الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع
التدليس والتصريح بالتحديث
إذا روى المدلس حديثاً بصيغة صريحة في السماع والاتصال، مثل: حدثنا فلان، وأخبرنا فلان، وسمعت فلاناً يقول، ونحو ذلك، فالقاعدة العامة فيها أن المدلس يلتحق بغيره ممن لم يوصف بالتدليس، إذ خرج بها عن كونه مدلساً، ولا يعرف عن أحد من المحدثين بعينه أنه ذهب إلى رد رواية المدلس بسبب تدليسه وإن صرح بالتحديث، وإنما يذكر ذلك عن بعض الأصوليين، وخص بعضهم الرد بمن يسقط الضعفاء والمجهولين، فإن روايته مردودة وإن صرح بالتحديث.
ورد رواية المدلس حينئذٍ لا يدخل في باب الاتصال والانقطاع، وإنما هو من باب جرح الراوي والقدح في عدالته لارتكابه هذا الفعل، لما فيه من الغش والخداع.
والذي عليه أئمة الحديث أن التدليس ضرب من الإيهام وليس بكذب يجرح به الراوي في عدالته، وقد فعله أئمة كبار، فإذا صرح بالتحديث قبلت روايته، بل حكى ابن القطان الإجماع على قبول ما صرح فيه المدلس بالتحديث إذا كان ثقة
(1)
.
(1)
"الجليس الصالح" 2: 428، و"الكفاية" ص 631، و"الإحكام" لابن حزم 1: 158، و"بيان الوهم والإيهام" 2: 435، و"سير أعلام النبلاء" 7: 460، و"ميزان الاعتدال" 2: 224، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" 2: 632، و"فتح الباري" 1: 498، و"فتح المغيث" 1: 214، 216.
ولا شك أن العبرة بما سار عليه أئمة الحديث دون غيرهم، وما على الباحث إذا حقق ما ذهبوا إليه سوى شرحه وتفصيله، والتنبيه على بعض جزئياته التي تحتاج إلى ذلك، وفي مسألتنا هذه ثلاثة أمور تحتاج إلى تنبيه:
الأمر الأول: كون التدليس غير مؤثر في عدالة الراوي وفي قبول روايته إذا صرح بالتحديث ليس معناه أنه لا تأثير للتدليس مطلقاً على روايات الراوي بصفة عامة، فالتدليس له تأثير وأي تأثير، وتختلف درجته بحسب إكثار الراوي من التدليس وإقلاله منه، وبحسب نوع التدليس الذي يرتكبه، والرواة الذين يسقطهم، وأهم ذلك حفظ الراوي وضبطه.
فلا تأثير للتدليس يذكر على من فعله من الأئمة الحفاظ الأثبات، كالأعمش، وهشيم، وابن جريج إذا صرحوا بالتحديث.
وفي مقابلهم جماعة من الرواة في حفظهم شيء في الأصل، ثم ارتكبوا التدليس بكثرة، وقد يصاحب ذلك الإكثار من التدليس عن الضعفاء والمجاهيل، فعاد هذا على جملة رواياتهم بالضعف، وإن صرحوا بالتحديث، إذ يخشى أن يكون ما يصرح به بالتحديث ـ بسبب ضعف حفظه ـ مما لم يسمعه أصلاً، فاشتبه عليه، أو لُقِّن إياه.
ويمثل لذلك بيحيى بن أبي حية أبي جناب الكلبي، قال فيه يزيد بن هارون:"كان صدوقاً، ولكن كان يدلس"
(1)
، وقال أيضاً: "كان أبوجناب
(1)
"تهذيب التهذيب" 11: 202.
يحدثنا عن عطاء، والضحاك، وابن بريدة، فإذا وقفناه نقول: سمعت من فلان هذا الحديث؟ فيقول: لم أسمعه منه، إنما أخذت من أصحابنا"
(1)
.
وقال أبونعيم: "أبوجناب ثقة، كان يدلس"
(2)
، وقال أيضاً:"ما كان به بأس، إلا أنه كان يدلس"
(3)
.
وقال ابن نمير: "صدوق، كان صاحب تدليس أفسد حديثه بالتدليس، كان يحدث بما لم يسمع"
(4)
.
وقال ابن حبان: "كان ممن يدلس على الثقات ما سمع من الضعفاء، فالتزقت به المناكير التي يرويها عن المشاهير، فوهاه يحيى بن سعيد القطان، وحمل عليه أحمد بن حنبل حملاً شديداً"
(5)
.
وكذا وصفه بالصدق جماعة غير هؤلاء ورموه بالتدليس، وأطلق وصف الضعف عليه جماعة آخرون.
فهذا قد أثّر تدليسه على باقي أحاديثه، فلا يقول قائل: قد وصفه الأئمة بالصدق، فإذا صرح بالتحديث زالت شبهة التدليس فقبل حديثه، كما وقع ذلك من بعض الباحثين، فقد ذكر إسناداً فيه يحيى بن أبي حية، ثم نقل عن ابن
(1)
"الجرح والتعديل" 9: 139.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال" 3: 114.
(3)
"الجرح والتعديل" 9: 139.
(4)
"الجرح والتعديل" 9: 139.
(5)
"المجروحين" 3: 111.
حجر قوله فيه: "ضعفوه لكثرة تدليسه"
(1)
، وعقبه بقوله:"وقد صرح هنا بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه"، إذ يقال له: تدليس ابن أبي حية لكثرته وصفته عاد على باقي رواياته بالضعف، إذ هو ـ بغض النظر عن تدليسه ـ وسط، لم يقو على دفع تأثير التدليس عليه، ولذا قال فيه ابن حجر كلمته السابقة.
ومن هذا الباب ترك عبدالرحمن بن مهدي الرواية عن المبارك بن فضالة، فحال مبارك في نفسه لا توجب ترك الرواية عنه، فهو لا بأس به، وقد بين أحمد سبب ترك عبدالرحمن له، وأنه بسبب كثرة التدليس، قال أحمد:"تركه عبدالرحمن، لأنه كان يروي أقاويل للحسن يأخذها من الناس، قال الحسن، وقال الحسن، فتركه لهذا"
(2)
.
والمتأمل في حال بقية بن الوليد يرى تأثير التدليس على باقي رواياته، فقد أكثر منه جداً، وارتكب ضروباً من التدليس، ولهذا فهو مع صدقه وحفظه ليس له في "الصحيحين" سوى حديث واحد عند مسلم في المتابعات، فقد أخرجه من طرق كثيرة
(3)
.
والعجيب أن هذا الحديث عند مسلم يحتمل أن يكون بقية دلس فيه مع تصريحه بالتحديث، فقد قال: حدثنا الزبيدي، عن نافع، وظاهره أنه يعني محمد بن الوليد الزبيدي الثقة الحافظ، لكن كان بقية يروي عن سعيد بن
(1)
"التقريب" ص 589.
(2)
. "الضعفاء الكبير" 4: 225.
(3)
"صحيح مسلم" حديث (1429).
عبدالجبار الزبيدي، وهو ضعيف، ويروي عن زرعة الزبيدي، وهو مجهول، ويقول فيهما: حدثنا الزبيدي، يوهم أنه محمد بن الوليد
(1)
، وهذا من تدليس الشيوخ.
الأمر الثاني: حين يقال بأن المدلس إذا صرح بالتحديث فروايته مقبولة ـ مراد به أن يصح تصريحه بالتحديث، فلا يكون هناك خطأ أو لبس في هذا التصريح، وأن يكتفى به من المدلس، فكثير من الباحثين يسعى دائباً في البحث عن رواية يصرح فيها المدلس بالتحديث، وبمجرد وقوفه عليها يحكم بالاتصال، دون دراسة لهذه الرواية، مع أن بعض ما يرد من تصريح بالتحديث من قبل المدلسين بعد دراسته وتمحيصه لا يثبت عنه، أو يثبت عنه ولكن لا يصح أيضاً، أو يصح ولكن لا يكتفى به، وجملة ذلك ترجع إلى أربعة أسباب:
الأول: تعمد بعض المدلسين إخفاء تدليسهم، فيسلكون طرقاً من أجل ذلك، وقد يصرحون بالتحديث مع أنهم قد دلسوا، إذ لم يسمعوا ذلك ممن رووا عنه، يفعلون ذلك في مواجهة حرص الرواة على أن يكتشفوا تدليس المدلسين، فيميزوا بين ما سمعه المدلس من شيخه، مما لم يسمعه منه، وجرت بين الفريقين مناورات طريفة.
ومن هذا الباب ما سماه ابن حجر (تدليس القطع)
(2)
، وهو أن يقول
(1)
"المجروحين" 1: 91، و "شرح علل الترمذي" 2: 824، وانظر في أثر التدليس على بقية بن الوليد:"جامع التحصيل" ص 114.
(2)
"النكت على كتاب ابن الصلاح" 2: 617، و"تعريف أهل التقديس" ص 131، و"فتح المغيث" 1:213.
المدلس: حدثنا، ثم يسكت قليلاً ينوي القطع، ثم يقول: فلان، عن فلان، وهو لم يسمعه منه.
قال ابن سعد في عمر بن علي المقدمي: "كان يدلس تدليساً شديداً، وكان يقول: سمعت، وحدثنا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة، الأعمش"
(1)
.
وقال أبوداود: "بلغني عن أحمد قال: ما أعياني أحد في التدليس ما أعياني عمر بن علي المقدمي، يقول لي: اكتب: حدثنا"
(2)
، ولهذا ـ والله أعلم ـ لم يكتب أحمد عنه شيئاً
(3)
.
