المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الخامسرواية المدلس بصيغة محتملة للسماع - الاتصال والانقطاع

[إبراهيم اللاحم]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الأولصفة رواية الراوي عمن روى عنه

- ‌المبحث الأولصيغ الأداء ودلالالتها

- ‌القسم الأول: الصيغ الصريحة في الاتصال

- ‌المبحث الثانيالرواية عن الشخص والرواية لقصته

- ‌الفصل الثانيسماع الراوي ممن روى عنه

- ‌المبحث الأولالطريق إلى معرفة سماع الراوي ممن روى عنه

- ‌الطريقة الأولى: النظر في ترجمة الراويين في كتب الجرح والتعديل، للوقوف على أنه يروي عنه

- ‌الطريقة الثانية: كلام أئمة النقد في سماع بعض الرواة ممن رووا عنه نفياً وإثباتاً

- ‌المبحث الثانياشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن

- ‌القسم الثاني: ما فيه إثبات السماع أو اللقي لوجود التصريح به، أو نفي ذلك لعدم وجوده

- ‌القسم الرابع: ما جاء عنهم من نفي السماع دون النص على الإدراك، لكن يعرف ذلك وأن اللقاء بينهما ممكن من ترجمتي الراويين

- ‌الفصل الثالثالتدليس

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأولالتدليس والإرسال

- ‌المبحث الثانيالتدليس وصورة التدليس

- ‌ هل يصح للمتأخر إذا وقف على راوٍ ورد عنه ارتكاب صورة التدليس وصفه بذلك، وإن لم يفعله المتقدمون

- ‌المبحث الثالثالتدليس والنص على السماع أو نفيه

- ‌المبحث الرابعالتدليس والتصريح بالتحديث

- ‌المبحث الخامسرواية المدلس بصيغة محتملة للسماع

- ‌ إذا أعل الأئمة إسناداً بعلة، وأغفلوا نقده بالتدليس، فهل يعني هذا انتفاءه عندهم

- ‌القرينة الثانية: أن يكون في متن الحديث أو إسناده نكارة وشذوذ

- ‌القرينة الثالثة: أن يخالف المدلس غيره، في الإسناد أو المتن

- ‌المبحث السادستعليل الإسناد بتدليس غير مدلس

- ‌الفصل الرابعموضوعات متفرقة في الاتصال والانقطاع

- ‌المبحث الأولشرط الاتصال والحديث الصحيح

- ‌المبحث الثانيدرجات الاتصال والانقطاع

- ‌المبحث الثالثمصطلحات في الاتصال والانقطاع

- ‌1 - التوقيف:

- ‌2 - التصحيح:

- ‌3 - الخبر:

- ‌4 - الألفاظ:

- ‌5 - حديثه يهوي:

- ‌6 - أحاديث بتر:

- ‌7 - الإلزاق:

- ‌المبحث الرابعالحكم على الإسناد بعد دراسة الاتصال والانقطاع

- ‌فهرسالمصادر والمراجع

الفصل: ‌المبحث الخامسرواية المدلس بصيغة محتملة للسماع

‌المبحث الخامس

رواية المدلس بصيغة محتملة للسماع

إذا روى المدلس بصيغة محتملة للسماع وعدمه مثل: قال فلان، وذكر فلان، وحدث فلان، وعن فلان، ونحو ذلك، ولم نقف على نص في إثبات السماع أو عدمه، فروايته والحال هذه إحدى المسائل العويصة في نقد المرويات، حتى أن الإمام أحمد لما سئل عن الرجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل فيه: حدثني أو سمعت؟ قال: "لا أدري"

(1)

.

يضاف إلى ذلك أن بعض الذين تعرضوا لبحث هذه المسألة خلطوا فيها بين الاحتجاج برواية المدلس إذا احتمل السماع وعدمه، وبين الحكم باتصالها، كما أدخلوا فيها حكم رواية المدلس إذا صرح بالتحديث

(2)

.

وفي نظري أن بحث هذه المسألة ـ بعيداً عن المباحث الأصولية ـ ينبغي أن يقتصر فيه على أقوال أهل الحديث، المشترطين اتصال الإسناد للحكم بالصحة، القائلين بقبول رواية المدلس إذا علم اتصال حديثه، بصرف النظر عن قضية الاحتجاج، إذ هي ترجع إلى الاحتجاج بالمرسل سواء كان مدلساً أو غير مدلس، وما يوجد في كلام أئمة الحديث وفي أجوبتهم ـ وسيأتي قريباً شيء منه - من ذكر للاحتجاج فالمراد به ـ فيما يظهر لي ـ الاتصال، أي هل يحكم لرواية المدلس حينئذٍ بالاتصال أو بالانقطاع؟

(1)

"سؤالات أبي داود" ص 199، و"شرح علل الترمذي" 2:583.

(2)

انظر مثلاً: "الكفاية" ص 361 - 464، و"التدليس في الحديث" ص 110 - 119.

ص: 309

وبصرف النظر ـ أيضاً ـ عن البحث في رواية المدلس إذا صرح بالتحديث، فإن القول بالرد راجع إلى العدالة، وليس إلى اتصال الإسناد وانقطاعه، ثم لا قائل بذلك من أهل الحديث كما تقدم تقريره في المبحث السابق.

ومع صعوبة هذه المسألة - أعني حكم رواية المدلس إذا لم يصرح بالتحديث من حيث الاتصال وعدمه - فإن الناظر في كلام الأئمة وفي أحكامهم يمكنه أن يصل إلى رأي في هذه القضية الشائكة، وقبل أن أذكر ما توصلت إليه لابد من عرض ما يحكى فيها من أقوال ومناقشتها، وجملتها ترجع إلى ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن رواية المدلس بهذه الصفة إذا كان ثقة محمولة على الاتصال، ولا يحكم على رواية المدلس بالانقطاع إلا إذا تبين أنه دلس في تلك الرواية بعينها.

وهذا القول حكاه ابن القطان هكذا بإطلاق عن قوم لم يسم أحداً منهم، وخصصه مرة حين حكاه عنهم بمن عرف عنه أنه لا يدلس إلا عن ثقة عنده

(1)

.

وينسب هذا القول إلى يحيى بن معين، فقد قال يعقوب بن شيبة:"سألت يحيى بن معين عن التدليس، فكرهه وعابه، قلت له: فيكون المدلس حجة فيما روى، أو حتى يقول: حدثنا، أو أخبرنا؟ فقال: لا يكون حجة فيما دَلَّس فيه"

(2)

.

(1)

"بيان الوهم والإيهام" 2: 435، 5:493.

(2)

"الكفاية" ص 362، و"التمهيد" 1:18.

ص: 310

فهذا يحتمل أن يكون مراده ما تبين أنه دلس فيه، فيوافق هذا القول، وبناء على هذا الاحتمال نسب بعض الباحثين هذا القول إلى ابن معين، ويحتمل أن يكون مراده ما لم يصرح فيه بالتحديث، فإن عدوله عن التصريح يوجب ريبة أن يكون دلس فيه، والاحتمال الأخير هو الذي فهمه ابن رجب، والسخاوي من جواب ابن معين

(1)

.

