب الله في الآخرة، وهو يظلم نفسه وجماعته؛ إذ إن الجماعة التي يشح فيها الغنيُّ بالعطاء لإمداد الجند المدافع، ولإمداد الفقير وجعله يعيش عيشة آدمية محترمة - يبتليها الله تعالى ببلاء واقع ماله من دافع، لأن ذلك الفقير إذا جوَّعته كان أداة هدم للجماعة، فيكون الشُّذَّاب (1) الذين يبدلون أمن الجماعة خوفًا، ويكون المنحرفون في تفكيرهم ومنازعهم الذين يهدمون بناء الجماعة، ويقوضون كل قائم.
ونفي الأنصار يشمل النفي في الدنيا والآخرة كما قررنا؛ أما نفيه في الآخرة فمعلوم ظاهر ثابت، ونفيه في الآخرة يدركه البصير النافذ البصيرة؛ فإن البخلاء بأموالهم عن مواطن الخير مبَغضُون إلى الناس، لَا يرضى عنهم أحد، ولا يناصرهم أحد بالقول أو العمل، وأحب الناس إلى الناس الباذل المعطي، وأبغضهم إليهم الشحيح المانع.
والآية الكريمة تشير إلى أن الوفاء بالنذر مطلوب في العطاء؛ فإنه اقترن بالإنفاق المطلوب الذي حث عليه القرآن الكريم في الآيات السابقة، فكذلك ما اقترن به.
(1) الشُّذَّاب: من الشذَبُ، محركةً: قِطَعُ الشَّجَرِ، أو قِشْرُهُ، و - الشَّيءَ: قَطَعَهُ. والتَشْذِيبُ: الطَّرْدُ، والتَّفريقُ والتَّمزيقُ في المال [لسان العرب: الثين - شذب].
وإنه من الحق علينا قبل أن ننتقل إلى تفسير الآية الآتية نتكلم في النذر:
إن العلماء يقسمون النذر إلى قسمين: نذر مطلق هو التزام بطاعة غير معلق على زمن، ولم يكن المقصود منه الحض على فعل أو المنع من فعل، أو الامتناع عن فعل، أو توثيق فعل، كأن يقول القائل: لله عَلَيَّ نذر أن أعتكف في العشر الأخيرة من رمضان، أو: لله عَلَيَّ نذر أن أتصدق على الفقراء بعشرة جنيهات. فإن النذر في هذه الحال يجب الوفاء به ما دام طاعة باتفاق الفقهاء ويقسِّم الفخر الرازي في تفسيره الكبير هذا النذر إلى قسمين: مفسَّر وغير مفسَّر، فالمفسر أن يقول مثلا: لله عَلَيَّ حجٌّ، وهذا يلزم الوفاء به، وغير المفسَّر أن يقول: لله عَلَيَّ نذر، من غير أن يسمى النذر ويبينه فيلزمه فيه كفارة يمين لقوله صلى الله عليه وسلم:" من نذر نذرًا وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذرًا ولم يسم فعليه كفارة يمين "(1).
وهذا مذهب الشافعي، ويلحق بالنذر غير المفسر في المذهب الشافعي النذر الذي يكون في معناه تحريض على فعل، أو الامتناع من فعل، كأن يقول: نذرت لله ألا أفعل كذا ثم يفعله، فإنه يجب فيه كفارة يمين؛ لأنه في معنى اليمين.
ولقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لَا يطيقه فكفارته كفارة يمين "(2).
هذا إذا كان النذر التزامًا مجردًا من غير تعليق أو تقييد بمكان؛ فقد اتفق الفقهاء على وجوب الوفاء به ما دام قربة، لقوله صلى الله عليه وسلم:" من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه "(3). ولقوله تعالى. (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ. . .)، فهو أمر حتمي لازم.
(1) رواه ابن ماجه في الكفارات (2118) عن عقبة بن عامر الجهني، وعنه رواه الترمذي: النذور والأيمان (1448).
(2)
رواه أبو داود: الأيمان والنذور - من نذر نذرا لَا يطيقه (2887) عن ابن عباس بهذا اللفظ، وفي آخره:" وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أطَاقَهُ فَلْيَف به ".
