المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(أ) (الشرف العسكري) أو (التنظيم الخاص): - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ٨

[بسام العسلي]

الفصل: ‌(أ) (الشرف العسكري) أو (التنظيم الخاص):

يستخدمها التنظيم السري السياسي لبث الدعاية، ودفع الشعب إلى التكتل حول الحركة الوطنية، وإعداده للمعركة الحاسمة، فهي: البيانات - المنشورات - السرية، ولصق الإعلانات والقيام بطرح الشعارات الجماهيرية في مناطق تجمعات الشعب، وإصدار كتيبات عن أعمال الاستعمار الوحشية. وكثيرا ما كانت هذه الكتيبات تتضمن لمحة عن تاريخ الجزائر المستقلة - قبل الاستعمار الإفرنسي - وذلك بهدف ربط الجهاد بالأصالة الثورية للجزائر. وكان التنظيم السري يحرص كل الحرص على فضح جميع المؤامرات الاستعمارية التي كانت تحاك ضد الشعب الجزائري. كما كان ينظم التظاهرات والإضرابات الاجتماعية. فهو الساهر على مصلحة الشعب الجزائري، وهو طلائع التضحية والجهاد.

لقد شعرت الإدارة الإفرنسية في الجزائر - والمستوطنون الإفرنسيون - بأرض الجزائر وهي تميد من تحت أقدامهم. غير أنهم لم يتمكنوا من إمساك الخيوط المحركة لهياج الجماهير، فكانت مذبحة 8 أيار - مايو - وسيلة للقضاء على (المجهول). ولم تكن أعمال إبادة الأطفال والشبان في سطيف وقالمة وسواهما سوى محاولة لإجهاض ثورة المستقل، غير أن هذه المحاولة، على قسوتها، وعلى وحشيتها، لم تزيد النار إلا ضراما. إذ أنها قدمت للتنظيم السري الشواهد الثابتة على صحة المنطلقات النظرية التي كان يطرحها على الجماهير.

(أ)(الشرف العسكري) أو (التنظيم الخاص):

تأكدت القيادة العليا للتنظيم السري السياسي، بعد

ص: 166

أحداث (مذبحة أيار - مايو) أنه من المحال تحقيق أهداف الشعب الجزائري وتطلعاته بوسائل الصراع السلمي. فقررت تكوين جهاز عسكري أطلقت عليه اسم (الشرف العسكري) وترجمته الإدارة الإفرنسية بعد ذلك باسم (التنظيم الخاص)(*) وحددت واجبه (بالعمل لانتزاع الاستقلال بالقوة، الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الاستعمار) وبذلت الجهود لإعداد جهاز هذا التنظيم حتى يعمل بدقة متناهية، مع مراعاة كل شروط الحيطة والكتمان. وكان يتم اختيار المجاهد للدخول في تنظيم (الشرف العسكري) من بين مجاهدي التنظيم السري السياسي، وممن أتموا السنة الثانية في هذا التنظيم وأثبتوا كفاءتهم العالية، وبقي سجلهم بظيفا ومشرقا، وكان يفضل منهم الأعزب الذي تجاوز في عمره العشرين سنة، بجيث يكون قد اكتمل في قوته الجسدية، وتوافر له الوعي الجيد لما سيضطلع به من أعباء وواجبات. ويقسم على حفظ السر - وهو الشرط الأساسي لقبول المجاهد في هذا التنظيم - وتجدر الإشارة إلى أن مجاهدي (التنظيم السري السياسي) لم يكونوا يعرفون بوجود (تنظيم الشرف العسكري). وكانت الخلية التي ينقل منها المجاهد المثالي إلى (الشرف العسكري) تعتقد أنه قد أخرج من التنظيم السري إلى مجال العمل السياسي أو العلني، أو أنه قد نقل إلى خلية أخرى، وعلى كل حال، فإنها لا تسأل عن سبب تغيبه، ولا يحق لأحد من أفرادها مناقشة المجاهد عن سبب اختفائه.

(*) التنظيم أو المنظمة الخاصة: (Organisation Speciale).