ويظهر لي أن الاحتمال الثاني هو الأقرب، فقد قال أحمد حين سئل عن هشيم:"ثقة إذا لم يدلس"

(2)

- ومراده إذا لم يصرح بالتحديث، يدل عليه قوله في حديث لهشيم:"لم يقل فيه: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا"

(3)

.

ومثل ذلك يقال في عبارة يعقوب بن سفيان: "وحديث سفيان، وأبي إسحاق، والأعمش - ما لم يعلم أنه مدلس - يقوم مقام الحجة "

(4)

.

فالعلم بكونه قد دلس يحتمل أن يكون بأمر خارجي، ويحتمل أيضاً - وهذا هو الأقرب - أن يكون قد عرف من صيغة الرواية.

والذي دعاني إلى تفسير عبارة ابن معين، وعبارة الفسوي بما ذكرته أن هذا التفسير هو الموافق لأقوال أئمة النقد وتصرفاتهم مع المدلسين - كما سيأتي في القول الثالث -.

وأيضاً فإن العلم بكون هذا الحديث المعين وقع فيه تدليس يستوي في

(1)

"شرح علل الترمذي" 2: 582، و"فتح المغيث" 1:216.

(2)

. "طبقات الحنابلة" 1: 348.

(3)

. " مسائل أبي داود " ص 448.

(4)

. " المعرفة والتاريخ " 2: 637.

ص: 311

التعليل به المدلس وغير المدلس كما سيأتي شرحه في المبحث السادس، فلا يكون هناك فرق ظاهر بين المدلس وغيره.

ويحتمل أن يكون ابن القطان عنى بالقوم الذين لم يسمهم ابن حزم الظاهري، فإنه كثير الاستمداد منه، وله كلام يقرب من هذا القول، فقد قال بعد أن قسم المدلسين إلى قسمين: "أحدهما: حافظ عدل، ربما أرسل حديثه، وربما أسنده

، نترك من حديثه ما علمنا يقيناً أنه أرسله، وما علمنا أنه أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من حديثه ما لم نوقن فيه شيئاً من ذلك، وسواء قال: أخبرنا فلان، أو قال: عن فلان، أو قال: فلان عن فلان، كل ذلك واجب قبوله، ما لم نتيقن أنه أورد حديثاً بعينه إيراداً غير مسند، فإن أيقنا ذلك تركنا ذلك الحديث وحده فقط، وأخذنا سائر رواياته

.

وهذا النوع منهم كان جلة أصحاب الحديث وأئمة المسلمين، كالحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة بن دعامة، وعمرو بن دينار، وسليمان الأعمش، وأبي الزبير، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة "

(1)

.

ويلاحظ أن هناك فرقاً جوهرياً بين عبارة ابن حزم، وعبارة ابن القطان، إذ عبر ابن حزم باليقين، فعلى قوله هذا لا أثر للتدليس مطلقاً، اللهم إلا من جهة التنقيب والبحث في رواية المدلس المعينة التي لم يصرح فيها بالتحديث، فإن تيقنا أنه دلسه، وإلا عاد المدلس وأخذ حكم غيره، وحينئذٍ فليس هناك للمدلس إلا حالتان، ما تيقنا أنه دلسه فحكمه الانقطاع، وما صرح فيه

(1)

"الإحكام" 1: 158.

ص: 312

بالتحديث، أو لم يصرح فيه بالتحديث ولكن لم نتيقن أنه دلسه ـ فحكمه الاتصال.

وقضية اليقين هذه لا أدري كيف تضبط؟ إذ يحتمل أن تشمل ما تقدم من الدلائل على ثبوت الانقطاع التي مضى ذكرها في المبحث الثالث، ويحتمل أن بعضها هو الذي يفيد ذلك، وهو ما إذا ورد عن المدلس ما يفيد أنه لم يسمع هذا الحديث من شيخه، وأما ما دون ذلك ـ مثل حكم إمام بأن فلاناً لم يسمع الحديث من فلان، فلا تفيد ذلك.

والاحتمال الثاني هو الأقرب، فإن حكم الإمام إذا لم يكن من تلامذة المدلس ـ بناه في الغالب على قرائن الأحوال، وليس على نص من المدلس، بل إني رأيت أحمد شاكر ـ وهو ممن يقول بقول ابن حزم ـ يذهب إلى عدم قبول قول تلميذ المدلس بأنه لم يسمعه، مع أن الظن الغالب أن يكون قد تلقى ذلك منه، فقد تعقب أحمد شاكر تضعيف الترمذي لحديث من رواية الحكم بن عتيبة، عن مقسم، بأن شعبة قد عَدَّ الأحاديث التي سمعها الحكم من مقسم وليس هذا منها، تعقبه بقوله:"وليس في هذا دلالة على ضعف روايته عن مقسم، فالحكم ثقة ثبت فقيه عالم، وكان معاصراً لمقسم، فيحمل ما يرويه عنه على الاتصال، ما لم يثبت بيقين أن حديثاً معيناً لم يسمعه منه"

(1)

.

والناظر المتأمل في أقوال أئمة النقد وصنيعهم ـ وسيأتي شيء من ذلك لاحقاً ـ لا يتخالجه شك في أن هذا القول على إطلاقه بعيد جداً عن منهجهم،

(1)

"سنن الترمذي" حديث (527)، وتعليق أحمد شاكر عليه.

ص: 313

وفيه تساهل كبير، وإهدار لجهود الأئمة في التفتيش عن التدليس، وإعمال القرائن لكشفه.

والأمر يهون حين يتبنى شخص هذا الرأي، كما فعل ابن حزم، وأحمد شاكر، لكنه ليس كذلك حين يحرره الباحث على أنه قول الأئمة المتقدمين، وعليه ساروا في نظرهم لمرويات المدلسين، وقد رأيت بعض الباحثين يلهج بذلك، وإن كان يعبر بالعلم بدل اليقين، وعندي أن ما نسبه إلى أئمة النقد كان منه ردة فعل للإسراف في نقد المرويات بالتدليس من قبل باحثين آخرين، كتطبيق حرفي للقول الثاني الآتي.

وأما ابن القطان فقد عبر بالتبين بدل اليقين، وهو يمكن أن يشمل ما تقدم في المبحث الثالث من النص على الانقطاع، ويشمل أيضاً ما سيأتي من قرائن ترجح الانقطاع، وإذا كان كذلك فهذا القول قريب جداً.

القول الثاني: رواية المدلس بصيغة محتملة محمولة على الانقطاع أبداً، ولا يحكم لروايته بالاتصال إلا إذا روى بصيغة صريحة فيه، كحدثنا، وسمعت، وأخبرنا، يستوي في ذلك المكثر من التدليس والمقل منه، حتى لو دلَّس مرة واحدة أخذ هذا الحكم.

وهذا قول الشافعي، مشهور عنه، قال الشافعي: "وأقبل الحديث: حدثني فلان عن فلان ـ إذا لم يكن مُدَلِّساً، ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلناه من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من

ص: 314

مدلس حديثاً حتى يقول: حدثني أو سمعت"

(1)

.

