الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اشتغال العامل عن المعمول:
255-
إن مضمر اسم سابق فعلا شغل
…
عنه بنصب لفظه أو المحل
256-
فالسابق انصبه بفعل أضمرا
…
حتما موافق لما قد أظهرا
"إن مضمر اسم سابق فعلا شغل
…
عنه بنصب لفظه أو المحل"
أي حقيقة باب الاشتغال: أن يسبق اسم عاملا مشتغلا عنه بضميره، أو ملابسه، لو تفرغ له هو أو مناسبه لنصبه لفظا أو محلا؛ فيضمر للاسم السابق عند نصبه عامل مناسب للعامل الظاهر مفسر به، على ما سيأتي بيانه.
فالضمير في "عنه" وفي "لفظه" للاسم السابق، والباء في "بنصب" بمعنى "عن"، وهو بدل اشتمال من ضمير "عنه" بإعادة العامل، والألف واللام في "المحل" بدل من الضمير؛ التقدير: إن شغل مضمر اسم سابق فعلا عن نصب لفظ ذلك الاسم السابق، أي نحو:"زيدا ضربته"، أو محله، نحو:"هذا ضربته".
"أحوال الاسم المتقدم":
"فالسابق انصبه" إما وجوبا، وإما جوازا: راجحا، أو مرجوحا، أو مستويا، إلا أن يعرض ما يمنع النصب على ما سيأتي بيانه "بفعل أضمرا حتما" أي: إضمارا حتما، أي: واجبا، أو هو حال من الضمير في "أضمر"، أي: محتوما، وذلك لأن الفعل الظاهر كالبدل من
اللفظ به؛ فلا يجمع بينهما "موافق" ذلك الفعل المضمر "لما قد أظهرا" إما لفظا ومعنى، كما في نحو:"زيدا ضربته"؛ إذ تقديره: ضربت زيدا ضربته، وإما معنى دون لفظ، كما في نحو:"زيدا مررت به"، إذ تقديره: جاوزت زيدا مررت به.
تنبيه: يشترط في الفعل المفسر ألا يفصل بينه وبين الاسم السابق، فلو قلت:"زيدا أنت تضربه"؛ لم يجز؛ للفصل بـ"أنت".
"المواضع التي يجب فيها نصب الاسم المتقدم":
257-
والنصب حتم إن تلا السابق ما
…
يختص بالفعل كإن وحيثما
"والنصب حتم إن تلا" أي: تبع الاسم "السابق ما" أي شيئا "يختص بالفعل" وذلك كأدوات الشرط "كإن وحيثما" وأدوات التحضيض، وأدوات الاستفهام غير الهمزة؛ نحو:"إن زيدا لقيته فأكرمه"، و"حيثما عمرا لقيته فأهنه"، و"هلا بكرا ضربته"، و"أين زيدا وجدته؟ ".
ولا يجوز رفع الاسم السابق على أنه مبتدأ؛ لأنه لو رفع والحالة هذه لخرجت هذه الأدوات عما وضعت له من الاختصاص بالفعل؛ نعم قد يجوز رفعه بالفاعلية لفعل مضمر مطاوع للظاهر، كقوله "من الكامل":
392-
لا تجزعي إن من منفس أهلكته
…
"فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي"
392- التخريج: البيت للنمر بن تولب في ديوانه ص72؛ وتخليص الشواهد ص499؛ وخزانة الأدب 1/ 314، 321، 11/ 36؛ وسمط اللآلي ص468؛ وشرح أبيات سيبويه 1/ 160؛ وشرح شواهد المغني 1/ 472، 2/ 829؛ وشرح المفصل 2/ 38؛ والكتاب 1/ 134؛ ولسان العرب 6/ 238 "نفس"، 11/ 211 "خلل"؛ والمقاصد النحوية 2/ 535؛ وبلا نسبة في الأزهية ص248؛ والأشباه والنظائر 2/ 151؛ والجنى الداني ص72؛ وجواهر الأدب ص67؛ وخزانة الأدب 3/ 32، 6/ 41، 43، 44؛ والرد على النحاة ص114؛ وشرح ابن عقيل ص264؛ ولسان العرب 4/ 604 "عمر"؛ ومغني اللبيب 1/ 166، 403؛ والمقتضب 2/ 76 "عمر"؛ ومغني اللبيب 1/ 166، 403؛ والمقتضب 2/ 76.