وربما سمى المدلس بينه وبين نفسه من حدثه، كما حكى أبوالأحوص البغوي محمد بن حيان وذكر هشيماً وتدليسه فقال:"جلست إلى جانبه وهو يحدث، فجعل يقول: أخبرنا ـ يرفع صوته ـ، ثم يسكت فيقول فيما بينه وبين نفسه: فلان، ثم يرفع صوته: داود، عن الشعبي، عن فلان، عن فلان"
(4)
.
ومنه ما سماه ابن حجر أيضاً (تدليس العطف)
(5)
، وصفته أن يصرح المدلس بالتحديث عن شيخ له قد سمع منه الحديث، ثم يعطف عليه شيخاً آخر
(1)
"طبقات ابن سعد" 7: 291.
(2)
"سؤالات الآجري" 2: 29.
(3)
"العلل ومعرفة الرجال" 3: 14.
(4)
"الكفاية" ص 165.
(5)
"النكت على كتاب ابن الصلاح" 2: 617، و"تعريف أهل التقديس" ص 25، و"فتح المغيث" 1:213.
له لم يسمعه منه.
ومن أمثلته قصة هشيم المشهورة مع أصحابه، "فقد اجتمعوا يوماً على أن لا يأخذوا منه التدليس، ففطن لذلك، فكان يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حصين، ومغيرة، عن إبراهيم، فلما فرغ قال لهم: هل دلَّست لكم اليوم؟ فقالوا: لا، فقال: لم أسمع من مغيرة حرفاً مما ذكرته، إنما قلت: حدثنا حصين، ومغيرة غير مسموع لي"
(1)
.
وكذلك ما حكى أحمد قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوم خيبر للفرس سهمين، وللرجل سهماً
…
"، حدثنا هشيم قال: وعبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، قال أحمد: "لم يسمعه هشيم من عبيدالله"
(2)
.
وروى سعيد بن منصور، قال: "جاء عبدالرحمن بن مهدي إلى هشيم، فسأله عن أحاديث، وجعل يتحفظ ألا يدلس، ويسمع ويتحفظ ولا يكتب، ثم تنحى وجعل يكتب ما سأله باختيار، وكان فيما سأله: منصور بن زاذان، عن الحسن - شيء في القوارير - قال: فكتب باختيار، فقلت له: يا أبا سعيد، هذا لم يسمعه من منصور، دَلَّس عليك
…
"
(3)
.
(1)
"معرفة علوم الحديث" ص 105.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال" 2: 261 - 262، وانظر:"مسائل أبي داود" ص 425، و"مسند أحمد" 2:2.
(3)
. "المعرفة والتاريخ" 2: 666، وفي النسخة تحريف.
ومن أدق التدليس وأخفاه تدليس جملة أو كلمة في أثناء الإسناد أو المتن، كما قال أحمد في هشيم:"كان يدلس تدليساً وحشاً، وربما جاء بالحرف الذي لم يسمعه، فيذكره، في حديث آخر، إذا انقطع الكلام يوصله"
(1)
.
فربما وقف الباحث على تصريح للمدلس بالتحديث في أصل الحديث، ولم يتنبه لموضع التدليس، وقد تقدم في المبحث الثالث أمثلة على التدليس الجزئي.
ولا شك أن تمييز ما تقدم يعسر على الباحث، لكن يمكنه أن يستفيد منه حين يعارضه نفي السماع، أو حين تدل القرائن على عدم السماع.
وقد يكون في الرواية ما يثير ريبة الناظر فيها، كما إذا وقف الباحث على رواية لمدلس صرح فيها بالتحديث في أول شيخ له، ثم عطف عليه غيره، فإن هذا يحدث ريبة في النفس أن يكون دلَّس فيه، إذا كان المدلس عرف عنه ارتكاب هذا النوع من التدليس.
مثال ذلك ما رواه أحمد قال: "حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، والمغيرة، عن إبراهيم ـ أنهم قالوا في دية الخطأ: أخماساً، ما دون النفس "
(2)
.
الثاني: أخطاء المدلسين أنفسهم، فيخطئ المدلس ويصرح بالتحديث، ظناً منه أنه مما سمعه، ولا يكون الواقع كذلك.
مثال ذلك ما روى أبو بكر بن خلاد، قال: "سمعت يحيى (يعني القطان)
(1)
. "علل المروذي" ص 51.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال" 2: 266.
يقول: حدثني ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: أتيت جابر بن عبدالله، فقلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن صوم يوم الجمعة؟ قال: إي ورب الكعبة، قال يحيى: رفعه قال فيه: حدثنا - يعني محمد بن عباد - وهو في الكتب عن عبدالحميد بن جبير بن شيبة، وإن لم يحدثك ابن جريج من كتابه لم تنتفع به"
(1)
.
ومراد القطان أن ابن جريج روى له الحديث من حفظه عن محمد بن عباد ابن جعفر، وصرح بالتحديث عنه، وهو مخطئ في ذلك، إذ الحديث في كتب ابن جريج يرويه بواسطة عبدالحميد بن جبير بن شيبة، عن محمد بن عباد بن جعفر، وقد رواه جماعة عن ابن جريج كذلك، ورواه آخرون بإسقاط عبدالحميد، لكن دون تصريح ابن جريج بالتحديث عن محمد
(2)
.
وقال أحمد: "كان هشيم يوماً يقول: حدثنا، وأخبرنا، ثم ذكر أنه لم يسمع فقال: يا صَبَّاح قل لهم: يوسعون الطريق حتى يمر الصبي والمرأة، ثم قال: فلان عن يونس، وفلان عن مغيرة"
(3)
.
وقال ابن معين: "سمعت هشيماً يحدث يوماً فقال: حدثنا علي بن زيد، ثم ذكر أنه لم يسمعه من علي بن زيد، فتنحنح، ثم قال: سووا الطريق، ثم قال:
(1)
. "العلل ومعرفة الرجال" 3: 239.
(2)
. "صحيح البخاري" حديث (1984)، و"صحيح مسلم" حديث (1143)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (2746 - 2749).
(3)
"العلل ومعرفة الرجال" 2: 250.
قال علي بن زيد"
(1)
.
وانصراف هشيم إلى تسوية الطريق من أجل تصحيح ما وقع فيه من خطأ دون أن يتنبه الحاضرون لخطئه.
وقال علي بن المديني: "سمعت يحيى يقول في حديث ابن جريج: عن ابن عباس في رجل آجر نفسه في الحج ـ قال: أملى علي (يعني ابن جريج) من حفظه: حدثنا عطاء، عن ابن عباس، وكان في كتابه: حدثت عن سعيد بن جبير، وقال عطاء، عن ابن عباس، قلت ليحيى: تراه حديث مسلم البطين؟ قال: نعم، وليس من صحيح حديثه (يعني ابن جريج) عن عطاء"
(2)
.
ولا شك أن معرفة هذا بالنسبة للباحث أمر عسير أيضاً، ويمكن أن يقال فيه ما تقدم في السبب الأول، في كيفية استفادة الباحث منه.
الثالث: يرتكب بعض المدلسين نوعاً من التدليس لا يسقط فيه شيخه الذي حدثه، ويرويه عنه بصيغة صريحة في السماع، لكنه يسقط راوياً من وسط الإسناد، ويجعل الرواية بين من دون المسقط ومن فوقه بصيغة (عن)، وقد يكون المسقط ثقة، فالغرض من إسقاطه طلب علو الإسناد، وقد يكون ضعيفاً ـ وهذا هو الغالب ـ فالغرض منه تقوية الإسناد
(3)
.
وقد كان الأئمة يسمونه تسوية، فيقولون: فلان يسوي الأسانيد، كما قال
(1)
"تاريخ الدوري عن ابن معين" 2: 621.
(2)
"الجرح والتعديل" 1: 238.
(3)
"الكفاية" ص 364، و"بيان الوهم والإيهام" 5: 499، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" 2:621.
أبوزرعة الدمشقي: "كان صفوان بن صالح، ومحمد بن مصفى يسويان الحديث"
(1)
.
وقال ابن حبان في إبراهيم بن عبدالله المصيصي: "كان يسوي الحديث"
(2)
.
كما يدخل هذا الصنيع في مصطلح آخر وهو (التجويد)، فيقولون: جوده فلان، أي جعل الإسناد جيداً، لكن التجويد أعم منه، فلا يشترط قصد التدليس والتغطية، إذ قد يكون ذلك وقع غلطاً، بل قد يكون الصواب مع المجوِّد، ثم إن التجويد قد يكون بزيادة راوٍ وليس بحذفه، فالتجويد إذاً جعل صورة الإسناد جيدة، في مقابل رواية أخرى فيها علة، بغض النظر عن الصواب منهما، وعن النية والقصد، وعن الحذف والزيادة، وليس هذا موضع شرح هذا المصطلح.
وقد ارتكب تدليس التسوية بعض المدلسين من الأئمة، كالأعمش، والثوري، وابن جريج، وهشيم
(3)
، لكنهم لم يشتهروا به، ولعل ذلك لندرة ارتكابهم له.
واشتهر هذا النوع من التدليس عن بعض مدلسي أهل الشام، كالوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، ومحمد بن المصفى، وصفوان بن صالح، وإبراهيم
(1)
"المجروحين" 1: 94.
(2)
"المجروحين" 1: 116.
(3)
"العلل ومعرفة الرجال 1: 376، 2: 247 فقرة (2138)، و"الكامل" 1: 161، و"معرفة علوم الحديث" ص 117، و"الكفاية" ص، 364، 365، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" 2: 621.
المصيصي، ونسب ابن حبان هذا الفعل إلى أصحاب بقية، وأنهم يفعلون هذا أيضاً بأحاديثه
(1)
.
قال الهيثم بن خارجة: "قلت للوليد: قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: وكيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي، عن نافع، وعن الأوزاعي، عن الزهري، وعن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع: عبدالله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري قرة وغيره، فما يحملك على هذا؟ قال: أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء الضعفاء، قلت: فإذا روى الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي، قال: فلم يلتفت إلى قولي"
(2)
.