وتبع الشافعي على هذا جماعة من الأئمة منهم ابن حبان، فإنه قال وهو يعدد أجناس أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها:"الجنس الثالث: الثقات المدلسون الذين كانوا يدلسون في الأخبار، مثل قتادة، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش، وأبي إسحاق، وابن جريج، وابن إسحاق، والثوري، وهشيم، ومن أشبههم ممن يكثر عددهم من الأئمة المرضيين، وأهل الورع في الدين، كانوا يكتبون عن الكل، ويروون عمن سمعوا منه، فربما دلسوا عن الشيخ بعد سماعهم منه عن أقوام ضعفاء، لا يجوز الاحتجاج بأخبارهم، فما لم يقل المدلس ـ وإن كان ثقة ـ: حدثني أو سمعت، فلا يجوز الاحتجاج بخبره، وهذا أصل أبي عبدالله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، ومن تبعه من شيوخنا"

(2)

.

ومنهم الخطيب البغدادي، وقد نص ـ كالشافعي ـ على ثبوت هذا الحكم في حق من دلَّس مرة واحدة

(3)

.

هذا هو القول الثاني، وأود أن أنَبِّه فيه على أمور:

الأمر الأول: ذكر ابن رجب، والسخاوي أن ابن معين موافق للشافعي فيما ذهب إليه، بناء على جواب ابن معين حين سئل عن المدلس يكون حجة فيما

(1)

"الرسالة" ص 379 - 380، وانظر:"الجليس الصالح" 2: 428، و"شرح علل الترمذي" 577، 582.

(2)

"المجروحين" 1: 92، وانظر:"صحيح ابن حبان" 1: 161، و"الثقات" 1:12.

(3)

"الكفاية" ص 361 - 364.

ص: 315

روى، أو حتى يقول: حدثنا أو أخبرنا؟ فقال: "لا يكون حجة فيما دلس فيه"

(1)

.

وكلام ابن معين غير صريح في هذا، إذ هناك احتمال آخر يمكن أن يفهم من جوابه، تقدم ذكره في القول الأول، وهو أنه لا يكون حجة فيما تبين أنه دلَّس فيه، فيكون عكس كلام الشافعي، وإذا تطرق إليه الاحتمال ضعف إلحاقه به.

يضاف إلى ذلك أن السؤال كان عن (المدلس)، فنحتاج إلى معرفة إطلاق ابن معين هذا الوصف على من دلَّس مرة، كما صرح به الشافعي، إذ يمكن أن يكون رأيه أن يكون وصف (المدلس) إنما يستحقه من عرف بالتدليس وأكثر منه.

ويؤيد هذا أن ابن حبان نسب هذا القول إلى الشافعي ومن تبعه من شيوخهم، فلو كان عنده عن أحد من أئمة النقد المعروفين لسارع بذكره، والله أعلم.

الأمر الثاني: كلام الشافعي صريح في أن هذا الحكم الذي ذهب إليه إنما هو في نوع التدليس الذي شرحه، وهو رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه بصيغة محتملة، فقد قرر الشافعي ذلك في موضعين، قال الشافعي في شروط الراوي الذي تقوم الحجة بخبره: "برياً من أن يكون مدلساً، يحدث عمن لقي

(1)

"الكامل" 1: 48، و"الكفاية" ص 362، و"التمهيد" 1: 18، و"شرح علل الترمذي" 2: 582، و"فتح المغيث" 1:216.

ص: 316

ما لم يسمع منه"

(1)

.

وقال في مكان آخر: "ولم نعرف بالتدليس ببلدنا فيمن مضى، ولا من أدركنا من أصحابنا، إلا حديثاً، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيراً له، وكان قول الرجل: سمعت فلاناً يقول: سمعت فلاناً، وقوله: حدثني فلان عن فلان ـ سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع

منه"

(2)

.

وسواء قلنا: إن الشافعي يخص التدليس بهذه الصورة كما نسبه إليه ابن حجر، أو قلنا: إنه ذكر هذه الصورة وسكت عن الأخرى، وهي رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه، ولا يدل سكوته عنها على أنه لا يراها تدليساً، فإن الحكم الذي أطلقه الشافعي على رواية المدلس، وأنها غير مقبولة حتى يصرح بالتحديث، وأن من ثبت عنه التدليس مرة واحدة فهو مدلس ـ ينبغي أن يقصر في نسبته إلى الشافعي على الصورة التي ذكرها فقط، ويبقى رأيه في الصورة الثانية على فرض أنه يراها تدليساً ـ لم يذكره، فهل يلحقها بالأولى في هذا الحكم، أو يلحق بالأولى من أكثر منها، أو يرى أن من ارتكبها فقط فعنعنته عمن سمع منه مقبولة مطلقاً؟

وأما ابن حبان فمع أنه مَثَّل بأناس يدلسون عمن سمعوا منه، ونص هو على هذا، إلا أنه ثابت عنه تسمية الرواية عمن عاصره ولم يسمع منه تدليساً، بل ربما سمى الرواية عمن لم يدركه تدليساً، كما تقدم في المبحث الأول، وعلى هذا

(1)

"الرسالة" ص 371.

(2)

"الرسالة" ص 379.

ص: 317

فالظاهر أنه ذكر الصورة الأولى على سبيل التمثيل، فسرد جماعة من المشهورين بالتدليس يرتكبونها.

وما يقال عن ابن حبان يقال عن الخطيب البغدادي، لكن رأيه بشمول هذا الحكم لمن دلَّس على الصورتين من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى البحث عن قرائن، فقد عرف التدليس بصورتيه، ثم ذكر شيئاً من أخبار المدلسين على الصورتين، ثم ذكر الخلاف في رواية المدلس، واختار هذا القول، ونص على سريانه فيمن دلس مرة واحدة

(1)

.

وبناءً على ما تقدم فرأي الخطيب البغدادي في رواية المدلس إذا روى بصيغة محتملة للسماع وعدمه أشد ما وقفت عليه من أقوال للأئمة.

الأمر الثالث: صحح القول بأن رواية المدلس بصيغة محتملة محمولة على الانقطاع كثير ممن ألف في "علوم الحديث"، كابن الصلاح، والنووي، والعلائي، وابن حجر، وغيرهم، ونسبه العلائي إلى جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول، بل إن النووي نقل الاتفاق على أن المدلس لا يحتج بخبره إذا عنعن

(2)

، إلا أن العلائي وابن حجر عادا فأخرجا من هذا الحكم من هو قليل التدليس، كما أن المكثرين منه ليسوا على درجة واحدة، وذلك بتقسيمهما المدلسين إلى الطبقات المعروفة، وسيأتي الكلام عنها في القول الثالث.

(1)

" الكفاية " ص 355 - 364، وانظر:"الجامع لأخلاق الراوي" 2: 173.

(2)

"مقدمة ابن الصلاح" ص 171، و"إرشاد طلاب الحقائق" ص 93، و"المجموع" 7: 136، 146، و "جامع التحصيل" ص 111، 115، 116، و"نزهة النظر" ص 113.

ص: 318

الأمر الرابع: نظراً لتصحيح كثير ممن ألف في "مصطلح الحديث" هذا القول، ونسبته إلى جمهور الأئمة، وسهولة تطبيقه لاطراده ـ فقد سار عليه جماعة كثيرون جداً من الأئمة المتأخرين والباحثين المعاصرين، فكثر نقد الأحاديث وتضعيفها بعنعنة المدلسين، وصاحب ذلك ما تقدم ذكره في المبحث الثاني من التوسع في جمع من وصف بالتدليس، أو جاءت عنه رواية فيها صورة التدليس وإن لم يوصف بذلك، والاعتماد على كتاب ابن حجر "تعريف أهل التقديس"، مع قصور واضح في البحث عن دلائل ثبوت سماع المدلس لهذا الحديث، أو ثبوت عدم سماعه.

