الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث التاسع والعشرون
(عن معاذ) بضمِّ الميم وذالٍ معجمة «ابنِ جَبَلٍ» بالتحريك، [وهو](1) ضِدُّ السَّهْلِ، القارئِ القانتِ الصَّادقِ الثَّابتِ المحكِمِ للعمل، التَّاركِ للجدل، المتمسِّكِ بالعروة الوثقَى، إمامِ العلماء في الورَع والتَّقوى، أبي عبد الرَّحمن الخزرجيِّ/ [115/ب]، شهد له المصطفى صلى الله عليه وسلم:«بأنَّه أعلمُ أمَّتِهِ بالحلال والحرام» (2)، مات بالشَّام في
(1) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(2)
هذا جزءٌ من حديثٍ أخرجه الترمذيُّ في أبواب المناقب، باب مناقب معاذ بن جبلٍ وزيد بن ثابتٍ (3790)، والنَّسائيُّ في الكبرى في كتاب المناقب، بابِ أبيِّ بن كعبٍ (8185)، وابن ماجه، المقدِّمة، باب فضائل زيد بن ثابتٍ (154)، وابن حبَّان (7131) والحاكم (3/ 422) والبيهقيُّ (6/ 210) من طريق عبد الوهَّاب بن عبد المجيد الثقفيِّ عن خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ:«أرحم أُمَّتي بأمَّتي أبو بكرٍ، وأشدُّهم في أمر الله عُمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبيُّ بن كعبٍ، وأفرضهم زيد بن ثابتٍ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبلٍ، ألا وإنَّ لكلِّ أمَّةٍ أمينًا، وإنَّ أمينَ هذه الأمَّة أبو عبيدة بن الجرَّاح» .. وقد أخرج البخاريُّ في صحيحه في كتاب المغازي، باب قصَّة أهل نجران (4382) ما يتعلق بأبي عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه فقط، وقد أَعلّ باقيَ الحديث بالإرسال: الدارقطنيُّ في العلل (12/ 248)، والحاكمُ في المعرفة (384) والبيهقيُّ في السُّنن الكبرى (6/ 210) والخطيب البغدادي في الفصل للوصل المدرج في النقل (2/ 676 - 687)، وابن تيميَّة كما في مجموع الفتاوى (31/ 342)، والألبانيُّ (في آخِر قوليه) انظر: دراسة حديث: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر لمشهور بن حسن (8 - 9) وللحديث طريقٌ آخر عند الترمذيِّ رقم (6/ 135) رواه عن سفيان بن وكيع، عن حُميدبن عبد الرحمن، عن داود العطَّار عن معمرٍ، عن قتادة، عن أنس، قال الترمذي:(هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث قتادة إلا من هذا الوجه وقد رواه أبو قلابة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، والمشهور حديث أبي قلابة). ولا يصحّ هذا الطريق، فسفيان بن وكيع: قال الحافظ في التقريب (2456): (كان صدوقًا إلا أنه ابتُليَ بورّاقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل فسقط حديثه) ويظهر أنَّه الذي أخطأ في هذا الحديث فجعله من حديث قتادة، والله أعلم.
طاعون عَمْواس (1).
«قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلُني الجنة» بِضمِّ اللَّام، والجملة في موضع جرٍّ صفةٌ لقوله «بِعَملٍ» .
قال التُّورِبِشْتِيُّ (2): (والجزم فيه وفيما بعده على جواب الأمر غيرُ مستقيمٍ روايةً ومعنًى)(3).
لكن تُعقِّبَ بأنَّ الروايةَ غيرُ معلومةٍ، وأمَّا المعنَى: فاستقامته ما ذكره القاضيْ (4)
(1) قال البكريُّ في معجم ما استعجم (3/ 971): عَمْواس: قرية من قرى الشام، بين الرّملة وبيت المقدس، وهى التي ينسب إليها الطاعون، لأنّه منها بدأ، وذكر عن الأصمعيِّ أنَّه إنما سمِّى الطاعون بذلك لقولهم: عمّ وآسَى؛ ومات فيه نحو خمسةٍ وعشرين ألفًا. وذكر الزَّبيدي في تاج العروس (16/ 286): (أنَّه بسكون الميم، وأنَّ أصحاب الحديث يحِّركون الميم).
(2)
في الأصل وقع بالنون أينا وقع، بينما ضبط من قفت عليه من أهل العلم بالتاء المثناة، قالوا: تُورِبِشتُ: بضم التاء المثناة من فوق بعدها واوٌ ساكنة، ثم راءٌ مكسورة، ثم باء موحَّدة مكسورة، ثم شين معجمة ساكنة ثم تاء مثناة من فوق، وهو فضل الله بن حسن بن حسين التُورِبِشْتِي، شهاب الدين أبو عبدالله الفقيه الحنفيُّ أو الشافعيُّ -على خلافٍ فيه-، محدِّثٌ فقيه من أهل شيراز، شرح مصابيح البغوي، توفِّيَ سنة (660) هـ تقريبًا، قال السبكيّ:(وواقعة التتارِ أوجبت عدم المعرفة بحاله)، وقد ترجمَ له السبكيُّ في الطبقات (8/ 349) وتابعه ابن شهبة في الطبقات أيضًا (2/ 34)، وقال ابن حجر:(وذَكر لي القاضي علاء الدين بنُ خطيب النَّاصرية قاضي حلب -منكِرًا على التَّاج إيرادَه في (طبقات الشافعيَّة) - أنَّه وقف في أثناء شرحه على ما يدلُّ أنَّه حنفيُّ المذهب). الجواهر والدّرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر (2/ 913). والله أعلم.
(3)
لم أجد كلامه في المطبوعِ من شرحه على المصابيحِ المسمَّى: بـ (الميسَّر)، وانظر: الكاشف عن حقائق السنن (2/ 484).
(4)
هو عبد الله بن عمر بن محمد بن علي أبو الخير القاضي ناصر الدين البيضاويّ، صاحب التفسير المشهور، والمنهاج في أصول الفقه، وشرح المصابيح في الحديث، كان إمامًا مبرّزًا نظَّارًا صالحًا متعبِّدًا زاهدًا، ولِيَ قضاء القضاة بشيراز بسبب مناظرةٍ علمية. توفّي سنة (685 هـ) انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (8/ 157).
حيث قال: (إنْ صحَّ الجزم فيه كان جزاءًا لشرْط محذوفٍ تقديره: أخبرنِي بعملٍ إنْ عملتُه يُدخِلْني الجنة، والجملةُ الشرطيَّةُ بأسرِها صفةٌ لعملٍ أو جوابًا لِلأمر، وتقريره: أنَّ إخبارَ الرَّسول لمَّا كان وسيلةً إلى عمله، وعملُهُ ذريعةً إلى دخول الجنَّة، كان الإخبارُ سببًا بوجهٍ مَّا لإدخال العملِ إيَّاه الجنَّة)(1).
فإنْ قيل: إذا جُعل (يُدْخِلْني) جواب الأمر يَبقَى (بعملٍ) غير موصوف، والنكرة غير موصوفَةٍ لا تفيدُ! ، فالجوابُ: أن التَّنكيرَ فيه للتفخيم أو النَّوع، أي: بعملٍ عظيمٍ، أو معتبرٍ في الشرع، بقرينة قوله الآتي:(سألتَنيْ عنْ عظيمٍ)؛ ولأنَّ مثلَ معاذ (2) لا يَسْأل مَن مِثلَ المصطفى صلى الله عليه وسلم عمَّا لا جدوى له.
قال الطيبيُّ (3): (والحاصل أنَّ في مثل هذا مذهبين:
أحدهما: مذهبُ الخليل (4) وهو أن يجعَلَ الأمرُ بمعنى الشَّرطِ، وجوابُ الأمر جزاءً.
والثاني: مذهب سِيبوَيه (5) وهو أنَّ الجوابَ جزاءُ شرطٍ محذوفٍ (6)، وعلى
(1) انظر: تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 66).
(2)
في الأصل: مثل حاذ! .
(3)
الطيبي هو: الحسين بن محمد بن عبد الله الإمام المشهور، قال ابن حجر: كان ذا ثروةٍ من الإرث والتجارة فلم يزل ينفق ذلك في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيرًا، كان مقبلًا على نشر العلم آيةً في استخراج الدَّقائق من القرآن والسنن، شرح الكشَّاف شرحًا كبيرًا، وأجاب عمَّا خالف مذهب السنة أحسن جواب، يعرف فضلهَ من طالعه، وتوفِّي سنة 743 هـ. انظر: الدّرر الكامنة (2/ 186) والبدر الطالع (1/ 229).
(4)
الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي البصري، أبو عبد الرحمن، صاحب العربيَّة والعروض، وكان الغاية في استخراج مسائل النَّحو وتصحيح القياس فيه؛ وهو أول من استخرج العروض، وحصر أشعار العرب بها، وهو أستاذ سيبويه، توفي سنة (175) على قولٍ. انظر: بغية الوعاة (1/ 558).
(5)
سيبويه هو: عمرو بن عثمان بن قنبر إمام البصريين سيبويه أبو بشر، ولقب سيبويه، ومعناه رائحة التفاح؛ قال الأزهري: كان سيبويه علَّامة، حسن التصنيف، جالس الخليل وأخذ عنه؛ وما علمت أحدًا سمع منه كتابه هذا؛ لأنه احتُضِر، وقد نظرت في كتابه، فرأيت فيه علمًا جمًّا. ومات سنة (180) هـ. انظر: بغية الوعاة (2/ 230).
(6)
ذكر الشاطبي في المقاصد الشافية (6/ 72): أنهم (اختلفوا في الجازم ما هو؟ فمنهم من جعل الجزم بـ (إن) مقدرة، كأنه قال: إن تكرمني أكرمك، ثم وضع الأمر موضع الشرط، ومنهم من جعل الجزم بنفس الأمر، لما تضمن من معنى الشَّرط، وكلام سيبويه يحتمل الأمرين، وهو أظهر في الثاني، وإليه ذهب المؤلف [ابن مالكٍ]، واختار ابنه الأول، والخطب في المسألة يسيرٌ، وكلاهما محتمل مما يقال به، فلا حاجة إلى الإكثار).
التقديرين: التركيب من إقامة السَّبب الذي هو الإخبارُ (1) لأنَّ الإخبار إنما يكون سببًا للعمل إذا كان المخاطَب مؤمنًا، معتقدًا، موافقًا) (2).
«ويباعدُنِي عن النَّار» وفي رواية أحمدَ: (إنِّي أريدُ أن أسألك عن كلِمَةٍ قد أَمْرضتْني، وأَسقمتْني وأحزنتْني، قال: سَلْ عمَّا شئتَ، قال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة لا أسألك غيرَه)(3).
وفيه دليلٌ على شدَّة اعتنائه بالعمل الصَّالح، وعظيم فصاحته، فإنَّه أوجزَ وأبلغَ وأبدعَ؛ ولهذا حَمِدَ المصْطفى/ [116/أ] صلى الله عليه وسلم مسألتَه واستعْظَمها، وعلى طلبِ الإيجاز في التعلُّم والتَّعليم مع حُصُول الفائدة، وأنَّ الأعمالَ سببٌ لدخول الجنة، ويَشهَد له:{وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا} (4) الآية {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (5).
(1) كذا في النسختين، والكلام لم يتمَّ بعدُ، وتتمّة الكلام من الكاشف لحقائق السنن للطيبيِّ (2/ 484):[مقام المسبَّب الذي هو العمل؛ لأنَّ العمل هو السبب الظاهر لا الإخبار؛ ] ولعلَّ بصر الناسخ انتقل إلى كلمة الإخبار الثانية.
(2)
الكاشف لحقائق السنن (2/ 484).
(3)
مسند أحمد (36/ 433).
(4)
سورة الزخرف (72).
(5)
سورة النحل (32).
ولا ينافيْهِ حديثُ: «لن يدخُلَ أحدُكم الجنَّة بِعَمله» (1)؛ لأنَّ العمل نفسَه لا يستَحِقُّ به أحَدٌ الجنَّةَ لولا أنَّه تعالى جعله سببًا (2)، أو أنَّ نفس الدّخولِ لا يكون بالعمل، بل بالرَّحمة، وأما حصول المنازِل فيها فبالعمل.
وقال البيضاويُّ: (أراد بالحديث: بيانَ أنَّ النَّجاةَ من العذاب والفوزَ بالثواب بفضل الله ورحمته، والعملُ غير مؤثّرٍ فيهما على سبيل الإيجاب والِاقتضاء، بل غايته: أنه يُعِدُّ العاملَ لأن يتفضَّلَ عليه، ويقرِّبَ الرحمة إليه، إنَّ رحمت الله قريبٌ من المحسنين)(3). [انتهى (4)].
وقال الكِرمانيُّ (5): (الباء في «بما كنتم» ليست سببيَّةً، بل للمُلابسة، أي: أورثتموها مُلابِسةً لِأعمالكم، أي: لثواب أعمالكم، أو للمُقابَلة نحوُ: أعطيته الشَّاةَ بدرهمٍ، أو المرادُ جنَّةٌ خاصَّةٌ، أي: نيلُكُم تلك الجنَّة الخاصَّةَ الرفيعةَ العاليةَ بِسبب الأعمال، وأمَّا أصل الدُّخول فبالرَّحمة (6).
(1) الحديث في مسند أحمد (7479) إلا أن أحد رواته وهو -زياد المخزومي- مجهول، لكن قد ورد الحديث في صحيح مسلم (4/ 2169) بلفظ:«لن ينجيَ أحدًا منكم عملُه» قال رجل: ولا إياك؟ يا رسول الله قال: «ولا إيَّايَ، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سدِّدوا» .
(2)
المصنِّف رحمه الله أثبتَ هنا السببيَّة على مذهب أهل السنة، وخلافًا للأشاعرة، لكن كلام الكرمانيِّ يناقضُ هذا التقرير، حيث نفى فيه السببيّة.