وقال أبوداود: "الوليد أفسد حديث الأوزاعي، أحاديث عند الأوزاعي عن رجل عن الزهري، وعن رجل عن عطاء، وعن رجل عن نافع، جعلها: الأوزاعي عن الزهري، وعن عطاء، وعن نافع، ولا نعلم أن الأوزاعي حَدَّث عن نافع إلا بمسألة"
(3)
.
وقال أبوداود أيضاً: "أدخل الأوزاعي بينه وبين الزهري، ونافع، وبين عطاء نحواً من ستين رجلاً، أسقطها الوليد كلها"
(4)
.
(1)
"المجروحين" 1: 94، 201.
(2)
"تهذيب التهذيب" 11: 154.
(3)
"سؤالات الآجري لأبي داود" 2: 186.
(4)
"سؤالات الآجري لأبي داود" 2: 186، وانظر:"الضعفاء والمتروكون" للدارقطني ص 415.
ومن الأحاديث التي صنع بها الوليد مثل ما تقدم فانشغل النقاد بسببه ـ حديث المغيرة بن شعبة في مسح أعلى الخف وأسفله، قال الوليد: أخبرني ثور ابن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة:" أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله "
(1)
.
فهذا الحديث أطبق النقاد على أنه عن ثور بن يزيد، قال: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا رواه ابن المبارك عن ثور بن يزيد
(2)
، فالوليد دلسه تدليس تسوية، وأخطأ في ذكر المغيرة، فالحديث مرسل.
وقد دلس هذا الحديث أيضاً تدليس تسوية إبراهيم بن أبي يحيى، فرواه عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، كرواية الوليد بن مسلم
(3)
، لكن إبراهيم هذا متروك الحديث، كذبه الأئمة
(4)
.
ومن أمثلة تدليس التسوية أيضاً حديث رواه بقية بن الوليد قال: حدثنا معاوية بن يحيى، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول
(1)
"سنن أبي داود" حديث (165)، و"سنن الترمذي" حديث (97)، و"سنن ابن ماجه" حديث (550)، و"مسند أحمد" 4: 251، و"المنتقى" حديث (84)، و"المعجم الكبير" حديث (939)، و"سنن الدارقطني" 1: 195، و"سنن البيهقي" 1: 290، و"التمهيد" 11:147.
(2)
"سنن أبي داود" 1: 117، و"سنن الترمذي" 1: 163، و"سنن الدارقطني" 1: 195، و"المحلى" 2: 155، و"التلخيص الحبير" 1:168.
(3)
"مختصر المزني" ص 10.
(4)
"تهذيب التهذيب" 1: 158، و"التقريب" ص 93.
الله صلى الله عليه وسلم: " إن المعونة لتأتي من الله على قدر المؤونة
…
"
(1)
، فقد سأل ابن أبي حاتم أباه وأبازرعة عنه، فقال أبوحاتم:"كنت معجباً بهذا الحديث حتى ظهرت لي عورته، فإذا هو: معاوية، عن عباد بن كثير، عن أبي الزناد"، وقال أبوزرعة:"الصحيح ما رواه الدراوردي، عن عباد بن كثير، عن أبي الزناد، فبين معاوية بن يحيى وأبي الزناد: عباد بن كثير، وعباد ليس بالقوي"
(2)
.
وعباد بن كثير هذا هو البصري، وهو متروك الحديث
(3)
.
وحديث آخر رواه بقية أيضاً، قال ابن أبي حاتم:"سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية، قال: حدثني أبو وهب الأسدي، قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: " لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه ".
قال أبي: هذا الحديث له علة قل من يفهمها، روى هذا الحديث عبيدالله ابن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعبيدالله بن عمرو كنيته أبووهب، وهو أسدي، فكأنَّ بقية ابن الوليد كنى عبيدالله بن عمرو، ونسبه إلى بني أسد، لكي لا يفطن به، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى له، قال: وكان بقية من أفعل
(1)
"الكامل" 2: 470، 6:2397.
(2)
"علل الحديث" 2: 133، وانظر:" الكامل" 4: 1435، 6: 2242، و"كشف الأستار" 2: 195 حديث (1506).
(3)
"تهذيب التهذيب" 5: 100.
الناس لهذا، وأما ما قال إسحاق في روايته عن بقية، عن أبي وهب: حدثنا نافع ـ فهو وهم، غير أن وجهه عندي أن إسحاق لعله حفظ عن بقية هذا الحديث، ولما يفطن لما عمل بقية من تركه إسحاق من الوسط، وتكنيته عبيدالله بن عمرو، فلم يتفقد لفظ بقية في قوله: حدثنا نافع، أو عن نافع"
(1)
.
ويؤيد ما قاله هذا الإمام الجليل أن بقية رواه لغير إسحاق بن راهويه غير مُدَلَّس، فذكر إسناده تاماً
(2)
.
وإسحاق بن أبي فروة الذي أسقطه بقية متروك الحديث، كذبه بعض الأئمة
(3)
.
وقد أسقطه راوٍ آخر في حديث ذكره ابن أبي حاتم أيضاً، وهو يدل على خطورة تدليس التسوية، وأنه ـ كما قال الأئمة ـ شر أنواع التدليس، ويبرز فضل أئمة النقد، وعلو مكانتهم، قال ابن أبي حاتم:" وسمعت أبي: سئل عن حديث رواه منصور بن [سقير]، عن موسى بن أعين، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليكون من أهل الصوم والصلاة والزكاة والحج - حتى ذكر سهام الخير - فما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله".
قال أبي: سمعت ابن أبي الثلج يقول: ذكرت هذا الحديث ليحيى بن معين، فقال: هذا حديث باطل، إنما رواه موسى بن أعين، عن صاحبه عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن
(1)
"علل الحديث" 2: 154، وانظر 1: 393 حديث (1177).
(2)
"الكفاية" ص 365.
(3)
"تهذيب التهذيب" 1: 240.
النبي صلى الله عليه وسلم، فرفع إسحاق من الوسط، فقيل: موسى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر.
قال أبي: وكان موسى، وعبيد الله بن عمرو صاحبين يكتب بعضهما عن بعض، وهو حديث باطل في الأصل.
قيل لأبي: ما كان منصور هذا؟
قال: ليس بقويّ، كان جندياً وفي حديثه اضطراب.
أخبرنا أبو محمد
(1)
، قال: حدثنا عبدالرحيم بن شعيب، قال: حدثنا ابن أبي الثلج، قال: كنا نذكر هذا الحديث ليحيى بن معين سنتين أو ثلاثاً، فيقول: هو باطل ولا يدفعه بشيء. حتى قدم علينا زكريا بن عديّ فحدثنا بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، فأتيناه فأخبرناه، فقال: هذا بابن أبي فروة أشبه منه بعبيد الله بن عمرو "
(2)
.
إذا تبين هذا فالمدلس تدليس تسوية يحتاج إلى النظر في رواية من بعده، وهل فيها تصريح بالسماع أو لا، ولا يكفي تصريحه هو بالتحديث، فإذا صرح بالتحديث انتقل النظر إلى رواية من بعده.
الرابع: أخطاء الرواة، فكما يخطئ الراوي على شيخه أو شيخ شيخه في رفع حديث أو في وصله، أو في تغيير متنه، يخطئ عليه في التصريح بالتحديث
(1)
أبو محمد هو ابن أبي حاتم.
(2)
"علل الحديث" 2: 129، وانظر:"الضعفاء الكبير" 4: 192، و"المجروحين" 3: 40، وانظر مثالاً آخر لتدليس التسوية في "علل ابن أبي حاتم" 1: 106، و"أسئلة البرذعي لأبي زرعة" 2:365.
من شيخه، وقد تقدم في الفصل الثاني أن الراوي قد يخطئ في التصريح بالتحديث من راوٍ لم يسمع أصلاً ممن روى عنه، فكذلك هنا، فقد ذكر أبوحاتم أحاديث من رواية هشام بن خالد الأزرق، عن بقية بن الوليد يصرح فيها بالتحديث عن ابن جريج، وحكم أبوحاتم عليها بأنها موضوعة، ثم قال:"وكان بقية يدلس، فظن هؤلاء أنه يقول في كل حديث: حدثنا، ولم يتفقدوا الخبر منه"
(1)
.
وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه بقية قال: حدثني ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تبدؤوا بالكلام قبل السلام، فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه "، قال أبي: هذا حديث باطل، ليس من حديث ابن أبي رواد"
(2)
.
وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث - والراوي عن بقية كما في السؤال أبو تقي الحمصي - فقال: "هذا حديث ليس له أصل، لم يسمع بقية هذا الحديث من عبدالعزيز (يعني ابن ابي رواد)، إنما هو عن أهل حمص، وأهل حمص لا يميزون هذا"
(3)
.
وكذا ذكر ابن عدي في ترجمة بقية جملة من الأحاديث المنكرة يصرح فيها بالتحديث، وأشار إلى معنى ما ذكره أبوحاتم وأبو زرعة في نقدها
(4)
.
وقال ابن رجب بعد أن تحدث عن وقوع الأخطاء من الرواة في صيغ
(1)
"علل الحديث" 2: 126، 295.
(2)
"علل الحديث" 2: 294.
(3)
. "علل الحديث" 2: 331.
(4)
"الكامل" 2: 507.
التحديث، وأنه ينبغي التفطن، فلا يغتر بمجرد ذلك:"وذكر أحمد أن ابن مهدي حدث بحديث عن هشيم: أخبرنا منصور بن زاذان، قال أحمد: ولم يسمعه هشيم من منصور"
(1)
.
