المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وصل إليه مثل ما أعطى وليس له وراء ذلك حق، - زهرة التفاسير - جـ ٢

[محمد أبو زهرة]

الفصل: وصل إليه مثل ما أعطى وليس له وراء ذلك حق،

وصل إليه مثل ما أعطى وليس له وراء ذلك حق، ولا ظلم فيه على المدين لأن أداء الحق لَا ظلم فيه، وإن امتنع عن إعطاء رأس المال كان ظالمًا، ما دام يمتنع عن قدرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" مطل الغني ظلم "(1).

وفى النص الكريم إشارة إلى أمرين:

أحدهما: أن من يعطي الربا ليس له إلا رأس المال، وأن الزيادة أكل لمال الناس بالباطل أيا كانت هذه الزيادة قليلة كانت أو كثيرة، فلا عبرة بالمقدار مهما يكن ضئيلا، ولا عبرة بالدين أيا كان نوعه. والتعبير عن أصل الدين برأس المال نص في أن الربا يكون إذا كان الدين قد اتخذ أصلا للاتجار والكسب؛ أي أن الدين الذي يؤخذ للاستغلال الربا فيه حرام، وبالأولى الدين الذي يؤخذ للاستهلاك واختيار ذلك اللفظ بالذات يومئ إلى أن الربا كان يتخذ سبيلا للاستغلال. والتعبير بـ " رأس " أيضًا يحسم الخلاف، لأنه لو عبر بالدين فربما يدعي الربوي أن الدين هو الأصل والزيادة معًا.

ثانيهما: الذي يدل عليه النص الكريم: أن طريق التوبة دائمًا أن ينقي التائب ماله من كل مال خبيث، فكل زيادة عليه ترد إلى أصحابها، وإلا يتصدق بها.

* * *

(1) متفق عليه، رواه البخاري: الاستقراض - مطل الغني ظلم (2225)، ومسلم: المساقاة - تحريم مطل الغنى (2924) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 1060

(وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ

(280)

* * *

أي إن كان المدين غير قادر على الأداء لعسرة ملازمة له كملازمة الصاحب لصاحبه فانتظار إلى وقت يتيسر فيه، فلا يزيد عليه ليرهقه، فيعجز عن الوفاء، بل ينتظر حتى يجيء الوقت الذي يستطيع الأداء وهنا بعض عبارات فيها إشارات بيانية جديرة بالتنبيه:

أولها: التعبير بذو عسرة في قوله (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ) أي كان صاحب عسرة وضيق شديد يلازمه كملازمة الصاحب، لأن كلمة ذو تدل على المصاحبة؛

ص: 1060

وفرض أن بعض المدينين ذو عسرة يدل على أن مدينين آخرين يستطيعون الوفاء، ومنهم الذين يقترضون للاستغلال.

ثانيها: قوله تعالى: (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) معناها: فالحكم أو الأمر انتظار إلى ميسرة، وهناك قراءة أخرى، وهي (فنَاظِرُهُ إِلَى مَيْسَرَة) أي فمنتظره إلى ميسرة.

ثالثها: قوله (إِلَى مَيْسَرَةٍ) فالميسرة بفتح السين وضمها كمَقبَرة ومقبُرة: هي حال اليسر، فليست الميسرة هي مجرد اليسار، بل هي اليسار المستقر الثابت الذي يتمكن فيه المدين من وفاء دينه كله مقدما القوي على الضعيف، أي أن الدائن ينتظر المدين حتى يقف من عثرة العسرة ويستقيم أمره، لَا أن يترقب أي مال حتى يأخذه كما يأخذ الصائد قنيصته.

(وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْر لَّكمْ إِن كُنتمْ تَعْلَمُونَ) أي أنه إذا ثبت العجز وتقرر، وأصبح احتمال اليسار غير قريب فتصدقوا بالدين على صاحبه وأبرئوه منه؛ فإن ذلك يكون خيرًا لكم في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا فلأنكم إذا فقدتم الأمل في الاستيفاء فكل جهد في سبيله ضائع، وكل تعقب في سبيله يورث الإحن من غير جدوى؛ ويثير الأحقاد المستمرة من غير فائدة، فيكون من الخير العفو والإبراء، والإبقاء على الأخوة، والعلاقات الاجتماعية، وأما في الآخرة فالنعيم المقيم.

وهذا الجزء من النص الكريم فيه إشعار للدائنين بأنه إذا ذهب دينهم بالتَّوى (1)

وعجز المدين عن الوفاء فلا تذهب أنفسهم حسرات، وليعلموا أن التصدق أجدى إن كانوا يعلمون. وذكر سبحانه هذه الجملة السامية:(إِن كنتُمْ تَعْلَمُونَ) لأن غمرة الألم لفقد الدين قد تنسيهم ما ينبغي في مثل هذه الحال فنبههم إلى ما ينبغي ليكونوا في حال وعي نفسي دائم، ولا ينسيهم المال الحال والآل.

* * *

(1) التَّوَى: الهلاك والخسارة - الوسيط.

ص: 1061