اللغة: شرح المفردات: لا تجزعي: لا تخافي. المنفس: هنا المال الكثير. أهلكته: أنفقته. هلكت: مت.
المعنى: يخاطب الشاعر زوجته بقوله: لا تخافي على إنفاقي المال وتبذيره، فإنني ما دمت حيا لن =
في رواية "منفس" بالرفع؛ وقوله "من الطويل":
393-
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب
…
لعلك تهديك القرون الأوائل
= تحتاجي إلى شيء، وإذا مت فعند ذلك اجزعي لأنك لن تجدي من بعدي من يؤمن لك حاجاتك.
الإعراب: لا: الناهية. تجزعي: فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والياء ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. إن: حرف شرط جازم. منفس: فاعل مرفوع بفعل مضمر يفسره المذكور. والتقدير: "إن هلك منفس أهلكته". أهلكته: فعل ماض مبني على السكون، والتاء ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والهاء: ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به. فإذا: الفاء حرف استئناف، "إذا": ظرف يتضمن معنى الشرط متعلق بجوابه. هلكت: فعل ماض مبني على السكون، والتاء ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. فعند: الفاء رابطة لجواب الشرط. عند ظرف زمان متعلق بالفعل "اجزعي"، وهو مضاف. ذلك: اسم إشارة في محل جر بالإضافة. اجزعي: فعل أمر مبني، والياء: ضمير
…
فاعل.
وجملة "لا تجزعي" ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة "أهلكته" تفسيريه لا محل لها من الإعراب. وجملة "هلكت" في محل جر بالإضافة. وجملة "إذا هلكت" استئنافية لا محل لها من الإعراب. وجملة "اجزعي" لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم.
الشاهد فيه قوله: "إن منفس أهلكته" حيث رفع "منفس" بإضمار فعل دل عليه ما بعده، لأن حرف الشرط يقتضي فعلا مظهرا أو مضمرا.
393-
التخريج: البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص255؛ وخزانة الأدب 3/ 34؛ والدرر 1/ 200؛ وشرح التصريح 1/ 105؛ وشرح شواهد المغني 1/ 151؛ والمعاني الكبير ص1211؛ والمقاصد النحوية 1/ 8، 291؛ وهمع الهوامع 2/ 114؛ وبلا نسبة في شرح التصريح 1/ 105؛ وهمع الهوامع 1/ 63.
المعنى: يقول: إذا لم تتعظ بما علمت فتذكر آباءك وأجدادك، وفكر في مصيرهم لعلك تهتدي.
الإعراب: فإن: "الفاء": بحسب ما قبلها، و"إن": حرف شرط جازم. أنت: ضمير منفصل في محل رفع فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده تقديره: "فإن لم تنتفع". لم: حرف نفي وجزم وقلب. ينفعك: فعل مضارع مجزوم بالسكون، و"الكاف": ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به. علمك: فاعل مرفوع، وهو مضاف، و"الكاف": ضمير في محل جر بالإضافة. فانتسب: "الفاء": رابطة جواب الشرط، "انتسب": فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:"أنت". لعلك: حرف مشبه بالفعل، و"الكاف": ضمير متصل مبني في محل نصب اسم "لعل": تهديك: فعل مضارع مرفوع، و"الكاف": ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به. القرون: فاعل مرفوع بالضمة. الأوائل: نعت "القرون" مرفوع بالضمة.