(3)
رواه البخاري: الأيمان والَنذَوَر - النذر في الطاعة (6202) عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
أما إذا علق النذر على أمر سيقع في المستقبل كأن يقول: إن شفى الله مريضي مما ألم به فلله عليَّ نذر أن أتصدق بمائة جنيه مثلا، فقد اختلف الفقهاء فيه؛ فقال الحنفية فيجب الوفاء بشروط ثلاثة: ألا يكون معصية وألا يكون واجبًا، وأن يكون قربة بحيث يكون من جنسه واجب؛ فنذر المعصية باطل كما قدمنا، وكنص الحديث الذي ذكرناه؛ ونذر الواجب لَا جدوى فيه؛ لأنه واجب من تلقاء نفسه؛ أما نذر القُرَب التي من جنسها واجبات كالصدقات والصيام والحج فإن الوفاء به واجب، وهذا هو مذهب المالكية إلا أنه إذا كان النذر بجميع المال وجب الثلث فقط عندهم، إن لم يكن المال معينًا بالتعيين. والشافعي في قول اعتبر النذر المعلق على الشرط كاليمين تجب به كفارة، كأن يقول: إن شربتُ الدخان وجب عَلَيَّ كذا صدقة، فشرب، فإنه تجب كفارة يمين.
ومذهب الإمام أحمد كما حققه العلامة ابن تيمية أن النذر المعلق على شرط إن قصد به التعليق حقيقة كـ: " إن جاء رمضان فلله عليَّ نذر أن أعتكف العشرة الأخيرة منه "، فهذا يجب الوفاء به، وإن كان المقصود به الحض على فعل أو الامتناع عن فعل، فإنه لَا يجب الوفاء به ولكن تجب كفارة يمين؛ لأنه حلف تجب فيه الكفارة.
وقد اتفق العلماء على عدم وجوب الوفاء في نذر المعصية، لقوله صلى الله عليه وسلم:" من نذر أن يعصي الله فلا يعصه "(1). وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لَا يجب شيء؛ ولكن قال أحمد: تجب كفارة يمين، للحديث الذي رواه أبو داود ونقلناه آنفًا؛ ففيه التصريح بأن نذر المعصية تجب فيه الكفارة ولأن منطق الحنابلة أن النذر الذي يكون فيه الحض على فعل أو منع فعل هو من قبيل اليمين، واليمين في المعاصي حكمها أنه يجب الحنث فيها، وتجب كفارة اليمين، لقوله صلى الله عليه وسلم:" من حلف على شيء فرأى خيرًا منه فليحنث وليكفر "(2).
(1) انظر السابق.
(2)
روى مسلم في صحيحه: الأيمان - ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها (3113).
هذه كلمة إجمالية في حكم النذر واختلاف أقوال الفقهاء فيه، ومن المفيد في هذا الموضع أن نتكلم في أمرين:
أحدهما: في نذر القيام بقربة في مكان معيَّن، كالصدقة عند البيت الحرام، أو عند المسجد الفلاني.
وثانيهما: هل النذر في ذاته حسن في الدين أو ليس بحسن؟ فقد كان الكلام في وجوب الوفاء به. أما الكلام في هذا الموضع فهو في أصله أيكون من المستحسن أن يلتزم الإنسان الطاعة أم يفعلها ولا يقيد نفسه بالتزامها أولاً ثم يفعلها؟.
أما بالنسبة للأمر الأول، فقد اتفق الفقهاء على أن الالتزام بقربة في مكان تشد الرحال إليه وله مزيد اختصاص بالفضل في الشرع، كالمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، يجب الوفاء به؛ فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أنه لا تشد الرحال إلا إلى هذه المساجد الثلاثة، فالنذر بالصلاة فيها أو الصدقة عندها يجب الوفاء به؛ لأن الصدقة في ذاتها قربة، والاتجاه إلى الله في هذه الأمكنة بالذات قربة ثانية.
وأما إذا كان المكان الذي نذرت القربة فيه ليس من الأماكن التي تشد الرحال إليها، فقد قال كثيرون من الفقهاء: تجب القربة من غير تقييد بالمكان؛ فمن نذر أن يتصدق عند مسجد الحسين أو غيره فالوفاء واجب من غير تقيد بالمكان.