وقد ذكر ابن معين أيضاً خطأ عبدالرحمن بن مهدي هذا
(2)
.
ومن الطريف في هذا أن يبلغ المدلس الخطأ عليه في تصريحه بالتحديث، فيصحح هذا الخطأ، ويبين أنه لم يروه بصيغة صريحة، فمن ذلك قول أبي عبيدة عبدالواحد بن واصل الحداد:"كتبت لأبي حرة حديثه: سمعت الحسن، أو حدثنا الحسن، فقال: ما قلت هذا، أنا أقول هذا؟ ! ! ، قال: فما قال في شيء: سمعت الحسن، إلا في ثلاثة أشياء"
(3)
.
ويلتحق بأخطاء الرواة أخطاء النساخ بالنسبة للمخطوطات، وأخطاء الطباعة بالنسبة للمطبوعات، وهذا كثير جداً، وقد شكا من ذلك الإمام الذهبي في عصره وما قبله، فما الظن بالعصور اللاحقة؟ قال: "فإذا قال الوليد أو بقية: عن الأوزاعي فواهٍ، فإنهما يدلسان كثيراً عن الهلكى، ولهذا يتقي أصحاب الصحاح حديث الوليد، فما جاء إسناده بصيغة: عن ابن جريج، أو عن الأوزاعي ـ تجنبوه، وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود ـ عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما
(1)
"شرح علل الترمذي" 2: 594.
(2)
" تاريخ الدوري عن ابن معين " 2: 360.
(3)
"العلل ومعرفة الرجال" 1: 266، وانظر أيضاً: 1: 310 فقرة (530)، 2: 595 فقرة (3823)، 3: 242 فقرة (5063)، و"سؤالات أبي داود" ص 329 فقرة (466).
نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدخل على الحاكم في تصرفه في (المستدرك) "
(1)
.
والتفريق بين ما هو من أخطاء الرواة وما هو من أخطاء النساخ قد لا يتهيأ دائماً، لكن النتيجة واحدة.
ولأهمية هذا الموضوع سأذكر الآن جملة من الأحاديث كأمثلة على هذه المسألة.
منها ما أخرجه البخاري عن شيخه علي بن المديني، عن محمد بن عبدالرحمن الطفاوي، عن الأعمش، قال: حدثني مجاهد، عن ابن عمر مرفوعاً:" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل "
(2)
.
فهذا الحديث أنكر الإمام عمرو بن محمد الناقد على علي بن المديني جعله رواية الأعمش عن مجاهد بصيغة (حدثني)، وذكر أن الطفاوي إنما حدثهم بالعنعنة بين الأعمش ومجاهد، واستظهر أن الأعمش إنما رواه عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد
(3)
.
وذكر ابن رجب أن جماعة ـ لم يسمهم ـ أنكروا كذلك سماع الأعمش لهذا الحديث من مجاهد
(4)
.
وتأيد هذا بأن جماعة آخرين رووه عن الطفاوي بالعنعنة، وكذلك رواه
(1)
. "الموقظة" ص 46.
(2)
"صحيح البخاري" حديث (6416).
(3)
"الضعفاء الكبير" 3: 239.
(4)
"شرح علل الترمذي" 2: 854، و" جامع العلوم والحكم " ص 356.
غير الطفاوي بالعنعنة أيضاً
(1)
، ثم إن الحديث معروف عن ليث بن أبي سليم، حيث رواه حماد بن زيد، وسفيان الثوري، وأبومعاوية عنه عن مجاهد
(2)
، وقد سئل الأعمش عن شيء رواه عن مجاهد، فذكر أنه سمعه من ليث بن أبي سليم
(3)
.
ولعل البخاري تسامح في إخراجه لكونه في الرقاق، ثم له طريق آخر إلى ابن عمر، فقد جاء عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن ابن عمر
(4)
، لكن عبدة بن أبي لبابة رأى ابن عمر، وفي سماعه منه خلاف
(5)
.
ومثله ما أخرجه مسلم عن نصر بن علي الجهضمي، عن أبي أسامة حماد ابن أسامة، عن الأعمش قال: حدثنا أبوصالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نَفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة
…
" الحديث
(6)
.
(1)
انظر: "صحيح ابن حبان" حديث (698)، و"روضة العقلاء" لابن حبان ص 148 - 149، و"المعجم الكبير" حديث (1347)، و"فتح الباري" 11: 233، و"هدي الساري" ص 441.
(2)
"سنن الترمذي" حديث (2333)، و"سنن ابن ماجه" حديث (4114)، و"مسند أحمد" 3:41.
(3)
"العلل ومعرفة الرجال" 1: 255.
(4)
"مسند أحمد" 2: 132، و"علل ابن أبي حاتم" 2: 117، و"تحفة الأشراف" 5:481.
(5)
انظر: "المراسيل" ص 136، و"حلية الأولياء" 6: 115، و"تهذيب الكمال" 18:543.
(6)
"صحيح مسلم" حديث (2699).
فهذا الحديث رواه محمود بن غيلان عن أبي أسامة فلم يذكر تصريح الأعمش بالتحديث من أبي صالح
(1)
، وهكذا رواه جمع غفير عن الأعمش فلم يذكروا تصريحه بالتحديث
(2)
.
ورواه أسباط بن محمد، عن الأعمش، قال: حدثت عن أبي صالح
(3)
، ورواه عبيدة بن الأسود، عن الأعمش، عمن حدثه، عن أبي صالح
(4)
.
(1)
"سنن الترمذي" حديث (2646، 2945).
(2)
"صحيح مسلم" حديث (2699)، و"سنن أبي داود" حديث (4946)، و"سنن الترمذي" حديث (1425)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (7288 - 7289)، و"سنن ابن ماجه" حديث (225)، و"مسند أحمد" 2: 252، 407، و"مستدرك الحاكم" 4: 384، و"علل الدارقطني" 10:183.
(3)
"سنن أبي داود" حديث (4946)، و"سنن الترمذي" حديث (1425، 1930)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (7290)، و"علل الأحاديث في صحيح مسلم" ص 136.
(4)
"علل الدارقطني " 10: 185 معلقاً.
وانظر أمثلة أخرى لما أخرجه البخاري، وقد قيل: إنه وقع فيه خطأ في التصريح بالتحديث على مدلس في "صحيح البخاري" الأحاديث (241)، (391 - 393)، (750)، و"العلل ومعرفة الرجال" 3: 222 فقرة (4966)، و" فتح الباري" لابن رجب 2: 284، 325 ولابن حجر 1:497.
ومثالين آخرين لما أخرجه مسلم، في "صحيح مسلم" حديث (311)، (2865)، و"مسند أحمد" 4: 162، 266، و"مسند الطيالسي" حديث (1175)، و"العلل ومعرفة الرجال" 3: 222 فقرة (4966)، و"صحيح ابن حبان" حديث (653)، و"المعجم الكبير" 17: 360 - 361 حديث (992 - 994).
ومثالاً لما اتفقا عليه، وتعقبا بأنه وقع فيه تدليس، لكن التصريح بالتحديث فيه خارج "الصحيحين"، ويحتمل وقوع خطأ فيه، في "صحيح البخاري" حديث (1853)، و"صحيح مسلم" حديث (1335)، و"سنن الترمذي" حديث (928)، و"شرح مشكل الآثار" حديث (2536)، و"الإلزامات والتتبع" ص 352، 473، و"هدي الساري" ص 358، و"فتح الباري" لابن حجر 4:66.
وبهذا أعله جماعة من الحفاظ منهم الترمذي، وأبوالفضل بن الشهيد، والدارقطني، وهو ظاهر صنيع النسائي
(1)
.
وقال أبوزرعة لما سئل عن رواية الجماعة، عن الأعمش، عن أبي صالح:"منهم من يقول: الأعمش، عن رجل، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح: عن رجل، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم"
(2)
.
وإنما سقت هذين المثالين من "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" ليضدرك الباحث ضرورة مراعاة الخطأ في التصريح بالتحديث من مدلس، وأنه إذا كان قد استدرك على هذين الكتابين مع جلالتهما، وتحري مؤلفيهما البالغ ـ
(1)
"سنن الترمذي" حديث 1425، و"سنن النسائي الكبرى حديث (7288 - 7290، و"علل الأحاديث في صحيح مسلم" ص 136، و"جامع العلوم والحكم" ص 318.
(2)
"علل ابن أبي حاتم" 2: 162، وجاء في حواشي بعض النسخ كما في " علل ابن أبي حاتم" تحقيق محمد الدباسي تعليقاً على عبارة:" منهم من يقول: الأعمش، عن رجل، عن أبي هريرة" - ما نصه: "لعله: عن أبي صالح"، أي لعله: عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ومثل ذلك يقال في الجملة الأخيرة.
فغيرهما من باب أولى، والأمثلة على ذلك كثيرة.
فمن ذلك أن مالك بن أنس، وأبا أويس، وعبدالرحمن بن خالد، رووا عن الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خَرَشة، عن قبيصة بن ذؤيب، قصة مجيء الجدة إلى أبي بكر الصديق في شأن الميراث
(1)
، وكذا رواه سفيان بن عيينة مرة عن الزهري، إلا أنه لم يسم عثمان
(2)
.
ورواه جماعة كثيرون، منهم الأوزاعي، ومعمر، وشعيب، وصالح بن كيسان، وإسحاق بن راشد، ويونس بن يزيد، وسفيان بن عيينة مرة، عن الزهري، عن قبيصة مباشرة دون واسطة، وفي رواية صالح وحده قال الزهري: أخبرني قبيصة
(3)
.