(3)
تحفة الأبرار (2/ 83).
(4)
ما بين المعقوفين زيادة من نسخة (ب).
(5)
هو محمَّد بن يوسف بن علي الكِرماني -بكسر الكاف والنون، كما قال هو عن نفسه في الكواكب الدراري (9/ 195) - له شرحٌ على صحيح البخاريّ، اعتمد عليه كثيرٌ ممن جاء بعده، قال فيه ابن حجر: شرح صاحب الترجَمَة مفيدٌ على أوهامٍ فيه في النقل؛ لأنَّه لم يأخذه إلا من الصُّحف، وقال ابن قاضي شهبة: فيه أوهامٌ فاحشةٌ وتكرارٌ كثيرٌ، ولا سيَّما في ضبط أسماء الرواة. توفي (786 هـ) رحمه الله. انظر: الدرر الكامنة (6/ 66)، وطبقات الشافعية لابن شهبة (3/ 180).
(6)
في الأصل: فالرحمة.
قال: وأمَّا قول النَّوويِّ: ظاهرُ الآيات أنّ دخول الجنَّة بسبب الأعمال، والجمع بينها وبين الحديث: أنَّ التوفيق للأعمال، والهدايةَ للإخلاص فيها وقبولها إنَّما هو بالرحمة والفضل، فصحَّ أنَّه لم يدخل بمجرَّد العمل وهو مراد الحديث، وأنَّه يدخل بسبب العمل وهو من الرَّحمة، فيردُّ بأن المقدّمة الأولى خلافُ صريح الحديث فلا يُلتفَتُ إليها) (1).
وقال ابنُ القيِّم: (العمل بمجرَّده -ولو تناهَى- لا يوجبُ دخول الجنَّةِ، ولا أنْ تكون عوضًا له؛ لأنَّـ[ـه] (2) لو وقع (3) على الوجه الذي يحبّه الله لا يقاوم نعمَةً، بل جميعُ العمل لا يوازِيْ نعمةً واحدةً، فيبقى جميعُ نعمه مقتضيةً لشُكرها، وهو لم يشكرها حقَّ شكرها، فلو عذَّبه [عذَّبه](4) وهو غير ظالمٍ، وإذا رحِمَه كانت رحمته خيرًا من عمله، قال: وهذا فصلُ الخطابِ مع الجَبْريَّة الذين أنكروا كونَ الأعمال سببًا لدخول الجنَّة من كلِّ وجهٍ، والقدريَّةِ الزاعمين أنَّ الجنَّة عوضُ العمل، وأنَّها ثمنه، وأنَّ دخولها بمحض العمل، والحديث يُبطِلُ دعوى الطَّائفتين، والحاصلُ: أنَّ العمل من حيث هو عملٌ لا يستفيد به العاملُ/ [116/ب] دخولَ الجنَّة ما لم يكنْ مقبولًا، والقَبولُ إنَّما يحصل بالرَّحمة) (5).
تتمَّةٌ: قال الغزاليُّ: اجتمع ابن واسعٍ وابن دينارٍ، فقال ابن دينارٍ: إما طاعة الله أو النار، فقال ابن واسع: إما رحمة الله أو النار، فقال: ما أحوجني إلى معلِّم مِثْلك، وقال البسطاميُّ (6): كابدت العباد [ةَ](7) ثلاثينَ سنة، فرأيت قائلًا يقول: يا أبا يزيدَ: خزائنُه
(1) الكواكب الدراري (1/ 125).
(2)
الهاء زيادةٌ من (ب).
(3)
في الأصل: (ولو وقع) ، والمثبت من (ب).
(4)
ما بين معقوفتين زيادةٌ من (ب).
(5)
مفتاح دار السعادة (2/ 92).
(6)
أبو يزيد طيفور بن عيسى بن شروسان البسطامي، أحد الزّهاد، وله كلامٌ نافع، منه قوله:(لله خلقٌ كثيرٌ يمشون على الماء، لا قيمة لهم عند الله، ولو نظرتم إلى من أعطي من الكرامات حتى يطيرَ، فلا تغترّوا به حتى تروا كيف هو عند الأمر والنهي، وحفظِ الحدود والشرع؟ ). ويحكى عنه في الشطح أشياءُ، منها ما لا يصحُّ، أو يكون مُقوَّلًا عليه. انظر: سير أعلام النبلاء (13/ 86 - 88).
(7)
في الأصل بدون تاء. والمثبت من (ب).
مملوءةٌ من العبادة، إن أردتَ الوصول إليه فعليك بالذِّلَّة والِافتقار (1).
فائدةٌ (2): جاء في بعض الآثار أنَّ بعض بني إسرائيلَ كان يتعبَّد في جَزيرةٍ ليس يعرفها أحدٌ، وأنبتَ الله له شجرةَ رُمّانٍ يأكلُ منها وعينَ ماءٍ، فبقيَ كذلك خمسمائة عامٍ، ثم سأل ربَّه أن يقبِضَه ساجدًا ففَعَل، فأخبر عنه عليه السلام أنه يؤتى به يوم القيامة (3) فيقول له: اذهبوا به إلى الجنَّة بِرحمتي، فيقول: يا ربِّ بلْ بِعمليْ، فيقول: حاسِبوه على شكر نعمةِ حاسَّة البصرِ، فيحاسَبُ فلا تفي عبادتُهُ بها، فيقول: يا ربِّ أدخلني الجنَّة برحمتك، فيقول: اذهبوا به إليها برحمتي (4).
«قال» أي: رسول الله «لمعاذٍ: لقد سألتَنيْ عن عظيمٍ» أي: عن شيءٍ عظيمٍ
(1) منهاج العابدين إلى جنَّة ربِّ العالمين (247 - 248).
(2)
في هامش نسخة (ب) تعليقٌ من الشَّبرخيتيِّ، حيث أورد الحديثَ كاملًا من مستدرك الحاكم، ولكن اكتفيتُ بما عند المصنِّف رحمه الله هنا؛ لطول ذاك الحديث المنكَر الذي ليس من الكتاب.
(3)
وفي (ب): (يدنو يوم القيامة).
(4)
أخرجه العقيليُّ في الضعفاء (2/ 144)، والحاكم في المستدرك (4/ 278) كلاهما من طريق اللَّيث بن سعد، عن سليمان بن هرم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما قال:(خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " خرج من عندي خليلي جبريل آنفًا فقال: يا محمَّد، والذي بعثك بالحق إن لله عبدًا من عبيده، عبد الله تعالى خمس مائة سنة .. ). ثم قال: «هذا حديث صحيح الإسناد، فإن سليمان بن هرم العابد من زهاد أهل الشام، والليث بن سعد لا يروي عن المجهولين» عقّبَ الذهبيُّ هذا بقوله: (لا واللهِ، وسليمان بن هرم غيرُ معتمدٍ) وفي ميزان الاعتدال (2/ 228) -بعد أن ضعّف سنده-نقد متنه أيضًا فقال: (قلت: لم يصحّ هذا، والله تعالى يقول: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ولكنه لا ينجي أحدًا عملُه من عذاب الله، كما صحّ، بلى، أعمالنا الصالحة هي من فضل الله علينا ومن نعمه، لا بحولٍ منَّا ولا بقوة، فله الحمد على الحمد له).
مُشكلٍ مُتعسِّرِ الجواب؛ لأنَّ معرفة العمل الذي يُدخِل الجنَّة مِن علم الغيب، وعلمُ الغيب لا يعلمه إلا الله، ومن علّمه الله، كذا ذكره (1) المُظْهِر (2).
وردّه الطيبيُّ: بأنَّه ذهابٌ إلى أنَّ «عظيمٍ» صفةُ موصوفٍ محذوفٍ أي: عن سؤالٍ عظيمٍ، والأظهر: أنَّ الموصوفَ أمرٌ، ويُعنَى به العملُ؛ لأنَّ قوله:«تعبدُ الله» استئنافٌ وقع بيانًا لذلك الأمر العظيم، وعنه ينبئ كلام البيضاويِّ حيث قال:(وإنَّه ليسيرٌ): إشارةٌ إلى أنَّ أفعال العباد واقعةٌ بأسبابٍ ومُرجِّحاتٍ تفيض عليهم مِن عنده، وذلك (3) إن كان نحوَ معصيةٍ تُسمَّى خذلانًا وطبْعًا) (4). انتهى.
وعُلِمَ ممَّا تقرر: أنَّه ليس المرادُ استعظامَ جزائه ونتيجته فقط، بدليل قوله:«وإنَّه» أي: العملُ الذي يُدخلُ الجنة ويباعِدُ عن النَّار: «ليَسِيرٌ على من يسَّرهُ الله عليه» لتوفيقه، وتهيئة أسباب الطَّاعة له، وشرحِ صدره إلى السَّعيِ فيما يؤدِّيْه إلى السَّعادة الأبديَّةِ، {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} (5)«اعمَلوا ما شِئتمْ/ [117/أ] فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له» (6)، وبالجملة: فالتَّوفيقُ إذا ساعد على شيءٍ تيسَّرَ وإن كان ثِقل الجبال.
قال الطيبيُّ: (وإنما أسْنَد اليُسْرَ إلى الله، وأطْلق العُسْرَ؛ لِئلَّا ينسبَ الخِذلان صَريحًا
(1) المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 123).
(2)
هو مظهر الدين الحسين بن محمود بن الحسين الحنفي المشهور بـ (المُظهِري)، ويقال له:(المُظهِرُ)، الإمام الفقيه المحدث، له:(المفاتيح في شرح المصابيح)، و (المكمل في شرح المفصل للزمخشري)، وكان من علماء القرن الثامن، توفي (727 هـ) انظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول لحاجي خليفة (2/ 57)، والأعلام للزركلي (2/ 259).
(3)
في كلام البيضاوي تتمَّةٌ مهمَّة، وهي قوله:(وذلك إن كان نحو طاعةٍ سمِّي: توفيقًا ولطفًا، وإن كان نحو معصيةٍ سمِّي: خذلانًا وطبعًا). انظر: تحفة الأبرار للبيضاوي (1/ 67).
(4)
تحفة الأبرار للبيضاوي (1/ 67).
(5)
سورة الأنعام: (125).
(6)
أخرجه البخاريّ في كتاب تفسير القرآن باب (فَسنيسِّرُه لليسرى)(4949) ومسلم في كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدميّ في بطن أمه (2647).
إليه، على طريقة: أنعَمتَ عليهِمْ غيرَ المغضوب عليهم (1)) (2).
وفيه دليلٌ على مدح السَّائل وتعظيمه، وأنَّه أصاب بسؤاله كنزًا عظيمًا، وأن مدحَ العملِ لصاحبه مندوبٌ، بخلاف مدح الذَّات، والفرق: أنَّ مدحَ العمل يزيد صاحبَه فيه تغبُّطًا وحرصًا، ومدحَ الذَّات يخشى منه العُجْبُ والِالتفاتُ، ثم فسَّر ذلك العملَ العظيمَ بقوله:«تعبد الله» .
قال المؤلِّف (3): يحتمل أنَّ المراد بالعبادة معرفة الله (4)، فيكون عطف الصلاة وغيرها لإدخالها فيما يُدخل الجنة ويبعدُ من النَّار، ويحتمل أنَّ المراد بالعبادة: الطاعةُ مطلقًا، فيدخل فيه جميعُ الوظائف، وعليه: فعطف الصلاة وغيرها عطفُ خاصٍّ على عامٍّ. انتهى (5).
واستبعدَ الحافظُ ابنُ حجرٍ الأوَّلَ، وقال:(الأقرب أنَّ المراد: النُّطق بالشهادتين، ولما عبَّر بالعِبادة احتاجَ إلى أن يوضِّحَها بقوله: «لا تشركُ به شيئًا»)(6).
وقَال الطُّوفيُّ (7): (الظَّاهر أنَّ المراد بالعبادة: التوحيدُ، بدليل «لا تشرك» إلخ.
(1) قال ابن كثير في تفسيره: (6/ 146 (: (فأسند الإنعام إلى الله سبحانه وتعالى، والغضب حذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن:{وأنا لا ندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} .
(2)
الكاشف عن حقائق السنن (2/ 485).
(3)
أي: الإمام النَّووي رحمه الله مؤلِّف (الأربعين النووية).
(4)
تفسير العبادة بالمعرفة قصور، ولذا تعقّب عليه الحافظ ابن حجر، فيما سيأتي.
(5)
شرح النووي على مسلم (1/ 162).
(6)
فتح الباري (1/ 119).
(7)
هو نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطُّوفي الحنبلي، له مؤلَّف في أصول الفقه، وشرح الروضة، وله التعيين في شرح الأربعين، شرحه في ستَّة عشر يومًا! كما صرّح به في ص (339)، وشرحَ المقامات أيَّام كسرت رجله، ولم يكن عنده كُتبٌ، ولكن من صدره، المتوفى (716 هـ) ، وهو من مشايخ شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله، فقد ذكر ابن رجبٍ في الذيل (4/ 494) أنَّ شيخ الإسلام قرأ العربيَّة أيَّامًا على سليمانَ بن عبد القويِّ، قال المحقِّق د. العثيمين:(هو الطوفيّ). انظر: ذيل طبقات الحنابلة (4/ 404).
ومنها (1){يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} (2) أي: وحْدَه (3)، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (4) أي: يُوحّدونِ، فعليه: يكون قد ذكر له التوحيدَ وأعمالَ الإسلام، ويحتمل أنَّه أراد بالعبادة هنا: ما يتناول الإيمان الباطن، والإسلام الظَّاهر، فيكون ما بعده عطفُ خاصٍّ على عامٍّ) (5). انتهى.