ص: 167

هكذا، تدعم العمل السري، وظنت الحكومة الإفرنسية أنه من الحنكة أن تسمح بعودة (حزب الشعب الجزائري) إلى العمل العلني (تشرين الثاني - نوفمبر - 1946) حتى تجهض النشاط السري الذي لم تتمكن من متابعته، وحتى تجابه به (الاتحاد الديمقراطي لأصدقاء البيان الجزائري) من جهة ثانية. ولا ريب أنها كانت تجهل بأنه في اللحظة التي عاد فيها حزب الشعب الجزائري للعمل العلني (تحت اسم حركة انتصار الحريات والديمقراطية). كانت هناك مجموعة من المجاهدين قد مضت قدما، ودون أي تفكير بالتراجع، للعمل في تنظيم المقاومة الأولى السرية. وغني عن البيان أن كثيرا من الجنود الجزائريين، بعد أن ساهموا بشجاعة في معارك إيطاليا وفرنسا وألمانيا، عادوا في صيف عام 1945 إلى الجزائر، فلم يجدوا في وطنهم إلا الحداد والخراب في حين كان أبناء المستوطنين ينعمون بخيرات الجزائر ويعملون على اضطهاد شعبها (*) وبينما كانوا يقاتلون لتحرير فرنسا، ويؤمنون انتصار الحلفاء، كانت فرنسا تسلم أسرهم إلى فظائع جنودها وبعض المستوطنين. لهذا انصرف عدد كبير من هؤلاء الجنود إلى صفوف الثوار - ومن الأمثلة على ذلك الرقيب عمران - ترى أين كان باستطاعة هؤلاء الجنود أن يتوجهوا، حيال مثل هذه النكبات الهائلة،

(*) لقد أشاد عدد كبير من قادة فرنسا بجهود الجزائريين في تحرير فرنسا، غير أنهم تجنبوا ذكر نسبة المسلمين الجزائريين الذين اشتركوا في الحرب وهي 90 بالمائة. في حين كان أبناء المستوطنين من أنصار حكومة فيشي ينتحلون الأعذار للبقاء في مزارعهم ووظائفهم.

ص: 168

والمظالم الشاملة، اللهم سوى نحو أولئك الذين يهيؤون لمعركة الحرية الكبرى؟

وهكذا، أخذت تبرز في صفوف الشعب إرادة هائلة نحو التحرير، وأخذ الشعب الجزائري يؤكد بجميع الوسائل تصميمه على تحقيق حياة وطنية صحيحة. وقد تأثر عدد من موظفي أجهزة الإدارة الإفرنسية بالحركة، وانضموا إليها. ويمكن - على سبيل المثال - التعرض لقصة ، (محمد بن ازداد) الموظف الشاب لدى حكومة الجزائر، والذي تخلى عن وظيفته لدى الحكومة العامة، ليقف نفسه على خدمة الحزب. فكان عقائديا ومنظما من الدرجة الأولى، بقدر ما كان مثاليا في تواضعه وإنكاره لذاته. وقد أدى شظف الحياة السرية وصعوباتها إلى تدمير صحته، فأرسل إلى فرنسا تحت اسم مستعار للاستشفاء، غير أنه مات في أحد المصحات هناك سنة 1949. ومهما يكن من أمر، فإنه في الوقت الذي كانت فيه الحركة من أجل انتصار الحريات والديمقراطية تقوم بعمل علني مشروع، كانت تنشىء وتطور منظمة (الشرف العسكري - أو - التنظيم الخاص) لتكون جهازا عسكريا يمارس عمله بسرية مطلقة. ويضطلع بواجبه في إعداد الحركة الثورية. وأخذت النفسية الثورية تصبح عملا مشخصا، فقد ولد الرجال الجدد في فترة ما بين الحربين العالميتين، وتكونت معهم مفاهيمهم الخاصة ببطلان التصريحات في الساحات العامة، وبطلان الاتجاهات السياسية المتناقضة، وما يرافقها من أساليب غوغائية ديماغوجية تعبر عن العقلية الحزبية الضيقة والمحدودة. وكفر هؤلاء بكل الأساليب الشرعية التي

ص: 169

يحدد الاستعمار ذاته شرعيتها وقانونيتها. فالعمل الثوري وحده هو الذي يمكنه وضع حد حاسم للسيطرة والاستغلال المديدين.

بدأت منظمة (الشرف العسكري) إلى العمل الميداني المباشر معتمدة على الأصالة الثورية لشعب الجزائر، غير أن هذه الأصالة، والتي عبرت عنها الجزائر بثوراتها المتتالية طوال عهد الاستعمار، كانت تفتقر إلى التنظيم الصحيح. وكان لا بد من استلهام خبرات الحروب الثورية في العالم من حيث التنظيم (وأبرزها حرب الهند الصينية). وأخذ المجاهدون شبانا وشيوخا يلتحقون بالجبال - بسرية تامة - حيث يتدربون على السلاح، ومن الأمثلة على ذلك قيام شاب جزائري بتنظيم أول مركز حربي مجهز بمحطة لاسلكية للإرسال والاستقبال. وكان النظام صارما، والتدريب حسب منهاج منطم، وكان كل شيء يعد لحرب عصابات طويلة الأمد. وكانت هناك ثلاث قطاعات تتقاسم نشاط التجنيد وهي (قطاع الارتباط وقطاع الإمداد وقطاع المغاوير الفدائيين). وكانت إجراءات الأمن تسدل حجبا كثيفة بين مختلف الفرق. وكان تسيير المجاهدين محددا بأفضل العناصر وأكثرها تجربة. وكانت مدة التعبئة غير محدودة.