وجملة "إن أنت": بحسب ما قبلها. وجملة "لم ينفعك": تفسيرية لا محل لها من الإعراب. وجملة "انتسب": في محل جزم جواب الشرط. وجملة "تهدي": في محل رفع خبر "لعل". وجملة "لعلك تهديك": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
الشاهد: قوله: "فإن أنت لم ينفعك" حيث وردت "أنت" في محل رفع فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده تقديره: "إن لم تنتفع لم ينفعك علمك"، وليس في محل رفع على الابتداء كما يزعم الكوفيون.
التقدير: إن هلك منفس أهلكته، وإن لم تنتفع بعلمك لم ينفعك علمك.
تنبيه: لا يقال الاشتغال بعد أدوات الشرط والاستفهام، إلا في الشعر، وأما في الكلام فلا يليهما إلا صريح الفعل؛ إلا إذا كانت أداة الشرط "إذا" مطلقا، أو "إن" والفعل ماض؛ فيقع في الكلام؛ فتسوية الناظم بين "إن" و"حيثما" مردودة.
"المواضع التي يجب فيها رفع الاسم المتقدم":
258-
وإن تلا السابق ما بالابتدا
…
يختص فالرفع التزمه أبدا
259-
كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد
…
ما قبل معمولا لما بعد وجد
"وإن تلا" الاسم "السابق ما بالابتدا يختص" كـ"إذا" الفجائية و"ليتما""فالرفع التزمه أبدا" على الابتداء، وتخرج المسألة عن هذا الباب إلى باب المبتدأ والخبر، نحو:"خرجت فإذا زيد يضربه عمرو"، و"ليتما بشر زرته"؛ فلو نصبت "زيدا" و"بشرا" لم يجز؛ لأن "إذا" المفاجأة و"ليت" المقرونة بـ"ما" لا يليهما فعل ولا معمول فعل.
ومما يختص بالابتداء أيضا واو الحال في نحو: "خرجت وزيد يضربه عمرو"؛ فلا يجوز و"زيدا يضربه عمرو"، بنصب "زيد".
و"كذا" التزم رفع الاسم السابق "إذا الفعل" المشتغل عنه "تلا" أي: تبع "ما" أي: شيئا "لم يرد ما قبل معمولا لما بعد وجد" كأدوات الشرط، والاستفهام، والتحضيض، ولام الابتداء، و"ما" النافية، و"كم" الخبرية، والحروف الناسخة، والموصول، والموصوف، تقول:"زيد إن زرته يكرمك، وهل رأيته؟ وهلا كلمته"، وهكذا إلى آخرها، بالرفع؛ ولا يجوز النصب؛ لأن هذه الأشياء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فلا يفسر عاملا فيه؛ لأنه بدل من اللفظ به.
"المواضع التي يترجح فيها نصب الاسم المتقدم":
260-
واختير نصب قبل فعل ذي طلب
…
وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب
261-
وبعد عاطف بلا فصل على
…
معمول فعل مستقر أولا
"واختير نصب" أي: رجح على الرفع في ثلاثة أحوال:
الأول: أن يقع اسم الاشتغال "قبل فعل ذي طلب" وهو: الأمر، والنهي، والدعاء، نحو:"زيدا اضربه، أو ليضربه عمرو، أو لا تهنه"، و"اللهم عبدك ارحمه، أو لا تؤاخذه"، و"بكرا غفر الله له".
وإنما وجب الرفع في نحو: "زيد أحسن به"؛ لأن الضمير في محل رفع، وإنما اتفق السبعة عليه في نحو:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} 1 لأن تقديره عند سيبويه: مما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني، ثم استؤنف الحكم؛ وذلك لأن الفاء لا تدخل عنده في الخبر في نحو هذا، ولذا قال في قوله "من الطويل":
394-
وقائلة خولان فانكح فتاتهم
…
"وأكرومة الحيين خلو كما هيا"
1 النور: 2.