ونحوه قول بعضهم (6): (قوله: «تعبد الله» يتضمَّن جميع أنواع التكاليف الشرعية، وقوله: «لا تُشرِك» يشمل كلا قسمي الشِّرك: الجليِّ والخفيِّ، وقال [أهل] (7) التحقيق: (العبادة لها ثلاث درجاتٍ: الأولى: أن تعبد الله طمعًا في الثواب، وهربًا من العقاب، وهذا هو المسمَّى بالعبادة، وهذه الدَّرجة نازلةٌ جدًّا! (8)؛ لأنَّ معبوده هو ذلك الثواب،
(1) جاءت في (ب): (ومنه) وهو الموافق لما في التعيين.
(2)
سورة البقرة: (21).
(3)
جاءت في (ب): (وحِّدوه) وهو الموافق لما في التعيين.
(4)
سورة الذاريات: (56).
(5)
التعيين في شرح الأربعين (221).
(6)
هو الطّيبي، انظر: الكاشف (2/ 478).
(7)
ما بين معقوفتين زيادة من نسخة (ب) ، وهو الموافق لما في الكاشف للطيبيِّ.
(8)
هذا الكلام فيه نظرٌ؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى رغَّب في الجنّة في كتابه الكريم، وفي وحي رسوله الكريم، لأنَّها سلعة الله الغالية، ولو كان المطلوب عدمَ تعلّق القلوب بالجنَّة والخوف من النَّار؛ لبيَّن الله تبارك وتعالى بأحسنِ بيانٍ وأوفاه، كيف وقد وصف الله كبار أوليائه، وكثيرًا من أنبيائه بقوله:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} سورة الأنبياء: (90)، بل هذا المقام هو أعظم المقامات، بخلاف التقسيم الثلاثيِّ الذي عند من سمَّاهم المصنِّف أهلَ التحقيق، فهو تقسيمٌ حادثٌ وليس فيه أثارةٌ من علمٍ، بل هو مخالفٌ لمنهج سلفنا الصالح من الصحابة الكرام، ومن تبعهم بإحسانٍ. انظر: الاستقامة (2/ 110) ، والفتاوى الكبرى (5/ 221) ، وأطال ابن القيِّم رحمه الله الانتقادَ في مدارج السالكين (2/ 75 - 77).
وقد جعل الحقَّ وسيلةً إلى الفعل ذلك المطلوب (1).
الثانية: أن تعبد الله لتتشرّف بعبادته، أو تتشرَّف بقبول تكاليفه، أو بالانتساب إليه، وهذه أعلى من الأولى، لكنَّها غير خالصة؛ لأنّ القصد بالذَّات غيرُ الله، وهذا/ [117/ب] هو المسمَّى بالعبوديَّة.
الثالثة: أن تعبده لكونه إلهًا وخالقًا، ولكونه (2) عبدًا له، والإلهيَّة: توجب الهيبةَ والعِزَّة، والعبوديَّة: توجب الخضوعَ والذِّلة، وهذا أعلى المقامات، وأشرف الدَّرجات، وهذا هو المستحِقُّ بأن يسمَّى بالعبودية، وإليه الإشارة بقول المصلِّي في أول الصلاة:(أصلِّي لله)(3)، فلو قال: أصلِّي لثوابِ الله أو للهربِ من عقابه بطلتْ صلاته، فالعبادة لعوامِّ المؤمنين، والعبوديَّة للخواصِّ الموقنين، والعبودَية لخاصِّ الخواصِّ المقرَّبين.
وقيل: العبادة لمن له علمُ اليقين، والعبوديَّة لمن له [عين اليقين، والعبودة لمن له حقّ اليقين، ولعَمْرِيْ ما أظلَّت الخضراءُ، وأقلَّت](4) الغبراءُ على من يفي بهذا الأمر، ويستقيم على هذا الحكم).
«وتقيمُ الصَّلاة» تأتي بها بشروطها، أو تواظب (5) عليها لأوقاتها.
(1) في ب: (وسيلة إلى نفل ذلك المطلوب) ولعله تصحيف.
(2)
كذا في النسختين، وفي المصدر (ولكونك) بالخطاب.
(3)
محلُّ النيَّة القلب دون اللسان باتفاق أئمَّة المسلمين في جميع العبادات، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله:(لا يستحبّ التلفظُ بها؛ لأن ذلك بدعةٌ لم تنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، ولا أمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أحدًا من أمَّته أن يتلفظ بالنيَّة، ولا علَّم ذلك أحدًا من المسلمين، ولو كان هذا مشهورًا مشروعًا لم يهمله النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مع أن الأمَّة مبتلاةٌ به كلَّ يومٍ وليلةٍ، وهذا القول أصحُّ الأقوال). مجموع الفتاوى (22/ 231)
(4)
ما بين معقوفتين زيادة من نسخة (ب).
(5)
في الأصل: (يأتي، يواظب) على الغائب، ولكن الخطاب هو الأنسب للفظ المشروح.
«وتؤتيْ الزكاة» لمستحقّيها (1)، فحذف المفعولَ الأوَّل (2)، وزاد في روايةٍ:«المفروضةَ» للاحتراز عن صدقة التَّطوع، فإنها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو للاحتراز عن الزكاة المعجَّلة قبل الحَول، فإنها زكاةٌ غيرُ مفروضةٍ.
«وتصومُ رمضان» أي: تُمسِك جميع نهارك عن كُلِّ مفطِّرٍ بِنيَّةٍ ليلًا.
«وتحجُّ البيتَ» أي: تقصِدُه بأداء النُّسُك.
قال ابن حجرٍ: (وليس المراد بمخاطبته بالإفراد -فيما مرَّ، ويأتِي- اختصاصُه به، بل تعليم السّامعين الحكمَ في حقِّهم ومَن أشبههم من المكلفين)(3).
وفيه دليلٌ على أنّ تاركَ الأفعال المذكورة لا يدخل الجنّة أي: حتَّى يطهَّر بالنار.
«ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا: ألا أدلُّك» عرضٌ متضَمِّنٌ للحثِّ، نحوُ:{هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ} (4) الآية، أي: عرضتُ عليك فهل تحبُّه؟ قصد به التشويق إلى ما سيَذكره؛ ليكون أوقع في النَّفس وأحثّ على استفراغها لاستفادته.
«على أبواب الخير» أي: طرقِه وأسبابه الموصِلة إليه، ومن ثمَّ جعلها أبوابًا له
(1) في هامش نسخة (ب): (وأتى بالزكاة عقب الصلاة؛ لأنَّ الصلاة أعظم الطاعات البدنيَّة، والزكاة أعظم الطاعات الماليَّة، وقد كتب سلمان إلى أبي الدرداء رضي الله عنهما: يا أخي! إيَّاك أن تجمع من الدنيا ما لا تؤدِّي شكره؛ فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يجاء بصاحب الدنيا الذي أطاع الله فيها، وماله بين يديه، كلَّما تكفَّأ به الصراط -أي: مالَ- قال له: ما لكَ؟ امضِ، فقد أدَّيت حقَّ الله فيَّ، ثمَّ يجاء بصاحب الدنيا الذي لم يطع الله فيها، وماله بين يديه، كلَّما تكفَّأ به الصراط قال له ويلك! ما أدَّيت حقَّ الله فيَّ، فما يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور» شبرخيتي).
(2)
وهو جائز كما قال ابن مالكٍ:
وحذفَ فضلةٍ أجِزْ إن لم يضِرْ
…
كحذفِ ما سِيق جوابًا، أو حُصرْ
انظر: شرح ابن عقيل (1/ 492).
(3)
فتح الباري (1/ 199).
(4)
سورة الصف: (10).
لترتُّبِه عليها تشبيهًا له بأمتعةٍ في مكانٍ له أبوابٌ.
والتَّعريف في (الخير) للجنس، ذكره بعضهم (1).
وقال المُظهِرُ: (جعل هذه الأشياءَ أبوابًا للخير؛ لأن الصّومَ وإخراجَ المال في الصّدقة شديدٌ على النّفس، وكذا الصّلاةُ في جوف اللّيل، فمن اعتادها سهُل عليه كلُّ خيرٍ، ونال كلَّ خيرٍ؛ لأن المشقَّة في دخول الدَّار تكون بفتح البابِ المغلَق)(2).
وقال الطيبيُّ: (التّعريف للعهدِ الخارجيِّ التقديريِّ، وهو ممَّا يُعْلَم من قوله:«تعبد الله / [118/أ] ولا تشركُ به» إلخ. المعنيُّ به الإسلامُ والإيمانُ الذي هو سببُ دخولِ الجنّة، والمباعدةِ من النَّار ظاهرًا، والمعنيُّ بأبواب الخير: النّوافلُ، كما دلَّ عليه قوله:«وصلاة الرّجل في جوف اللَّيل» لئلّا يلزم التّكرار.
وسمِّيت النَّوافلُ أبوابًا للفرائض؛ لأنَّها مقدِّماتٌ ومكمِّلاتٌ لها، فمن فاتته السُّنَنُ حُرِم الفُروضَ، قال بعضُ الأعيانِ: من ترك الأدبَ عوقِب بحرمان النّوافل، ومن عوقبَ بحرمان النّوافل عوقب بحرمان السُّنَن، ومن عوقِب بحرمانها (3) عوقِب بحرمان الفرائض، ومن عوقب بحرمانِ الفرائض يوشِكُ أن يعاقَبَ بحِرْمان المعرفة (4)) (5).
وقال بعضهم (6): (إن كانت الإضافةُ في (أبواب الخير) بيانيّةً (7) فالمراد بالأعمال
(1) لعلَّه الطيبي في الكاشف (2/ 485).
(2)
المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 123).
(3)
في ب: (ومن عوقب بحرمان السنن).
(4)
يقصد بحرمان المعرفة: حرمان معرفة الله تعالى، وهو مبنيٌّ على أنَّ الكفر هو الجهل بالله تعالى، فمن يعرف الله لا يكفر عندهم، وهو مذهب جهم بن صفوان، وهو مذهب باطلٌ غيرُ صحيحٍ؛ إذ يلزم منه أنَّ إبليس لم يكفر؛ لأنَّه كان عنده معرفة الله، انظر: الملل والنحل للشهرستاني (141 - 145).
(5)
الكاشف عن حقائق السنن (2/ 485).
(6)
لعلَّه يقصد ابن حجر الهيتميّ كما في كتابه الفتح المبين (482).
(7)
الإضافة البيانيّة: هي ما كانت على تقدير (مِن)، وضابطها: أن يكون المضاف إليه جنسًا للمضاف، بحيث يكون المضاف بعضًا من المضاف إليه، مع صلاحيَّة المضاف لأن يكون مبتدأً خبره المضاف إليه، من غير فسادٍ للمعنى، نحو: هذا باب خشبٍ، ذاك سوار ذهبٍ. انظر: جامع الدروس العربية (3/ 206)، والنحو الوافي (3/ 18). فيكون المعنى:(ألا أدلُّك على أبوابٍ مِن الخيرِ، أو هي الخيرُ).
الصَّالحة التي يتوصَّل بها إلى أعمالٍ أكملَ منها كما استفيدَ من تسميتها أبوابًا، فهو من المجاز البليغ (1).
وآثرَ جمعَ القلَّة: (2) إشارةً إلى تسهيلِ الأمر على السّامع ليزيد تشوُّقُه (3) وإقبالُه (4)،
(1) المجاز البليغ، ويقال: التشبيه البليغ هو: تشبيه المعقول بالمحسوس، انظر: الفتح المبين بشرح الأربعين (482).
(2)
جمع التكسير نوعان: جمع قلة، وهو ما دلّ على ثلاثة إلى عشرة، وله أربعة أوزان، جمعها ابن مالك رحمه الله بقوله في الخلاصة:
أفعِلةٌ أفعُلُ ثمَّ فِعلَهْ
…
ثُمّتَ أفْعالٌ: جموعُ قِلّهْ
والنوع الثاني: جمع كثرة: وهو ما دلّ على ثلاثة إلى غير نهاية -على الصحيح- خلافًا لابن عقيل في قوله: (يبدأ من فوق العشرة) وهي كثيرة ذكر ابن مالك أكثرها في الألفية. انظر: شرح ابن عقيل (2/ 415) ودليل السالك لعبد الله الفوزان (2/ 327). و (أبواب) على وزن (أفعال) الذي هو من أوزان جمع القلة.
(3)
في الأصل: لو زيد تشوقه. والمثبت من ب وهو الصواب.
(4)
قال الهيتمي: (هذا ما ظهر لي، وهو أولى من قول بعضهم: إنما أوثر؛ لأنه ليس له جمع كثرة كآذان، وأقلام، وأقسام.) الفتح المبين (482)، وهو كما ذكر رحمه الله، فإن لـ (الباب) جمعَ قلة وهو (أبواب، وأبوبة) كما أنَّ له جمعَ كثرة وهو (بِيبان) على وزن (فِعلان) بالكسر، -كما في القاموس (70) -مثل: نار نيران، وقاعٍ قيعان، قال ابن مالك رحمه الله في تعداده -في ألفيته- لأوزان جمع الكثرة:
وللفُعال فِعلانٌ حصلْ
وشاع في حوتٍ وقاعٍ مع ما
…
ضاهاهما، وقلّ في غيرهما
انظر: شرح ابن عقيل (2/ 427)
وإن كانت بمعنى اللَّام: (1) فالمراد به الجزاءُ العظيمُ وجميع الأعمال الصالحة، ويدلُّ للثّاني روايةُ ابن ماجه:«ألا أدلّك على أبواب الجنّة» (2) وللأوّل تخصيص بعض الأعمال بالذّكر بقوله: «الصَّوم» أي: الإكثار منه؛ لأنَّ فرضه تقدّم).
