الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم من قال: المدَّعي من يطلب أمرا خفيا على خلاف الأصل أو الظاهر، والمدعى عليه بخلافه، وبنوا على ذلك مسألةً وهي: إذا أسلم الزوجان الكافران قبل الدخول، ثم اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معًا، فنكاحنا باق، وقالت الزوجة: بل سبق أحدنا إلى الإسلام، فالنكاح منفسخ، فإن قلنا: المدعي يخلَّى وسكوتُه، فالمرأة هي المدَّعِي، فيكون القول قول الزوج، لأنه مدعى عليه؛ إذ لا يخلَّى وسكوته، وإن قلنا: المدَّعي من يدعي أمرًا خفيًّا: فالمدَّعي هنا هو الزوج؛ إذ التقارن في الإسلام خلاف الظاهر، فالقول قول المرأة؛ لأنَّ الظاهر معها.
وأما الأمين إذا ادعى التلف، كالمودَع إذا ادَّعى تلف الوديعة، فقد قيل: إنه مدَّعٍ؛ لأنَّ الأصل يخالف ما ادَّعاه، وإنما لم يحتجْ إلى بينة؛ لأنَّ المودع ائتمنه، والائتمان يقتضي قَبولَ قوله) (1).
ثالثًا: المنهج المبين لأبي حفصٍ الفاكهانيِّ رحمه الله:
للمصِّف عنايةٌ بهذا الباب، بل يستطرد أحيانًا إلى دقائق مهمَّة، لا سيما على مذهبه الذي نشأ عليه وهو مذهب مالك، ومن تلك العناية في شرحه قوله في شرح حديث «لا ضرر ولا ضرار»: إذا احتاج جاره إلى غرز خشبةٍ في جداره فهل يجب عليه تمكينه من ذلك، أو له منعه؟ في المسألة قولان مشهوران
…
) (2).
رابعًا: الفتح المبين لابن حجرٍ الهيتميِّ الشافعيِّ رحمه الله:
اعتنى بالمسائل الفقهيَّة التي رأى مناسبتها قريبةً في الشرح الحديثيِّ، فلم يأت بكلِّ ما كان يحتمله الحديث؛ لذا اعتذر مرَّةً عن الإسهاب في موضوعٍ مَّا قائلًا:(ولبعض الشُّرَّاح هنا تفصيلٌ في ذلك بكلامٍ طويلٍ مُمِلٍّ خارجٍ عن المقصود؛ فلذا أعرضت عنه وإن كان فيه أنظارٌ شتَّى ينبغي التفطُّن لها)(3).
وقال أيضًا: (اختلفوا في قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر الصحيح: "لا يمنع
(1) جامع العلوم والحكم (231).
(2)
المنهج المبين (484).
(3)
الفتح المبين بشرح الأربعين (518).
أحدكم جاره أن يضع خشبه في جداره" فأباح جماعةٌ منهم الشافعيُّ رضي الله تعالى عنه -في القديم- للجار أن يضع جذوعه على جدار جاره كرهًا عليه؛ لهذا الحديث، وقال الشافعيُّ في الجديد: ليس له ذلك، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار"، مع حديث: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس"، وحديث: "وأموالكم عليكم حرام"، فإن قلت: هذا يشكل على ما قدمته من تخصيص عموم: "لا ضرر" بما مر، فلم لم يخصَّ بخبر: "لا يمنع أحدكم جاره" لأنه خاص؟ قلت: كان القياس ذلك، لو سُلِّم مما اشتمل عليه من احتمال أنَّ الضمير في "جداره" راجع للجار؛ أي: لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبه في جدار نفسه، ومع هذا الاحتمال لا يقوى على التخصيص، فأخذنا بعموم: "لا ضرر"، و"لا يحل مال امرئٍ مسلم" وغيرهما؛ لأنها أقوى منه) (1).
وقال في صدد الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (ويشترط لجوازه ألا يؤدِّي إلى شهرِ سلاحٍ، ومن ثَمَّ قال إمام الحرمين: (ويسوغ لآحاد الرَّعيَّة أن يصُدَّ مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله ما لم ينته الأمر إلى نصبِ قتالٍ وشهرِ سلاحٍ، فإن انتهى إلى ذلك ربط بالسلطان، قال: وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه ولم ينزجر حين زجر عن سوء صنيعه بالقول فلأهل الحَلِّ والعقد التواطؤ على خلعه. انتهى، قال المصنف: وما ذكره من خلعه غريب، ومع هذا فهو محمول على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه، ولوجوبه تارة وجوازه أخرى: ألا يخاف على نفس، أو نحو عضو، أو مال له أو لغيره، وإن قلَّ مفسدة فوق مفسدة المنكر الواقع)(2).
(1) الفتح المبين بشرح الأربعين (520).
(2)
الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 542).