وترتب على هذا الصنيع شيئان، أحدهما: أن بعض الباحثين تحرج من كثرة تضعيف الأحاديث بعنعنة المدلسين، فصاروا يتمسكون بأدنى رواية فيها تصريح المدلس بالتحديث، دون دراسة لها والتحقق من ثبوتها، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الرابع.

والثاني: ردة فعل قوية من باحثين آخرين، ينادون بضرورة مراجعة ما يسير عليه المتأخرون من قواعد في نقد السنة، ومن ذلك قواعد التدليس، لكن بعضهم سارع إلى الجزم بآراء بعضها قريب، مثل وجوب الاقتصار في وصف الراوي بالتدليس على من وصفه أئمة النقد بذلك، دون من جاءت عنه صورة التدليس ولم يوصف به، وبعضها يحتاج إلى مزيد بحث ودراسة، مثل ما نسبه بعضهم إلى أئمة النقد أن من وصف بالتدليس وأريد به روايته عمن عاصره ولم يسمع منه فإن ما رواه عن شيوخه الذين سمع منهم محكوم له بالاتصال وإن رواه بصيغة محتملة لعدم السماع، ومثله ما تقدم ذكره آنفاً في القول الأول من أن بعض الباحثين نسب إلى أئمة النقد أن رواية المدلس محمولة على السماع أبداً،

ص: 319

حتى يعلم الانقطاع في حديث بعينه.

القول الثالث: التفريق بين المقل من التدليس وبين المكثر منه، فالمقل روايته بصيغة محتملة للسماع وعدمه محمولة على الاتصال، والمكثر روايته محمولة على الانقطاع.

وهذا القول منقول صراحة عن ابن المديني، فيمكن نسبته إليه والنفس مطمئنة، في موضوع عسر فيه الوقوف على أقوال صريحة لغيره من أئمة الجرح والتعديل في عصر الرواية، فقد سأله يعقوب بن شيبة عن الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم يقل: حدثنا؟ ـ فقال: "إذا كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا"

(1)

.

ومراده بالغالب ـ فيما يظهر ـ أي كثر ذلك منه وعرف به، إذ يبعد أن يكون مراده ظاهر اللفظ؛ لأن معرفة ذلك تقتضي تمييز ما دلس فيه مما سمعه، ثم الموازنة، وإذا عرف ما دلَّس فيه انتهى الأمر، اللهم إلا أن يقال: إنه أمكن تمييز ما دلس فيه فكان هو الغالب على رواياته، وعنده فوق ذلك أشياء رواها بصيغة محتملة لم تتميز، وهذا بعيد جداً، فقد نقل عنه يعقوب بعد ذلك قوله:"والناس يحتاجون في صحيح حديث سفيان إلى يحيى القطان ـ يعني علي أن سفيان كان يدلس، وأن القطان كان يوقفه على ما سمع وما لم يسمع ـ "

(2)

.

ولا يقول أحد إن رواية سفيان الثوري أكثرها مدلسة، بل قد قيل: إنه من

(1)

"الكفاية" ص 362، و"التمهيد" 1:18.

(2)

"الكفاية" ص 362، و"التمهيد" 1:18.

ص: 320

المقلين من التدليس، يقول البخاري:"لا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور ـ وذكر مشايخ كثيرة ـ لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليساً، ما أقلَّ تدليسه"

(1)

، ولعل المراد بقلة تدليسه مقارنة بكثرة مروياته، فإنه واسع الرواية جداً.

وما أجاب به ابن المديني هو المفهوم من كلام للحميدي ذكر فيه أن من أكثر الرواية عن شخص وعرف به فإنما يترك من حديثه ما عرفنا أنه أسقط الواسطة بينه وبينه، وما عدا ذلك فمحمول على السماع، وسيأتي نقله بنصه،

وهو يدل على أن الأصل في رواية من عرف بالتدليس أنه لابد من تصريحه بالتحديث.

ويمكن أن ينسب هذا القول إلى يحيى بن معين، بناء على تفسير عبارته السابقة في القولين الأولين:"ولا يكون ـ يعني المدلس ـ حجة فيما دلس فيه"، وأن مراده: لا يكون حجة فيما رواه بصيغة محتملة، وليس مراده ما تبين فيه تدليسه، مع مراعاة أن يكون المقصود بالمدلس من عرف بهذا الوصف واشتهر به، لا من دلَّس نادراً، وليس هذا الفهم لعبارة ابن معين ببعيد.

ومثل ذلك كلمة أحمد في حق هشيم بن بشير، قال مهنا:" سألت أحمد عن هشيم، فقال: ثقة إذا لم يدلس، فقلت له: والتدليس عيب هو؟ قال: نعم"

(2)

.

(1)

"العلل الكبير" 2: 966.

(2)

. " طبقات الحنابلة " 1: 348.

ص: 321

فمراد أحمد - فيما يظهر - أنه ثقة إذا صرح بالتحديث، وبه يعرف أنه لم يدلس.

وقد ذكر مسلم في معرض مناقشته لقول من يشترط ثبوت التصريح بالتحديث لإثبات السماع بين راوٍ وآخر معاصر له ـ ما يمكن اعتباره نقلاً لقول ابن المديني عن الأئمة كلهم، والشاهد من العبارة هنا تحرير الوصف الذي يأخذ به المدلس حكماً يخالف به غيره، قال مسلم:"وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم ـ إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه، كي تنزاح عنهم علة التدليس"

(1)

.

وقد ذكر ابن رجب احتمالين لمعنى كلمة مسلم هذه "عرف بالتدليس في الحديث وشهر به"، أحدهما ما ذكرته، والثاني: أن يكون مراده: ثبت عليه التدليس وصح عنه ـ يعني ولو مرة واحدة ـ، فيوافق كلام الشافعي

(2)

.

والاحتمال الأول هو الأظهر، فإنما يعرف بالتدليس ويشتهر به إذا أكثر منه.

وفي السؤال الموجه لأحمد الماضي ذكره في أول هذا المبحث عن حكم رواية المدلس ما يفهم منه بوضوح أن المحك هو فيمن عرف بالتدليس، لا من وقع منه على سبيل الندرة.

(1)

"صحيح مسلم" 1: 33.

(2)

"شرح علل الترمذي" 2: 583.

ص: 322

وهذا القول - وهو مطالبة المعروف بالتدليس بالتحديث - نقل ابن عبدالبر الإجماع عليه، فقد قال بعد أن ذكر توقف شعبة في بادئ الأمر عن قبول الإسناد المعنعن من المدلس وغيره:"وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث، والمشترطين في تصنيفهم الصحيح، قد أجمعوا على ما ذكرت لك (يعني قبول الإسناد المعنعن)، وهو قول مالك وعامة أهل العلم - والحمد لله -، إلا أن يكون الرجل معروفاً بالتدليس، فلا يقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، أو سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه أيضاً خلافاً"

(1)

.