«جُنّةٌ» بضمّ الجيم (3)، وقايةٌ من سَوْرة (4) الشهوة في العاجل، ومن النَّار في الآجل، وأصلها التُّرس (5)، شَبَّهَ به الصوم؛ لأنَّه يحمي الصائمَ عن الآفاتِ النفسانية في الدنيا، وعن العقاب في الآخرة -[كما تقدَّم](6) - فإنَّه يقمع الهوى، وبرد (7) الشهوات التي هي أسلحة الشيطان، فإن الشِّبعَ مجلبةٌ للآثام، منقصة للإيمان، ولهذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:«ما ملأَ ابن آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِهِ» (8).
(1) هذا هو النوع الثاني من أنواع الإضافة، وهي الإضافة اللَّامية، وضابطها: أن تكون الإضافة على تقدير اللام) أي: (أبوابٍ للخير)، ولعلَّ هذا هو الأقرب؛ إذ إنَّ الإضافة تأتي بمعنى اللام عند جميع النحويين، بخلاف مجيئها بمعنى (من) البيانيّة، أو بمعنى (في) الظرفيّة. انظر: شرح ابن عقيل (2/ 42).
(2)
لم أقف عليها في سنن ابن ماجه، لكن هي في مختصرِ قيام اللّيل لابن نصرٍ المروزي ص (35).
(3)
في هامش نسخة (ب): (وفي الخبر: الصوم جُنَّةٌ من النار، كجُنَّة أحدكم من القتال) اهـ. وهذا الخبر في سنن النسائي (2230) وابن ماجه (1639) وإسناده حسن.
(4)
كذا في الأصل، وفي (ب):(ثورة)، وفي المصدر:(فورة)! .
(5)
وذكر ابن فارس في مقاييس اللغة (1/ 421) أنّ الجيم والنون أصل واحد، وهو الستر والتستر، ومن مفرداته: الجَنة، والِجنة، والجنين، والجنان، والمجن، والجنون.
(6)
ما بين معقوفتين زيادة من (ب).
(7)
في ب: (ويردع).
(8)
هذا الحديث أخرجه الترمذي في أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب (ما جاء في كراهية كثرة الأكل)(2380) وأحمد (28/ 422) والحاكم في المستدرك (4/ 367) كلُّهم من طريق يحيى بن جابر الطائيّ، قال سمعت المقدامَ بن معدي كرب الكنديِّ رضي الله عنه مرفوعاً، ولفظه:«ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة: فثلثٌ لطعامٍ، وثلث لشرابٍ، وثلثٌ لنفسه» . وقال الترمذي: (حسنٌ صحيحٌ)، وفي نسخة:(حسنٌ) ، وهو الذي اعتمده الحافظ في البلوغ (529) وذكر المزّيّ =
فإذا ملأ بطنَه تشوَّشتْ فكرته لما يستوليْ على معادن إدراكه من الأبِخرة الكثيرة المتصاعدة من مَعِدَتِه إلى دماغِه، فلا يمكنه نظرٌ صحيحٌ، ولا يتَّفق له رأيٌ صالحٌ، وقد يقع في مداحضَ فيزوغُ عن الحقِّ، ويغلب عليه الكسَل فيمنعه مِن وظائف العبادات، وتكثر موادُّ الفضول فيه فيكثُر غضبه وشهوته، ويزيد حرُصه فيوقعه في طلب ما زاد على كفايته فيقع في المحارم، فالصَّوم يدفع ذلك كلَّه، فلهذا كان جُنّةً / [118/ب] يسْتجنُّ بها العبدُ من النار). ذكره البيضاويُّ (1).
وقال الطيبيُّ: إنما جَعَل الصومَ جُنّةً عن النّار؛ لأنّ في الجوع سَدُّ مجاري الشيطان،
= الوجهين في التحفة (8/ 512)، وقد سكت عنه الحاكم على خلاف عادته فتعقَّبه الذّهبيُّ بقوله:(صحيح).
وللحديث طريقٌ آخر عند ابن حبَّان (12/ 41) عن سليمان بن سليم الكناني، عن صالح بن يحيى ابن المقدام بن معدي كرب، عن أبيه، عن جده المقدام مرفوعًا، ولكنَّ صالحًا قال فيه الحافظ في التقريب (رقم 2894):(ليِّنٌ)، وأبوه يحيى قال فيه في التقريب (رقم 2673):(مستورٌ) ولذا
وقد أعلَّ الحديث أبو حاتمٍ في المراسيل (244) فقال: (يحيى عن المقدام مرسلٌ) وتبعه المزيُّ في التهذيب (31/ 249) والعلائيُّ في جامع التحصيل (300) وابن حجرٍ في التهذيب (11/ 191) مع تحسين ابن حجرٍ في الفتح (9/ 528) ، ومع هذا فقد وقع الحديث في مسند أحمدَ ومستدرك الحاكم مصرِّحًا يحيى بالسّماعِ من المقدام، وهذا ما حمَلَ الشيخ الألبانيّ رحمه الله أن يصحّح الحديث ويقول:(قول ابن أبي حاتمٍ ومن تبعه غير مسلّم، وكأنّه قائمٌ على عدم الاِطلاع على هذا الإسناد الصحيح المصرّح بسماعه منه، والله أعلم) إرواء الغليل (7/ 42) ، ولكن يبقى أن بين يدينا تصريحًا بالسماع في نسخةٍ -الله أعلم- من ناسخُها؟ ، بمقابل كلام أئمةٍ جهابذةٍ تتابعوا على نفي السماع ولا معارضَ لهم، وهذا ما أشار إليه الشيخ مقبلٌ الوادعيُّ رحمه الله في كتابه (أحاديث معلَّة ظاهرها الصحة ص 369) حيث قال:(والتصريح ههنا بالسّماع لا يعتمد عليه؛ إذ يحتمل أنّه وقع في الكتاب تصحيفٌ أو وَهَمٌ من بعض الرواة، وجزمُ الحفاظ بأنّ فلانًا لم يسمع من فلان ولم يعارضهم من يُثبِت سماعَه مقدّم على التصريح بالسماع في نسخةٍ غير مسموعةٍ لنا، والله أعلم) ولكن التصريح وقع في كتابين، والذي يظهر أنَّ الحديث حسنٌ؛ لمكان الطريق المتقدم -وهو صالحٌ للمتابعات- والله أعلم.
(1)
تحفة الأبرار (1/ 68).
كما في الحديث: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم، ألا فضيِّقوا مجاريه بالجوع» (1)، فإذا سُدّ مجاريه لم يدخل فيه، فلم يكن سببٌ للعصيان، الذي هو سبب دخول النِّيران.
«والصدقة» أي: نفلها؛ لأنّ فرضها ذُكِر قبلُ، «تُطفِئُ» [أي: ] (2) تمحو، «الخطيئةَ» أي: الصغيرة المتعلِّقة بحق الله، أما الكبيرةُ فلا يمحوها إلا التوبة، وأما حقُّ الآدميّ فلا يمحوه إلا رضى صاحبه، «كما يطفئُ المَاءُ النَّارَ» إنَّ الحسنات يذهبن السيئات.
قال الطّوفيُّ: (وإنّما استعار لفظ الإطفاء لمقابلةٍ (3)؛ لأنّ الخطيئةَ يترتب عليها العقابُ الذي هو أثر الغضب، والغضبُ يستعمل فيه الإطفاء، يقال: طفئَ غضبُ فلان، وانطفأ غضبه؛ لأنه في الشَّاهد (4): ثوَران (5) دم القلب عن غلبة الحرارة.
(1) أصل الحديث -بدون قوله «فضيّقوا مجاريه
…
» - في صحيح البخاريّ، كتاب الاعتكاف، باب هل يدرأ المعتكف عن نفسه (2039). وفي صحيح مسلم كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليًا بامرأة
…
(2174). كلاهما من حديث صفيّة رضي الله عنها. وورد في البخاريّ بلفظي: (من الإنسان) و (من ابن آدم) بينما في صحيح مسلمٍ اللفظ الأوَّل فقط.
وأما زيادة «فضيِّقوا مجاريه» فقد قال الشيخ الألباني رحمه الله: (قد ذكره -[أي: الحديث]- ابنُ تيمية في مكان آخر من رسالته في (الصيام)(ص 75) بزيادة: (فضيّقوا مجاريه بالجوع والصوم)، ولا أصل لها في شيء من كتب السنة التي وقفت عليها، وإنما هي في "كتاب الإحياء " للغزالي فقط، كما نبّهت عليه في التعليق على الرسالة المذكورة). سلسلة الأحاديث الضعيفة (3/ 79).
(2)
ما بين معقوفتين زيادةٌ من (ب).
(3)
في المصدر قول الطوفي: : (وإنما استعار لفظ الإطفاء بمقابلته بقوله: "كما يطفئ الماء النار"). التعيين في شرح الأربعين (1/ 222) ، والمقابلة من المحسنات المعنوية في علم البديع عند البلاغيين، وهو: أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بمقابل ذلك على الترتيب. انظر: دروس البلاغة (107).
(4)
أي: في المشاهد بين الآدميّين.
(5)
في الأصل: (توارن) والمثبت من (ب) والذي في التعيين: (فوَران).
قال: وخَصَّ الصدقةَ بذلك لتعدّيْ نفعِها، وهي: إحسانٌ إلى الخَلق، وهم عيال الله (1)، والإحسانُ إلى العيالِ يُطْفِئُ عادَةً غضبَ صاحبها، وسبب إطفاء الماءِ النَّارَ: أنَّ بينهما غايةَ التضادِّ؛ إذِ النَّارُ حارّةٌ يابسةٌ، والماء باردٌ رطْبٌ، فقد ضادَّها بكيفيَّتيه جميعًا، والضِّدُّ يدفع الضدَّ ويعدِمه) (2).
وقال الطيبيُّ: قوله: «الصَّدقة تُطفِئُ الخطيئة» : أصله تُذهِب الخطيئة كقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (3) ثمَّ في الدّرجة الثانية تمحو الخطيئةَ؛ لخبر: «أتبِعِ السيئةَ الحسنة تمحُها» (4)، أي: السّيئة المثبتة في صحيفة الكرام الكاتبين، وإنما قدَّرت
(1) أي: يعولهم ويرزقهم وينفقُ عليهم، ووردَ في مثل هذا أثرٌ لكنَّه ضعيفٌ جدًّا. انظر: مرقاة المفاتيح (8/ 3130).
(2)
التعيين (222).
(3)
سورة هود (114).
(4)
الحديث أخرجه الترمذيّ في أبواب البرّ والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس (1987) وأحمد (35/ 284) كلاهما من طريق سفيان الثوري عن حبيب عن ميمون بن أبي شبيب عن أبي ذرّ رضي الله عنه مرفوعًا. وأخرجا أيضًا عن ميمون عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعًا. وقال الترمذيّ:(حديث حسن صحيح). وأشار النوويّ في الأربعين أنَّ النسخ اختلفت في حكم الترمذي هل قال حسن، أو قال حسن صحيح؟ وذكر ابن رجبٍ أن الترمذيَّ حسنه، وأنّ (ما وقع في بعض النسخ من تصحيحه بعيدٌ). جامع العلوم والحكم (292). وقال ابن حجر في ترجمة ميمون:(وصحح له الترمذي روايته عن أبي ذرّ، لكن في بعض النسخ وفي أكثرها قال حسن فقط) التهذيب (10/ 389). وعلة الحديث الانقطاع بين ميمون بن أبي شبيب وبين أبي ذرّ رضي الله عنه، وقد نصّ جمع من الأئمَّة أن روايته عن أبي ذرّ غير متصلة منهم: الفلاس، وأبو حاتمٍ نفى روايته عن أبي ذرّ وعائشة، وأبو داود قال: لم يدرك عائشة، فكونه لم يدركْ مُعاذًا من طريق الأَولى. انظر: جامع العلوم (292). وفيه أيضًا الاختلاف في الوصل والإرسال وقد رجّح الدارقطني الإرسال فيه. العلل (6/ 72). وأما حديث معاذٍ ففي المسند (35/ 284) أنّ وكيعًا قال: (وقال سفيان، مرة: عن معاذ، فوجدت في كتابي: عن أبي ذر وهو السماع الأول). وقال الترمذيّ بعد روايته للوجهين: (قال محمود: والصحيح حديث أبي ذر). ومحمود هو ابن غيلان شيخه، ولكن يبقى الحديث ضعيفًا لعلة الانقطاع السابقة ..
الصحيفة بقرينة (تمحو)، ثم في الدرجة الثالثة تطفئ الخطيئة لمقام الحكاية عن المباعدة عن النّار، فلمَّا وضع الخطيئة موضع النَّار على الاستعارة (1) المكنيَّة (2) أَثبَتَ لها على الاستعارة التخييليّةِ ما يلازم النّار من الإطفاء ليكون قرينةً مانعةً لها من إرادة الحقيقة [من الخطيئة](3).
وأمَّا {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} (4) فمن إطلاق اسم المسبَّب على السّبب (5)، وأمَّا معنى إذهابِ السَّيئةِ بالحسنة: إذا كانت بين العبد وربِّه فظاهرٌ، وأمَّا إذا
(1) الاستعارة: استعمال اللّفظ في غير ما وضع له لعلاقة (المشابهة) بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه، مع (قرينةٍ) صارفة عن إرادة المعنى الأصليّ كقولك: رأيت أسدًا في المدرسة، فكلّ مجاز يبنى على التشبيه (يسمى استعارةً)، وهي تنقسم بحسب ما يذكر من الطرفين إلى قسمين: تصريحيّة، وهو ما يذكر في الكلام لفظ المشبّه به فقط مثل: رأيت أسدًا يخطب، وإذا ذكر في الكلام لفظ المشبّه فقط، وحذف فيه المشبه به، وأشير إليه بذكر لازمه: المسمى «تخييلًا» فاستعارة مكنيّة أو بالكناية، و (الاستعارة التخييلية) قرينة المكنيّة، فهي لازمةٌ لا تفارقها، لأنه لا استعارة بدون قرينة، وإذًا تكون أنواع الاستعارة ثلاثة: تصريحيّةً، ومكنيّةً، وتخييليّةً. انظر: عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح (2/ 159) وجواهر البلاغة (261).