وقال بعض الفقهاء: يجب الوفاء بهذا المكان الذي عيَّنه، واستدلوا على ذلك بما روى أبو داود أن ثابت بن الضحاك قال:" نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلًا ببوانة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال صلى الله عليه وسلم: " أكان فيها وثن يعبد؟ " قال: لَا، قال: " فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " فقال: لَا، فقال: " أوف بنذرك، فإنه لَا وفاء لنذر في معصية الله تعالى، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لَا يملك ابن آدم " (1).
(1) رواه بنحو من ذلك أبو داود: الأيمان والنذور - ما يلزم به من الوفاء بالنذر (2881) عن ثَابِت بْن الضَّحَّاكِ. وبوانة: قيل هضبة وراء ينبع، وقيل: موضع بين الشام وديار بكر، وقال البغوي: أسفل مكة دون يلملم.
وبهذا يتبين أن الوفاء بالنذر واجب ما دام غير معصية، وفي مكان لَا معصية فيه، ولكن هل النذر عند الأضرحة والقبور خال من المعصية؟ إن ذلك موضع نظر، والاحتياط في النذور أن تكون لله خالصة.
أما الأمر الثاني، وهو التزام الطاعات بالنذور المطلقة أو النذور المعلقة على شرط، أهو أمر مستحب، أم الأولى خلافه وإن كان يجب الوفاء به إن التزمه؛ لقد اختلف في ذلك الفقهاء؛ فقال فريق كبير منهم: إن الأولى ألا ينذر العبادة، بل يقوم بها متى قدر عليها من غير نذر، وذلك لما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر، وقال:" إنه لَا يأتي بخير، وإنما يستخرج الله به من البخيل "(1) وإن أكثر النذور في الماضي كما هي في الحاضر تكون لرجاء أمر فتعلق القربة على وجوده، أو للخوف من نتائج أمر فتعلق القربة على عدمه، وإن تعليق القربة على ذلك أمر غير مستحسن، بل هو مكروه، بل صرح بعض الأئمة بأنه حرام؛ ولقد قال ذلك القول كثيرون من فقهاء الذاهب الأربعة، بل رواه أبو داود عن بعض الصحابة.
وقال آخرون: إن النذر مستحب؛ لأنه يحمل الشخص على القيام بالقرب، فهو تقوية للعزيمة على الطاعة؛ ولقد صرح النووي في المجموع بأنه مستحب.
وعندي أن النذر غير المعلق على شرط قد يكون مستحبا لما فيه من حمل النفس على الإصرار على الطاعات، وأما المعلق على شرط، فهو الذي ينطبق عليه الحديث، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لَا يأتي بخير لمنع اعتقاد الناس ذلك، وكثيرون يتوهمون أن النذر يغير القدر، فنفَى النبي صلى الله عليه وسلم صحة اعتقادهم. والله سبحانه هو القادر على كل شيء، وله عاقبة الأمور.
* * *
(1) رواه بهذا اللفظ مسلم: النذر - النذر وأنه لَا يرد شيئا (30959، والنسائي: الأيمان والنذور: النهي عن النذر (3741) عن ابن عمر رضي الله عنه، ورواه البخاري بنحوه: النذر - إلقاء العبد النذر إلى القدر (6118).
(إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)
* * *
في الآيات السابقة حذر الله سبحانه وتعالى المنفقين من أدواء الصدقات التي تفتك بها وتذهب بخيرها، وهي أعداء الإخلاص الثلاثة: المنُّ، والأذى، والرياء.
والمنُّ والأذى عملان حسِّيان قد يسهل على المؤمن اجتنابهما، أما الرياء فهو داء نفسي الاحتياط في تجنبه يوجب تفتيش النفس في داخليتها، ومراقبتها في حركتها، والتنقيب عن بواعثها، فإن كانت تتصل بالرياء عن قرب أو بعد طهرها وزكاها، وإن سلمت منه فقد برئت واصَّعَّدت إلى سماء التقديس، وإن المؤمن في سبيل هذه المعالجة الروحية عند الإنفاق قد يتردد بين الإعلان ليكون أسوة حسنة للناس، إذ يعلن حق الله في ماله فيعرف كل ذي مال ذلك، ولكنه يخشى أن يجد الرياء منفذًا إلى نفسه من هذه الناحية، وإن أخفاها وسترها عن الأعين، فقد يضل في العطاء، فيعطي من لَا يستحق العطاء، ولا يكون إعلان تلك الشعيرة المقدسة، شعيرة الصدقة التي تثير نخوة ذي المال، فيقتطع من ماله حق الله فيه.