والمتتبع لموقف الأئمة من المدلسين يرى بوضوح أن مذهبهم هو ما أجاب به علي بن المديني، ونقل ابن عبدالبر الإجماع عليه، وهو الأقرب لتفسير عبارة أحمد، وابن معين، فهم يشترطون تصريح المدلس بالتحديث أو ما يقوم مقامه، ولكن من كثر منه التدليس حتى عرف به واشتهر عنه.

وقد تقدم في المبحث الرابع شيء من كلام الرواة في خصوص مشايخهم المدلسين، وتفقدهم لتصريحهم بالتحديث، كشعبة، ويحيى القطان مع شيوخهما، ومحمد بن فضيل مع المغيرة بن مقسم، وعبدالرحمن بن مهدي مع المبارك بن فضالة، ويزيد بن زريع مع يونس بن عبيد، وعفان بن مسلم مع عمر بن علي المقدمي، وغيرهم، بل إن بعضهم يتفقد السماع من شيخ شيخه إذا كان مدلساً.

وقال محمد بن سعد في هشيم: "كان ثقة، كثير الحديث، ثبتاً، يدلس كثيراً، فما قال في حديثه: أخبرنا، فهو حجة، وما لم يقل فيه: أخبرنا، فليس

(1)

. "التمهيد" 1: 13.

ص: 323

بشيء"

(1)

.

وقال الذهلي في ابن جريج: "إذا أخبر الخبر فهو جيد، وإذا لم يخبر فلا يعبأ به"

(2)

، وقال أيضاً:"إذا قال: حدثني، وسمعت، فهو محتج بحديثه، داخل في الطبقة الأولى من أصحاب الزهري"

(3)

.

وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي قلت: قتادة، عن معاذة، أحب إليك، أو أيوب، عن معاذة؟ فقال: قتادة إذا ذكر الخبر"

(4)

.

وقال أبو حاتم في الحجاج بن أرطاة: "صدوق، يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وإذا قال: حدثنا فهو صالح، لا يرتاب في صدقه وحفظه إذا بين السماع، ولا يحتج بحديثه"

(5)

.

وقال البرديجي في حميد الطويل: "وأما حديث حميد فلا يحتج منه إلا بما قال: حدثنا أنس"

(6)

.

وأعلى من ذلك قول هشيم بن بشير عن نفسه لبعض أصحابه: "طلبت الحديث وذاكرت به ثلاثين سنة، فإذا قلت لك: حدثنا وأخبرنا ـ فلا عليك من

(1)

"طبقات ابن سعد" 7: 313.

(2)

. "تاريخ الدارمي عن ابن معين" ص 43.

(3)

. "تهذيب التهذيب" 6: 406.

(4)

. "الجرح والتعديل" 7: 135.

(5)

. "الجرح والتعديل" 3: 156.

(6)

. "تهذيب التهذيب" 3: 40.

ص: 324

خالفك"

(1)

، وفي رواية عنه:"طلبت الحديث عشرين سنة، وجالست الناس وذاكرتهم عشرين سنة، فإذا قلت لكم: حدثنا وأخبرنا ـ فشدوا به أيديكم"

(2)

.

ويؤكد ما تقدم - بل هو فاصل في الموضوع - نصوصهم الكثيرة في أن المعروف بالتدليس إذا قال: قال فلان، أو ذكر فلان - يعني لم يأت بصيغة صريحة في السماع - علم أن ذلك الحديث لم يسمعه، فلم يبق مجال للقول بأن الأئمة لا يفتشون عن التدليس، وأن الصيغة المحتملة محمولة على السماع حتى نتيقن الانقطاع، أو يتبين لنا.

ومن هذه النصوص قول شعبة: "كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: سمعت أو حدثنا، حفظت، وإذا قال: حدث فلان، تركت "

(3)

.

وقال سفيان الثوري في جابر الجعفي: "إذا قال لك جابر: حدثني، أو سمعت، أو سألت - فذاك، فإذا قال: قال

"

(4)

.

وقال يحيى القطان في ابن جريج: "إذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أخبرني فهو قراءة، وإذا قال: قال، فهو شبه الريح"

(5)

.

وكذا قال أحمد: "إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت،

(1)

"المعرفة والتاريخ" 2: 243.

(2)

"العلل ومعرفة الرجال" 2: 246.

(3)

"الجرح والتعديل" 1: 161، 169.

(4)

. "العلل ومعرفة الرجال" 2: 292، والنقط من عندي، والمراد تضعيفه إذا لم يصرح بالتحديث، وانظر:"الجرح والتعديل" 2: 497، 498.

(5)

. "تهذيب الكمال" 18: 351.

ص: 325

جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت، فحسبك به"

(1)

.

وقال أيضاً: "إذا قال ابن جريج: قال، فاحذره، وإذا قال: سمعت، أو سألت، جاء بشيء ليس في النفس منه شيء"

(2)

.

وقال أحمد في محمد بن إسحاق: "إذا قال ابن إسحاق: وذكر فلان ـ فلم يسمعه منه"

(3)

.

وقال أيضاً: "كان ابن إسحاق يدلس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يبين إذا كان سماعاً قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال

"

(4)

.

وذكر أبوداود عن أحمد قوله: "عامة حديث ابن إسحاق، عن أبي الزناد، حديث الأعرج، ولم يسمعها، هي في كتب يعقوب: ذكر أبوالزناد، ذكر أبوالزناد"

(5)

.

ويعقوب هو ولد إبراهيم بن سعد.

وكذا أشار ابن المديني إلى نحو ما ذكره أحمد في رواية ابن إسحاق

(6)

.

وقال أحمد فيه أيضاً: "هو كثير التدليس جداً، فكان أحسن حديثه عندي

(1)

. "تاريخ بغداد" 10: 405، وانظر:"سؤالات أبي داود" ص 231.

(2)

. "تهذيب الكمال" 18: 348.

(3)

"المنار المنيف" ص 21، و"شرح علل الترمذي" 2:600.

(4)

"علل المروذي" ص 38.

(5)

"مسائل أبي داود" ص 454، وانظر "سؤالات أبي داود" ص 224، و" علل المروذي " ص 39، و"مسند أحمد" 2: 216، 217، و"المعرفة والتاريخ" 2: 633، وفي النسخة سقط.

(6)

"المعرفة والتاريخ" 2: 27.

ص: 326

ما قال: أخبرني وسمعت "

(1)

.

وقال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: حديث ابن شبرمة قال رجل للشعبي: "نذرت أن أطلق امرأتي" - لم يقل فيه هشيم: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا"

(2)

، فتوقف أحمد اعتماداً على صيغة الأداء، وأن هشيماً لم يأت بلفظ صريح في السماع.

ومثله ما رواه عمرو بن علي قال: "سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: أحاديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة كلها صحاح، وجعل يحدثني بها، ويقول: حدثنا ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي مليكة، فقال في واحد منها: عن ابن أبي مليكة، فقلت: قل: حدثني، قال: كلها صحاح "

(3)

.

فتوقف ابن المديني في هذا الحديث المعين حين رأى الرواية فيه لابن جريج بعن، فأخبره يحيى أنه مسموع لابن جريج.

والخلاصة من كل ما تقدم أن أئمة النقد على اختلاف طبقاتهم يطالبون المعروف بالتدليس بالتصريح بالتحديث، وأنه إذا أتى بصيغة محتملة للسماع وعدمه فقد ارتكب التدليس، فهي دلالة على أنه قد دلس، ولا يحتاج الأمر إلى قرينة خارجية، وما يحكى عن أئمة النقد خلاف ذلك فهو - فيما أرى- ضعيف جداً.

