المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(آداب طالب الحديث) - شرح الأثيوبي على ألفية السيوطي في الحديث = إسعاف ذوي الوطر بشرح نظم الدرر في علم الأثر - جـ ٢

[محمد بن علي بن آدم الأثيوبي]

فهرس الكتاب

- ‌كتابةُ الحديثِ وضبْطُهُ

- ‌(صفةُ رواية الحديث)

- ‌(آداب المحدث)

- ‌مسألةفي تعريف الحافظ والمحدث والمسند وغيرها

- ‌(آداب طالب الحديث)

- ‌(العالي والنازل)

- ‌(المسلسل)

- ‌(غريب ألفاظ الحديث)

- ‌(المُصَحَّفُ وَالمُحَرَّفُ)

- ‌(الناسخ والمنسوخ من الحديث)

- ‌(مختلف الحديث)

- ‌(أسباب الحديث)

- ‌(معرفة الصحابة رضي الله عنهم

- ‌(معرفة التابعين وأتباعهم)

- ‌(رواية الأكابر عن الأصاغر، والصحابة عن التابعين)

- ‌(رواية الصحابة عن التابعين عن الصحابة)

- ‌(رواية الأقران)

- ‌(الإخوة والأخوات)

- ‌(رواية الآباء عن الأبناء وعكسه)

- ‌(السابق واللاحق)

- ‌(من روى عن شيخ ثم روى عنه بواسطة)

- ‌(الوُحدان)

- ‌(من لم يرو إلَاّ حديثًا واحدًا)

- ‌(من لم يرو إلَاّ عن واحد)

- ‌(مَن أسند عنه من الصحابة الذين ماتوا في حياته صلى الله عليه وسلم

- ‌(مَن ذكر بنعوت متعددة)

- ‌(أفراد العلم)

- ‌(الأسماء والكنى)

- ‌(أنواع عشرة من الأسماء والكنى مزيدة على ابن الصلاح والألفية) أي العراقية

- ‌(الألقاب)

- ‌(المؤتلف والمختلف)

- ‌(المتفق والمفترق)

- ‌(المتشابه)

- ‌(المشتبه المقلوب)

- ‌(من نسب إلى غير أبيه)

- ‌(المنسوبون إلي خلاف الظاهر)

- ‌(المبهَمات)

- ‌(معرفة الثقات والضعفاء)

- ‌(معرفة من خلط من الثقات)

- ‌(طبقات الرواة)

- ‌(أوطان الرواة وبلدانهم)

- ‌(التأريخ)

الفصل: ‌(آداب طالب الحديث)

(آداب طالب الحديث)

أي هذا مبحثه وهو النوع الثاني والأربعون من أنواع علوم الحديث وقد تقدمت جملة من آدابه فيما قبلُ لاشتراكهما فيها، والمذكور هنا هو الذي يختص به الطالب غالباً.

584 -

وَصَحِّحِ النِّيَّةَ ثُمَّ اسْتَعْمِلِ

مَكَارِمَ الأَخْلاقِ ثُمَّ حَصِّلِ

(وصحح) أيها الطالب للحديث (النية) في طلبه لأن الإخلاص شرط فيِ القبول فلا ينبغي أن تطلبه لغرض دنيوي لحديث: " من تعلم علماً مما يُبتَغى بِهِ وجة الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عَرَضاً من الدنيا لم يَجِد عَرْفَ الجنة يوم القيامة " رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، والحاكم.

(ثم) بعد تصحيح النية (استعمل) أي لازم وحقق (مكارم الأخلاق) أي الأخلاق الطيبة، من إضافة الصفة إلى الموصوف، قال في " ق " المَكْرُمُ والمَكْرمَة بضم رائهما والأكرومة بالضم: فعل الكرم، وأرض مَكْرُمَة وكَرَم محركة كريمة طيبة اهـ.

قلت: والمناسب هنا هو المعنى الثاني. والأخلاق جمع خلق بضمتين السجية أفاده في المصباح.

وحاصل المعنى: أنه لا بد لطالب الحديث أن يتخلق بالأخلاق الحسان ليتناسب فعله مع ما يطلبه، إذ الحديث باعث إليها، وحاث عليها،

ص: 121

قال أبو عاصم النبيل: " من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى الأمور فيجب أن يكون خير النَّاس ".

(ثم) بعد أن تَخَلَّقْتَ بها (حصل) أي اطلب حصول علم الحديث، وعَبَّرَ بالتحصيل الذي هو كما قال ابن فارس: استخراج الذهب من حَجَرِ المعدن، إشارةً إلى أنه لا بدّ لطالب العلم من جِدٍّ واجتهاد، قال الله تعالى لنبيه موسى عليه الصلاة والسلام لما أعطاه الألواح:(فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) الآية.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً " احرص على ما ينفعك واستعن باللهِ ولا تعجز " وقال يَحْيَى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم.

585 -

مِنْ أَهْلِ مِصْرِكَ الْعَلِيِّ فَالْعَلِي

ثُمَّ البِلادَ ارْحَلْ وَلا تَسَهَّلِ

586 -

فِي الْحَمْلِ، وَاعْمَلْ بِالَّذِي تَرْوِيهِ

وَالشَّيْخَ بَجِّلْ لا تُطِلْ عَلَيْهِ

(من أهل مصرك) متعلق بحصل أي تَطَلبْهُ من أهل بلدك (العلي) صفة لأهلِ، أي الرفيع سنداً وعلماً وشهرة وديناً وغيره (فالعلي)، أي إذا انتهيت من الأعلى فاطلبه ممن دونه عُلُوًّا.