ولقد بيَّن سبحانه أن في الإخفاء خيرًا كثيرًا، والجهر محمود إن نقِّي من كل أعراض الرياء، فقال تعالى:
(إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ) هذه الآية الكريمة تفيد أن الصدقات في كل أحوالها خير محض ما دام المنفق قد خلص من الرياء، وجانب المنَّ والأذى؛ وإذا كان ثمة تفاوت فهو في حال النفس، والاحتياط للرياء، وسد مداخله، ولذا قال تعالى مادحًا النوعين من الصدقة: صدقة الجهر، وصدقة السر:(إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا) أي إن تظهروا صدقاتكم وتعلنوها بين الناس فنعم تلك الصدقة، أي أنها أمر محمود ممدوح يوجب الثناء والذكر الحسن؛ فقوله تعالى:(فَنِعِمَّا هِيَ) هو نِعْم المدغمة في ما، وما هي التي يقول عنها علماء اللغة إنها نكرة تامة بمعنى شيء، والمعنى نِعْمَ شيئا يستحق المدح والثناء تلك الصدقات. وعبر في قوله عن الإنفاق بالصدقات هنا، للإشارة إلى أن المدوح من الإنفاق المعلن هو الصدقات التي يقصد فيها الشخص إلى إرضاء الرب، وتصدق فيها نيته، ويخلص قلبه؛ لأن كلمة (الصدقة) مأخوذة من الصدق، والصدق هنا هو صدق النية وتخليصها من كل شوائب الرياء. وإذا كانت الصدقة التي خلصت النية فيها لوجه الله تعالى هي موضع مدح وثناء ولا ذم فيها قط، فهي خير بلا شك. وذكرت خيريته بعبارات المدح والثناء دون التصريح بالخيرية، للإشارة إلى أنها ممدوحة عند الله كما هي ممدوحة عند الناس؛ إذ إن المعلن لصدقته سينال ثناء الناس، وسيتحدثون بجوده؛ فبين سبحانه أن عمله ممدوح عند الناس أيضًا وبذلك ينال التصدق المخلص في نيته ومقصده إن أعلن، ثواب الله، وثناء الناس، وثناء الشرع.
هذه صدقة الجهر إن خلصت من الرياء؛ أما صدقة السر فقد أثنى عليها سبحانه بقوله تعالى: (وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ) أي إن تخفوا الصدقات التي خلصت فيها النية وتؤتوها الفقراء بأنفسكم فهو خير لكم؛ لأن البعد عن الرياء يكون أوثق؛ إذ في السرية سد لكل ذرائع الرياء، ولذلك كان السر خيرًا للمعطي؛ إذ فيه احتياط لنفسه من أن يدخلها داء الإنفاق، وهو الرياء؛ فإذا كان في الجهر فائدة الثناء، ففي السر فائدة الاحتياط من الرياء؛ وذلك خير من كل ثناء. ثم
صدقة السر خير في ذاتها كصدقة الجهر، وفوق ذلك فإن صدقة السر خير للفقير؛ لأنها تستره بستر الله، فلا يجتمع عليه ذل الفقر، وذل الأخذ، وذل الإعلان والكشف.
والتعبير في نفقة السر بقوله تعالى: (وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ) فيه إشارة إلى ثلاثة أمور:
أولها: أن الصدقة قسمان: قسم يعطى إلى الحكام، وهو الصدقات المفروضة التي قدرها الشارع؛ فهذه يجمعها أولو الأمر ومن ينوبون عنهم من ولاة وعمال، أو جماعات يختارونها لذلك وهذه تكون معلنة بلا ريب. والقسم الثاني يعطي الفقراء مباشرة وهو الصدقات غير المفروضة، والصدقات المفروضة غير المقدرة التي تكون على حسب حال الشخص، كمن يرى شخصًا في مخمصة وجوع، ويخشى عليه من الموت فإن الصدقة تكون فرضًا على من يعلم حاله؛ وهذه الصدقات التي تعطى الفقراء مباشرة يكون السر فيها أولى، بل أكاد أقول إنه يكون لازمًا؛ لأن الإعلان أذى، وقد قرر المولى العلي القدير أن الأذى يبطل الصدقة في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى. . .).
