الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويعتبرونه مثلهم الأعلى في حرب المقاومة بعد أن شهدوا معه مفازع هذه الحرب وانتصاراتها. وعندما تشكلت لجنة التنسيق والتنفيذ في حزيران - يونيو - 1958، لتوثيق التعاون مع تونس والمغرب، كان (كريم بلقاسم) هو المسؤول عن الشؤون العسكرية (وكان قد أقام مقر قيادته في تونس منذ سنة 1957) وعندما تثشكلت الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس، تولى كريم بلقاسم منصب وزير الدفاع ونائب رئيس الونراء. وبقي في منصبه هذا حتى التحرير والاستقلال. وعندما تولى أحمد بن بللا رئاسة الجمهورية. وعباس فرحات رئاسة الوزراء - الحكومة - حدث خلاف على سياسة الحكومة بين عباس فرحات وكريم بلقاسم. وحاول (كريم) قيادة حركة تمرد في العام 1963، غير أنه أمكن القضاء عليها. وأدى ذلك إلى استقالة فرحات عباس من رئاسة الجمعية الوطنية في 13 آب - أغسطس - 1963، وزال من على المسرح السياسي للجزائر رجلين أحدهما ينتمي إلى الجيل القديم، وثانيها من أبناء الجيل الجديد.
5 -
رمضان عبان:
من رجال القبائل أيضا، فرض نفسه كأقوى شخصيات الثورة الجزائرية بفضل ما بذله من جهد في إدارة الأعمال القتالية، وبفضل ما أظهره من شجاعة وحزم في مواجهة المواقف الصعبة والخطرة وكان يفرض حيويته وتصميمه الذي يأبى الهوادة واللين على الثورة، بيد من حديد. ولقد كان ثوريا يؤمن بقيمة العمل الارهابي في مدينة كبيرة. ولقد قال ذات مرة: (إن فرض حظر
التجول في مدينة الجزائر، يعادل في قيمته ونتائجه قتل مائتي إفرنسي في الجبال) وكان عبان رجلا واسع الدهاء، عميق الموهبة التنظيمية الفائقة. وكان يرتحل في كل مكان في الجزائر يصل بين جماعات المناضلين، ويعمل على تحسين وسائل كفاحهم. وينسق التعاون بين أعمالهم القتالية. وعندما تشكل المجلس الوطني للثورة الجزائرية في العشرين من آب - أغسطس - 1956. كان رمضان عبان هو الشخصية الثالثة فيه (بعد حسين آية أحمد وفرحات عباس) غير أنه لم يستمر طويلا في ممارسة دوره. إذ أن تنقله الدائم، وتعرضه للمخاطر، أوقعه في كمين نصه له الافرسون في شهر شباط - فبراير - 1958. فاستشهد على الفور، وخسرت الثورة مناضلا من أفضل مناضليها.
…
تلك هي بعض نماذج العناصر القيادية التي مارست دورها في إشعال نار الثورة وتطوير لهيبها، والقصة بعد ذلك ليست قصة أشخاص، وإنما هي قصة الثورة، ولقد بذلت محاولات لتمييز انتساب القيادة الجزائرية، وتقسيمها إلى سياسية مقابل عسكرية، وصلبة الشكيمة مقابل متساهلة، وبربرية من قبيلة مقابل عربية، وبورجوازية مقابل بروليتارية (أو ماركسية) غير أن مثل هذا التقسيم لم يكن يحمل أي مضمون حقيقي، فعلى الرغم من بعد المسافات الفاصلة بين مواطن القادة. وعلى الرغم من تباين وجهات نظرهم تباينا واضحا. إلا أن وحدة الصراع المشترك ضد طغيان فرنسا قد صهرهم في بوتقة واحدة، وضمن
لهم قوة جامعة موحدة. جعلتهم جميعا - باستثناء قلة معدودة على أصابع اليد، يلتفون حول القرارات التي تتخذها الأغلبية. فالقيادة الجزائرية إذن كانت جماعية، وهذا ما ساعدها على اطلاق شرارة الثورة، وساعدها على مجابهة مختلف الظروف، وتجاوز كل العقبات بفضل توافر القدرة الجماعية على التبدل والاستخلاف. وهذا مما ضمن للثورة القدرة على الصمود والاستمرار. لقد كانوا رجالا ظلموا، فثاروا على الظلم وانتصروا.
(*) سورة الحج - الآية 38 - 39 الجزء السابع عشر.