(2)
الاستعارة المكنيّة: أي: مخفى فيها لفظ المشبّه به، استغناءً بذكر شيءٍ من لوازمه - فلم يذكر فيها من أركان التشبيه، سوى المشبه، ولا بدّ لها من قرينة، وهو المسمى (بالتخييلية) كما سبق. نهاية الأرب في فنون الأدب (7/ 55) وجواهر البلاغة (ص: 260).
(3)
ما بين معقوفتين زيادة من نسخة (ب) ، وهو الموافق لما في المصدر.
(4)
سورة النساء: (10).
(5)
وهذا ما يسمَّى بـ (المجاز المرسل) كما ذكر البلاغيون وهو: ما بينه وبين موضوعه علاقة غير المشابهة، وإنما سمّي مرسلًا؛ لأنه أرسل عن دعوى الاتحاد المعتبرة في الاستعارة، إذ ليست العلاقة بين المعنيين المشابهة حتى يدعى اتحادهما، وعلاقة المجاز المرسل معناها: أن يكون هناك تلازم وترابط يجمع بين المعنيين، وهذه العلاقات كثيرة أشهرها ما يلي: علاقة السببية، وهو أن يكون المعنى الموضوع له اللفظ المذكور سببًا في المعنى المراد فيطلق السبب على المسبب، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح (2/ 130).
كانت بينه وبين عبد فإنَّه إذا عمل حسنةً تُدفع تلك الحسنة يوم القيامة إلى خصمه عوضًا عن مظلمته.
/ [119/أ] فإن قلت: هل يلزم على هذا التقدير أن تكون (1) الصدقة أقوى حالًا في المباعدة من النار؛ لأن الجُنّة -وهي الترس- دون إطفاء النار، قلت: العكس أولى؛ لأن الجُنّة مانعة من صدور الخطيئة التي هي سبب النار، والصدقة لا تمنع، وإنما تطفئ الخطيئةَ الحاصلةَ) (2).
«وصلاة الرَّجُل» خَصَّه لا لإخراج الأنثى، بل لأنَّ الرجال هم المخاطَبون، والخير فيهم أغلب، «من جَوْفِ اللَّيْل» أي: في أثنائه، فـ (من) بمعنى (في)، وحروف الصّفات (3) تتناوَبُ (4)، أو لابتداء الغاية فيكون مبتدأ الصلاة جوفه، أو تبعيضية أي: وصلاته في بعض جوف الليل كذلك، [أي: تطفئ] (5) الخطيئة كالصدقة، بدليل رواية أحمد:«والصدقة (6) وقيام العبد في جوف الليل يُكفِّرُ» (7) أي: الخطيئة، وهذا ما
(1) في الأصل: (يكون) بالياء، والمثبت من (ب).
(2)
الكاشف عن حقائق السنن (2/ 486).
(3)
في شرح المفصل لابن يعيش (3/ 85): (ويريد أهل الكوفة بحروف الصفات حروف الجر، لإجراء حروف الجرِّ مجرى الظروف).
(4)
قال ابن السَّرَّاج (ت 316 هـ) في الأصول في النحو (1/ 414): (واعلم: أن العرب تتَّسع فيها فتقيم بعضها مقام بعضٍ إذا تقاربت المعاني)، وقال عبَّاس حسن في النحو الوافي (2/ 537 - 540):(تردد بين النحاة: "أنَّ حروفَ الجر ينوبُ بعضها عن بعض" فيتوهَّم من لا دراية له أنَّ المراد هو: جواز وضع حرف جرٍّ مكان آخرَ بغير ضابط، وهذا ضرب من الفهم المتغلغل في الخطأ؛ إذ يؤدي إلى إفساد المعاني، والقضاء على الغرض من اللغة) ثمَّ ذكر أنَّ في مسألة التناوبِ مذهبين: الأوَّل أنَّه ليس لحرف الجرِّ إلَّا معنىً واحدٌ أصليٌّ يؤدِّيه على سبيل الحقيقة، وهو مذهب البصريين، وتابعهم شيخ الإسلام في أصول التفسير (ص: 18) الثاني: أنَّ قصر حرف الجرِّ على معنى حقيقيٍّ واحد، تعسّفٌ وتحكُّمٌ لا مسوغَ له) وهو مذهب الكوفيين.
(5)
ما بين معقوفتين زيادةٌ من (ب).
(6)
في الأصل: (والضدّ) والمثبت من (ب).
(7)
مسند أحمد (36/ 387).
استظهره البيضاويّ حيث قال (1): «صلاةُ الرجل» مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: صلاته في جوف الليل كذلك، أي: تطفئ الخطيئة، أو هي مِن أبواب الخير، قال: والأول أظهر؛ لاستشهاده عليه السلام بالآية الآتية، وهي متضمّنةٌ للصلاة والإنفاق.
قال الطيبيُّ: (ويعضده تقييدُ القرينتين السابقتين-أعني الصدقةَ والصومَ- بفائدتين زائدتين: وهي الجُنّة وإطفاءُ الخطيئة؛ لأنّ الظاهرَ أن يقال: أبوابُ الخير: الصوم والصدقة لا غيرُ (2)، وصلاة الرجل في جوف الليل، فلمَّا قيدتا بهما يجب أن يقيَّد هذا بما يناسب، كما قدّره القاضي (3)، قال (4): والأظهر أن يقدّرَ الخير (5): (شعارُ الصَّالحين)، كما في جامع الأصول (6)(7).
(1) تحفة الأبرار (1/ 68).
(2)
استخدم الشارح رحمه الله لفظ (لا غيرُ) مع أن ابن هشامٍ صرّح في مغني اللبيب (ص 209) بأنَّه لحن، كذا قال هذا مع استعماله لها رحمه الله في نفس كتابه المغني (ص 497)! وقد بالغ في الإنكار على مرتكبه في شرح شذور الذهب (138) مع استعماله رحمه الله لها في موضعين من الشرح نفسِه، وقال الفيروزآبادى:(وقيل قولهم: (لا غيرُ) لحنٌ، وهو غير جيّدٍ؛ لأنَّه مسموعٌ في قول الشاعر:
جوابًا به تنجو اعتمد فوربّنا
…
لعنْ عملٍ أسلفت لا غيرُ تسأل
وقد احتج به ابن مالك في باب القسم من شرح التسهيل). القاموس (422). وانظر: شرح التسهيل (3/ 209)، والتصريح على التوضيح (1/ 718)، وتاج العروس (13/ 284).
(3)
تحفة الأبرار (1/ 68).
(4)
أي: الطيبي، وقد نسب ملّا علي القاري في مرقاة المفاتيح (1/ 105) وصاحب تحفة الأحوذي (7/ 304) -نقلًا عن القاري- الكلامَ إلى القاضي البيضاوي، ولعلّ السبب أن الطّيبي حكى كلام القاضي الأول، ثم عقّب عليه بما استظهره هو، فظُنّ أن الكلام كلّه للقاضي، رحم الله الجميع.
(5)
كذا في الأصل: (الخير) بالياء المثناة التحتانية، وفي ب:(أن يقيَّد شعار الصالحين).
(6)
جامع الأصول (9/ 534) وجعل ابن الأثير لفظ: «وصلاة الرجل في جوف الليل شعارُ الصالحين» من حديثِ معاذٍ، ونسبه للترمذيّ، لكن هذا اللفظ ليس في نسخ الترمذي التي وقفت عليها، ولم أقف له على تخريجٍ، ولعلَّ هذا هو سرُّ نسبة الطِّيبيِّ الحديثَ إلى (جامع الأصول)، لا إلى (جامع الترمذيّ)، والله أعلم.
(7)
قال السيوطيّ في قوت المغتذي (2/ 639): (وعندي أن يعرب (الصومُ) خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي: هي الصوم، أو مبتدأ خبره محذوف، أي: منها الصوم، والصدقة، وصلاة الرجل كلاهما عطف عليه).
ويفيد فائدةً مطلوبةً زائدةً على القرينتين، وهي: أنهما كما أفادتا المباعدة عن النار، فتفيدُ هذه الإدخالَ في الجنَّة، ويتمُّ استشهاد الآية؛ (1) لأنّ قرة العين كنايةٌ عن السرور والفوز التامِّ، وهو مباعدة النار ودخول الجنة، كما قال تعالى:{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ} (2) الآية. انتهى (3).
واعلم أنَّ التّنفلَ باللَّيل أفضلُ منه بالنَّهار، لتوفّر الخشوع فيه أكثر (4)، ثمّ هي فيه بعد النوم أفضل، ويحصل فضل قيامه بركعتين.
«ثم تلا» أي: قرأ المصطفى صلى الله عليه وسلم احتجاجًا على فضل صلاة الليل، ومدحًا لفاعل ذلك: «قوله تعالى {تَتَجَافَى} أي: تتنحَّى وترتفع، {جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}
…
جمعُ مَضجَع بفتح الِجيمِ (5)، أي: محلَّ الاِضطجاع للنَّوم / [119/ب] «حتى بلغ: {يَعْمَلُونَ} (6)؛ لأنَّه ثناءٌ عليهم بهجرِ النوم، وارتكابِ مشقَّة السَّهر، والإنفاقِ مما رزقهم الله الدّالّ عليه: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا
(1) كذا في الأصل، وفي (ب): ويتمّ الاستشهاد بالجنَّة، والذي في المصدر:(ويتمُّ الاستشهاد بالآية).
(2)
سورة آل عمران: (185).
(3)
الكاشف عن حقائق السنن (2/ 486).
(4)
وفي (ب): أفضل.
(5)
وفي (ب): بفتح الميم، قال الفيروزآبادي:(والمضجَع كمقعد: موضعُه). القاموس المحيط (740).
(6)
في (ب) الآية.
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (1) المترتّب عليه ما دلَّ عليه: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (2).
والجُمهورُ أنّ ما في الآية كنايةٌ عن كثرة النفلِ بالليل، فإنهم أخفوا أعمالهم، فجُوزُوا بما أخفيَ لهم من قُرَّة الأعْيُن (3)، وإنما يتمُّ إخفاؤه بالصلاة (4) في جوف الليل، فما قيل من أنَّه كناية عن صلاةٍ بين العشاءين يردُّه ظاهرُ هذا الحديث (5).
«ألا أُخبركَ» حثٌّ وتحريضٌ على الإصغاء لما يلقيه إليه.
«برأسِ الأمْرِ» أي: الدِّين أو العبادة أو الأمر الذي سأل عنه.
«وعَمودِهِ» الذي (6): يقوم به، ويعتمد عليه كعمود القُسطاط (7).
«وذِروة» بتثليث الذَّال المعجمة، ومن اقتصر كالطوفِّي (8) والطيبيِّ (9) على الفتح
(1) سورة السجدة (16).
(2)
سورة السجدة (17).
(3)
في (ب): أعين.
(4)
كذا في النسختين، ولعلَّ الأقرب:(وإنما يتمُّ إخفاؤه الصلاة في جوف الليل) أو نحو هذا.
(5)
قال ابن كثير في تفسير الآية: (يعني بذلك: قيام اللّيل، وترك النّوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة. قال مجاهدٌ والحسنُ في قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ} يعني بذلك: قيام الليل. وعن أنس، وعكرمة، ومحمّد بن المنكدر، وأبي حازم، وقتادة: هو الصلاة بين العشاءين، وعن أنس أيضا: هو انتظار صلاة العتمة، رواه ابن جريرٍ بإسنادٍ جيدٍ). تفسير القرآن العظيم (6/ 363).
(6)
في (ب): أي ما يقوم به.
(7)
في الأصل: (القسطاط) ، بالقاف، وفي (ب) بالفاء، قال في مجمع بحار الأنوار (4/ 269)(القسطاط، وهو الفسطاط). وفي لسان العرب (7/ 371)، وتاج العروس (16/ 336): ضرب من الأبنية، وفيه لغات منها: الفُسطاس.
(8)
التعيين (220).
(9)
الكاشف عن حقائق السنن (2/ 487).
والضمّ فغير مصيبٍ، فإن أريد الأفصح فالكسر فقط (1).
«سَنَامِه» : بفتح السِّين المهملة، أي: أعلاه، شوّقه به لمعرفة ذلك ليُقبِلَ عليه بشراشِرِه (2) ويصغي إليه بكلِّيته.
«قلت: بلى يا رسول الله أَخْبِرنِي، قال: رأسُ الأمرِ الإِسْلامُ» أي: النطق بالشهادتين، كما جاء مفسّرًا بهما في رواية أحمد (3)، فهو من جميع الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه، وعدم بقائه بدونه، فلا أثر لجميع أمور الدين بدونه، كحياة الحيوان بدون رأسه، فما لم يقرّ المكلَّف بكلمتي الشهادة فلا شيء له من الدِّين أصلًا، وإذا أقرّ بهما حصل له أصل الدّين لكن ليس له قوّةٌ وكمالٌ، كالبيت الذي لا عَمود له،
(1) الذي يظهر أنّ وجه الفتح لم ينُصُّوا عليه، بل عامّة من رأيته قد اقتصر على الكسر والضمّ، كابن مالكٍ في إكمال الإعلام بتثليث الكلام (1/ 229) قال:(والذِّروة بالضمّ والكسر: أعلى كلّ شيء). واقتصر عليهما أيضًا: صاحب القاموس (1181). ولكن ذكر الزبيديّ في تاج العروس (38/ 87) قوله: (وروى التقيّ الشمنّيّ في شرح الشفاء أنه يُثلَّث). والتقيُّ الشمنّيُّ توفِّي سنة (872 هـ) ولو وجد الزبيديُّ من قبل التقيِّ لنصّ عليه، وقال الهيتمي في الفتح المبين (485):(قيل: والقياس جواز فتحه أيضًا)، ولذا لم يجزمها ملّا القاري في شرح الشفاء (2/ 62) لأنه لمَّا ذكر الكسر والضمّ قال:(ويحكى فتحها). والعجيب أنّ الشارح المناويّ نفسه رحمه الله اقتصر على هذين الوجهين فقط في التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 18).