قال النسائي بعد أن أخرج رواية صالح: "الصواب حديث مالك،
(1)
. "موطأ مالك" 2: 513، و"سنن أبي داود" حديث (2894)، و"سنن الترمذي" حديث (2101)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (6346)، و"سنن ابن ماجه" حديث (2724)، و"مسند أحمد" 4: 225، و"علل الدارقطني" 1: 248، و"التمهيد" 11:95.
(2)
. "سنن الترمذي" حديث (2100)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (6345)، و"التمهيد" 11:95.
(3)
. "سنن الترمذي" حديث (2100)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (6339 - 6340)، (6342 - 6344)، و"سنن ابن ماجه" حديث (2724)، و"مسند أحمد" 4: 225، و"سنن سعيد بن منصور" حديث (80)، و"مصنف ابن أبي شيبة" 11: 320، و"مسند أبي يعلى" حديث (120)، و"علل الدارقطني" 1:248.
وحديث صالح خطأ، لأنه قال: إن قبيصة أخبره، والزهري لم يسمعه من قبيصة"
(1)
.
وروى جماعة كثيرون جداً من أصحاب ابن جريج عنه، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً في أنه لا قطع على منتهب، أو مختلس، أو خائن، ومنهم من اقتصر على بعضه، ومنهم من زاد فيه:" ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا "، رووه عن ابن جريج بالعنعنة، أو بصيغة: قال أبوالزبير، وقد نص جماعة من الأئمة منهم أحمد، وأبوداود، وأبوحاتم، وأبوزرعة، والنسائي أنه لم يسمعه من أبي الزبير، وذكر أحمد أنه سمعه من ياسين الزيات، عن أبي الزبير، وأشار إلى ذلك أبوحاتم، وأبوزرعة أيضاً، وقالا:"قال زيد بن حباب: أنا حدثت به ابن جريج، عن أبي الزبير "
(2)
.
وقد رواه عبد الرزاق، عن ياسين الزيات، أن أبا الزبير أخبره عن جابر
(3)
.
(1)
. "تحفة الأشراف" 8: 362، وانظر:"علل الدارقطني" 1: 248، و"التمهيد" 11:95.
(2)
"سنن أبي داود" حديث (4391 - 4393)، و"سنن الترمذي" حديث (1448)، و"سنن النسائي" حديث (4987 - 4989)، و"سنن ابن ماجه" حديث (2591)، و"مسند أحمد" 3: 380، و"مصنف عبدالرزاق" حديث (18858)، (18860)، و"مصنف ابن أبي شيبة" 10: 45، 47، و"شرح معاني الآثار" 3: 171، و"شرح مشكل الآثار" حديث (1314)، و"علل ابن أبي حاتم" 1: 450، - وفي النسخة سقط - و"صحيح ابن حبان" حديث (4456 - 4457)، و"الكامل" 7: 2642، و"سنن الدارقطني" 3: 187، و"الإرشاد" 1: 352، و"سنن البيهقي" 8: 279، و"تاريخ بغداد" 1: 256، 11:153.
(3)
"مصنف عبد الرزاق" حديث (18845)، (18859).
وقد جاء عن ابن جريج مصرحاً فيه بالسماع من أبي الزبير
(1)
، ويترجح جداً وقوع الخطأ في ذلك، إما من الرواة، أو من النساخ، ولَّما أخرجه النسائي من طريق محمد بن حاتم، عن سويد، عن عبدالله بن المبارك، عن ابن جريج قال: أخبرني أبوالزبير به، قال عقبه:"ما عمل شيئاً، ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير عندنا"
(2)
.
وروى محمد بن طلحة، ويحيى بن أيوب، ويزيد بن هارون، وسليمان بن بلال، عن حميد، عن ثابت، عن أنس قصة صلاته صلى الله عليه وسلم في مرضه خلف أبي بكر
(3)
.
ورواه جماعة آخرون منهم سفيان الثوري، وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، وأخوه محمد، وحماد بن سلمة، وعبدالوهاب الثقفي عن حميد، عن أنس ليس بينهما أحد
(4)
.
(1)
"مصنف عبدالرزاق" حديث (18844)، و"سنن الدارمي" حديث (2351)، و"تاريخ بغداد" 1: 256، و"العلل المتناهية" حديث (1326).
(2)
"السنن الكبرى" حديث (7463.
(3)
. "سنن الترمذي" حديث (363)، و"مسند أحمد" 3: 243، و"شرح معاني الآثار" 1: 406، و"شرح مشكل الآثار" حديث (4213)، (5649)، و"صحيح ابن حبان" حديث (2125).
(4)
. "سنن النسائي" حديث (785)، و"مسند أحمد" 3: 216، 233، 243، 259، 263، و"مسند أبي يعلى" حديث (3751)، و"الأوسط" لابن المنذر حديث (2041)، و"دلائل النبوة" 7:192.
ورجح الترمذي بعد تخريجه قول من ذكر فيه ثابتاً، ومعناه أن حميداً قد دلسه حين رواه عن أنس.
وحجة الترمذي ظاهرة، وهي أن حميداً مدلس، ولم يصرح بالتحديث، وقد أدخل واسطة في بعض الطرق إليه، ولا يعكر عليه ما وقع في رواية محمد بن جعفر بن أبي كثير، وهي عند البيهقي في "الدلائل" - من تصريح حميد بالتحديث عن أنس، فمثل هذا لا يعتمد عليه، فهو إما من خطأ النساخ، أو من خطأ أحد رواة الإسناد.
وقد تعرض أحد الباحثين لدراسة الإسناد، ثم قال في نهاية كلامه:"وكلا الوجهين صحيح محفوظ عن حميد، سمعه حميد من أنس رضي الله عنه، كما حفظه محمد بن جعفر عنه، وسمعه من ثابت، عن أنس رضي الله عنه، فكان يرويه على الوجهين".
وقال باحث آخر: " قد صرح حميد بسماعه الحديث من أنس عند البيهقي، ورواه مرة أخرى بواسطة ثابت، عن أنس، فلعله سمعه من الاثنين، فرواه على الوجهين ".
وما قرراه تساهل ظاهر لا يلتفت إليه.
وروى ابن حبان، عن محمد بن المنذر بن سعيد، حدثنا يوسف بن سعيد، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: " كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوا مكان الدم
خلوقاً "
(1)
.
فهذا إسناد رجاله ثقات، صرح فيه ابن جريج بالإخبار، فصححه ابن حبان، وتوارد على تصحيحه جمع من الباحثين المعاصرين، اعتماداً على تصريح ابن جريج بالإخبار عند ابن حبان، وهو جزء من حديث مطول يعرف بحديث (العقيقة)، وقد رواه عن ابن جريج غير حجاج بن محمد: روح بن عبادة، وعبدالرزاق، وعبدالمجيد بن أبي رواد، وهشام بن سليمان، فرواه روح، وعبدالمجيد، عن ابن جريج بالعنعنة بينه وبين يحيى بن سعيد، وقيل عن روح - وكذا هو في رواية هشام بن سليمان - عن ابن جريج قال: حدثنا عن يحيى، ورواه عبدالرزاق عن ابن جريج قال: حدثت حديثاً رفع إلى عائشة
…
، وروى أيضاً بعض حديث (العقيقة) عن ابن جريج: أبوقرة موسى بن طارق، ومحمد ابن عمرو اليافعي بالعنعنة أيضاً، بل صيغة أبي قرة: عن ابن جريج حديثاً ذكره عن يحيى بن سعيد
(2)
.
فإذا أضيف إلى ذلك قول عبدالله بن أحمد: "قلت ليحيى (يعني ابن معين): ابن أبي رواد حدث عن ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في العقيقة، فقال: هذا في كتب ابن جريج: عن رجل، عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ـ صلى الله عليه
(1)
"صحيح ابن حبان" حديث (5308).
(2)
"مصنف عبدالرزاق" حديث (7963)، و"مسند البزار" حديث (1239)، و"مسند أبي يعلى" حديث (4521)، و"مشكل الآثار" حديث (1051)، و"صحيح ابن حبان" حديث (5308)، (5311)، و"المستدرك" 4: 237، و"سنن البيهقي" 9: 299 - 303.
وسلم"
(1)
ـ وقول الدارقطني بعد أن ذكر رواية روح بن عبادة، وهشام بن سليمان وفيهما قول ابن جريج: حدثنا عن يحيى بن سعيد - قال: "وهو الصحيح، فإن ابن جريج لم يسمعه من يحيى"
(2)
- ترجح جداً أن رواية حجاج ابن محمد التي عند ابن حبان وقع فيها خطأ في صيغة التحديث، ولعل أصلها: أخبرت عن يحيى بن سعيد، وقد ذكر الدارقطني في "العلل" أن حجاجاً يرويه بالعنعنة، فالخطأ ممن بعده بلا شك.
وأخرج أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي، من طرق عن ابن إسحاق، عن عبدالله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قصة إهدائه صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية جملاً لأبي جهل، ووقع عندهم تصريح ابن إسحاق بالتحديث
(3)
.
وقد جاء الحديث من طرق أخرى عن ابن إسحاق بعضها بالعنعنة، وبعضها بصيغة: قال ابن أبي نجيح، وبعضها بلفظ: حدثني من لا أتهم عن ابن أبي نجيح
(4)
، فترجح إذاً أن التصريح بالتحديث وقع فيه خطأ، ويظهر أن سبب
(1)
"العلل ومعرفة الرجال" 3: 19.
(2)
. "علل الأحاديث" الورقة 153.
(3)
. "مسند أحمد" 1: 261، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (2898)، و"المستدرك" 1: 467، و"سنن البيهقي" 5:185.
(4)
. "سنن أبي داود" حديث (1749)، و"سيرة ابن هشام" 3: 420، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (2897)، و"شرح مشكل الآثار" حديث (1403 - 1404)، و"المعجم الكبير" حديث (11147)، و"معرفة علوم الحديث" ص 107، و"سنن البيهقي" 5: 229، و"التمهيد" 17: 414، و"إتحاف المهرة" 8:16.