وحاصل المعنى: أنه ينبغي للطالب أن يبدأ بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً وشهرة وديناً وغيره إلى أن يفرغ منهم يبدأ بأفرادهم، فمن تفرد بشيء أخذه عنه أوَّلاً ولا يرحل عن بلده قبل ذلك، إذا المقصود من الرحيل هو العلو، ولقاء الحفاظ، فحيث حصلا في البلد لا فائدة في الارتحال.

(ثم) إذا أتقنت ما في بلدك (البلاد) الأخرى منصوب بنزع الخافض متعلق بـ (ـارحل) أي انتقل لطلب الحديث من بلدك إلى البلاد الأخرى، فإنه من عادة الحفاظ المبَرِّزِينَ، والأصل فيه قوله تعالى:(فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) الآية.

وقصة موسى عليه السلام في لقاء الخضر.

ص: 122

وحديث مسلم: " ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله تعالى له به طريقاً إلى الجنة "، " ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنَيْس رضي الله عنهم مسيرة شهر في حديث واحد ".

ورحل عقبة بن عامر إلى مسلمة بن مخلد، وهو أمير مصر في حديث واحد إلى غير ذلك من الأحاديث والآثار.

(ولا تسهل) بحذف إحدى التاءين أي لا تتساهل (في الحمل) أي حمل الحديث بحيث تخل بما عليك فيه فإن المتساهل مردود كما تقدم في قوله:

مَنْ يَتَسَاهَلْ فِي السَّمَاعِ وَالأدَى

كَنَومٍ اوْ كَتَرْكِ أصْلِهِ آرْدَدَا

(واعمل) أيها الطالب (بالذي ترويه) من أحاديث العبادات والآداب والفضائل لأن الله تعالى ذم أهل الكتاب بقوله: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ): قال مالك بن مغول رحمه الله: تركوا العمل به، ولحديث مرسل: قال رجل: يا رسول الله ما ينفي عني حجة العلم قال: " العمل " ولأنه سبب الحفظ، قال وكيع رحمه الله: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به.

(والشيخ) بالنصب مفعول مقدم لـ (بجل) أي عظمه واحترمه لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعاً: " ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ". رواه أحمد وغيره وفي الحديث: " تواضعوا لمن تعلمون منه ". رواه البيهقي مرفوعاً من حديث أبي هريرة وضعفه، وقال: الصَّحِيح وقفه على عمر رضي الله عنه.

ولأنه كما تقدم خليفة النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم). فينبغي احترام خليفته (لا تطل عليه) أي لا تمله بإطالة الجلوس لأن ذلك يغير الأفهام ويفسد الأخلاق ويحيل الطباع ويخشى على فاعل ذلك أن يحرم من الانتفاع وقال الزهري: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب.

ص: 123

587 -

وَلا يَعُوقَنْكَ الْحَيَا عَنْ طَلَبِ

وَالْكِبْرُ، وَابْذُلْ مَا تُفَادُ وَاْكْتُبِ

588 -

لِلْعِالِ وِالنَّازِلِ لاِسْتِبْصَارِ

لا كَثْرَةِ الشُّيُوخِ لاِفْتِخَارِ

(ولا يعوقنك) أي لا يمنعك والنون الخفيفة للتوكيد (الحيا) بالقصر للضرورة (عن طلب) ما تحتاج إليه (و) لا يمنعك (الكبر) أي العظمة، فقد ذكر البخاري عن مجاهد، قال: لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من رَقَّ وجهُهُ رَقَّ علمُهُ. أي من رق وجهه عند السؤال، رق علمه عند الرجال. وقالت عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

وعن الأصمعي قال: من لم يتحمل ذُلَّ التعلم ساعة بقي في ذُلِّ الجهل أبداً. قال بعضهم:

وَمَنْ لَمْ يَذُقْ ذُلَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً

تَجَرَّعَ كَأسَ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ

وَمَنْ فَاتَهُ التَّعْلِيمُ وَقْتَ شَبَابِهِ

فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أرْبَعَاً لِوَفَاتِهِ

(وابذل) أي أعط لغيرك بمعنى علمهم وجوباً (ما تفاد) بالبناء للمفعول أي ما أفادك شيوخك، إذ بركة الحديث كما قال مالك: إفادة النَّاس بعضهم بعضاً وعن ابن المبارك والثَّوري نحوه.

وعن ابن المبارك: من بَخِلَ بالعلم ابتُلِيَ بثلاث إما أن يموت فيذهب علمه، أو ينسى، أو يتبع السلطان.

(واكتب) أيها الطالب عمن لقيته (للعال) بحذف الياء للوزن أي الحديث العالي سنداً واللام زائدة لأنَّ كتب متعد (والنازل) منه، ويحتمل أن يراد بالعالي والنازل الشخص أي اكتب الحديث عن الشخص العالي سنداً والنازل سنداً، فاللام بمعنى عن، ومفعول اكتب محذوف أي الحديث.

وحاصل المعنى: أنه ينبغي للطالب أن يكتب الحديث ونحوه عالياً ونازلاً عن شيخه أو رفيقه أو من دونه في الرواية أو الدراية أو السن أو في

ص: 124

الجميع فإن ذلك عادة السلف الصالح رحمهم الله، والأصل فيه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب سورة (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا

).

(لاستبصار) متعلق باكتب أي اكتب ذلك لطلب البصيرة وهي العلم والخبرة أي لتكون خبيراً بفنون الحديث (لا كثرة الشيوخ) أي لا تكتب لتكثير عدد شيوخك (لافتخار) أي لأجل أن تفتخر به على أقرانك فتقول: كتبت عن كذا وكذا شيخاً فإنه لا طائل تحته إلا أن يكون قصدك به تكثير طرق الحديث وجمع أطرافه فحينئذ لا بأس عليك، بل هو أمر مستحسن، فَعَلَهُ الأئمة الحفاظ كالثَّوري وابن المبارك وأبي داود الطيالسي والبخاري وغيرهم.