ولقائل أن يقول: تفقد النقاد للتصريح بالسماع من شيوخهم المدلسين وما

(1)

" الجرح والتعديل " 7: 193.

(2)

. "مسائل أبي داود" ص 448.

(3)

" الجرح والتعديل " 7: 193.

ص: 327

في معناه لا حجة فيه بالنسبة لنا، ذلك أن الناقد في ذلك الوقت يمكنه أن يتحقق من صيغة الرواية التي حدث بها المدلس، إما تصريح بالسماع، كأن يقول: سمعت، أو حدثنا، أو عدم تصريح، كأن يقول: قال، أو ذكر، أو حدث، فإذا لم يصرح المدلس بالتحديث حكم الناقد بأنه قد دلس، وليس هذا محل مناقشة، وإنما المناقشة فيما إذا وردتنا رواية عن المدلس فيها عنعنة بين المدلس وشيخه، فهي موضع الإشكال، لكثرة ورودها في الأسانيد، فالاحتمال قائم أن يكون المدلس صرح بالتحديث، والتغيير ممن بعده، ذلك أن التعبير بصيغة عن أكثره ليس من الراوي المعنعن، وإنما هو ممن بعده، ولهذا فإننا لو عرفنا بطريقة ما أن المعنعن هو المدلس لحكمنا أيضاً بوقوع التدليس، كما لو روى بصيغة قال، وذكر.

ولابد من التسليم بقوة هذا الاعتراض، ومع هذا فعنه جواب، فالاستدلال بهذه النصوص الغرض منه تأكيد اهتمام النقاد بالتدليس، وبذلهم الجهود المضنية للكشف عنه، فقد شاع بين الباحثين أن المتقدمين لم يكونوا يشددون في التدليس، وليس الأمر كذلك، بل شددوا فيه أبلغ تشديد، ولاقوا في سبيل ذلك عناء ومشقة، فمطالبة المدلس بالتصريح والإلحاح عليه - بل وغير المدلس - ليس بالأمر الهين عليه، والناقد يلاقي من ذلك عنتاً.

فمن ذلك ما رواه حماد بن سلمة قال: "جاء شعبة إلى حميد فسأله عن حديث لأنس، فحدثه به، فقال له شعبة: سمعته من أنس؟ قال: فيما أحسب، فقال شعبة بيده هكذا - وأشار بأصابعه -: لا أريده، ثم ولَّى، فلما ذهب قال حميد: سمعته من أنس كذا وكذا مرة، ولكنني أحببت أن أفسده عليه"

(1)

.

(1)

. " الجعديات" 1: 8، و"حلية الأولياء" 7: 150، وانظر:"المعرفة والتاريخ" 2: 656، 3: 31، وفي الموضع الأخير خلل.

ص: 328

وروى همام قال: "كان شعبة يوقف قتادة، قال: فحدث شعبة ذات يوم بحديث، فقال قتادة: من حدثك؟ - أو من ذكر ذلك؟ - فقال: نسألك فتغضب وتسألنا؟ "

(1)

.

وروى علي بن المديني عن أبي سعيد مولى بني هاشم قال: "سأل رجل شعبة عن حديث إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، فقال له: سمعته من إسماعيل بن رجاء؟ قال: سمعته يا غلام من إسماعيل بن رجاء ثمانين مرة، ولا والله لا أحدثك به أبداً "

(2)

.

وقال زهير بن معاوية: "قدمت البصرة، فأتيت حميداً الطويل، وعنده أبو بكر بن عياش، فقلت له: حدثني، فقال: سل، فقلت: ما معي شيء أسأل عنه، قلت: حدثني، فحدثني بثلاثين حديثاً، قلت: حدثني، فحدثني بتسعة وأربعين حديثاً، فقلت له: ما أراك إلا قد قاربت، قال: فجعل يقول: سمعت أنساً، والأحيان يقول: قال أنس، فلما فرغ قلت له: أرأيت ما حدثتني به عن أنس أنت سمعته منه؟ فقال أبو بكر بن عياش: هيهات، فاتك ما فاتك - يقول: كان ينبغي لك أن تقفه عند كل حديث وتسأله -، فكأن حميداً وجد في نفسه فقال: ما حدثتك بشيء عن أحد فعنه أحدثك، فلم يشف قلبي - أو لم يشفني - "

(3)

.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: "بلغني أن أبا جزي كان عند الحجاج بن أرطاة، فقال الحجاج: مكحول، فقال له أبو جزي: يا أبا أرطاة قل: سمعت

(1)

. " الجرح والتعديل " 1: 166.

(2)

. " معرفة الرجال" 2: 210.

(3)

. "تهذيب الكمال" 7: 361، وانظر:" العلل الكبير" 1: 130، و"المجروحين" 1:227.

ص: 329

مكحولاً، فقال: مه، من هذا؟ ثم أشرف إليه فقال: متى اجترأت علي يا قصاب، يا قصاب ما هذا، حدثني مكحول، لا تعد إلى مثلها "

(1)

.

ونقل الدارقطني عن أبي معاوية الضرير قوله: "قال لي حجاج (يعني ابن أرطاة): لا يسألني أحد عن الخبر - يعني إذا حدثتكم بشيء فلا تسألوني: من أخبرك به؟ -"

(2)

.

وقال ابن الهيثم الدقاق: "سمعت يحيى يقول: شهدت ابن أبي الليث وقال لهشيم: إن قلت: أخبرنا، وإلا لاكتبنا عنك حرفاً، فقلت له أنا بعض هذا الكلام، فقال يحيى: أنا شاهد ذلك المجلس، فقال له هشيم: غير مستوحشة منك الدار، فتركه وقام"

(3)

.

وروى شجاع بن مخالد قال: "سمعت رجلاً يسأل هشيماً فقال: يا أبا معاوية، أخبركم أبو حرة، عن الحسن؟ فضحك هشيم، ثم قال: أخبرنا أبوحرة، عن الحسن"

(4)

.

ومما يشير إلى اهتمام النقاد بتدليس المدلسين أنهم كانوا يتذاكرون أحاديث المدلسين، للكشف عنه، كما روى محمد بن عيسى بن الطباع، قال: "اختلف عبدالرحمن بن مهدي، وأبو داود، في حديث هشيم، فقال أحدهما: كان يدلسه،

(1)

. " معرفة الرجال " 2: 217.

(2)

. "سنن الدارقطني" 3: 174.

(3)

. "تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين" ص 103.

(4)

. "العلل ومعرفة الرجال" 3: 242.

ص: 330

وقال الآخر: بل هو سماع، فتراضيا، فأخبرتهما بما عندي، فاقتصرا عليه"

(1)

.

فاستفدنا من ذلك اهتمام النقاد بالتدليس وحذرهم الشديد منه، ونستدل بفعلهم هذا على رواية المدلس إذا وصلتنا بالعنعنة من جهة أن الواجب على الناقد المتأخر عنهم إذا جاءت رواية للمدلس بالعنعنة، واحتمل أن يكون المدلس صرح بالتحديث، واحتمل أنه لم يصرح، فالواجب حينئذ الاحتياط، والبقاء على الأصل، وهو أنه لم يسمع هذا الحديث من شيخه الذي رواه عنه، فهذا وجه الاستدلال بهذه النصوص وأمثالها.