وقوع الخطأ كون ابن إسحاق صرح بالتحديث عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، في حديث قبله، ثم عطف عليه هذا بقوله: وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس.
وأخرج ابن ماجه قال: حدثنا جعفر بن مسافر، قال: حدثني كثير بن هشام، قال: ثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن عمر بن الخطاب قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا دخلت على مريض فمره أن يدعو لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة "
(1)
.
قال النووي عن إسناد هذا الحديث: " صحيح أو حسن، لكن ميمون بن مهران لم يدرك عمر"
(2)
.
وقال البوصيري: "إسناده صحيح، ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع
…
"
(3)
.
وقد رأيت هذا الحديث في بعض مقررات التعليم عندنا، وهو حديث ضعيف جداً شبيه بالموضوع، فقد رواه الحسن بن عرفة العبدي، عن كثير بن هشام، عن عيسى بن إبراهيم، عن جعفر بن برقان
(4)
، وعيسى بن إبراهيم هذا هو الهاشمي الشامي متروك الحديث، يروي كثيراً عن جعفر بن برقان، ويروي عنه كثير بن هشام
(5)
، وقد سقط من الإسناد الأول.
(1)
"سنن ابن ماجه" حديث (1441).
(2)
"الأذكار" ص 289.
(3)
"مصباح الزجاجة" 1: 465.
(4)
"عمل اليوم والليلة" لابن السني حديث (562)، و"النكت الظراف" 8:111.
(5)
"الكامل" 5: 1890، و"الميزان" 3:308.
وسواء كان سقط عمداً أو خطأً فإن صورته صورة التدليس، لكن يكون أصل صيغة الرواية بالعنعنة بين كثير، وجعفر بن برقان، إن كان الإسقاط عمداً، فأبدلت خطأ بصيغة تحديث، لأن كثير بن هشام لم يوصف بتدليس، وهو من أروى الناس عن جعفر بن برقان
(1)
، ولهذا ذكرت المثال هنا، وإن كان الإسقاط وقع خطأ فالقائل: حدثنا جعفر بن برقان هو عيسى بن إبراهيم، وقد سقط من الإسناد.
وسئل أحمد عن حديث هشيم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: " الإمام ضامن
…
" وقول هشيم عن الأعمش فيه: حدثنا أبوصالح
(2)
، فقال أحمد:"لم يسمعه هشيم من الأعمش"
(3)
.
يشير أحمد إلى خطأ التصريح بالتحديث، وأن هشيماً دلسه عن الأعمش، ولم يسمعه منه، فيحتمل أنه أسقط ضعيفاً عليه عهدة تصريح الأعمش بالتحديث، وكان أحمد يذهب إلى أن الأعمش لم يسمع هذا الحديث من أبي صالح.
وروى سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان ابن بلال، عن عمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث (تخليل اللحية)،
(1)
"معرفة الثقات" 2: 226، وانظر:"تهذيب التهذيب" 2: 107، و"النكت الظراف" 8:111.
(2)
. أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" حديث (2187) من طريق سريج بن النعمان، عن هشيم به.
(3)
"مسائل أبي داود" ص 389.
وقد جاء بالعنعنة بين سفيان، وسعيد، فأعله أبوحاتم باحتمال تدليس ابن عيينة وبغير ذلك
(1)
.
ورد ذلك أحمد شاكر بوقوع التصريح بالتحديث من ابن عيينة عند الحاكم
(2)
، ولا يخفى أنه لا يصح الاعتماد على "المستدرك" في إثبات تصريح بالسماع ولا سيما مع التحريف الكثير في المطبوع، ولو لم يكن فهي رواية معلولة.
وروى يزيد أبوخالد القرشي، عن ابن جريج: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت "
(3)
، وكذا جاء في رواية عن روح بن عبادة، عن ابن جريج
(4)
.
وجاء من روايات متعددة، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، هكذا بالعنعنة
(5)
، وكذا رواه عبدالعزيز بن أبي رواد
(6)
، ورواه حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت
(7)
.
(1)
" علل ابن أبي حاتم " 1: 32.
(2)
"المستدرك" 1: 149، وتعليق شاكر على "سنن الترمذي" حديث (30).
(3)
"مسند أحمد" 1: 146، و"مسند أبي يعلى" حديث (331)، و"الكامل" 7:2734.
(4)
"سنن الدارقطني" 1: 225.
(5)
"سنن ابن ماجه" حديث (1460)، و"مسند البزار" حديث (694)، و"المستدرك" 4: 180، و"سنن البيهقي" 2:228.
(6)
"سنن الدارقطني" 1: 225.
(7)
"سنن أبي داود" حديث (3140)، (4015)، و"سنن البيهقي" 2:228.
قال أبوحاتم: "ابن جريج لم يسمع هذا الحديث بهذا الإسناد من حبيب، إنما هو من حديث عمرو بن خالد الواسطي، ولا يثبت لحبيب رواية عن عاصم، فأرى أن ابن جريج أخذه من الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب، والحسن بن ذكوان، وعمرو بن خالد ضعيفا الحديث"
(1)
.
وعمرو بن خالد أشدهما ضعفاً، فهو متروك الحديث، متهم بالوضع
(2)
.
وقال ابن حجر: "وقع في "زيادات المسند"، وفي الدارقطني، و"مسند الهيثم بن كليب" تصريح ابن جريج بإخبار حبيب له، وهو وهم في نقدي"
(3)
.
وتأيد وقوع الخطأ في التصريح بالتحديث، وأن ابن جريج دلسه بما ذكره ابن معين من كون ابن جريج لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت سوى حديثين، ليس هذا واحداً منهما، كما تقدم في المبحث الثالث.
وقد مر أحد الباحثين بأحد الطرق التي وقع فيها تصريح ابن جريج بالتحديث، فراح يشتغل ببيان قوة رواية ابن جريج إذا صرح بالإخبار، ولم يتعرض لكلام الأئمة على تدليسه لهذا الحديث، وأن التصريح بالتحديث خطأ ممن دونه، ولا ذكر الباحث أن حبيب بن أبي ثابت لا تصح له رواية عن عاصم ابن ضمرة، كما تقدم آنفاً من كلام أبي حاتم، وقاله غيره من الأئمة
(4)
، فما جاء من ذلك عنه فهو من رواية عمرو بن خالد المذكور آنفاً، بل نقل الباحث عن أبي
(1)
"علل الحديث" 2: 271.
(2)
"تهذيب التهذيب" 2: 276، 8:26.
(3)
"التلخيص الحبير" 1: 298.
(4)
"سؤالات الآجري لأبي داود" 1: 301، و"جامع التحصيل" ص 190.
داود قوله بعد أن روى الحديث: "هذا الحديث فيه نكارة"
(1)
، ثم عقبه بقوله: "وأما النكارة التي صرح بها أبوداود
…
فهي ليست أكثر من وهم، لا يصمد أمام الدراسة الجادة للحديث ولرجاله".
كذا قال الباحث ـ سامحه الله ـ، وهكذا فلتكن الدراسة الجادة للسنة النبوية! ! .
وهذا باحث آخر علق على نفي الإمام أحمد أن يكون شيخه هشيم سمع كلمة (فانحرف) من يعلى بن عطاء في حديث يزيد بن الأسود، فقال الباحث معلقاً على كلام أحمد:"ولكن رواه الترمذي (حديث 219) عن شيخه أحمد بن منيع، عن هشيم قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، حدثنا جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه قال: " شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، قال: فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: عليّ بهما
…
"، والمدلس إذا صرح بالإخبار والتحديث فروايته مقبولة صحيحة عند الجمهور
…
".
كذا قال الباحث، وظاهر جداً أن رد كلام أحمد بمثل هذا غير لائق، فالكلمة مدرجة في هذه الرواية بلا شك، والباحث نفسه قد خرج الحديث من "سنن النسائي"(حديث 857)، من رواية زياد بن أيوب، عن هشيم، ومن "مسند أحمد (4: 161)، وليس فيهما هذه الكلمة، بل فيه في رواية أحمد:"وربما قيل لهشيم: فلما قضى صلاته تحرف، فيقول: تحرف عن مكانه".
(1)
"سنن أبي داود" حديث (4015).
وكما يقع الخطأ على المدلس في تصريحه بالتحديث يقع عليه أيضاً إذا دلَّس تدليس تسوية، فيرد التصريح بالتحديث بين راويين قد أسقط المدلس مَنْ بينهما، كما تقدم مثاله في رواية إسحاق بن راهويه، عن بقية بن الوليد، عن أبي وهب الأسدي، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً:" لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه "، حيث جاءت هذه الرواية بالتصريح بالتحديث بين أبي وهب ونافع، مع أن بقية قد أسقط أحد المتروكين بينهما.
ومثله حديث الوليد بن مسلم المتقدم أيضاً، فقد رواه جماعة كثيرون منهم داود بن رشيد في رواية أحمد بن يحيى الحلواني عنه، عن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة، هكذا بالعنعنة بين ثور ورجاء، ورواه البغوي، عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم بالتصريح بالتحديث بين ثور ورجاء، فيترجح جداً أن هذه الرواية وقع فيها خطأ، ولا يصح الاعتماد عليها لنفي تدليس التسوية من الوليد، ومعارضة أقوال كبار الأئمة، كما فعل أحمد شاكر وغيره من الباحثين
(1)
.
وروى إبراهيم بن المنذر، ودحيم، عن الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه
…
" الحديث
(2)
، وكذا رواه ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي
(3)
.