394-
التخريج: البيت بلا نسبة في الأزهية ص243؛ والجنى الداني ص71؛ وخزانة الأدب 1/ 315، 455، 4/ 369، 8/ 19، 11/ 367؛ والدرر 2/ 36؛ والرد على النحاة ص104؛ ورصف المباني ص386؛ وشرح أبيات سيبويه 1/ 413؛ وشرح التصريح 1/ 299؛ وشرح شواهد الإيضاح ص86؛ وشرح شواهد المغني 1/ 468، 2/ 873؛ وشرح المفصل 1/ 100، 8/ 95؛ والكتاب 1/ 139، 143؛ ولسان العرب 14/ 239 "خلا"؛ ومغني اللبيب 1/ 165؛ والمقاصد النحوية 2/ 529؛ وهمع الهوامع 1/ 110.
شرح المفردات: خولان: اسم قبيلة. الأكرومة: فعل الكرم. الحيان: حي أمها وحي أبيها، والمقصود فتاة ذات كرم ومجد من ناحية الأم والأب. الخلو: الخالية.
المعنى: يقول رب قائلة لي أن أنكح فتاة من خولان، وهي أصيلة الجدين مصون وباقية كما هي.
الإعراب: "وقائلة": الواو واو "رب"، "قائلة": اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ، خبره محذوف. "خولان": خبر لمبتدأ محذوف تقديره: "هذه خولان" مرفوع. "فانكح": الفاء حرف استنئاف، "انكح" فعل أمر مبني على السكون، وفاعله
…
وجوبا "أنت". "فتاتهم": مفعول به، وهو مضاف، و"هم": في محل جر بالإضافة. "وأكرومة": الواو حالية، "أكرومة": مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. "الحيين": مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى. "خلو": خبر المبتدأ. "كما": الكاف حرف جر، و"ما": يجوز أن تكون زائدة، وعليه تكون "هي" ضميرا في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بخبر ثان للمبتدأ "أكرومة" المحذوف. ويجوز أن تكون "ما" اسما موصولا، في محل جر بحرف الجر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان للمبتدأ. و"هيا": مبتدأ خبره محذوف، والألف للإطلاق. والجملة تكون صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وجملة "قائلة
…
" بحسب ما قبلها. وجملة "انكح" استئنافية لا محل لها من الإعراب.
الشاهد: قوله: "خولان فانكح فتاتهم" حيث رفع "خولان" على تقدير مبتدأ محذوف تقديره: "هذه خولان"، وذلك لأنه لا يصح أن تكون مبتدأ دخلت الفاء على خبره. هذا على مذهب سيبويه، وأجازه الأخفش. وقيل: الفاء في "فانكح" زائدة.
إن التقدير: هذه خولان؛ وقال المبرد: الفاء لمعنى الشرط، ولا يعمل الجواب في الشرط، فكذلك ما أشبهه، وما لا يعمل لا يفسر عاملا.
وقال ابن السيد وابن بابشاذ: يختار الرفع في العموم كالآية، والنصب في الخصوص كـ"زيدا اضربه".
"وَ" الثاني: أن تقع "بعدما إيلاؤه الفعل غلب" أي: بعد ما الغالب عليه أن يليه فعل، فإيلاؤه: مصدر مضاف إلى المفعول الثاني، والفعل: مفعول أول؛ لأنه الفاعل في المعنى، والذي يليه الفعل غالبا أشياء: منها همزة الاستفهام، نحو:{أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ} 1 فإن فصلت الهمزة فالمختار الرفع، نحو:"أأنت زيد تضربه"، إلا في نحو:"أكل يوم زيدا تضربه"؛ لأن الفصل بالظرف كلا فصل. وقال ابن الطراوة: إن كان الاستفهام عن الاسم فالرفع، نحو:"أزيد ضربته أم عمرو"، وحكم بشذوذ النصب في قوله "من الوافر":
395-
أثعلبة الفوارس أم رياحا
…
عدلت بهم طهية والخشابا
1 القمر: 24.