(2)
الشَّراشر: النفس، يقال: ألقى عليه شراشِره، أي: نفسه، حرصًا ومحبّةً. تاج العروس (12/ 159).
(3)
في مسند أحمد (36/ 434) من حديث شهر بن حوشب عن ابن غَنْم عن معاذ بن جبلٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن شئت حدَّثتك يا معاذُ برأسِ هذا الأمر، وقوامِ هذا الأمْر، وذروةِ السَّنام، فقال معاذ: بلى بأبي وأمّي أنت يا نبيَّ الله فحدّثني، فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ رأس هذا الأمْر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وإنَّ قوام هذا الأمْر: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة
…
». وسيأتي تخريجها في آخر الحديث إن شاء الله.
فإذا صلَّى وداوم عليَّ (1) قويَ دِينه، لكن لم يكن له رفعةٌ وكمالٌ، فإذا جاهد حصل لدينه الرِّفعة والكمال، فلذلك قال:«وعَمُوده» أي: قوامه الذي يقوم به ويظهر عليه، «الصَّلاةُ» فإنها المقيمة لمنار الإسلام، كما أن العمود هو الذي يقيم البيت، فهي العملُ الدائمُ الفارقُ بين المؤمن والكافر، المشتملةُ على ما لم يشتمل عليه غيرها من القربات، كيف وهي طُهرةٌ للقلوب، واستفتاح لأبواب الغيوب (2)؟ ! .
«وذروة سنامه الجهادُ» ؛ لأنه [مقرون بالهداية](3) بدليل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (4) فهو أعلى أنواع العبادة من حيث صعوبُتُه / [120/أ] على النفوس أكثر من جميع الأعمال، وإنَّ به أُعليَ (5) كلمة الله ونصرةُ أوليائه وقهرُ أعدائه وحماية بيضة الإسلام، وليس ذلك لغيره من العبادات، فهو من هذه الجهة أفضل، وإنْ فَضَله غيره من الفروض من جهاتٍ أُخَر.
والعبادة قد تكون فاضلةً ومفضولةً باعتبارين، كما يصير فرض الكفايةِ في بعض الأحوال فرضَ عينٍ، ألا ترى إلى قول ابن الزملكاني (6) كغيره (7): (قد يعرِض للمفضول ما يكسبه على غيره فضلًا، وليفصَّل ذلك لِيتّخذ أصلًا: فإن العبادة تفضل تارةً بحسَب
(1) كذا في الأصل (عليَّ)، ولعلَّ الصواب:(عليها) ، والنصّ ساقطٌ من (ب).
(2)
قوله رحمه الله: (استفتاح لأبواب الغيوب) فيه نظر؛ فالغيب من خصائص علوم الله تبارك وتعالى.
(3)
في الأصل: (مقرنٌ بالهادية)، والمثبت من (ب).
(4)
سورة العنكبوت: (69).
(5)
في (ب): إعلاء.
(6)
الزَّمْلَكاني: بفتح الزاي وسكون الميم وفتح اللام والكاف وفي آخرها نون، هو: محمد بن علي ابن عبد الله كمال الدين ابن الزملكاني الأنصاري الدمشقي، الشيخ الإمام العلامة رئيس القضاة في وقته، ذو الفنون كبير الشافعية في عصره؛ طلب الحديث وقرأه، وكان فصيحاً بصيراً بالمذهب وأصوله، قويَّ العربية، تفقَّه ثمّ أفتى وله نيّف وعشرون سنة، وكان يضرب بذكائه المثل، وشرح قطعة جيدة من " المنهاج " للنووي. توفي (727 هـ) انظر: اللباب في تهذيب الأنساب (2/ 75) ، وفوات الوفيات (4/ 8) ..
(7)
في الأصل: (كغير) بلا هاء.
زمانها، وأخرى بحسَب مكانها، وطورًا بحسَب حال المتَّصف بها، وآونةً بمقتضى سببها، ومرة تترجح بعموم الانتفاع، وأخرى بوقوعها في بعض الأزمنة الفاضلة أو البقاع (1)) (2).
قال المظهِرُ: (وإنما خصَّ الشّهادة والصّلاة ولم يذكر الزكاة والصوم والحج؛ لأنَّه ذكر الأركان الخمسة في أوّل الحديث، وأعاد هنا ذكر ما هو الأقوى منها تعظيمًا لشأنهما؛ لأنهما يتكرَّران في كلّ يومٍ وليلةٍ، بخلاف الزكاة والصوم ففي كلِّ سنة، والحجّ لا يتكرَّر، وزاد الجهادَ وبيَّن أن به رفعةَ الدين؛ تحريضًا للناس عليه لكراهة النّفوس له)(3).
قال الطيبيُّ: (وإنما خصَّ هذه القرينة بالباء، والأولى بـ (على)، لأنَّ (4) هذه القرينة أجمعُ وأشملُ؛ لأنَّ المعنَى بأمرِ الدِّين (5)، وهو مشتملٌ على أبواب الخير، وعلى ما سبقه من نحو:«تعبد الله» إلخ.
ولهذا أكَّد بالباء في القرينة الثالثة الآتية، وأكدها بـ (كلِّه)؛ لكونها أجمع منها، وهذا الترقي ينبِّهُك على جواز الزيادة في الجواب، كما في قوله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (6) وهو (7) من الأسلوب الحكيم (8).
والسؤالُ ضربانِ: جَدَلِيٌّ وتعليميٌّ، وحق الأول: مطابقة الجواب من غير زيادة ولا
(1) في الأصل: (البقا) بدون عينٍ، والمثبت من (ب).
(2)
انظر في هذه القاعدة: قواعد الأحكام في مصالح الأنام لابن عبد السلام (1/ 88)، والفروق للقرافي (2/ 144)، والمنثور في القواعد للزركشي (3/ 40).
(3)
المفاتيح (1/ 126 - 127).
(4)
في (ب): (فإنَّ).
(5)
في النسختين: (بأمر الدِّين)، والمثبت في الكاشف:(بالأمر الدينُ).
(6)
سورة البقرة: (215).
(7)
في (ب): (وهذا من الأسلوب).
(8)
هو -كما عرفه السكّاكي- (تلقِّي المخاطَب بغير ما يترقَّب، أو السائل بغير ما يتطلَّب) انظر: مفتاح العلوم (327). وكان يسميه الجرجاني بالمغالطة. انظر: دلائل الإعجاز (138).
نقص، وحق الثاني: أن يتحرى المجيبُ الأصوبَ، كالطبيب الرفيق يتوخى ما فيه شفاء العليل طلبَه أم لا) (1).
وما ذكر من أنَّ سياق الحديث هكذا هو ما في بعض النسخ، وفي بعضها:«ألا أخبرك برأس الأمر وعَموده وذِروة سنامه: الجهاد» وهذه روايةٌ لابن ماجه (2).
وأما رواية الترمذي: [فذكر فيها الصلاة، كما في النسخة التي شرحتُ عليها، ولعلَّ المؤلف أثبت أوّلًا رواية ابن ماجه ثمّ ألحق ما في رواية الترمذيِّ](3) فلم يطَّلع على الإلحاق (4) من كَتب من النُّسخة الأولى فاختلفت النُّسخ (5).
ثم قال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: «ألَا أُخْبِرك بِمِلاكِ» بكسر الميم كما درجوا عليه / [120/ب]«ذلك كلِّه» أي: بما يملكه ويضبطه، أو بمقصوده وجِماعِه، أو بما يقوم به؛ بمعنى: أنَّه إذا وجد كانت تلك الأعمال كلها على غايةٍ من الكمال، ونهايةٍ من صفاء الأحوال؛ لأنَّ الجهادَ وغيره من أعمال الطاعات غنيمةٌ، وكفُّ اللسان عن المحارم سلامةٌ، والسلامة في نظر العقلاء مقدَّمةٌ على الغنيمة! .
قال التُّورِبِشْتِيُّ: (مِلاك الأمر قوامه وما يتمُّ به، ولهذا يقال: القلب مِلاك
(1) الكاشف عن حقائق السنن (2/ 487).
(2)
سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب كفّ اللسان في الفتنة (2/ 1314، رقم 3973).
(3)
ما بين معقوفتين زيادة من نسخة (ب).
(4)
الإلحاق: إضافة ما سقط غلطًا من أصل الكتاب، ولهم طرقٌ في إضافته وتصحيحه، انظر: الإلماع للقاضي عياض (162) فتح المغيث (3/ 87).
(5)
جاء في هامش نسخة الأصل ما يأتي: (فائدة: قال الشيخ ابن حجر في شرحه: واعلم: أنَّه صحَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم سئل: أيُّ الأعمال أفضلُ؟ فقال تارةً: الصلاة لأول وقتها، وتارةً: الجهاد، وتارة: بر الوالدين، وحمل على اختلاف أحوال السائلين، فأجاب كُلًّا بما هو الأفضل بالنسبة لحاله، وأما الأفضل على الإطلاق بعد الشهادتين فهو الصلاة عندنا؛ فنفلها أفضل النوافل، وفرضها أفضل الفروض؛ لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة خير موضوع» ، وفي رواية صحيحة أيضًا: «اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» ، انتهى المقصود منه). والكلام هذا في الفتح المبين (487).
الجسد) (1).
وقال البيضاويُّ: (مِلاك الشيء أصله ومبناه (2) ، وأصله ما يُملك به كالنظام) (3).
وقال المظهِرُ: (بأنَّه (4) إحكام الشيء وتقويته من مَلَكَ العَجِين إذا أحسن عجنه وبالغ فيه، وأهل اللّغة يكسرون الميم ويفتحونها، والرواية بكسر الميم فقط (5)) (6). انتهى.
ولم يتفطَّن لذلك الشارح الهيثمي (7) فضبطه [هنا](8) بفتح الميم وكسرها (9).
«قلت: بلى يا رسول الله، أخبْرني، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانه» أي: أمسك لسانَ نفسِه بيده، الباء زائدةٌ، والضمير [راجع](10) إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
«ثم قال: كُفَّ عليك هذا» أي: كُفَّ عنك لسانك، فوضع (على) موضع (عن)، أو ضَمَّن (كُفَّ) بمعنى احبس (11)، أي: احبس عليك لسانك لا يصول عليك
(1) الكاشف عن حقائق السنن (2/ 487).
(2)
في (ب): (ومنتهاه).
(3)
تحفة الأبرار (1/ 69).
(4)
في (ب): ما به إحكام الشيء.
(5)
وبنحوه قال في تحفة الأحوذي (7/ 305).
(6)
المفاتيح (1/ 127).
(7)
وقع في النسختين: (الهيثمي) بالثاء المثلثة، والمشهور هو الهيتمي بالتاء المثناة الفوقانية، نسبة إلى محلة أبي الهيتم، قرية من أعمال مصر الغربية، وذكر الزبيدي أن الهيتم محلة أبي الهيثم -بالمثلثة- فغيرتها العامة، ثمّ ذكر بعد ذلك أن الهيتم لغة في الهيثم. تاج العروس (34/ 67 - 68).
(8)
ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(9)
الفتح المبين (480).
(10)
ما بين معقوفتين زيادةٌ من (ب).
(11)
تقدمت مسألة القول بالتضمين وتناوب الحروف في هامش ص (102).
بكلامٍ يؤذي.
وفي الحكمة: لسانُك أسَدُك، إن أطلقته فرسَك، وإن أمسكته حرسَك، وكان الصدِّيق رضي الله عنه:«يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد» (1)، ذكره بعض الشارحين (2).
وقال البيضاويُّ: (قوله: «كُفَّ عليك» أي: كُفَّ لسانك، فلا تتكلَّم بما لا يعنيك؛ فإنَّ من كثُر كلامُه كثر سَقَطُه، ومن كثر سَقَطُه كثرت ذنوبه، ولكثرة الكلام (3) مفاسدُ لا تحصى، أو: لا تتكلَّم بما (4) يهجس في نفسك من الوساوس، فإنك غير مأخوذٍ به ما لم يظهر؛ لخبر:«إن الله تعالى تجاوز لأمَّتي ما وسوستْ صدورها ما لم تقُل (5) أو تتكلَّم» (6) أو: لا تتفوَّه - بما ستره الله عليك؛ فإن التوبةَ عنه أرجَى قَبولًا، والعفوَ عنه أرجى وقوعًا) (7).
وقال الطُّوفي: قوله: (كُفَّ) يجوز كونُه عامًّا خُصَّ بكلام الخيرِ؛ بدليل حديث:
(1) أثر أبي بكر الصديق رضي الله عنه رواه مالك في الموطَّإ (2/ 586).
(2)
انظر هذا الكلام بنصِّه في التبيين في شرح الأربعين لابن جماعة (ص 168)، والجواهر البهيَّة في شرح الأربعين النوويَّة للشَّبشيريّ (ص 203). إلا أنَّ في التبيين:(لسانك أسيرك) ، ولعلَّه تصحيف.
(3)
وقع في تحفة الأبرار: (ولشره الكلام).
(4)
في نسخة الأصل: (بما لا يهجس)، وبحذف (لا) يستقيم المعنى، وهو على الصواب في نسخة (ب) والتحفة.
(5)
كذا وقع في النسختين، ولكنَّ الرواية:«ما لم تعمل أو تتكلم به» والقول والكلام واحد.
(6)
أخرجه البخاري في كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتق ونحوه، (2528). ومسلم في كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقرّ (202).
(7)
تحفة الأبرار (1/ 69).