(1)
انظر: "التلخيص الحبير" 1: 169، وتعليق أحمد شاكر على "سنن الترمذي" 1: 164، وتعليق محقق "العلل الكبير" 1:180.
(2)
. "صحيح البخاري" حديث (973)، و"سنن ابن ماجه" حديث (1304).
(3)
. "النكت الظراف" 6: 114.
ورواه داود بن رشيد، وإسحاق بن موسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن نافع، هكذا بالعنعنة بين الأوزاعي، ونافع، وكذا قال عيسى بن يونس، وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي.
ورواه الوليد بن مزيد، وعمر بن عبدالواحد، عن الأوزاعي قال: بلغني عن نافع، ورواه شعبة، عن الأوزاعي، عن رجل، عن نافع
(1)
.
فالاحتمال الأقوى أن يكون الأوزاعي لم يسمعه من نافع، وأنه دلس عليه تدليس تسوية، ثم وقع التصريح بالتحديث خطأ ممن دونه، وليس للأوزاعي، عن نافع في الكتب الستة، و"مسند أحمد"، وكتب أخرى كثيرة غير هذا الحديث
(2)
، وقد قال أبو داود السجستاني:"لا نعلم أن الأوزاعي حدث عن نافع إلا بمسألة"
(3)
.
وروى أبو زرعة الدمشقي بإسناده إلى عمرو بن أبي سلمة قال: "قلت للأوزاعي: يا أبا عمرو: الحسن أو رجل عن الحسن؟ قال: رجل عن الحسن، قلت: فنافع أو رجل عن نافع؟ قال: رجل عن نافع
…
"
(4)
.
قال أبو زرعة بعد أن روى هذا: "لا يصح عندنا للأوزاعي عن نافع شيء
…
"
(5)
.
(1)
. "سنن ابن ماجه" حديث (1304).
(2)
. "تحفة الأشراف" 6: 113، و"إتحاف المهرة" 9:141.
(3)
. "سؤالات الآجري لأبي داود " 2: 186.
(4)
. "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" 1: 265، 2:723.
(5)
. "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" 2: 723.
والحديث له طرق مشهورة إلى نافع من غير طريق الأوزاعي
(1)
.
ومن دقائق موضوع أخطاء التصريح بالتحديث من مدلس أن يكون التدليس قد وقع في جملة من الحديث، وباقيه على السماع، فتأتي الرواية عن المدلس مصرحاً فيه بالتحديث في الكل.
فمن ذلك أن جماعة من أصحاب أبي إسحاق السبيعي - ومنهم شعبة، والثوري، وأبو الأحوص، وابن عيينة - رووا عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى رجلاً فقال: إذا أردت مضجعك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك
…
" الحديث، وفي رواية شعبة قول أبي إسحاق: سمعت البراء بن عازب
(2)
.
وجاء عن أبي إسحاق من رواية حفيده إسرائيل بن يونس: " وكان أبو إسحاق يزيد فيه: لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، ويقول: لم أسمع هذا من البراء، سمعتهم يذكرونه عنه: لا ملجأ ولا منجى "
(3)
.
(1)
. "صحيح البخاري" حديث (494)، (498)، (972)، و"صحيح مسلم" حديث (510)، و"سنن أبي داود" حديث (687)، و"سنن النسائي" حديث (746)، و"سنن ابن ماجه" حديث (1305)، و"مسند أحمد" 2: 13، 18، 98، 106، 142، 145.
(2)
. "صحيح البخاري" حديث (6313)، (7488)، و"صحيح مسلم" حديث (2710)، و"سنن الترمذي" حديث (3394)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (10609 - 10612)، و"سنن ابن ماجه " حديث (3876)، و"مسند أحمد" 4: 285، 299.
(3)
. " سنن النسائي الكبرى" حديث (10613)، وانظر:"فتح الباري" 11: 114.
وغير خاف - بعد ما تقدم - أهمية التحقق من صواب تصريح المدلس بالتحديث، وأن ما يفعله كثير من المتكلمين على الأسانيد من التعلق بأدنى شبهة طريقة غير سليمة، وفي نظري أن تشدد المتأخرين في الرد بعنعنة المدلس قابله تسامح كبير منهم في إزالة شبهة التدليس بما يقفون عليه من التصريح بالتحديث دون دراسة له وتمعن فيه.
والذي يوصى به الباحث أن يسلك منهج أئمة النقد في المقارنة، وإنعام النظر، وتوقع أخطاء الرواة والنساخ، ويتأكد هذا الأمر إذا كان الراوي عن المدلس ممن نسب إليه الخطأ في هذا الجانب، أي إنه يخطئ على شيخه فيجعل روايته بالتصريح بالتحديث، كما تقدم في حال أصحاب بقية بن الوليد، ويوجد ذلك في غيره أيضاً.
فممن نسب إليه الخطأ على شيخه: عبد الواحد بن زياد مع الأعمش، قال أبو داود الطيالسي:"عمد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها كلها، يقول: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا مجاهد - في كذا وكذا - "
(1)
.
ومحمد بن كثير العبدي مع سفيان الثوري، قال ابن معين:"كان في حديثه ألفاظ، حدثنا أبو إسحاق - كأنه ضعفه -"
(2)
.
وكذلك إذا كان رواة الإسناد من الأمصار التي نص العلماء على تساهلهم بألفاظ الأداء، فيبدلون بالصيغ غير الصريحة صيغاً صريحة، كما تقدم في كلام أبي
(1)
. "الضعفاء الكبير" 3: 55.
(2)
. "سؤالات ابن الجنيد لابن معين" ص 357.
حاتم وابن عدي في أهل حمص مع أحاديث بقية.
وقال الإسماعيلي: "عادة الشاميين والمصريين جرت على ذكر الخبر فيما يروونه، لا يطوونه طيّ أهل العراق".
قال ابن رجب معقباً على كلمة الإسماعيلي: "يشير إلى أن الشاميين والمصريين يصرحون بالتحديث في رواياتهم، ولا يكون الإسناد متصلاً بالسماع"
(1)
.
وقال في موضع آخر في كلام له على حديث من رواية الشاميين قيل إنه وقع فيه خطأ في التصريح بالتحديث: "قد قيل: إن الشاميين كانوا يتسامحون في لفظة (أنا) و (ثنا)، ويستعملونها في غير السماع، ذكره الإسماعيلي وغيره"
(2)
.
ويكفي لإدراك ما تقدم من ضرورة التحقق من تصريح المدلس بالتحديث أن شعبة بن الحجاج هو أشهر من كان يتفقد السماع من شيوخه المدلسين وغير المدلسين، كما تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول، وكما سيأتي قريباً في هذا المبحث، ومع هذا وقع في الخطأ، قال ابن رجب:"لا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الإخبار عن شيوخه ويكون منقطعاً "
(3)
.
وبعد، فهذه أربعة أسباب إذا وجد واحد منها لزم التوقف في تصريح المدلس بالتحديث، ولا شك أن ترجيح وجود الأول والثاني والرابع منها ليس بالأمر اليسير، وإنما تثور الشبهة إذا عارض التصريح بالتحديث ما يعلم منه
(1)
. " فتح الباري " 2: 284، وانظر: 2: 317، 326، 3:200.
(2)
. " فتح الباري" 6: 138.
(3)
. " شرح علل الترمذي" 2: 594.
الانقطاع، والباحث ـ إذا واجه مثل هذا ـ عليه أن يقوم بالدراسة المتأنية، والموازنة بين دلائل إثبات السماع وعدمه.
الأمر الثالث: يقوم مقام تصريح المدلس بالتحديث أن تأتي الرواية عنه من طريق من عرف بالانتقاء عن شيخه، وأنه لم يأخذ عنه إلا ما كان قد سمعه، أو يأخذ عنه لكن لا يحدث عنه إلا بما كان مسموعاً له.
وقد عرف الالتزام بهذا عن جماعة من تلامذة المدلسين، ومن أشهرهم شعبة، ويحيى القطان، وقد تقدم في الفصل الثاني ذكر تحريهما في تصريح من يأخذان عنه بالتحديث، سواء كان مدلساً أو غير مدلس، وتقدم عن شعبة أيضاً أن كل ما رواه عن شيوخه فقد صرحوا فيه بالتحديث إلا ما بينه لتلاميذه.
ومن النصوص عن شعبة في خصوص المدلسين قوله: "كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: سمعت، أو حدثنا ـ حفظت، وإذا قال: حدث فلان، تركته"
(1)
.
وقال أيضاً: "كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبوإسحاق، وقتادة"
(2)
.
واستثنى شعبة من روايته عن قتادة عن أنس أربعة أحاديث، فإنه تسامح فيها ولم يسأل قتادة عن سماعه، أحدها حديث إقامة الصفوف في الصلاة
(3)
،
(1)
"الجرح والتعديل" 1: 161، 169، 4: 370، و "العلل ومعرفة الرجال" 3: 244، و"تاريخ الدارمي عن ابن معين" ص 192، و" الجعديات" 1: 311، و"الكامل" 1: 81، و"المدخل في أصول الحديث" ص 94، و"الكفاية" ص 164، 363.
(2)
"معرفة السنن والآثار" 1: 65، وانظر "معرفة علوم الحديث" ص 104.
(3)
"سؤالات أبي داود" ص 349، و"المعرفة والتاريخ" 2: 277، 3: 30، و "الجرح والتعديل" 1: 170، 239، وفي هذا الموضع لم يستثن مما حدث عن قتادة، عن أنس، سوى هذا الحديث، فالظاهر أن شعبة لم يحدث بالثلاثة الباقية.
وجاء عنه قوله في هذا الحديث: "كرهت أن أوقفه عليه فيفسده عليَّ، فلم أوقفه عليه"
(1)
، وقال أيضاً:"داهنت في هذا الحديث، لم أسأل قتادة: أسمعته من أنس أم لا؟ "
(2)
.