589 -

وَمَنْ يُفِدْكَ الْعِلْمَ لا تُؤَخِّرِ

بَلْ خُذْ وَمَهْمَا تَرْوِ عَنْهُ فَانْظُرِ

590 -

فَقَدْ رَوَوْا: إِذَا كَتَبْتَ قَمِّشِ

ثُمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ

(ومن) شرطية مفعول مقدم أو مبتدأ (يفدك) أيها الطالب (العلم) أيَّ عِلْمٍ كان (لا تؤخر) لا ناهية، والفعل مجزوم كسر للوزن، والجملة جواب الشرط بتقدير الفاء، وهو الخبر للمبتدإ على بعض الأقوال، والرابط محذوف مع مضاف أي فلا تؤخر فائدته، أو المضاف مقدر قبل من أي وفائدة من يفدك إلخ.

وحاصل المعنى: أن من يفدك فائدة فلا تؤخرها حتى تنظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا (بل خذ) ها واكتبها، لأنه ربما تفوتك بموته أو سفره أو غير ذلك (ومهما) اسم شرط مبتدأ (ترو عنه) أي إذا أردت الرواية عن ذلك المفيد (فانظر) أي ابحث هل هو ممن تحل الرواية عنه أم لا.

وحاصل المعنى: أنك إذا أردت رواية ما كتبت فتحقق لئلا تروي عمن ليس أهلاً للرواية عنه فتدخل في حديث رواه مسلم وغيره: " كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع " ثم أكَّدَ ما ذكره بكلام منقول عن الإمام أبي حاتم وغيره بقوله:

ص: 125

(فقد رووا) أي لأن العلماء نقلوا عن الحافظ أبي حاتم الرازي، وكذا عن ابن معين كما قال السخاوي ما حاصله:

(إذا كتبت قمش) أي اجمع من ههنا ومن ههنا، وهو من القَمْش بالفتح، وهو جمع القُمَاش بالضم وهو ما على وجه الأرض من فتَات الأشياء حتى يقال لرذالة النَّاس: قماش، وما أعطاني إلا قماشاً، أي أرْدَأ مَا وَجَدَه، أفاده في " ق ".

والمراد به هنا كتابة كل ما سمع من غير بحث هل هو صحيح أوغير صحيح.

(ثم إذا رويته) أي إذا أردت رواية ما كتبته (ففتش) أي ابحث بشدة، لتميز الصَّحِيح فترويه، وغير الصَّحِيح فترميه، ثم ذكر إتمام السماع والانتخاب إن احتاج إليه فقال:

591 -

وَتَمِّمِ الْكِتَابَ فِي السَّمَاعِ

وَإِنْ يَكُنْ لِلاِنْتِخَابِ دَاعِ

592 -

فَلْيَنْتَخِبْ عَالِيَهُ وَمَا انْفَرَدْ

وَقَاصِرٌ أَعَانَهُ مَنِ اسْتَعَدّ

(وتمم) أيها الطالب (الكتاب) بالنصب أو الجزء (في السماع) أي في حال سماعك من شيخك، وكذا كتابته، ولا تنتخب منه فربما تحتاج إلى رواية شيء منه لم يكن فيما انتخبه فتندم.

(وإن يكن للانتخاب) متعلق بـ (ـداع) فاعل يكن لأنها تامة بمعنى يحصل، أي إن يحصل للطالب داع، أي سبب موجب للانتخاب، أي اختيار بعض ما عند الشيخ من كون الشيخ عسراً في الرواية، أو كونه أو الطالب وارداً غير مقيم ولا يتسع الوقت للاستيعاب، وضيق يد الطالب، أو اتسع مسموعه بحيث يكون كتابة الكل كالتكرار فلا بأس بالانتخاب.

فإذا كان لا بدّ من الانتخاب (فلينتخب) الطالب (عاليه) أي عالي ذلك الكتاب، أو الشيخ دون ما يجده عند غيره هذا إذا كان الطالب عارفاً بالانتخاب، وإلا فليستعن بغيره من المتأهلين كما أشار إليه بقوله:

ص: 126

(وقاصر) مبتدأ سوغه عمله في المقدر أي عن أهلية الانتخاب (أعانه) على الانتخاب (من استعد) فاعلُ أعانَ، أي من تأهل لذلك بكونه حافظاً عارفاً بكيفية الانتخاب.

وحاصل معنى البيت: أنه إن احتاج إلى الانتخاب للأسباب المذكورة انتخب بنفسه عواليه وما لا يجده عند غيره، فإن قصر عنه لقلة معرفته استعان بحافظ متأهل لذلك، فقد كان الأئمة أبو زرعة، والنسائي، وإبراهيم بن أرومة الأصبهاني، وهبة الله بن الحسن، والدارقطني، وأبو الفتح ابن أبي الفوارس، وغيرهم ينتخبون على الشيوخ، والطلبة تسمع وتكتب بانتخابهم.

ثم ذكر عادة الحفاظ من تعليمهم في أصل الشيخ على ما انتخبوه مع بعض فوائده، فقال:

593 -

وَعَلَّمُوا فِي الأَصْلِ لِلْمُقَابَلَهْ

أَوْ لِذَهَابِ فَرْعِهِ فَعَادَلَهْ

(وعلموا) أي وضع المنتخبون علامة (في الأصل) أي المنتخب منه وهو كتاب الشيخ على ما انتخبوه (للمقابلة) متعلق بعلموا أي لأجل أن يقابلوا ما كتبوه من المنتخب به (أو لـ) أجل (ذهاب فرعه) أي فَقْدِ فرعِهِ المنتخب (فعاد) أي رجع ذلك المنتخِبُ (له) أي إلى المحل الذي وضع عليه العلامة، فقوله عاد عطف على ذهاب (1) أي فعَودِهِ إلى ذلك الأصل لأجل فقد المنتخب.