الأمر الثاني: الذي يفيده التعبير بقوله تعالى: (وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ): الإشارة إلى وجوب تحري صفة الفقر فيمن يعطى، فلا يعطي إلا ذا حاجة، ولا يكون من الصدقات ما يعطى لغير الفقراء؛ لأنه يكون مروءة أو جودا ولا يكون صدقة يبتغى بها ما عند الله، إذ يبتغي بها ما عند الناس؛ وإن ذلك وإن كان من نظام الدنيا ليس من الصدقة في شيء.
الأمر الثالث: أن الإعطاء في هذه الصدقات بوصف الفقر، لَا فرق في ذلك بين مسلم وغير مسلم، ولا بر أو فاجر؛ فإذا كان غير المسلم في حال مخمصة ولا يعلم حاله إلا مسلم فرض عليه أن يدفع عنه مخمصته؛ فإن ذلك من الرحمة المفروضة لكل إنسان؛ ولذا ورد في صحيح البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -
قال: " في كل كبد رطبة أجر "(1) وفي رواية لغيرهما " فى كل كبد حَرَّى أجر "(2) فهذا يدل على أن الرحمة بكل الأحياء فيها أجر، فكيف بالرحمة بالإنسان.
بعد بيان أن صدقة السر فيها خير وصدقة الجهر موضع ثناء ومدح، قال سبحانه:(وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ) أي أنه سبحانه وتعالى يستر السيئات التي يرتكبها الشخص، ويخفيها ولا يظهرها عند الثواب والجزاء، فلا يحاسب عليها أصحابها إذا تصدقوا وأعطوا مبتغين وجه الله تعالى في صدقاتهم. و " من " في قوله تعالى:(مِّن سَيِّئَاتِكُمْ) إما أن تكون " مِنْ " البيانية، والمعنى أن الصدقات تكفر السيئات وإما أن تكون " من " الدالة على البعضية، أي أن الله سبحانه وتعالى يكفر للمتصدقين من الخطايا بمقدار ما يتصدقون من صدقات، وينفقون ابتغاء وجه الله تعالى. وعندي أن " مِنْ " بيانية؛ لأن النفس التي تفيض خيراتها وتتجه إلى الله تعالى في صدقاتها لَا تبغي إلا مرضاته، فلا تبغي رياء ولا نفاقًا، ولا جاهًا في الدنيا، نفس برة تقية لم تحط بها خطيئاتها والنفس التي تكون على هذا النحو لا تسيطر عليها المعاصي، فيكون غفران الله تعالى لما كان منها من سيئات في بعض الأحوال.
وقوله: (وَيُكَفرُ عَنكُم مِّن سَيئَاتِكُمْ) قال بعض العلماء: إنه بالنسبة لصدقة السر؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم: " صدقة السر تطفئ غضب الرب "(3) وقال بعضهم: إن الصدقة بنوعيها تكفر السيئات؛ وذلك أوضح من الأول؛ لأن الصدقة إن سلمت من الرياء وقدمها الشخص طائعًا مختارًا ولو بإعلان هي حسنة مقبولة، والله سبحانه وتعالى يقول:(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. . .)، ولقد روي أن
(1) رواه البخاري: المساقاة - فضل سقى الماء (2190)، ومسلم: السلام - فضل سقي البهائم المحترمة وإطعامها (4162).
(2)
رواه ابن ماجه: الأدب - فضل صدقة الماء (3676) وأحمد (6778) عن عبد الله بن عمرو بنحوه.
ذات كبد: كل ما فيه روح. حرى: من شدة الحر، وهو كناية عن شدة العطش.
(3)
جامع الأحاديث والمراسيل: الجامع الصغير وزوائده - الصاد مع الدال.
