الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجملة القول أن الحديث اضطرب فيه سوار، فلا يطمئن القلب إلى ترجيح رواية من روايتيه وإن كنا نميل إلى الرواية التي وافقه عليها الليث بن أبي سليم وإن كان ضعيف، فإن اتفاق ضعيفين على لفظ من لفظين، أولى بالترجيح من اللفظ الآخر الذي تفرد به أحدهما، هذا لو اتفق الرواة عنه فيه، فكيف وقد اختلفوا، والبيهقي، وإن مال إلى أن الحديث ورد في عورة الرجل لا الأمة، فقد جزم بضعفه للاختلاف الذي ذكرنا، فقال: " فأما حديث عمرو
بن شعيب فقد اختلف في متنه، فلا ينبغي أن يعتمد عليه في عورة الأمة وإن كان يصلح الاستدلال به وسائر ما يأتي عليه معه في عورة الرجل، وبالله التوفيق ".
وإذا عرفت ذلك، فمن الغرائب أن تتبنى بعض المذاهب هذا الحديث فتقول: بأن الأمة عورتها عورة الرجل! ويرتب على ذلك جواز النظر إليها بل هذا ما صرح به بعضهم، فقالوا: فيجوز للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها "! ذكره الجصاص في " أحكام القرآن " (3 / 390) ، ولا يخفى ما في
ذلك من فتح باب الفساد، مع مخالفة عمومات النصوص التي توجب على النساء إطلاقا التستر، وعلى الرجال غض البصر انظر كتابنا " حجاب المرأة المسلمة "(22 - 25) .
957
- " إن الله عز وجل قد رفع لي الدنيا، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة كأنما أنظر إلى كفي هذه، جليانا من أمر الله عز وجل جلاه لنبيه كما جلاه للنبيين قبله ".
ضعيف جدا.
رواه أبو نعيم في " الحلية "(6 / 101) من طريق الطبراني: حدثنا بكر بن سهل: حدثنا نعيم بن حماد: حدثنا بقية عن سعيد بن سنان: حدثنا أبو الزاهرية عن كثير بن مرة عن ابن عمر مرفوعا.
قلت: وهذا إسناد واه فيه أربع علل:
1 -
سعيد بن سنان متروك، ورماه الدارقطني وغيره بالوضع.
2 -
وبقية مدلس وقد عنعنه.
3 -
ونعيم بن حماد ضعيف.
4 -
وبكر بن سهل ضعيف أيضا. والحديث أورده الهيثمي في " المجمع "(8 / 287) وقال: " رواه
الطبراني، ورجاله وثقوا على ضعف كثير في سعيد بن سنان الرهاوي ".
958
- " كان لا يمس من وجهي شيئا وأنا صائمة، قالته عائشة ".
منكر.
رواه ابن حبان في صحيحه (904) : أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا عثمان بن أبي (شيبة: حدثنا وكيع عن)(1) زكريا بن أبي زائدة عن العباس بن ذريح عن الشعبي عن محمد بن الأشعث عن عائشة قالت: فذكره مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه الإمام أحمد (6 / 162) فقال: حدثنا وكيع عن زكريا به
…
مثله، يعني مثل حديث ساقه قبله فقال: حدثنا يحيى بن زكريا حدثني أبي عن صالح الأسدي عن الشعبي عن محمد بن الأشعث ابن قيس عن عائشة أم المؤمنين قالت: " ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتنع من شيء من وجهي وهو صائم ". قلت: وفي هذا السياق مخالفتان: الأولى في السند، والأخرى في المتن.
أما المخالفة في السند، فهي أنه جعل مكان العباس بن ذريح، صالحا الأسدي، وهو صالح بن أبي صالح الأسدي، وهو مجهول كما يشير إلى ذلك الذهبي بقوله:" تفرد عنه زكريا بن أبي زائدة ".
وقد قيل: عنه عن محمد بن الأشعث عن عائشة بإسقاط الشعبي من بينهما، أخرجه النسائي وقال:" إنه خطأ، والصواب الأول " كما في " تهذيب التهذيب ". وأخرجه النسائي في " العشرة " من " الكبرى "(ق 84 / 1) من طريق زياد بن أيوب قال حدثنا ابن أبي زائدة قال: أخبرني أبي صالح الأسدي عن الشعبي به، فهذا يرجح رواية أحمد عن وكيع، ويدل على أن رواية ابن حبان شاذة.
ثم رأيتها في " مصنف ابن أبي شيبة "(3 / 60) عن وكيع مثل رواية أحمد. وأما الاختلاف في المتن فظاهر بأدنى تأمل، وذلك أن يحيى بن زكريا، جعل المتن نفي امتناعه صلى الله عليه وسلم من تقبيل وجه عائشة وهو صائم، بينما جعله وكيع - في رواية ابن حبان - نفي تقبيله صلى الله عليه وسلم لها وهي صائمة! فإذا كان لفظ رواية وكيع عند أحمد، مثل لفظ رواية يحيى بن زكريا كما يدل عليه إحالة أحمد عليه بقوله:" مثله " كما سبقت الإشارة إليه، إذا كان الأمر كذلك كانت رواية وكيع عند ابن حبان شاذة لمخالفتها، لروايته عند أحمد ورواية يحيى بن زكريا، ويؤكد هذا موافقة لفظ زياد بن أيوب عند النسائي للفظ أحمد. وسواء كان الأمر كما ذكرنا أولم يكن، فإننا نقطع بأن هذه الرواية شاذة بل منكرة، لمخالفتها للحديث الثابت بالسند الصحيح عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهما صائمان، فقال الإمام أحمد (6 / 162) : حدثنا يحيى بن زكريا قال: أخبرني أبي عن سعد بن إبراهيم عن رجل من قريش من بني تميم يقال له طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: " تناولني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم ". وهذا سند صحيح، وقد رواه جماعة من الثقات عن سعد بن إبراهيم به نحوه كما بينته في " الأحاديث الصحيحة " فانظر " كان يقبلني
…
" (رقم 219) .
(1) سقطت هذه الزيادة من النسخة المطبوعة، فاستدركتها من أصلها المخطوط المحفوظ في المكتبة المحمودية في المدينة المنورة (ق 68 / 1) بعد أن ضيعت وقتا كثيرا في معرفة عثمان بناء على ما وقع في المطبوعة! وأما فهرس الخطأ فيها، فقد جاء التصويب فيه خطأ أيضا! . اهـ.