وحاصل معنى البيت: أن عادتهم جرت بوضع العلامة في أصل الشيخ على ما انتخبوه، وذلك لفوائد، ذَكَرَ منها فائدتين، وهما تَيَسُّر معارضة ما انتخبوه، أو احتمال فقد ذلك المنتخب، فيعود للكتابة مرة ثانية من ذلك الأصل، وزاد غيره أو ليمسك الشيخ أصله بيده، أو ليحدث من الأصل بذلك المُعلَم.

(1) أي لأنه في معنى الفعل، إذ تقديره لأن يذهب.

ص: 127

(تنبيه): لم يذكر الناظم رحمه الله كيفية العلامة وذكرها العراقي مع الاختلاف فقال:

وَعَلَّمُوا فِي الأصْلِ إمَّا خَطَّا

أوْ هَمْزَتَيْنِ أوْ بِصَادٍ أوْطَا

والمعنى: أنهم اخِتلفوا في اختيار العلامة ولكن لا حرج في ذلك فكان الدارقطني يعلم بخط عريض بالحمرة في الحاشية اليسرى، وكان اللالكائي يعلِّم على أول إسناد الحديث بخط صغير بالحمرة، وهذا الذي استقر عليه عمل أكثر المتأخرين.

وكان أبو الفضل علي بن الحسن الفلكي يعلم بصورة همزتين بحبر في الحاشية اليمنى، وكان أبو الحسن علي بن أحمد النعيمي يعلم صاداً ممدودة بحبر في الحاشية اليمنى أيضاً، وكان أبو محمد الخَلَّال يعلم طاء ممدودة كذلك، وكان محمد بن طلحة النعالي يعلم بحاءين إحداهما إلى جنب الأخرى كذلك، ذكره العراقي في شرح الألفية.

ثم ذكر رحمه الله ما يحث الطالب على تفهم ما يرويه فقال:

594 -

وَسَامِعُ الْحَدِيثِ بِاقْتِصَارِ

عَنْ فَهْمِهِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ

595 -

فَلْيَتَعَرَّفْ ضَعْفَهُ وَصِحَّتَهْ

وَفِقْهَهُ وَنَحْوَهُ وَلُغَتَهْ

596 -

وَمَا بِهِ مِنْ مُشْكِلٍ وَأَسْمَا

رِجَالِهِ وَمَا حَوَاهُ عِلْمَا

(وسامع الحديث) مبتدأ وكذا كاتبه (باقتصار) أي مع اقتصار (عن فهمه) ولو قال بدل هذا البيت:

وَسَامِعُ الْحَدِيثِ مَعْ قُصُورٍ

عَنْ فَهْمِهِ كَمَثَلِ الْحَمِيرِ

لكان أولى لأن الاقتصار معناه عدم المجاوزة يقال: اقتصر عليه لم يجاوزه قاله في " ق " فيكون المعنى عليه باقتصار على فهمه وتكون عن بمعنى على، يعني: أنه فَهِمَ المقصودَ ولم يجاوزه وهذا خلاف المعنى المقصود هنا إذا المقصود هنا أنه لم يفهم المقصود من الحديث أصلاً،

ص: 128

فالمناسب مادة قَصَرَ عن كذا لا اقتصر على كذا، يقال: قَصَرَ عن الأمر قصوراً واقصَر وقَصَّر وَتَقَاصَرَ انتهى وعنه عجز قاله في " ق ".

وحاصل المعنى: أن من اقتصر على سماع الحديث وقَصَرَ عن فهم ما في سنده ومتنه (كمثل الحمار) خبر المبتدإ أي كصفة الحمار الذي هو أبلد الحيوان وبئس المثل.

وقد مثل الله تعالى بهذا المثلِ اليهودَ الذين لم يعملوا بما في التوراة حيث قال: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) الآية.

فلا ينبغي لسامع الحديث أن يقتصر عليه لإتعابه نفسه من غير أن يظفر بطائل ولا حصول في تعداد أهل الحديث، قال بعض الأدباء:

إِنَّ الَّذِي يَرْوِي وَلَكِنَّهُ

يَجْهَل مَا يَرْوِي وَمَا يَكْتُبُ

كَصَخْرَةٍ تَنْبَعُ أمْوَاهُهَا

تَسْقِي الأرَاضِي وَهْيَ لَا تَشْرَبُ

فإذا كان الأمر كما وصفنا.

(فليتعرف) من التعرف مبالغة في المعرفة، أي ليعرف سامع الحديث معرفة بالغة (ضعفه) أي ضعف ذلك الحديث إن كان ضعيفاً (وصحته) إن كان صحيحاً وكذا حسنه (وفقهه) أي ما فيه من الأحكام (ونحوه) أي ما يحتاج إليه الحديثي من النحو، وهو لغة القصد، واصطلاحاً هو علم بأصول مستنبطة من كلام العرب يعرف بها أحكام الكلمات العربية حَالَ إفرادها كالإعلال والحذف والإدغام والإبدال، وحالَ تركيبها كالإعراب والبناء وما يتبعهما من بيان شروطٍ لِنَحْو النواسخ فهو يعم الصرف.

(ولغته) أي ما يحتاج إليه الحديثي من علم اللغة، وهو لغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم أفاده في " ق "، وفي اصطلاح أهل الشرع عبارة عما حفظ من كلام العرب الخُلَّص، ونُقِلَ عنهم من الألفاظ الدالة على المعاني أفاده الشارح.