النبي صلى الله عليه وسلم قال " الصدقة تطفئ المعصية "(1) ولأن من الصدقات ما لَا يمكن إلا أن تكون معلنة كشراء سيدنا عثمان بن عفان لبئر رومة ووقفها على المسلمين؛ فلا يمكن أن تكون تلك الصدقات المعلنة التي يبتغى فيها وجه الله غير مكفرة للسيئات، وقد أعدَّ عثمان جيش العسرة، فهل يغض ذلك من صدقته. ولذا نرى أن تكفير الصدقات للسيئات لَا يختص بصدقات السر وحدها، بل يعم الصدقات كلها. ولقد أثار العلماء بحثا في أيهما أفضل: صدقة السر أم صدقة الجهر؟ وقبل أن نخوض في أقوال الفقهاء في ذلك نقرر أن الصحابة أثرت عنهم صدقات الجهر، كما كان معلومًا عنهم أنهم يتصدقون ويخفون حتى لَا تعلم شمالهم ما تنفق يمينهم.
ومما يروى في صدقاتهم التي كانت معروفة أن عمر رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بنصف ماله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؛ " قال: خلفت لهم نصف مالي: وفي هذا الوقت جاء أبو بكر بكل ماله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:" ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ " قال: عِدةُ الله وعدة رسوله. فبكى عمر وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى خير قط إلا كنت سابقًا! (2).
وتبرعات عثمان كثيرة مشهورة معلمة بينة، دونتها كتب التاريخ، والسيرة المحمدية الشريفة.
وإذا كان المأثور عن الصحابة وعن النبي صلى الله عليه وسلم صدقة العلن والسر، ففي كل خير، والآية صريحة في ذلك. ولكن بعض العلماء فضَّل صدقة السر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لَا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه،
(1) سبق قريبا بلفظ: " الصدقة تطفئ الخطيئة ".
(2)
رواه ابن أبي حاتم في التفسير - ما خلفت وراءك لأهلك، وابن مردويه، وابن عساكر. عن الشعبي.
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لَا تعلم شماله ما تنفق يمينه " (1).
وقال بعض العلماء: إن صدقة الفرض المقدَّر الأحب فيها الإعلان؛ وصدقة الفرض المقدَّر هي الزكاة وصدقة الفطر. والصدقة غير المقدَّرة الأحب فيها الستر حتى لَا يؤذي الفقير. ولقد أثر عن ابن عباس أنه كان يقول: (جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا).
إنه بلا شك صدقة الفريضة المقدرة تكون علنًا، وهي معلنة بحكم أن الإمام يجمعها بعماله، أو بمن ينوبهم عنه؛ وأما صدقة التطوع فإنه بلا شك واضح أن سترها أولى للبعد عن الرياء، ولعدم إيذاء الفقير؛ ولكن قد يكون في إعلانها ما يتحقق به الأسوة، ويكون كدعوة عامة للإنفاق في باب معين من أبواب غير المفروضة، فيكون في الإعلان خير يفوق خير الستر، ولكن بشرط البعد عن الرياء؛ ولذلك كان السر في غير الفريضة المقدرة التي يجمعها ولي الأمر، والأمر متروك لتقدير المنفق، لأنه يتصل بقلبه أخلا من الرياء أم شابته شوائبه؟ ولأنه يعرف حال الفقير الذي يعطيه، أَويؤذيه الإعلان أم لَا يؤذيه؛ ولأنه هو الأدرى بفائدة الإعلان وفائدة الستر في أمر صدقته.
هذا هو الحكم العام في الصدقات في ماضيها عندما كان الناس يقومون بمراقبة نفوسهم، وإنه بالنسبة لزماننا وقد ساد النفاق، وسيطر الرياء، وعطلت الفرائض نرى أن - الستر أولى حتى تهذب النفوس، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة أفضل؛ فقال صلى الله عليه وسلم: " سر إلى فقير أو جهد من مقل "(2).
(1) روى البخاري هذا الحديث في ثلاثة مواضع، ورواه كاملا في موضعين منهما ولفظه: الأذان - باب من جلس ينتظر الصلاة وفضل المساجد (620). كما رواه الترمذي ومالك وأحمد.
(2)
جزء من حديث طويل رواه الإمام أحمد (21257) في مسنده.