وقال ابن المديني في كلامه على أصحاب قتادة الكبار: "وشعبة أعلم بما سمع وما لم يسمع"
(3)
.
ومما جاء عن يحيى القطان في شيوخه المدلسين قوله: "لم أكن أهتم لسفيان (يعني الثوري) أن يقول ـ لمن فوقه ـ قال: سمعت فلاناً، ولكن كان يهمني أن يقول هو: سمعت فلاناً، وحدثني فلان"
(4)
.
وقال أيضاً: "ما كتبت عن سفيان شيئاً إلا ما قال: حدثني، أو حدثنا، إلا حديثين
…
"
(5)
.
وذكر سفيان الثوري معتمر بن سليمان فقال فيه: "رجل صالح، يأخذ عن كل"، وفسر أحمد ذلك بقوله: "كان معتمر لا يوقفه، يقول: يأخذ عن كل، سفيان عن رجل، وسفيان بلغه، ليس مثل يحيى يوقِّفه، قل: حدثني، قل:
(1)
"الجرح والتعديل" 1: 170.
(2)
"فتح الباري" 2: 209.
(3)
. "معرفة الرجال" 2: 194، و"المعرفة والتاريخ" 2: 140، وانظر في رواية شعبة عن شيوخه المدلسين:" فتح الباري " 4: 38 م 11: 146، 196، 241.
(4)
"التاريخ الكبير" 4: 92، و"الكفاية" ص 363.
(5)
. "العلل ومعرفة الرجال" 1: 242، 517، وسمى أحمد الحديثين، وانظر: 3: 112، و"معرفة الرجال" 1: 159، و"سير أعلام النبلاء" 9:179.
سمعت"
(1)
.
ولذا قال علي بن المديني: "الناس يحتاجون في حديث سفيان إلى يحيى القطان، لحال الإخبار"
(2)
.
وقال البخاري: "أعلم الناس بالثوري يحيى بن سعيد، لأنه عرف صحيح حديثه من تدليسه"
(3)
.
ومما جاء عن يحيى أيضاً قوله في أبي حرة واصل بن عبدالرحمن: "كتبت عن أبي حُرَّة أحاديث يسيرة، ما قال: سمعت، وسألت"
(4)
.
وسمع يحيى القطان من إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أحاديث كثيرة، وكان يميز ما دلس فيه إسماعيل مما ليس كذلك، قال أحمد:"كنت أسأل يحيى ابن سعيد عن أحاديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن شريح وغيره، فكان في كتابي: إسماعيل قال: حدثنا عامر، عن شريح، حدثنا عامر، عن شريح، فجعل يحيى يقول: إسماعيل، عن عامر، فقلت: إن في كتابي: حدثنا عامر، حدثنا عامر، فقال لي يحيى: هي صحاح، إذا كان ـ يعني مما لم يسمعه إسماعيل ـ أخبرتك"
(5)
.
(1)
. "العلل ومعرفة الرجال" 3: 112.
(2)
"الكفاية" ص 362.
(3)
. "الكامل" 1: 111.
(4)
"العلل ومعرفة الرجال" 3: 229.
(5)
"العلل ومعرفة الرجال" 1: 519، 2: 542، وانظر أيضاً: 3: 90 فقرة (4320)، 3: 217 فقرة (4940، 4942).
وقال ابن المديني: "قلت ليحيى بن سعيد: ما حملت عن إسماعيل، عن عامر ـ هي صحاح؟ قال: نعم، إلا أن فيها حديثين أخاف ألا يكون سمعهما، قلت ليحيى: ما هما؟ قال: قال عامر في رجل خير امرأته حتى تفرقا، والآخر قول علي رضي الله عنه في رجل تزوج امرأة على أن يعتق أباها"
(1)
.
وقال أيضاً: "كل شيء كتبت عن إسماعيل: حدثنا عامر، إلا أن يسمي رجلاً دون الشعبي"
(2)
.
وكأن هذا في عموم رواية إسماعيل، عن الشعبي وغيره، كما قال أحمد:"يحيى أحسن الناس حديثاً عن إسماعيل - يعني ابن أبي خالد - يقول: لأن فيها أخباراً، حدثنا قيس، حدثنا حكيم بن جابر"
(3)
.
وقال عبدالرحمن بن مهدي: "لو كنت لقيت ابن أبي خالد لكتبت عن يحيى القطان عنه، لأعرف صحيحها من سقيمها"
(4)
.
وقال يحيى القطان لأبي بكر بن خلاد: "أتيت ميمون المرئي فما صحح لي إلا هذه الأحاديث التي سمعتها"
(5)
.
وقال يحيى أيضاً في روايته عن مبارك بن فضالة: "لم أقبل منه شيئاً قط إلا
(1)
"جامع التحصيل" ص 173، وانظر:"الجرح والتعديل" 2: 175.
(2)
. "العلل ومعرفة الرجال" 3: 217.
(3)
"العلل ومعرفة الرجال" 3: 319.
(4)
. "تهذيب الكمال" 3: 217.
(5)
"العلل ومعرفة الرجال" 3: 218، و"الضعفاء الكبير" 4: 186، و"تهذيب الكمال" 29: 228، لكن في الأخيرين أن هذا قاله يحيى للإمام أحمد.
ما قال: حدثنا، فيه"
(1)
.
ونقل ابن حجر في كلام له على حديث عن الإسماعيلي حكماً عاماً في جميع ما يرويه يحيى القطان عن شيوخه المدلسين، وأنه لا يحمل عنهم إلا ما كان مسموعاً لهم
(2)
.
وما قاله ليس ببعيد، إذ جاء عنه في بعض المدلسين أنه لا يأخذ عن تلميذ المدلس إلا ما صرح فيه المدلس بالسماع، فقد ذكر الإسماعيلي أن يحيى بن سعيد كان لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق
(3)
.
وقال أبو خيثمة زهير بن حرب: "كان يحيى بن سعيد يحدث من حديث الحارث (يعني ابن عبدالله النخعي) ما قال فيه أبو إسحاق: سمعت الحارث"
(4)
.
ولكن ينبغي أن تحمل كلمة الإسماعيلي وقوله: إن يحيى القطان لا يحمل عن شيوخه إلا ما كان مسموعاً لهم - على معنى ما يحدث به يحيى القطان عن شيوخه، أو على معنى تمييزه ما دلسوه مما سمعوه، إذ قد ثبت عنه أخذه ما دلسه بعض شيوخه، كما تقدم آنفاً في سماعه من إسماعيل بن أبي خالد، وكما في قوله:"كتبت عن الأعمش أحاديث عن مجاهد كلها ملزقة، لم يسمعها"
(5)
.
(1)
. " الجعديات " 2: 469، و"تاريخ بغداد" 13:213.
(2)
"فتح الباري" 1: 309.
(3)
"فتح الباري" 1: 258، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" 2: 631، وانظر:"الجوهر النقي" لابن التركماني 1: 109.
(4)
. "تهذيب الكمال" 5: 248.
(5)
"الجرح والتعديل" 1: 241.
وأما ما جاء عن غير هذين الإمامين ـ شعبة والقطان ـ فمنه قول محمد بن فضيل في المغيرة بن مقسم: "كان يدلس، فكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: حدثنا إبراهيم"
(1)
.
وقول عبدالرحمن بن مهدي: "مبارك بن فضالة يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: سمعت الحسن"
(2)
، وقال أيضاً:"كنا نتتبع من حديث مبارك (يعني ابن فضالة) ما قال فيه: حدثنا الحسن"
(3)
.
وقول يزيد بن زريع: "ما منعني أن أحمل عن يونس (يعني ابن عبيد) أكثر مما حملت عنه إلا أني لم أكتب عنه إلا ما قال: سمعت، أو سألت، أو حدثنا الحسن"
(4)
.
وقال أبونعيم الفضل بن دكين في أبي جناب يحيى بن أبي حية: "ما سمعت منه شيئاً إلا شيئاً قال فيه: حدثنا"
(5)
.
وقال عفان بن مسلم في عمر بن علي المقدمي: "كان رجلاً صالحاً، ولم يكن ينقمون عليه شيئاً، غير أنه كان مدلساً، وأما غير ذلك فلا، ولم أكن أقبل منه حتى يقول: حدثنا"
(6)
.
(1)
" الجعديات" 1: 213.
(2)
. " الجعديات" 2: 468، و"الضعفاء الكبير" 4:225.
(3)
"تهذيب التهذيب" 10: 31.
(4)
"تهذيب التهذيب" 11: 445.
(5)
"تهذيب التهذيب" 11: 202.
(6)
"طبقات ابن سعد" 7: 291.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: "قلت له (يعني حفص بن غياث): ما لكم حديثكم عن الأعمش إنما هو: عن فلان، عن فلان، ليس فيه حدثنا، ولا سمعت؟ قال: فقال: حدثنا الأعمش قال: سمعت أبا عمار، عن حذيفة يقول
…
، وذكر حديثاً آخر مثله، وكان عامة حديث الأعمش عند حفص بن غياث على الخبر والسماع"
(1)
.
فهذه الكلمات وأمثالها تفيد ثبوت سماع المدلس وإن جاء الحديث عنه غير مصرح فيه بالسماع، ويبقى حكمها حتى يعارضها ما هو أخص وأقوى منها في ظهور التدليس، فقد تقدم قريباً في الأمر الثاني أن مجيء الرواية عن المدلس مصرحاً فيها بالتحديث قد يعارضه ما هو أقوى منه، فلا يعتد به، فههنا من باب أولى.
(1)
. "تاريخ بغداد" 8: 198، وانظر:"تاريخ المقدمي" ص 204.