ص: 129

(و) ليتعرف أيضاً (ما به) أي الذي استقر فيه (من مشكل) من الأسانيد والمتون، فهو من عطف العام على الخاص (وأسما) بالقصر للوزن أي وليتعرف أيضاً أسماء (رجاله) وكذا ألقابهم وكناهم وأنسابهم وليتعرف أيضاً جميع (ما حواه) الحديث (علماً) أي من حيث العلم إذ الحديث يتضمن علوماً جمة فلا بدّ للطالب أن يتعرفها، قال الحافظ أبو شامة: علوم الحديث الآن ثلاثة: أشرفها حفظ متونه ومعرفة غريبها وفقهها، والثاني: حفظ أسانيده ومعرفة رجالها وتمييز صحيحها من سقيمها، إلى أن قال، والثالث: جمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وطلب العلو فيه والرحلة إلى البلدان إلى آخر كلامه إلا أن الحافظ تعقبه في بعض كلامه فانظره.

597 -

وَاْقْرَأْ كِتَابًا تَدْرِي مِنْهُ الاِصْطِلاحْ

كَهَذِهِ وَأَصْلِهَا وَابْنِ الصَّلاحْ

(واقرأ) أيها الطالب لتحقيق علوم الحديث (كتاباً) من كتب المصطلح (تدري منه الاصطلاح) لغة: مطلقُ الاتفاق، وعرفاً اتفاق طائفة على أمر مخصوص بينهم متى أطلق انصرف إليه، ثم صار عَلَماً بالغلبة عند العلماء على هذا الفن الذي نحن بصدده قاله الشارح.

ثم ذكر بعض ما يحتاج إليه من كتب المصطلحات، فقال:(كهذه) الألفية التي هي أجمع ما ألف من المنظومات فيه.

(وكأصلها) الذي هو ألفية الحافظ العراقي رحمه الله، فإنه أصل لهذه، لأنه اقتدى به وحذا حذوه، وزاد عليه، (و) كمقدمة الحافظ أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بـ (ـابن الصلاح) الشهرزوري المتوفى سنة 643 عن 66 سنة، فإنها من أنفع ما ألف في هذا الفن، لجمعها ما تفرق في غيرها من كتب الخطيب وغيره.

ثم ذكر ما ينبغي المسارعة إلى سماعه من كُتُبِ الحديث فقال:

598 -

وَقَدِّمِ الصِّحَاحِ ثُمَّ السُّنَنَا

ثُمَّ الْمَسَانِيدَ وَمَا لا يُغْتَنَى

(وقدم) أيها الطالب في السماع والضبط والمعرفة (الصحاح) بالكسر

ص: 130

جمع صحيح وهي التي التزم مؤلفها أن يخرج الأحاديث الصَّحِيحة فقط كالبخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم إلا أنه وقع له تساهل كثير كما مر في قوله:

وَكَمْ بهِ تَسَاهُلٌ حَتَّى وَرَد

فِيهِ مَنَاكِرٌ وَمَوْضُوعٌ يُرَد

(ثم) قدم بعدها (السنن) المُرَاعَى فيها الاتصال غالباً، والأولى البداة بسنن أبي داود لكثرة أحاديث الأحكام فيها، ثم بسنن النسائي لتتمرن في كيفية المشي في العلل، ثم سنن الترمذي لاعتنائه بالإشارة لما في الباب من الأحاديث وبيانِهِ لحكم ما يورد من الصحة والحسن وغيرهما هكذا رتبه السخاوي وهو الذي تقتضيه عبارة ابن الصلاح والعراقي.

ثم بعدها السنن الكبرى للحافظ البيهقي لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام بل لا يعرف مثله في بابه.

وكذا اعتَنِ بسماع صحيح ابن خزيمة لكنه لم يوجد تامًّا، وصحيح ابن حبان، وصحيح أبي عوانة، ومسند الدارمي، وسنن الشافعي مع مسنده، وهو على الأبواب والسنن الكبرى للنسائي لما اشتملت عليه من الزيادات على تلك، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارقطني، وشرح معاني الآثار للطحاوي، هكذا قال السخاوي.

(تنبيه): السنن ما ألف على أحاديث الأحكام من كتاب الطهارة إلى آخر كتاب يذكر على ترتيب الفقه كالسنن المذكورة.

(ثم) قدم بعدها (المسانيد) أي سماعها وهي جمع مسند ما ألف على تراجم الصحابة رضي الله عنهم بحيث يوافق حروف الهجاء، أو السوابق الإسلامية، أو شرافة النسب، كمسند الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وأبي داود الطيالسي وعبد بن حميد والحميدي وغيرهم.

(و) اقرأ أيضاً (ما) أي كتباً (لا يغتنى) بالبناء للمجهول، أي يستغني عنها، وأهمها الموطأ لمالك، ثم سائر الكتب المصنفة في الأحكام، ككتاب

ص: 131

ابن جريجٍ، وابن أبي عروبة، وسعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وغيرهم.

ومما لا يستغنى عنه كتب العلل ككتاب أحمد والدارقطني، وابن أبي حاتم، وغيرهم.

ومنها كتب التواريخ كالتاريخ الكبير للبخاري وابن أبي خيثمة وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ومنها كتب ضبط الأسماء ككتاب ابن ماكولا وغيره.

ومنها كتب شرح الغريب، ومن أنفعها النهاية لابن الأثير.

599 -

وَاحْفَظْهُ مُتْقِنًا وَذَاكِرْ ......

......................

(واحفظه) أي الحديث وما يتعلق به حال كونك (متقناً) له أي محكماً لتحقيقه فهو حال مؤكد، قال ابن مهدي: الحفظ الإتقان فلا يمر عليك اسم مشكل، أو كلمة غريبة إلا بحثت عنها وأودعتها قلبك.

وليكن ذلك بالتدريج قليلًا قليلاً مع الأيام والليالي فذلك أحرى بأن تتمتع بمحفوظاتك، وألزم نفسك ما تطيقه لقوله صلى الله عليه وسلم:" خذوا من العمل ما تطيقون ". وعن الزهري من طلب العلم جملة فاته جملة، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان.