395-
التخريج: البيت لجرير في ديوانه ص814؛ والأزهية ص114؛ وأمالي المرتضى 2/ 57؛ وجمهرة اللغة ص290؛ وخزانة الأدب 11/ 69؛ وشرح أبيات سيبويه 1/ 288؛ وشرح التصريح 1/ 300؛ والكتاب 1/ 102، 3/ 183؛ ولسان العرب 1/ 355 "خشب"، 15/ 17 "طها"؛ والمقاصد النحوية 2/ 533؛ وبلا نسبة في الرد على النحاة ص105.
شرح المفردات: ثعلبة ورياح: قبيلتان. عدلت: سوت. طهية: حي من بني تميم. الخشاب: قوم من بني مالك بن حنظلة.
المعنى: يفخر الشاعر بأبطال قومه، ويسمي أسماءهم، ويسخر من قوم الفرزدق.
الإعراب: "أثعلبة": الهمزة للاستفهام، "ثعلبة": مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده تقديره: "أأهنت ثعلبة" مثلا. "الفوارس": نعت "ثعلبة" منصوب. "أم": حرف عطف. "رياحا": معطوف على "ثعلبة". "عدلت": فعل ماض، والتاء فاعل. "بهم": جار ومجرور متعلقان بـ"عدلت". "طهية": مفعول به. "والخشابا": الواو حرف عطف، "الخشابا": معطوف على طهية، والألف للإطلاق.
وجملة: "أأهنت" المقدرة الابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة "عدلت" تفسيرية.
الشاهد: قوله: "أثعلبة الفوارس" حيث نصب الاسم الواقع بعد همزة الاستفهام مع أن الاستفهام عن الاسم، ونصب هذا الاسم بفعل محذوف يدل عليه المذكور بعده، وهو "عدلت بهم"، وليس المحذوف من لفظ الفعل المذكور، بل هو من معناه، والتقدير:"أأهنت ثعلبة"، أو "أظلمت ثعلبة"، أو نحو ذلك. وانتصاب الاسم الواقع بعد همزة الاستفهام راجح عند سيبويه، وذهب ابن الطراوة إلى أنه متى كان الاستفهام عن الاسم وجب الرفع.
ومنها النفي بـ"ما" أو "لا" أو "إن"، نحو:"ما زيدا رأيته"، و"لا عمرا كلمته"، و"إن بكرا ضربته"؛ وقيل: ظاهر كلام سيبويه اختيار الرفع؛ وقال ابن الباذش وابن خروف: يستويان.
ومنها "حيث" المجردة من "ما" نحو: "اجلس حيث زيدا ضربته".
"و" الثالث: أن يقع "بعد عاطف بلا فصل على معمول فعل مستقر أولا" سواء كان ذلك المعمول منصوبا، نحو:"لقيت زيدا وعمرا كلمته"، أو مرفوعا، نحو:"قام زيد وعمرا أكرمته".
وإنما رجح النصب طلبا للمناسبة بين الجملتين؛ لأن من نصب فقد عطف فعلية على فعلية، ومن رفع فقد عطف اسمية على فعلية، وتناسب المتعاطفين أحسن من تخالفهما.
واحترز بقوله: "بلا فصل" من نحو: "قام زيد وأما عمرو فأكرمته"؛ فإن الرفع فيه أجود؛ لأن الكلام بعد "أما" مستأنف مقطوع عما قبله، وبقوله:"فعل مستقر أولا" من العطف على جملة ذات وجهين، وستأتي.
تنبيهان: الأول: تجوز الناظم في قوله "على معمول فعل"؛ إذ العطف حقيقة إنما هو على الجملة الفعلية، كما عرفت.