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيرًا أو لِيصمتْ» (1) وكونُه مطلقًا: استُعمل (2) في الكفّ عن الشرِّ فلا يبقى له دلالةٌ على غيره (3)، ومنشؤهما / [121/أ] أنَّ الفعل يدلُّ على المصدر (4)، لكن هل يقدر مُعَرَّفًا فيعمُّ كاكففِ الكَفَّ، أو منكَّرًا فلا يعمُّ كاكففْ كفًّا، أو على أنَّ المصدر جنسٌ فيعمُّ، (5) أو لا فلا) (6).
وعدَل عن قوله: (كفّ لسانك) الأخصَر، وجمع بين إمساكه وقوله ذلك؛ لأن النفس بالحسيات آلف منها (7) بالعقليَّات؛ لتأخُّر زمن إدراكها عن إدراك تلك، فكان ذكر المعنى العقليِّ ثم تعقيبه بالتمثيل الحسِّيِّ أبلغ وأوقع في النفس، وأبعد عن الخفاء
(1) رواه البخاريّ في صحيحه كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، (8/ 11، رقم 6018)، ومسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب الحثّ على إكرام الجار والضيف (1/ 68، رقم 74).
(2)
في الأصل: (وكونه مطلقًا، وكونه مطلقًا استعمل
…
) والمثبت من (ب) ومن شرح الطّوفي.
(3)
لأنّ المطلق هو: (ما تناول واحدًا غيرَ معيَّن باعتبار حقيقة شاملةٍ لجنسه) فهو يصدق على الواحد. انظر: شرح الكوكب المنير (3/ 392).
(4)
لأن المصدر أصل المشتقَّات كلّها؛ لأنَّه يدلُّ على شيءٍ واحدٍ هو الحدث المجرَّد، فهو بسيط، والفعل يدلُّ-عند النحاة- على شيئين هما: الحدث والزمن، فهو مركَّب، والبسيط أصل المركَّب، وكون المصدر أصلًا للفعل وغيره من المشتقَّات هذا على قول البصريين وهو الراجح؛ لذا قال ابن مالك في الألفية:(وكونه أصلًا لهذين انتخِب). انظر: شرح ابن عقيل (1/ 507) ودليل السالك (1/ 337).
(5)
وكون المصدرِ من أسماء الأجناس مذكورٌ في كتب اللغة، قال ابن يعيش في شرح المفصل (2/ 238):(المصدر موحَّد لا يثنَّى، ولا يجمع؛ لأنَّه جنسٌ يدلُّ بلفظه على القليل والكثير، فاستغني عن تثنيته وجمعه). ولكن المشهور أنّ اسم الجنس مطلقٌ لا عامّ، فيقع على الواحد ولا يعمُّ، كما قال صاحب المراقي:
وما على الذّاتِ بلا قيدٍ يدلْ
…
فمطلقٌ، وباسمِ جنسٍ قد عُقلْ
انظر: نثر الورود (320).
(6)
التعيين (224).
(7)
قوله (منها) زيادة من (ب).
وأبدعُ في الظهور.
وقال حجَّةُ الإسلام: والمراد بكفِّ اللسان حفظه من الكذب، فلا ينطق به في جِدٍّ ولا هزلٍ؛ لأنه إن نطق به هزلًا تداعى إلى الجِدِّ، والخُلفِ في الوعد، والغِيبةِ -فإنها أشدُّ من ثلاثٍ وثلاثين زَنيَة (1) - والمراءِ والجدالِ والمنافسة وتزكيةِ النفس واللَّعنِ والدعاءِ
(1) لم أقف على ما يدلُّ على أنّ الغيبةَ أشدُّ من ثلاثٍ وثلاثين زَنية، تعم في الترغيب والترهيب لقوا السنة (3/ 138):(أنَّ الغيبة أشدّ من الزنا) لكنه ضعيف جدًّا، ولكن -لعلَّ الشارح تأوَّل والعلم عند الله- حديث سعيدِ بن زيدٍ رضي الله عنه عند أبي داود (4876) مرفوعًا:«إنّ أربى الرِّبا الاستطالة في عرض المسلم بغير حقّ» مع حديث عبد الله بن حنظلة: «درهم ربًا يأكله الرجل وهو يعلم أشدُّ من ستة وثلاثين زَنية» رواه أحمد (36/ 289) والدارقطني (3/ 403). وما دام أنّ أربى الربا عِرضُ الرجل المسلم، والرِّبا أشدُّ من ثلاثٍ وثلاثين زَنية: فالغِيبة من الاستطالة على عرض الرجل المسلم، فتكون أشدَّ من ثلاثٍ وثلاثين زَنية، لعلّ هذا قصده رحمه الله، والله تعالى أعلى وأعلم، إلّا أن حديث عبد الله بن حنظلة ليس مرفوعًا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم على الرَّاجح، بل هو من عبد الله بن حنظلةَ عن كعبٍ الأحبارِ من قوله، رجّح بذلك أبو حاتم في العلل (3/ 646) والدارقطني في السنن (3/ 403). وابن الجوزي لمَّا نقد الحديث سندًا نقده متنًا أيضًا فقال في الموضوعات (2/ 248):(واعلم أنَّ ممَّا يردُّ صحةَ هذه الأحاديث: أنَّ المعاصيَ إنَّما يعلم مقاديرُها بتأثيراتها، والزِّنا يفسد الأنساب، ويصرف الميراث إلى غير مستحِقِّيه، ويؤثِر من القبائحِ ما لا يوثر أكل لقمةٍ لا تتعدَّى ارتكاب نهْيٍ، فلا وجه لصحَّة هذا).
تنبيهٌ: كلمة (زَنية) -الواردة في الحديث السابقِ- بالفتح -لا غيرُ- في: إصلاح المنطق (325)، وبالفتح والعامة تكسرها في: أدب الكاتب (388)، والكسر والفتح لغتان في: الصحاح (6/ 2369)، والمصباح (87)، وأنكر الزَّجَّاج في المخاطبة التي جرت بينه وبين ثعلبٍ الكسر في رَشدة وزَنْية، وقال: هما بالفتح لا غير، انظر: معجم الأدباء (1/ 57) والكسر أفصح على اختيار ثعلبٍ في الفصيح (ص 103)، والزَّبيديّ في تاج العروس (8/ 96)، قال ابن المرحَّل المالَقِيُّ (ت 699 هـ) في مُوطَّأة الفصيح (ص 99)، في باب المكسور أوَّله من الأسماء:
نعم وَليْ في آل زيدٍ بِغيهْ
…
وولَدٌ
…
لرِشدةٍ، وزِنيهْ
وإن تقل: لـ (غَيَّةٍ) فتفتحُ
…
والإحنةُ الشحناءُ حين تشرحُ
وولد رِشدة: أي: الحلال الذي وُلِدَ مِن نكاح، وولد زِنيةٍ وغَيّة: أي: مِن سِفاح. انظر: إسفار الفصيح (2/ 638).
على الخَلق والمزاح والسخريةِ والاستهزاء بالناس ونحو ذلك، وقال بعض الحكماء: لا شيءٌ أحَقُّ بالسِّجن من اللِّسان (1)، وقد جعله خلْفَ الشفتين والأسنان، ومع ذلك يكسِر القُفْلَ ويفتحُ الأبواب، وقال بعضهم: إن لم تملكْ فضلَ لسانك، ملك (2) الشيطان فضل عِنانك (3).
«قلتُ يَا نَبِيَّ اللهِ: وإنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكلَّمُ به؟ » استفهامُ استثباتٍ طلبًا لإيضاح الحُكْم، وتعجُّبٌ واستغرابٌ مُؤذِنٌ بأنَّه لم يكن يعلمُهُ أحرامٌ هو أم حلالٌ؟ .
وهذا لا ينافي إخبارَ المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنَّ: «معاذًا أعلمُ النَّاس بالحلال والحرام» (4)؛ لأن المراد بهما المعاملات الظاهرة بين الناس لا في معاملة العبد ربَّه، أو صار أعلمهم بعد ذلك (5). ذكره الطوفي (6).
والمؤاخذة أن يأخذَ أحدٌ أحدًا بذنبٍ.
«فقال» أي: نبيّ الله «ثَكِلتْكَ» أي: فقدتْك «أُمُّكَ» لفقدكَ إدراك المؤاخذة بذلك مع ظهورها.
قال القاضي: (هذا وأمثاله أشياءُ مزالةٌ عن أصلها إلى معنى التّعجّب وتعظيم الأمر)(7).
(1) في الزهد لابن أبي عاصم حديث (23): قال عبد الله بن مسعود: (والله الذي لا إله غيره ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان).
(2)
في (ب): (ملَّكت الشيطان).
(3)
لم أقف عليه.
(4)
تقدّم تخريج الحديث في ص (84).
(5)
الوجه الثَّاني أقوى -إن صحَّ الحديث-، والأوَّل ضعفه ظاهرٌ، على أنَّه لا يلزم من كونه:(أعلم) ألَّا يجهل شيئًا.
(6)
التعيين (224).
(7)
تحفة الأبرار (1/ 69).
وقال المظهِرُ وغيره: (هو في الأصل دعاءٌ بالموت، لكنَّه ليس مرادًا، بل جرى (1) على ألسنتهم في المحاورات للتأديب، والتنبيه من الغفلة، وللتحريض على الشيء والتهييج إليه، كـ «تربت يمينك» و «عقرَى حلقَى» و «لا أُمَّ لك، ولا أبَ لك» (2) و «لا درَّ درُّك» (3).
«وهل» : استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى النفي، أي: ما «يَكُبُّ» بضم الكاف، أي:[يُلقِيْ](4).
قال الطيبيُّ: / [121/ب] مضارع كبَّه بمعنى صرعه على وجهه [فأكبّ: سَقَطَ على وجهه](5)، وهذا من النوادر (6)(7)، فإنَّ ثلاثيَّهُ متعدٍّ، ورباعيَّهُ لازمٌ (8)(9).
(1) جاء في هامش نسخة الأصل: ) مما غلب جريانه على السنتهم في المحاورات؛ للتحريض على الشيء والتهييج إليه من غير إرادة حقيقة معناه من الدعاء على المخاطب بموته، حجر) والكلام في الفتح المبين بشرح الأربعين (490).
(2)
في صحيح مسلمٍ في كتاب كتاب البرِّ والصلة والآداب، باب من لعنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم (4/ 2009، رقم 2601) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:«اللَّهمَّ إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيُّما مؤمنٍ سببته، أو جلدْته، فاجعل ذلك كفارةً له يوم القيامة» .
(3)
لم أجد نصَّ هذا الكلام للمظهر رحمه الله، لكن في كتابه المفاتيح (1/ 128) قريب منه.
(4)
في الأصل: (يكفي) والمثبت من (ب) وهو الصواب.
(5)
ما بين معقوفين من (ب).
(6)
ووجه الندرة فيه هو كأنَّك قلت: أفعلت أنا، وفعلت غيري، فجعل همزة التعدية لنفسه، ودون همزة لغيره، وهو خلاف طريقة الأفعال، قال الزبيدي في تاج العروس (4/ 94):(وقال الزوزني: ولا نظير له، إلا قولهم: عرضته فأعرض، ولا ثالث لهما، واستدرك عليهم الشِّهاب الفيُّومي في خاتمة المصباحِ ألفاظاً غير هذين، لا يجري بعضها على القاعدة كما يظهر بالتأمل).
(7)
جاء في هامش نسخة الأصل: (أي: لتعدِّيه ثلاثيَّا، ككببت الشيء، وقصوره رباعيَّا كأكبَّ هو، حجر). وهو في الفتح المبين (490).
(8)
هذا هو المشهور، وقد نقل المجدُ في القاموسِ وجهًا آخر في الرُّباعيِّ متعدِّيًا، وقد كنتُ قبلًا أتعجَّب بما تفسير ابن كثيرٍ (7/ 28) نقلًا عن ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ عند قوله تعالى:{وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} أي: أكبَّه). انظر: القاموس المحيط (128).
(9)
الكاشف عن حقائق السنن (2/ 488).
«الناسُ» أي: أكثرُهم «في النَّارِ» نارِ جهنم، «على وُجُوهِهِم أو قال» -شكٌّ من الراوي- «عَلَى مَنَاخِرِهِم» جمع مَنخِر -بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وفتحها (1) -: ثُقبة الأنف.
«إلَّا حَصَائدُ (2) أَلْسِنَتهِمْ» أي: ما تكلَّمتْ به من الإثم، جمع حصيدة بمعنى محصودة، من حصد إذا قطع الزرع، وهو من إضافة اسم المفعول إلى فاعله أي: محصودات بالألسنة، شبّه ما تكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمِنجل (3)، فكما أنَّ المِنجلَ يقطَع ولا يميِّز بين الرطب واليابس والجيد والرديء، فكذا لسان بعض الناس يتكلم بكلّ نوعٍ من الكلام القبيح والحسن، ثم حُذف المشبَّهُ وأقيم المشبَّه به مقامه على سبيل الاستعارة المصرَّحة (4)، وجعل الإضافة قرينةً لها، والاستثناء مفرغ (5)؛
لأنّ في
(1) ذكر هنا لغتين، وذكر الفيروزآبادي أن الميم والخاء مثلثة، وأن فيها أيضًا لغتان: كـ (مجلس)، وكـ (ملمول). القاموس (447).
(2)
وقع في النسختين: (حصايد) بالياء، ويقول أهل اللغة: إذا وقع الواو أو الياء بعد ألف (مفاعلَ) فإنه يجب قلبهما إلى همزة، بشرط كونهما مدة زائدة ثالثة في المفرد، نحو: عجوز وعجائز، وصحيفة وصحائف، وهنا في:(حصائد) يوجبون الإبدال إلى الهمزة. انظر: شرح ابن عقيل (1/ 505)، ودليل السالك (2/ 435).
(3)
المِنجل: على وزن (مِنبر): حديدةٌ ذاتُ أسنانٍ يقضب بها الزرع. تاج العروس (30/ 457).
