الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 -
العمل السياسي السري
يظهر العمل السياسي السري، على ما هو معروف، في ظروف القمع القهري، والحرمان من ممارسة العمل السياسي بصورة علنية. وقد تعرضت التنظيمات السياسية في الجزائر، منذ ظهورها، للمطاردة المستمرة، وعمليات القمع المتتالية، والاضطهاد لزعمائها والأعضاء العاملين فيها - على نحو ما سبق عرضه في التنطيمين الرئيسيين (حزب الشعب الجزائري) و (أصدقاء البيان الجزائري). ومن المعروف أن البدايات المبكرة للتنظيم السري قد بدأت منذ حل حزب (نجم شمال أفريقيا) غير أن ذلك التنظيم السري فقد قوته تدريجيا. وعلى هذا فإنه بالإمكان القول أن تاريخ النظام السري السياسي في الجزائر يرتبط ارتباطا وثيقا بتنظيم حزب الشعب الجزائري في سنة 1937. فعندما تم حل هذا الحزب، كان للتنظيم السري دوره الكبير في إعادة تنظيم (حركة انتصار الحريات الديمقراطية). حيث عمل هذا التنظيم على الاستمرار في حمل مبادىء الحزب، والتأكيد على صموده بالرغم من قرار الحل الرسمي. وعندما أعيد تنظيم حزب الشعب تحت عنوان الواجهة الجديدة (حركة انتصار الحريات الديمقراطية). قسم العمل فيه على مستويين:
مستوى العمل العلني - الرسمي - ومستوى العمل السري وكان المستوى الأول يضم الأشخاص الذين يعملون بصفة علنية ورسمية (في إطار قانون عمل الأحزاب) وهم المسؤولون عن حركة الحزب. أما المستوى الثاني، فهو الذي يعمل بموجب نظام سري ويضم عناصر حزب الشعب المنحل التي جعلت الثورة وسيلتها الوحيدة للتحرير. وكان التنظيم السري ينطلق متشعبا (كالشجرة) بدءا من الخلية التي تضم بضعة أفراد فقط، ثم مجموعة الخلايا المرتبطة بقيادة ترتبط بدورها (بالدائرة). وكان لكل دائرة مفتشها المسؤول عنها والذي يرتبط بدوره بالقيادة المركزية للمنطقة. وكانت القيادات المركزية للمناطق تتصل (بالقيادة العامة) المسؤولة عن كامل التنظيم في جميع أنحاء البلاد. وقد حقق التنظيم نجاحا رائعا في نشر شبكة خلاياه إلى كل قرية وكل موطن من مواطن القبائل القاصية والتي يطلق عليها اسم (الدوار) علاوة على تلك الخلايا السرية الكثيرة في المدن.
…
كانت قيادة التنظيم السري تعتمد في نجاحها - وبالدرجة الأولى - على نوعية عناصرها وفضائلهم. فكان يتم اختيار الشاب لضمه إلى هذه الخلايا من بين خيرة الشبان خلقا وأدبا، وأكثرهم التزاما وتمسكا بدينه الإسلامي، وأوفرهم حماسة ونشاطا، ولم يكن يسمح بضم العناصر التي تدين بالمبادىء الفوضوية أو تعتنق المذاهب الإلحادية. كما لم يكن بالمستطاع ضم أي عنصر إلى خلية من الخلايا، إلا بعد أن يقوم قلم المخابرات
الخاص بهذه الخلية بالتحري عن ماضيه وأعماله، وعما إذا كان له اتصال بالسلطات الاستعمارية. فإذا وجد فيه الشاب المؤمن الوطني، ضم إلى الخلية بسريه تامة، بحيث لا يعرف أحد من أهله أو إخوانه ورفاقه أو حتى أخلص الناس إليه بانضمامه إلى تنظيم الجهاز السري. ويطلق على الشاب، بعد انضمامه إلى الخلية لقب (المجاهد). وكثيرا ما يدهش بعض المجاهدين حين يجتمعون لأول مرة في الخلايا، بإخوانهم، فيجد الواحد منهم شقيقا أو صديقا أو قريبا قد سبقه إلى التنظيم، دون أدنى علم منه. وتضم الخلية - عادة - أحد عشر مجاهدا بينهم رئيس الخلية، ويتم اختيار المجاهدين في الخلية الواحدة، وفي معظم الأحيان، من أبناء حي واحد، حتى لا يثير اجتماعهم أدنى شك أو شبهة. ولا يعرف المجاهد غير أفراد خليته، سواء في دائرته أو في القطر كله. ولذلك لم يكن من الغريب رؤية شقيقين أو صديقين منظمين في الجهاز السري، ولا يعرف الواحد منهما عن الآخر شيئا، لوجود كل واحد منهما في خلية منفردة.
يجتمع رئيس الخلية مع بعض رؤساء الخلايا الأخرى حيث يشكل هؤلاء (المجموع) ولهذا المجموع رئيس يجتمع بدوره مع رؤساء المجموعات الأخرى التي يضمها الدوار - القرية - أو الناحية أو المدينة. فيشكلون القيادة المحلية للدائرة. ويجتمع بالقيادة المحلية ورئيسها مفتش عن القيادة المركزية للمنطقة أو الولاية (العمالة). ويكون المفتش في أغلب الأحيان غريبا عن المنطقة، لأنه يكون عنصر
الاتصال من القيادة المركزية في المنطقة وبقية دوائرها. وتتلقى قيادة المنطقة المركزية تعليماتها من القيادة العامة بواسطة ضباط اتصال سريين، وتصدر القيادة المركزية بدورها التعليمات بعد دراستها جيدا، إلى الدوائر التابعة لها. وهناك تدرس هذه التعليمات والأوامر، لتنقذ قدر المستطاع. والجدير بالذكر أنه من المحال التعرف على الاسم الحقيقي للمفتش، أو ضابط الاتصال، أو أن تعثر على تذكرة هويتهم الصحيحة، فهم مجهولون حتى من كبار زملائهم المفتشين والقادة، ولا يعرف بهم إلا الرئيس المختص بنشاطهم. وإذا حدث أن افتضح التنظيم السري في مدينة من المدن، فسرعان ما ينقل المفتش من الولاية (العمالة) كلها. ويبدل بآخر لإعادة تنظيم الجهاز مرة أخرى. ومن المؤكد أن جهاز التنظيم السري لم يكشف قط منذ إنشائه. وسرعان ما كان يتم نقل المجاهدين الذين تحوم حولهم شبهات الشرطة الإفرنسية، من تنظيم الأجهزة السرية إلى تنظيم الحزب العلني، حيث تنتظرهم الأعمال غير السرية، ويقطعون كل صلة لهم بالتنظيم السري ومجاهديه.
وتتلخص مهمة (التنظيم السري)؛ بضم أكبر عدد ممكن من الشبان المسلمين إلى أجهزته. وبث روح الجهاد والثورة والفداء في نفوسهم، وتدريبهم على أساليب الدعاية السرية المنظمة. بحيث يمهدون السبيل في أوساط الشعب لقبول الثورة واحتضانها وحمايتها. وقد كان لهذا التنظيم اليد الطولى في إنجاح ثورة التحرير الكبرى (1954)، وتعريف جماهير الشعب بمضمون الثورة وأهدافها القريبة والبعيدة. أما الوسائل التي كان