الثاني: لترجيح النصب أسباب أخر لم يذكرها ههنا:
أحدها: أن يقع اسم الاشتغال بعد شبيه بالعاطف على الجملة الفعلية، نحو؛ "أكرمت القوم حتى زيدا "أكرمته"، و"ما قام بكر لكن عمرا ضربته"، فـ"حتى" و"لكن" حرفا ابتداء أشبها العاطفين، فلو قلت: "أكرمت خالدا حتى زيد أكرمته"، و"قام بكر لكن عمرو ضربته"، تعين الرفع؛ لعدم المشابهة؛ إذ لا تقع "حتى" العاطفة إلا بين "كل" و"بعض"، ولا تقع "لكن" العاطفة إلا بعد نفي وشبهه.
ثانيها: أن يجاب به استفهام منصوب، كـ"زيدا ضربته"، جوابا لمن قال:"أيهم ضربت؟ " أو: "من ضربت؟ " ومثل المنصوب المضاف إليه، نحو:"غلام زيد ضربته"، جوابا لمن قال:"غلام أيهم ضربت".
ثالثها: أن يكون رفعه يوهم وصفا مخلا بالمقصود، ويكون نصبه نصا في المقصود،
كما في {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} 1؛ إذ النصب نص في عموم خلق الأشياء خيرها وشرها بقدر، وهو المقصود، وفي الرفع إيهام كون الفعل وصفا مخصصا، و"بقدر" هو الخبر، وليس المقصود؛ لإيهامه وجود شيء لا بقدر؛ لكونه غير مخلوق؛ ولم يعتبر سيبويه مثل هذا الإيهام مرجحا للنصب، وقال: النصب في الآية مثله في "زيدا ضربته" قال: وهو عربي كثير، وقد قرئ بالرفع، لكن على أن "خلقناه" في موضع الخبر للمبتدأ، والجملة خبر "إن"، و"بقدر" حال؛ وإنما كان النصب نصا في المقصود لأنه لا يمكن حينئذ جعل الفعل وصفا؛ لأن الوصف لا يعمل فيما قبله فلا يفسر عاملا فيه؛ ومن ثم وجب الرفع في قوله تعالى:{وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} 2.
"المواضع التي يجوز فيها نصب الاسم المتقدم أو رفعه":
262-
وإن تلا المعطوف فعلا مخبرا
…
به عن اسم فاعطفن مخيرا
"وإن تلا المعطوف" جملة ذات وجهين غير تعجبية: بأن تلا "فعلا مخبرا به" مع معموله "عن اسم" غير "ما" التعجبية "فاعطفن مخيرا" في اسم الاشتغال بين الرفع والنصب على السواء، بشرط أن يكون في الثانية ضمير الاسم الأول، أو عطف بالفاء، نحو:"زيد قام وعمرو أكرمته في داره"، أو "فعمرا أكرمته" برفع "عمرو" ونصبه: فالرفع مراعاة للكبرى، والنصب مراعاة للصغرى؛ ولا ترجيح؛ لأن في كل منهما مشاكلة، بخلاف "ما أحسن زيدا وعمرو أكرمته عنده"؛ فإنه لا أثر للعطف فيه، فإن لم يكن في الثانية ضمير الاسم الأول ولم تعطف بالفاء فالأخفش والسيرافي يمنعان النصب، والفارسي وجماعة -منهم الناظم- يجيزونه وقال هشام: الواو كالفاء، وهو ما يقتضيه كلام الناظم.
تنبيه: شبه العاطف في هذا أيضا كالعاطف، وشبه الفعل كالفعل؛ فالأول نحو:"أنا ضربت القوم حتى عمرا ضربته"، والثاني نحو:"هذا ضارب زيدا وعمرا يكرمه"، برفع "عمرو" ونصبه على السواء فيهما.
1 القمر: 49.
2 القمر: 52.