وعن الثَّوري: كنت آتي الأعمش ومنصوراً فأسمع أربعة أحاديث أو خمسة، ثم انصرف كراهية أن تكثر وتفلت.

(و) بعد حفظك على هذا المنوال (ذاكر) أيها الطالب للتحقيق بمحفوظاتك الطلبة ونحوهم فإن لم تجد من تذاكر فذاكر مع نفسك وكرره على قلبك لأنه يثبت محفوظك.

والأصل في هذا معارضة جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في كل رمضان. وقال علي رضي الله عنه: تذاكروا هذا الحديث وإن لا تفعلوا يَدْرُس.

ص: 132

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: تذاكروا الحديث فإن حياته مذاكرته.

ونحوه عن أبي سعيد الخدري وابن عباس.

وقال الخليل بن أحمد ذاكر بعلمك تَذْكُرْ ما عندك وتستَفِدْ ما ليس عندك.

وقال إبراهيم النخعي: من سره أن يحفظ الحديث فليحدث به، ولو أن يحدث به من لا يشتهيه. وقيل: حفظ سطرين، خير من كتابة ورقتين، وخير منهما مذاكرة اثنين. ولبعضهم:

مَنْ حَازَ الْعِلْمَ وَذَاكَرَهُ

صَلُحَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتُهْ

فَأدِمْ لِلْعِلْمِ مُذَاكَرَة

فَحَيَاةُ الْعِلْمِ مُذَاكَرَتُهْ

ثم استثنى مما تقدم من وجوب إفادة غيره ما ذكره بقوله:

............. وَرَأَوْا

جَوَازَ كَتْمٍ عَنْ خِلافِ الأَهْلِ أَوْ

600 -

مَنْ يُنْكِرُ الصَّوَابَ إِنْ يُذَكَّرِ

...............

(ورأوا) أي العلماء (جواز الكتم) أي كتم العلم: الحديثِ وغيرِهِ (عن خلاف) أي غير (الأهل) أي أهل العلم، والمعنى أن العلماء جوزوا كتم العلم عمن ليس بأهله فإن هذا ليس داخلًا في قوله صلى الله عليه وسلم:" من كتم علماً " الحديث.

وأخرج ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: " طلب العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب ".

وضعفه النووي بحفص بن سليمان وحسنه المزي لتعدد طرقه، ووافقه السيوطي. (أو) عن (من) موصولة (ينكر) في نسخة يدع، أي يترك (الصواب إن) شرطية (يذكر) بالبناء للمفعول مجزوم بإن وكسر للوزن، أي يُلَقَّن، والجواب دل عليه السابق أي ينكر، والمعنى: أنهم جوزوا كتمه أيضاً عمن لا يقبل الصواب إذا أُرشِدَ إليه.

ص: 133

وعلى ذلك يحمل ما نقل عن الأئمة من الكتم، قال بعضهم: ليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق ولله در القائل:

فَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْمَاً أضَاعَهُ

وَمَنْ مَنَعَ الْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ

وقال الخليل لأبي عبيدة لا تردن على معجب فيستفيدَ منك علماً ويتخذَك عدوًّا.

ثم ذكر ما يتمهر به الطالب في فن الحديث وهو التأليف فقال:

..................

ثُمَّ إِذَا أَهَّلَتْ صَنِّفْ تَمْهَرِ

601 -

وَيُبْقِ ذِكْرًا مَا لَهُ مِنْ غَايَهْ

..............

(ثم إذا) أتقنت طلبه على الوجه الذي تقدم و (أهلت) بالبناء للمفعول يقال: أهله لذلك تأهيلاً، وآهله بالمد: رآه أهلاً ومستحقاً، أو جعله أهلاً لذلك. اهـ " ق " و " تاج " أي إذا صُيِّرْتَ مستحقاً، ومتعلقه محذوف أي للتصنيف.

فـ (ـصنف) في علم الحديث والتصنيف أخص من التأليف لأنه جَعْلُ كلِّ صنف على حِدَةٍ بخلافه فإنه مطلق الضم فهو أعم ممن التصنيف ومن التخريج، وهو إخراج المحدث الأحاديث من بطون الكتب وسياقها من مروياته أو مرويات شيخه أو أقرانه، ومن الانتقاء وهو التقاط ما يحتاج إليه من الكتب، ولكن يستعمل كل منها مكان الآخر، أفاده السخاوي رحمه الله. (تمهر) مجزوم بالطلب، كسر للوزن، أي تصير ماهراً في علم الحديث، ويقال: مهر في العلم وغيره يمهر بفتح الهاء فيهما مهوراً ومَهَارَة فهو ماهر، أي حاذق، عالم بذلك، قاله في المصباح.

والمعنى: أنك إذا تأهلت للتصنيف صَنِّف لأنك تتمهر به، قال الخطيب في جامعه: قلما يتمهر في علم الحديث ويقف على غوامضه ويستبينُ الخفيَّ من فوائده إلا مَنْ جَمَعَ متفرقة وألف متشتته وضم بعضه

ص: 134

إلى بعض واشتغل بتصنيف أبوابه وَتَرْتيب أصنافه، فإن ذلك الفعل مما يقوي النفس ويثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويبسط اللسان، ويجيد البنان، ويكشف المشتبه، ويوضح الملتبس.

(ويبق) من الإبقاء، والفاعل ضمير يعود إلى التصنيف المفهوم من صنف، أي يخلد (ذكراً) بالكسر أي عَلَاءً وَشَرَفاً (ما) نافية أي ليس (له) أي لذلك الذكر (من غاية) أي نهاية ينتهي إليها، والجملة صفة ذكرا.