وانطلاقا من هذا التنظيم الذي بدأ منذ مؤتمر شباط - فبراير - 1947. أخذ الحزب يجابه السلطات الإفرنسية على جبهتين، جبهة الشرعية، وجبهة العمل السري. فمن الوجهة الشرعية كان (لحركة انتصار الحريات والديمقراطية) خمسة نواب في المجلس النيابي الإفرنسي - البرلمان - وكان يمسك بعدة

ص: 170

بلديات، منها بلديات الجزائر ووهران وقسنطينة وعنابة (بونة) وسكيكدة (فيليب فيل) وبليدة وتلمسان. وكان النشاط العلني للحركة يتركز على قضية استقلال الجزائر والمطالبة بإطلاق سراح زعيم الحزب (مصالي الحاج) والتنسيق مع الجامعة العربية. وكانت الإدارة الإفرنسية تجابه هذا النشاط العلني بأسلحتها التقليدية، مثل تزوير الانتخابات والملاحقات القضائية القانونية - وإصدار الأحكام الجائرة التعسفية، وفرض الغرامات، وزرع بذور التفرقة بين التكتلات والأحزاب وضرب بعضها ببعض، وتمويل الأجهزة للتفريق بين المسلمين من عرب وبربر بإثارة القضية القومية، وتطوير الحرب ضد العروبة واللغة العربية - لغة القرآن الكريم - وكان الحزب في تنظيمه ويقظته يقوم بهجمات مضادة، ويتغلب على كل العقبات.

أما في مجال العمل السري، فقد كانت المعركة عنيفة مظلمة، كانت مبارزة حتى الموت بين الوطنيين والشرطة الاستعمارية. وكانت كل الوسائل صالحة عند قوى الأمن. فبحجة مطاردة اللصوص، كان رجال الشرطة يتسللون إلى كل مكان، ويقتحمون المنازل وينتهكون حرماتها ويحاصرونها. ويخربون القرى، وينفذون أبشع أعمال العنف ضد الأهلين. وعندما كانوا يعتقلون الوطنيين - ويعثرون على ضالتهم - يخضعونهم لأقسى أنواع التعذيب. ولما كان نشاط العمل السري يتطلب تمويلا ضخما يزيد على قدرات الحزب وإمكاناته، فقد قام عدد من مجاهدي المنظمة السرية (الشرف العسكري) بمهاجمة دائرة البريد في وهران، واستولوا على مليون دولار تقريبا.

ص: 171

وضمنت المنظمة بذلك الأموال اللازمة لدعم حركاتها المقبلة، وأمكن لها تطوير التدريب العسكري وتحسينه يوما بعد يوم. وهكذا قضت المنظمة السنوات التي انصرمت بين عام 1947 وعام 1950 في جمع الأسلحة وتدريب المتطوعين، ووضع الخطط للاستيلاء على الجزائر. وعلى الرغم من أن قادة المنظمة الشبان من أمثال (آية أحمد) و (أحمد بن بيللا) و (محمد العربي بن مهيدي) و (محمد بوضياف) و (عبان) و (الأخضر بن طوبال) و (عبد الحفيظ بوصوف) وسواهم. قد نالوا رضى (مصالي الحاج) منذ البداية، إلا أنهم لم يفلحوا في إقناع زعيم الحركة بأن اللحظة غدت مؤاتية للبدء بالهجوم، وإشعال نار الثورة.

كانت (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) تتعرض تلك الفترة لأزمة حادة، فقد تعرضت تنظيماتها السرية لأعمال عنف بالغة الشدة من جانب السلطة الإفرنسية، في (هوسون فير) في عام 1948. وفي (سيدي علي أبو ناب) في عام 1949 وفي غيرهما من الأماكن في جبال الأوراس وقسنطينة. وأدت هذه الإجراءات التي تناولت عددا من مجاهدي الحزب المحليين، إلى إعادة تنظيم القيادات المحلية بصورة مستمرة. وغدت سياسة الحركة الانتخابية هي محور الخلاف الداخلي. فقد رشحت الحركة عددا من رجالها للانتخابات في حين كانت تطور نشاطها السري. واعتبر بعض المجاهدين الشبان أن اشتراك الحركة في المجالس الإفرنسية التشريعية هو خيانة، بينما رأى مناضلون آخرون في هذا الاشتراك الطريقة الوحيدة للحصول على مكاسب قصيرة الأمد، ولتغطية النشاط السري. وعلى كل حال، فقد لاحظ قادة التنظيم السري بأن التأخير في انطلاقة الثورة، وعدم

ص: 172