263-
والرفع في غير الذي مر رجح
…
فما أبيح أفعل ودع ما لم يبح
"والرفع في غير الذي مر" أنه يجب معه النصب، أو يمتنع، أو يكون راجحا، أو مساويا "رجح" على النصب؛ لسلامة الرفع في الإضمار الذي هو خلاف الأصل، فرفع "زيد" بالابتداء في قولك:"زيد ضربته" أرجح من نصبه بإضمار فعل، ونصبه عربي جيد، خلافا لمن منعه، وأنشد ابن الشجري على جوازه قوله "من الرمل":
396-
فارسا ما غادروه ملحما
…
غير زميل ولا نكس وكل
ومنه قراءه بعضهم: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} 1 بنصب "جنات".
ثم إذا عرفت ما أوردناه من القواعد "فما أبيح" لك فيما يرد عليك من الكلام أن ترده إليه وتخرجه عليه "أفعل ودع ما لم يبح" لك فيه ذلك.
264-
وفصل مشغول بحرف جر
…
أو بإضافة كوصل يجري
"وفصل مشغول" من ضمير الاسم السابق "بحرف جر" مطلقا "أو بإضافة" وإن تتابعت، أو بهما معا "كوصل يجري" في جميع ما تقدم؛ فالأحكام الخمسة الجارية مع اتصال الضمير بالمشغول تجري مع انفصاله منه بما ذكر؛ فيجب النصب في نحو: "إن زيدا
1 الرعد: 23؛ والنحل: 31.
396-
التخريج: البيت لعلقمة الفحل في ديوانه ص133؛ وله أو لامرأة من بني الحارث في شرح شواهد المغني 2/ 664؛ والمقاصد النحوية 2/ 539؛ ولامرأة من بني الحارث في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص1107؛ وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص501؛ ومغني اللبيب 2/ 577.
اللغة: غادروه: تركوه في مكانه. الملحم: الذي تغشاه الحرب من كل جانب فلا يجد لنفسه مخلصا. الزميل: الجبان. النكس: الضعيف. وكل: عاجز.
المعنى: يقول: تركوا فارسا مغوارا في حومة الوغى، طعمة لكواسر الوحوش وجوارح الطير.
الإعراب: "فارسا": مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، تقديره:"غادروا فارسا". "ما": زائدة للتفخيم. "غادروه": فعل ماض، والواو ضمير في محل رفع فاعل، والهاء ضمير في محل نصب مفعول به. "ملحما": حال منصوب. "غير": حال ثان منصوب، وهو مضاف. "زميل": مضاف إليه مجرور. "ولا": الواو حرف عطف، "لا": حرف لتأكيد النفي. "نكس": معطوف على "زميل" مجرور. "وكل": نعت "نكس".
الشاهد: قوله: "فارسا ما غادروه" حيث نصب الاسم السابق بفعل محذوف يفسره ما بعده.
مررت به أو بغلامه، أو حبست عليه، أو على غلامه، أو أكرمت أخاه، أو غلام أخيه؛ "أكرمك" كما يجب في نحو:"إن زيدا أكرمته"؛ ويمتنع النصب ويتعين الرفع في نحو: "خرجت فإذا زيد مر به، أو بغلامه، أو حبس عليه، أو على غلامه، أو يضرب أخاه، أو غلام أخيه؛ عمرو" كما وجب الرفع في نحو: "فإذا زيد يضربه عمرو"؛ وقس على ذلك بقية الأمثلة.
تنبيه: النصب في نحو: "زيدا ضربته" أحسن منه في نحو: "زيدا ضربته أخاه"؛ وفي نحو: "زيدا ضربت أخاه" أحسن منه في نحو: "زيدا مررت بأخيه".
265-
وسو في ذا الباب وصفا ذا عمل
…
بالفعل إن لم يك مانع حصل
"وسو في ذا الباب وصفا ذا عمل" وهو اسم الفاعل والمفعول بمعنى الحال أو الاستقبال "بالفعل" في جواز تفسير ناصب الاسم السابق، نحو:"أزيدا أنت ضاربه، أو مكرم أخاه، أو مار به، أو محبوس عليه"؛ تريد الحال أو الاستقبال، كما تقول:"أزيدا تضربه، أو تكرم أخاه، أو تمر به، أو تحبس عليه".