والمعنى أن التصنيف يخلد شرفك بين العلماء المحصلين إلى آخر

الدهر فهو ولدك المخلد، ومُكسِبُك الثوابَ المؤبد، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم:

" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له ".

وقال الشاعر:

يَمُوتُ قَوْم فَيُحْصيِ الْعِلْمُ ذِكْرَهًمُ

وَالْجَهْلُ يُلْحِقُ أمْوَاتًاً بِأموَاتٍ

وقال الحسن بن علي البصري:

الْعِلْمُ أفْضَلُ شَيْءٍ أنْتَ كَاسِبُه

فَكُنْ لَهُ طَالِباً مَا عِشْتَ مُكْتَسِباً

وَالْجَاهِلُ الْحَيُّ مَيْتٌ حِينَ تَنْسُبُهُ

وَالْعَالِمُ الْمَيْتُ حَيٌّ كُلَّمَا نُسِبَا

وقال أبو الفتح البستيي:

يَقُولونَ ذِكْر الْمَرْ يَبْقَى بِنَسْلِهِ

وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ إِذَا لَمْ يَكنْ نَسْلُ

فَقُلْتُ لَهُمْ نَسْلِي بدَائِعُ حِكْمَتِي

فَمَنْ سَرَّهُ نَسْلٌ فَإنَّا بذَا نَسْلُو

وقال الخطيب: وينبغي أن يفرغ المصنف للتصنيف قلبه ويجمع له همه ويصرف إليه شغله ويقطع به وقته، وقد كان بعض شيوخنا يقول: من أراد الفائدة فليكسر قلم النسخ، وليأخذ قلم التخريج.

ص: 135

ثم ذكر حكمه فقال:

...............

وَإِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَهْ

(وإنه) أي التصنيف المفهوم من صنف (فرض) أي مفروض (على) سبيل (الكفاية) قد صرح به العلماء، وكذا غيره من العلوم الشرعية لكن إنما يجب على المكلف الحر غير البليد القادر على الانقطاع له لوجود ما يكفيه لمعاشه هكذا ذكر بعضهم.

ثم إن للعلماء في التصنيف طريقتين ذكرهما بقوله:

602 -

فَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بِالأَبْوَابِ

وَقَوْمٌ الْمُسْنَدَ لِلصِّحَابِ

603 -

يَبْدَأُ بِالأَسْبَقِ أَوْ بِالأَقْرَبِ

إِلَى النَّبِيْ أَوِ الْحُرُوفَ يَجْتَبِي

604 -

وَخَيْرُهُ مُعَلَّلٌ، وَقَدْ رَأَوْا

أَنْ يَجْمَعَ الأَطْرَافَ أَوْ شُيُوخًا اْوْ

605 -

أَبْوَابًا اْوْ تَرَاجِمًا أَوْ طُرُقَا

وَاحْذَرْ مِنَ الإِخْرَاجِ قَبْلَ الإِنْتِقَا

(فبعضهم) مبتدأ أي بعض العلماء الذين تَصدَّوا للتصنيف، وخبره قوله (يجمع) أي يؤلف ما يريده (بالأبواب) الفقهية وغيرها أي على الأبواب، أو الباء زائدة، فيجمع كل ما ورد في حكم إثباتاً أو نفياً في باب فباب بحيث يتميز ما يدخل في الجهاد مثلاً عما يتعلق بالصيام، ثم منهم من تقيد بالصَّحِيح فقط، كالشيخين ومنهم من لم يتقيد به كباقي الستة.

(وقوم) عطف على بعض، أو على الضمير في يجمع أي ويجمع قوم منهم (المسند) عطف على الجار والمجرور، لأنه فى محل نصب عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين، وتقدم غير مرة (للصحاب) بالكسر جمع صاحب، والمراد به الصحابي فيفرد ما لهم من الأحاديث واحداً فواحداً، وإن اختلفت أنواعها، كمسند الإمام أحمد وغيره، والقصد منها تدوين الحديث مطلقاً ليحفظ لفظه، وليستنبط منه الحكم في الجملة. ثم إن ترتيبهم مختلف، فمنهم من يرتب على السابقين في الإسلام، وإليه أشار بقوله: فمنهم من يرتب على السابقين في الإسلام، وإليه أشار بقوله:

(يبدأ) الضمير يرجع إلى قوم أفرده باعتبار لفظه، والجملة حال من

ص: 136

قوم، أي حال كونه بادئاً (بالأسبق) في الإسلام، فيقدم العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية، ثم المهاجرين بينها وبين الفتح، ثم مسلمة الفتح، ثم أصاغر الأسنان، كالسائب بن يزيد، وأبي الطفيل، ثم بالنساء مقدماً أمهات المؤمنين، قال الخطيب: وهي أحبُّ إلينا، وقال ابن الصلاح: إنها أحسن، ومنهم من يرتب على القبائل، وإليه أشار بقوله:

(أو) يبدأ (بالأقرب) منهم (إلى النبي) بتخفيف الياء للوزن صلى الله عليه وسلم نسباً، فيقدم بني هاشم، ثم الأقرب فالأقرب. ومنهم من يرتب على حروف المعجم، وإليه أشار بقوله:

(أو الحروف) المعجمة مفعول مقدم لـ (ـيجتبي) أي يختارها على ما تقدم ليرتب عليها أسماء الصحابة، بأن يجعل أبي بن كعب وأسامة في الهمزة كما فعل الطبراني في معجمه الكبير ثم الضياء في مختاراته التي لم تكمل وهذا أسهل تناولًا.

ثم ذكر أحسن أنواع التصنيف فقال:

(وخيره) مبتدأ أي أحسن التصنيف في الطريقتين المتقدمين أو غيرهما (معلل) خبر المبتدإ، أي أحسن المصنف ما ذكر فيه علل الحديث سواء كان على الأبواب كما فعل ابن أبي حاتم أو المسانيد كما فعل يعقوب بن شيبة ولم يتم.