ثم إن وجه الاستدلال هذا عليه دليل من عمل النقاد أنفسهم، وذلك في أسانيد متقدمة عن الناقد، قد بلغته بالعنعنة، فهم ومن تأخر عنهم في الأمر سواء.

فمن ذلك قول أحمد: "كان ابن أبي زائدة إذا قال: قال ابن جريج، عن فلان، فلم يسمعه، وكان يحدث عن ابن جريج فلا يجيء بالألفاظ والأخبار، وكذا كان حفص بميزان يحيى، كان يحيى يقول: ابن جريج، سمعت أبا الزبير"

(2)

.

ومراد أحمد أن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، يرويان عن ابن جريج ما لم يسمعه من شيوخه، بالعنعنة بينه وبينهم، وأما القطان فيروي عن ابن جريج ما سمعه من شيوخه، ويذكر تصريحه بالتحديث.

(1)

. "تاريخ بغداد" 2: 396.

(2)

. "علل المروذي" ص 40.

ص: 331

وقد تقدم في المبحث الرابع أن رواية حفص بن غياث، عن الأعمش عامتها على السماع، وقد نقل ابن حجر عن أبي الفضل بن طاهر - ووافقه - أن حفص بن غياث يميز بين ما صرح به الأعمش بالسماع، وبين ما دلسه، وأن البخاري اعتمد عليه في ذلك

(1)

.

وقال ابن حجر في هشيم: "ذكر جماعة من الحفاظ أن البخاري كان لا يخرج عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، واعتبرت أنا هذا في حديثه فوجدته كذلك، إما أن يكون قد صرح به في نفس الإسناد، أو صرح به من وجه آخر"

(2)

.

ومن تأمل طريقة البخاري في أحاديث قتادة لم يتخالجه شك في اعتنائه بتدليس قتادة، وأنه يخرج له ما صرح فيه بالتحديث، أو توبع عليه، وربما ساق أسانيد ليس الغرض منها إلا بيان تصريحه بالتحديث

(3)

.

وكذلك الحال بالنسبة لأبي إسحاق السبيعي، وعمر بن علي المقدمي، وأمثالهما.

وأخرج النسائي حديثاً لأبي الزبير، عن جابر، معنعناً، ثم قال: "كان شعبة سيئ الرأي فيه، وأبو الزبير من الحفاظ، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب، ومالك بن أنس، فإذا قال: سمعت جابراً فهو صحيح، وكان يدلس

"

(4)

.

(1)

. " هدي الساري " ص 418.

(2)

. " هدي الساري " ص 449.

(3)

. انظر مثلاً: "صحيح البخاري" حديث (597)، (710)، (1495)، (2320)، (5600).

(4)

. "سنن النسائي الكبرى" 1: 640 حديث (2100 - 2101).

ص: 332

وأما تعليلهم الأحاديث بتدليس المدلسين إذا لاحت قرينة في الإسناد أو المتن فأشهر من أن يذكر، وسيأتي شرح ذلك قريباً.

وهذا المنهج لهؤلاء الأئمة منهج وسط، يراعي الاحتياط للسنة بالنسبة للمكثرين والمقلين، أما المكثرون فمن جهة أن لا يدخل فيها ما ليس منها، ولا سيما أن أصل الرواية بصيغة محتملة ـ وإن لم يكن الراوي مدلساً ـ فيه كلام قديم لبعض الأئمة، فمنهم من كان يشترط في بادئ الأمر تصريح الجميع بالتحديث، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الأول من الفصل الأول.

وأما المقلون فمن الجهة الأخرى، أي درء مفسدة ردّ أحاديثهم الصحيحة التي سمعوها بسبب تدليس نادر منهم، فهذه ـ بلا شك ـ مفسدة كبرى، لاحظها الأئمة حين فرقوا هذا التفريق.

وإذا ترجح هذا القول فإني أنبّه على عدد من الأمور، الغرض منها شرحه، ووضع ضوابط لكيفية تطبيقه بالنسبة للباحث، ذلك أن كثيراً من الخلل يأتي من طرد القول في حالات يعارضه فيها ما هو أخص منه، وهي خمسة أمور:

الأمر الأول: يشكل على هذا القول قضية التمييز بين المقلّ والمكثر من التدليس، وصعوبة وضع حد إذا بلغه المدلس ألحق بالمكثرين، إذ ليست المسألة مسألة عدد، وإنما يلاحظ فيها ما عند المدلس أصلاً من الحديث، وما ثبت عليه التدليس فيه، ولا شك أن هذا بالنسبة للباحث المتأخر عسر جداً، فالسبيل إذاً هو الرجوع إلى كلام أئمة الجرح والتعديل، فمتى توارد عدد منهم على وصف راوٍ بالتدليس عرفنا أنهم قصدوا شهرته بذلك لتطبق عليه أحكام المدلسين.

وللعلائي تصنيف للمدلسين باعتبار القلة والكثرة، وباعتبارات أخرى أيضاً، يحسن النظر فيه، فقد وضع خمس مراتب للمدلسين:

ص: 333

1 -

من لم يوصف بذلك إلا نادراً.

2 -

من احتمل الأئمة تدليسه وخرجوا له في الصحيح وإن لم يصرح بالسماع، وذلك إما لإمامته، أو لقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لأنه لا يدلس إلا عن ثقة.

3 -

من توقف فيهم جماعة فلم يحتجوا بهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقبلهم آخرون مطلقاً كالطبقة التي قبلها، لأحد الأسباب المتقدمة.

4 -

من اتفقوا على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع، لغلبة تدليسهم وكثرته عن الضعفاء والمجهولين.

5 -

من قد ضعف بأمر آخر غير التدليس.

وذكر العلائي أمثلة على كل مرتبة من هذه المراتب.

ثم جاء ابن حجر فوافق العلائي على هذا التصنيف، ورام استقصاء أسماء المدلسين، وإلحاق كل واحد منهم بالمرتبة اللائقة به، وذلك في كتاب خصصه لهذا الغرض، وهو "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس".

وقد اشتهر كتاب ابن حجر، واعتمده كثير من الباحثين، فصاروا يردون أو يقبلون ما لم يصرح فيه المدلس بالتحديث على ضوء هذه المراتب، قال أحد الباحثين في رسالة له وهو يعرض منهجه لدراسة الرواة:"إذا كان الراوي مختلطاً أو مدلساً بينت حكم روايته من حيث القبول والرد، بالرجوع إلى الكتب المصنفة في هذا الفن، مع الاعتماد على تقسيم الحافظ ابن حجر في كتابه "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" في الغالب

".

وفي الآونة الأخيرة تعرض هذا التصنيف للمدلسين لانتقادات كثيرة،

ص: 334

سبق منها في المبحث الثاني ما يتعلق بالطريقة التي سلكوها لجمعهم.

ومن الانتقادات إلحاق بعض المدلسين بمرتبته اللائقة به، فقد يذكرون شخصاً في مرتبة، وحقه أن يكون في غيرها، مثال ذلك أن العلائي ذكر الزهري في المرتبة الثانية، وذكره ابن حجر في الثالثة، وحقه أن يكون في الأولى، إذ هو نادر التدليس كما قال الذهبي

(1)

.