وإنما امتنع "زيدا أنت تضربه" بخلاف "أنت ضاربه" لاحتياج الوصف إلى ما يعتمد عليه؛ بخلاف الفعل.
فإن كان الوصف غير عامل لم يجز أن يفسر عاملا؛ فلا يجوز: "أزيدا أنت ضاربه -أو محبوس عليه- أمس".
وإنما يكون الوصف العامل كالفعل في التفسير "إن لم يك مانع حصل" يمنعه من ذلك؛ كوقوعه صلة لـ"أل"؛ لامتناع عمل الصلة فيما قبلها، وما لا يعمل لا يفسر عاملا؛ ومن ثم امتنع تفسير الصفة المشبهة، فلا يجوز "زيدا أنا الضاربه"، ولا "وجه الأب زيد حسنه".
تنبيه: يتعين الرفع في "زيد عليكه"، و"زيد ضربا إياه"؛ لأنهما غير صفة؛ نعم يجوز النصب عند من يجوز تقديم معمول اسم الفعل، وهو الكسائي، ومعمول المصدر الذي لا ينحل بحرف مصدري، وهو المبرد والسيرافي.
266-
وعلقة حاصلة بتابع
…
كعلقة بنفس الاسم الواقع
"وعلقة" وبين العامل الظاهر والاسم السابق "حاصلة بتابع" سببي له جار على متبوع أجنبي منه، وهو الشاغل: نعتا، أو عطف نسق بالواو، أو عطف بيان "كعلقة بنفس الاسم" السببي "الواقع" شاغلا، فكما تقول "زيدا أكرمت أخاه" أو "محبه" فتكون العلقة بين زيد وأكرمت عمله في سببيه كذلك تقول "زيدا أكرمت رجلا يحبه"، أو "أكرمت عمرا وأخاه" أو "عمرا أخاه"؛ فتكون العلقة عمله في متبوع سببيه المذكور؛ ويجوز أن يكون المراد بالعلقة الضمير الراجع إلى الاسم السابق؛ فتكون الباء بمعنى في، أي: إن وجود الضمير في تابع الشاغل كاف في الربط كما يكفي وجوده في نفس الشاغل، وإن كان الأصل أن يكون متصلا بالعامل، أو منفصلا عنه بحرف جر، ونحوه.
تنبيه: لو جعلت "أخاه" من قولك "زيدا أكرمت عمرا أخاه" بدلا امتنعت المسألة: نصبت، أو رفعت؛ لأن البدل في نية تكرير العامل، فتخلو الأولى عن الرابط؛ نعم، يجوز ذلك إن قلنا: إن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه؛ وكذا تمتنع إذا كان العطف بغير الواو؛ لإفادة الواو معنى الجمع؛ بخلاف غيرها من حروف العطف.
خاتمة: إذا رفع فعل ضمير اسم سابق، نحو:"أزيد قام" أو "غضب عليه"، أو ملابسا لضميره، نحو:"أزيد قام أبوه"؛ فقد يكون ذلك الاسم السابق واجب الرفع بالابتداء؛ كخرجت فإذا زيد قام، وليتما عمرو قعد؛ إذا قدرت "ما" كافة، أو بالفاعلية، نحو:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} 1، و"هلا زيد قام"؛ وقد يكون راجح الابتدائية على الفاعلية، نحو:"زيد قام"؛ وذلك عند المبرد ومتابعيه، وغيرهم يوجب ابتدائيته؛ لعدم تقدم طلب الفعل، وقد يكون راجح الفاعلية على الابتدائية، نحو:"زيد ليقم"، ونحو:"قام زيد وعمرو قعد"، ونحو:{أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} 2، و {أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ} 3؛ وقد يستويان، نحو:"زيد قام وعمرو قعد عنده"؛ والله أعلم.
1 التوبة: 6.
2 التغابن: 6.
3 الواقعة: 59.