وذلك بأن يجمع في كل متن طرقه واختلاف الرواة فيه بحيث يتضح إرسال ما يكون متصلاً أو وقف ما يكون مرفوعاً أو غير ذلك.

وإنما كان أحسن من غيره لأن علم علل الحديث أجل أنواع علم الحديث حتى قال ابن مهدي: لأن أعرف علة حديث عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثاً ليست عندي. ثم ذكر الأطراف بقوله:

(وقد رأوا) أي ذهب أهل الحديث إلى (أن يجمع) المصنف (الأطراف) جمع طرف بفتح الراء أي طرف الحديث الدال على بقيته

ص: 137

ويجمع أسانيده، إما مستوعباً أو مقيداً بكتب مخصوصة كما فعل أبو العباس أحمد بن ثابت في أطراف الخمسة، والمزي في أطراف الكتب الستة والحافظ في الكتب العشرة.

ثم إنه يجوز في الأطراف الاكتفاء ببعض الحديث وإن لم يفد.

(أو) يجمع (شيوخاً) بضم الشين وتكسر جمع شيخ أي أحاديث شيوخ كل شيخ بانفراده كما فعل الإسماعيلي في حديث الأعمش، والنسائي في حديث فضيل بن عياض، والطبراني في محمد بن جحادة قال عثمان الدارمي: يقال: من لم يجمع حديث هؤلاء الخمسة فهو مفلس في الحديث: الثَّوري، وشعبة، ومالك، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وهم أصول الدين.

قال السخاوي: وهذا غير جمع الراوي شيوخ نفسه كالطبراني في معجمه الأوسط المرتب على حروف المعجم في شيوخه، وكذا له المعجم الصغير لكنه يقتصر غالباً على حديث في كل شيخ اهـ.

(أو) يجمع (أبواباً) من أبواب الكتب المصنفة الجامعة للأحكام وغيرها فيفردها بالتأليف بحيث يصير ذلك الباب كتاباً مفرداً، كرؤية الله والإخلاص والطهور والقراءة خلف الإمام ورفع اليدين وغيرها.

(أو) يجمع (تراجماً) جمع ترجمة، أي أسانيد معينة، كمالك عن نافع عن ابن عمر، وسهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.

(أو) يجمع (طرقاً) جمع طريق أي سند، أي يجمع أسانيد كثيرة لحديث واحد، كطرق حديث قبض العلم، وطرق حديث:" طَلَبُ العلم فريضة " وطرق حديث: " من كذّب عليّ ".

(واحذر) أيها المصنف (من الإخراج) أي إخراج مصنفك إلى الناس (قبل الانتقا) أي تهذيبه وتحريره وتكرير نظرك فيه ولا يضرك فيه كثرة

ص: 138

اللَّحَاق، فقد قال الشافعي رضي الله عنه: إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهد له بالصحة، وقال بعضهم: لا يضيء الكتاب حتى يظلم.

ثم ذكر اختلاف العلماء في قراءة الحديث هل يثاب فيها بمجردها أم لا؟ فقال:

606 -

وَهَلْ يُثَابُ قَارِئُ الآثَارِ

كَقَارِئِ الْقُرْآنِ: خُلْفٌ جَارِي

(وهل يثاب) ويؤجر (قارئ الآثار) أي الأحاديث النبوية، وبالأولى الموقوفات، وكذا سامعها من غير قصد الحفظ ونحوه (كقارئ القرآن) أي كما يثاب قارئ القرآن من حيث أصلُ الثوابِ، وإلا فثواب القرآن بكل حرف بخلاف غيره (خلف) بالضم أي اختلاف، مبتدأ سوغه كونه موصوفاً بمحذوف، أي بين العلماء وقوله:(جاري) خبره.

وحاصل معنى البيت: أنه جرى اختلاف بين العلماء في أن قارئ الحديث مجرداً يثاب كقارئ القرآن أولا؟

فقال الشيخ أبو إسحاق: إن قراءة متونها لا يتعلق بها ثواب خاص لجواز روايتها بالمعنى، واستظهره ابن العماد الأقفهسي، قال: وإذا كانت قراءته المجردة لا ثواب فيها لم يكن في استماعه المجرد ثواب بالأولى.

وقال بعضهم: بالثواب على ذلك واستوجهه المحقق ابن حجر الهيتمي قال: لأن سماعها لا يخلو من فائدة، ولو لم يكن إلا عود بركته على القارئ والمستمع.

وقلنا: مجرداً لأنه لو قصد بقراءته أو سماعه الحفظ وتعلم الأحكام والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واتصال السَّند لا خلاف في ثوابه.

(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب: قوله: ثم استعمل مكارم الأخلاق.

وقوله: ومن يفدك العلم .... البيت. وقوله: عاليه وما انفرد به.

وقوله: للمقابلة أو لذهاب فرعه فعادله. وقوله: فليتعرف ضعفه وصحته إلى

ص: 139

آخر البيتين وقوله: كهذه. وقوله: ورأوا جواز كتم عن خلاف الأهل أو من يدع الصواب إن يذكر. وقوله: وإنه فرض على الكفاية. وقوله: يبدأ بالأسبق: البيت. وقوله: الأطراف. وقوله: وهل يثاب قارئ الآثار البيت.

ولما أنهى الكلام على آداب طالب الحديث أتبعه بذكر العالي والنازل تنشيطاً له إلى طلب العلو.

والمناسبة بين البابين من حيث إنه ذكر في السابق من جملة آداب الطالب طلب العلو حيث قال:

ثُمَّ حَصِّلِ مِنْ أهْلِ مِصْرِكَ الْعَلِيِّ فَالْعَلِي

قال رحمه الله تعالى:

ص: 140