(4)
الاستعارة المصرَّحة أو التصريحيَّة: جعل الشيءِ الشيءَ مبالغةً في التشبيه، فتقول:(رأيت أسدًا) فجعلت الشجاع نفس الأسد. انظر: تحقيق الفوائد الغياثيَّة للكرماني (2/ 723).
(5)
الاستثناء المفرّغ هو: ما حذف من جملته المستثنى منه بشرط أن يسبقه نفي أو شبهه، مثل: ما قام إلا زيد، انظر: شرح ابن عقيل (1/ 549). وقد تقدّم في هذا الحديث استفهام وهو في معنى النفي: «وهل يكب الناس
…
» ولكنّ اشتراطَ سبقِه بنفيٍ أو شبهه هو قول الجمهور، وخالفهم ابن الحاجب وتبعه بعض المعاصرين؛ لوجود آياتٍ كثيرة في كتاب الله قرابة العشرين، ولم يسبقها نفيٌ ولا شبهه، وهي مؤوَّلةٌ عند الجمهور، انظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم (1/ 7)، -تحت مبحث: هل كان للنحويين استقراءٌ للقرآن في جميع رواياته؟ - ودليل السالك (1/ 374) ..
الاستفهام معنى النفي، والتقدير: لا يكبُّ الناسَ في النَّار شيء من الأشياء إلا حصائدُ ألسنتهم من الكلام القبيح كقذفٍ وشهادةِ زورٍ وشتمٍ وغيبة ونميمةٍ وبهتانٍ ونحوها، وهذا الحكم واردٌ على الأغلب والأكثر؛ لأنك إذا جرَّبت وفكَّرت لم تجد أحدًا حفظ لسانَه عن السوء ويصدُرَ منه شيءٌ يوجبُ دخوله النار إلّا نادرًا. ذكره الطيبيُّ (1).
وقال الطوفيُّ: (الحصرُ إضافيٌّ؛ إذ مِن النَّاسِ من يكبُّه في النار غيرُ كلامِه، فتخصيصُه: إما لكونه أبلغ ضررًا لتعدِّيه إلى الغير، أو خرج مخرج المبالغة تفظيعًا لشأنه، أو لأنَّ الأعمال يقارنها الكلام غالبًا، فله حصَّة في سببية الجزاء ثوابًا وعقابًا، وفي المثل يقول اللسان للقفا: كيف أصبحت؟ فيقول: بخيرٍ إن سلمتُ منك! )(2).
وفي الصحيحين: «أنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبيّن فيها يزلّ بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» (3). فحثّ على قلة الكلام.
وفي المعجم الكبير للطبرانيِّ والبيهقيّ في الشُّعب من حديث أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ارتقى ابن مسعود الصفا فأخذ بلسانه فقال: يا لسَان (4): قل خيرًا تغنم، واسكت عن شرّ تسلم، من قبل أن تندم، سمعت رسول الله صلى الله عليه
(1) الكاشف عن حقائق السنن (2/ 488).
(2)
التعيين (ص 225).
(3)
صحيح البخاري، كتاب الرَّقاق، باب حفظ اللسان (6477)، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار (2988). وفيهما:«العبد» بدل الرجل، وفي لفظ لمسلم:«ينزل» بدل: «يزلّ» .
(4)
في (ب): يا فلان.
وسلم يقول: «أكثر خطايا ابن آدم من لسانه» (1).
وذلك لأنَّه أكثر أعضاء الإنسان عملًا، وهو صغيرٌ جِرمُه، عظيم جُرمه (2)، فمن أطلق عَذَبَة (3) لسانه، / [122/أ] وأرسله مُرخَى العِنان، سلك به الشيطان في كلِّ ميدان، وساقه إلى شفا جرفٍ هار، إلى أن يضطرَّه إلى البَوار، ولا ينجي من شرّ اللسان إلا أن يُقيَّد بلجام الشرع.
وروى التِّرمذيُّ وابن خزيمةَ والبيهقيُّ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا: «إذا أصبح ابن آدم فإنَّ الأعضاء كلها تكفِّر (4) اللسانَ فتقول: اتق اللهَ فينا، فإنَّما نحن بك فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» (5).
(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير (10/ 197) والبيهقي في شعب الإيمان (7/ 16) من طريق أبي بكر النهشلي عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله به، قال أبو حاتم في العلل (5/ 51):(حديث باطل) وقال أبو نعيم: «غريب من حديث الأعمش، تفرد به عنه أبو بكر النهشلي» حلية الأولياء (4/ 107).
(2)
هذا ما يسمّى عند البلاغيين بالجِناس، انظر: عروس الأفراح (2/ 282)، والجِرم الأولى بالكسر: الجسد، والثانية بالضمِّ: أي: الذنب، كالجريمة. انظر: تاج العروس (31/ 402).
(3)
العذَبة بالتحريك: الطرف. تاج العروس (1/ 98).
(4)
في هامش نسخة الأصل: (تخضع). اهـ. وفي مجمع بحار الأنوار (4/ 417): تكفِّر اللسان، أي: تذلُّ وتخضَع، والتَّكفير: هو أن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسَه قريبًا من الركوع، كما يفعل من يريد تعظيم أحدٍ.
(5)
رواه الترمذيّ في أبواب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان (2407) والبيهقي في شعب الإيمان (7/ 23) كلاهما من طريق محمد بن موسى البصريّ عن حماد بن زيد عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه مرفوعًا، ومحمد بن موسى ضعفه أبو داود، وقال أبو حاتم شيخ، انظر: تهذيب التهذيب (9/ 482). وقد خولف في هذا الحديث فقد قال الترمذيّ: (وقد روى غير واحدٍ عن حماد بن زيد فلم يرفعوه) ثم أخرج طريق أبي أسامة عن حماد بن زيد ولم يرفعه، قال الترمذيّ:(هذا أصحّ)، فالحديث لم يصحّ مرفوعًا. ثمّ قال في فيض القدير (1/ 287):(ومع ذلك، إسناد الرفع جيّدٌ، لكنَّ الموقوفَ أجودُ والله أعلم). وقد حسّن الحديث الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير (351). والشارح عزى الحديث إلى ابن خزيمة، ولعلَّه تابع السيوطي في ذلك حيث رمز في الجامع الصغير إخراج ابن خزيمة له، ولكن لم أجده في المطبوع.
قال الغزاليُّ: (المعنى في ذلك: أن نطق اللسان يؤثِّر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخذلان، فاللسان أشدُّ الأعضاء جماحًا وطغيانًا، وأكثرها فسادًا وعُدوانًا، ويؤكّد هذا المعنى قول مالك (1) بن دينارٍ: إذا رأيت قسوةً في قلبك، ووهنًا في بدنك، وحرمانًا في رزقك، فاعلم أنَّك تكلَّمت فيما لا يعنيكَ) (2).
فإن قيل: ما ذكر في هذا الحديث: من أنَّ أعظم الخطايا في اللسان، وأنه إذا استقام استقامت الأعضاء، وإذا اعوجَّ اعوجَّت، يخالفه ما مرَّ في حديث: إنَّ في الجسد مضغةً إلى أن قال: «وهي القلب» (3)، قلنا: اللِّسانُ تَرجُمان القلبِ، وخليفته في ظاهر البدن، فإذا أُسند الأمرُ إليه فهو مجازٌ في الحكم، كقولك: شفى الطبيبُ المريضَ.
تتمَّة: قد كان السلفُ على غايةٍ من حفظ اللسان: قال الإمام ابن أبي جمرة (4): أخبرني بعض مشايخي عن بعض مشايخه: أنَّه كان قاعدًا (5) أحدُ أصحابه فأتاه ابنه من المكتب، فقال: حفظتُ لوحي، أقعد أو أمشي ألعب؟ فلم يجبه، فكرّره، فقال له صاحبه: ألا تقول له: يلعب، أليسَ اللَّعبُ (6) يُصْلح الصبيان؟ قال: ما أريد أن يكون
(1) في الأصل: (الملك بن دينار).
(2)
منهاج العابدين إلى جنَّة ربِّ العالمين (108 - 109).
(3)
أخرجه البخاريّ، في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (1/ 20، رقم 52). ومسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، (3/ 1219، رقم 1599).
(4)
هو عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جَمْرَة المالكيّ الأندلسي، صاحب "مختصر البخاري: جمع النهاية في بدء الخير وغايته، ثم شرح مختصره وسمَّاه (بهجة النفوس)، وقد انتفع الناس بهذا الشرح واستفاد منه شرَّاح البخاريِّ كثيرًا، وسمَّاه الحافظ في الفتح (1/ 24) بالإمام القدوة، ونقل عنه قرابة مائةٍ وخمسين نقلًا. توفِّي سنة (695 هـ) انظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول (2/ 211). الأعلام للزركلي (4/ 89).
(5)
في (ب): مع أحد.
(6)
في (ب): فإن اللعب.
في صحيفتي اذهب فالعب! ، فإن فعل لا أمنعه (1).
(رواه الترمذيُّ) في جامعه (وقال: حسنٌ صحيحٌ)(2) وفي سياقه زيادةٌ على المؤلِّف، ولفظه عن معاذ: «كنتُ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نَسيرُ، فقلت يا رسول الله: أخبرني بعمل يدخلني الجنة
…
» فذكره.
ورواه أيضًا أحمد (3) والنسائيُّ (4) وابن ماجه (5) كلهم من طريق أبي وائل عن معاذ مطوّلًا.
وأخرجه أحمد أيضًا من وجهٍ آخر عن معاذ (6).
(1) أخرج القصَّة العجليُّ في معرفة الثقات (1/ 352) عن الربيع بن خثيمٍ.
(2)
أخرجه الترمذيّ في أبواب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة (2616). وقال الترمذيّ: حسن صحيح. وفي أوَّله: «كنت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة
…
» الحديث. ونظَّر الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في جامعِ العلوم والحكم (506 - 507) على كلام الترمذيّ -المتقدّم- بأمرين: الأوَّل: أنَّه لم يثبت سماع أبي وائلٍ من معاذٍ رضي الله عنه، قال:(وإن كان أدركه بالسنّ، وكان معاذٌ بالشَّام، وأبو وائلٍ بالكوفة، وما زال الأئمَّة -كأحمدَ وغيره- يستدلّون على انتفاء السماع بمثل هذا) ثم حكى عن أبي زرعة الدمشقيِّ أن قومًا توقفوا في سماع أبي وائل من عمر أو نفوه، قال:(فسماعُه مِن مُعاذٍ أَبعد). والثاني: أنَّه قد رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن شهر بن حوشب عن معاذٍ، خرَّجه أحمد في المسند (22022). وشهر بن حوشب: صدوقٌ كثير الإرسال والأوهام. التقريب (2830). وأيضًا لم يسمع من معاذٍ رضي الله عنه.
(3)
رواه أحمد في المسند (16/ 344 رقم/22016).
(4)
أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب التفسير، باب قوله تعالى:«{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ}» (11330).
(5)
رواه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب كفّ اللسان عن الفتن (3973) وكلُّهم من رواية معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ رضي الله عنه به مرفوعًا.
(6)
مسند أحمد (36/ 22032) وهو من طريق شعبة عن الحكم سمعت عروة بن النزال عن معاذٍ، قال شعبة: فقلت له -أي: الحكم- سمعه من معاذ؟ قال: لم يسمعه منه وقد أدركه. وعروة بن النزال مختلف في اسمه هل هو عروة أم النزال بن عروة؟ وهو مجهول، قال فيه الحافظ في التقريب (4570):(مقبول). وعليه فالحديث يكون منقطعًا، والله أعلم.
وزاد الطبرانيُّ في روايةٍ مختصرةٍ: «ثمّ إنك لن تراك سالمًا ما سكتَّ، فإذا تكلّمت كُتِبَ عليك أو لك» (1).
وفي حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: «عليك بِطُول الصَّمْت، فإنَّه مَطْردةٌ للشيطان» ، / [122/ب] رواه أحمدُ والطبرانيُّ وابن حِبَّان والحاكمُ وصحَّحاه (2).
(1) المعجم الكبير (20/ 73). رواه من طريق مبارك بن سعيد -أخو الثوري- عن سعيد بن مسروق عن أيوب بن كريز عن عبد الرحمن بن غَنْمٍ عن معاذ به، وقد صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 913).
(2)
رواه أحمد (35/ 452) وابن حبان = الإحسان (2/ 79). وفي طريق أحمدَ: ابنُ لهيعةَ عن درّاجٍ عن أبي الهيثم عن أبي ذرّ. وابن لهيعة صدوق اختلط بعد احتراق كتبه كما في التقريب (3563) ودرّاج أبو السمح، قال فيه الحافظ:(صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضَعفٌ) التقريب (1824) وضعَّف الحديث محققو المسند، وأحمدُلم يخرِّج إلا طرف الحديث الأول وهو:«أوصيك بتقوى الله في سرّ أمرك وعلانيته، وإذا أسأتَ فأحسِنْ، ولا تسألنَّ أحدًا شيئا وإنْ سقط سوطُك، ولا تقبض أمانةً، ولا تقضِ بين اثنين» . وأما طريق ابن حبان ففي سنده إبراهيم ابن هشام الغسَّاني، قال أبو حاتمٍ فيه:(كذّاب) ، الجرح والتعديل (2/ 142). ولم أجد الحديث في معاجم الطبراني ولا في مستدرك الحاكم.
[2: عن أبي ثعلبة الخشنيِّ جُرْثومَ بنِ ناشرٍ رضي الله عنه، عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوْهَا، وَحَدَّ حُدُوْدًا فَلَا تَتَعَدَّوها (1)، وَحرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوْهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْها». حديثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُه].
(1) في ط: (فلا تعتدُوها). وهو الموافق لما في سنن الدارقطني: (5/ 325).