وقد وقع بين العلائي وابن حجر بعض الاختلاف في هذا الجانب، بل إن ابن حجر صَنَّفهم ضمن كتاب آخر له، وهو "النكت على كتاب ابن الصلاح" بنحو تصنيفه لهم في الكتاب المفرد

(2)

، وبين الكتابين شيء من الاختلاف أيضاً، وللأخ مسفر الدميني في كتابه "التدليس في الحديث" جهد مشكور في مناقشة ابن حجر.

والذي يهمنا هنا من الانتقادات ما يتعلق بالمراتب نفسها، إذ هي محل انتقاد، حتى قال بعض الباحثين عنها:"ذكر المراتب هذه في الأصل ـ ظاهر فيه التحكم وعدم المنهجية".

والمتأمل في المراتب الخمس يجد ثلاثاً منها لا اعتراض عليها، وهي الأولى والرابعة، والخامسة، وأما الثانية والثالثة ففي النفس منهما شيء، والتفريق بينهما غير واضح، وهما يضمان من اشتهر بالتدليس وعرف به، وهو يدلس عن الثقات، أو عنهم وعن غيرهم، وهؤلاء هم موضع الإشكال الحقيقي في باب

(1)

"ميزان الاعتدال" 4: 40.

(2)

"النكت على كتاب ابن الصلاح" 2: 636 - 650.

ص: 335

التدليس كله، والذي يظهر أن حال أصحابهما واحد في الجملة، وهو البحث والتفتيش عن سماعهم من قبل الأئمة، وضرورة تصريحهم بالتحديث.

الأمر الثاني: تقدم في (الجرح والتعديل) ما يعرف بالتوثيق المقيد، والتضعيف المقيد، أي أن يكون الراوي قوياً في بعض شيوخه، ضعيفاً فيمن عداهم، أو عكس ذلك بأن يكون ضعيفاً في بعض شيوخه، قوياً فيمن عداهم، ومثله أن يكون في بعض شيوخه أقوى منه في بعضهم الآخر، وإن كان في الجميع قوياً، أو أضعف في بعض شيوخه وإن كان في الجميع ضعيفاً.

ويأتي في التدليس ما يشبهه، وذلك في صورتين:

الصورة الأولى: أن يكون المدلس مكثراً من الرواية عن شيخ له كثرة ظاهرة، ثم يأتي عنه أنه دلس عنه، فقاعدة القلة والكثرة يمكن تطبيقها عليه حينئذٍ، وتكون روايته عنه محمولة على الاتصال أبداً حتى يتبين في حديث معين أنه دلَّسه عنه، وليس هذا بترك للقول المرجح، بل هو موافق له، فالمدلس في شيخه هذا قليل التدليس، لكثرة ما روى عنه في الأصل.

وقد نص على هذا الأئمة، قال الحميدي: "وإن كان رجل معروفاً بصحبة رجل والسماع منه، مثل ابن جريج عن عطاء، أو هشام بن عروة عن أبيه، وعمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، ومن كان مثل هؤلاء في ثقتهم ممن يكون الغالب عليه السماع ممن حدث عنه، فأدرك عليه أنه أدخل بينه وبين من حدَّث رجلاً غير مسمى، أو أسقطه ـ ترك ذلك الحديث الذي أدرك عليه فيه أنه لم يسمعه، ولم يضره ذلك في غيره، حتى يدرك عليه مثل ما أدرك عليه في هذا،

ص: 336

فيكون مثل المقطوع"

(1)

.

ومن ذلك أيضاً أن هشيماً أثبت الناس في حصين بن عبدالرحمن، وكان يقدم فيه على سفيان الثوري، وشعبة

(2)

، وذكر أحمد أنه لايكاد يدلس عن حصين

(3)

، وقال إبراهيم بن عبدالله الهروي:"كان يدلس عن أبي بشر أكثر مما يدلس عن حصين"

(4)

.

وقال الذهبي في سليمان الأعمش: "وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدرى به، فمتى قال: حدثنا، فلا كلام، ومتى قال: عن، تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم النخعي، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال"

(5)

.

وقد قال عبدالله بن أحمد: "سمعت محمد بن عبدالله بن نمير قال: سمعت أباخالد الأحمر يقول: سمعت الأعمش يقول: سمعت من أبي صالح ألف حديث"

(6)

، ورواه أبو زيد بن طريف، عن ابن نمير وزاد فيه:"ثم مرضت فنسيت بعضها"

(7)

.

(1)

"الكفاية" ص 374.

(2)

"تهذيب التهذيب" 11: 60 - 61.

(3)

"شرح علل الترمذي" 2: 751.

(4)

"المراسيل" ص 232.

(5)

"ميزان الاعتدال" 2: 224.

(6)

"العلل ومعرفة الرجال" 2: 432، 3: 362، وانظر:"سؤالات أبي داود" ص 292، و"سير أعلام النبلاء" 6:230.

(7)

. "الكفاية" ص 383، ولم أعرف أبا زيد بن طريف.

ص: 337

ولعل هذا هو مراد أحمد في جوابه على سؤال وجه إليه، قال أبوداود:"سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل فيه: حدثني، أو سمعت؟ قال: لا أدري، فقلت: الأعمش متى تصاد له الألفاظ؟ قال: يضيق هذا - أي إنك تحتج به- "

(1)

.

والمفهوم من سؤال أبي داود وجواب أحمد أنَّ الأعمش يقلّ تصريحه بالتحديث، فإذا اشترطنا تصريحه ضاق الأمر، وذهب جلّ حديثه، مع أنه قد سمع شيئاً كثيراً جداً، ولاسيما من شيوخه المشهورين الذين أشار إليهم الذهبي، ولعل قلة تصريحه بالتحديث مراده إلى الطريقة التي تلقى بها تلامذة الأعمش حديثه، فقد يذكر الأعمش الإسناد، ويذكر بعض أصحابه المتن، أو يذكر هو المتن، ويذكر بعض أصحابه الإسناد، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في المبحث الأول من الفصل الأول.

فالقولان ـ الأول والثالث ـ في حكم رواية المدلس إذا روى بصيغة محتملة يلتقيان في هذه الحالة.

كما تلتقي المذاهب الثلاثة فيما إذا كان المدلس قد سمع من شيخه أحاديث قليلة، ثم روى عنه شيئاً كثيراً بالنسبة لما سمعه، فلابد حينئذٍ من التصريح بالتحديث، والظن الغالب أن ما لم يصرح فيه بالتحديث قد دلّسه عنه.

فمن ذلك الأعمش في مجاهد، فقد سمع منه أحاديث قليلة، واختلفوا في

(1)

"سؤالات أبي داود" ص 199.

ص: 338

عدها فذكر هشيم أنها أربعة

(1)

، وكذا قال ابن معين: إنها أربعة أو خمسة

(2)

.

وقال وكيع: "كنا نتتبع ما سمع الأعمش من مجاهد فإذا هي سبعة أو ثمانية"

(3)

.

وقال يعقوب بن شيبة: "ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إلا ما قال: سمعت، هي نحو من عشرة"

(4)

.

وقال أبوحاتم: "الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس"

(5)

.

وأما البخاري فذكر أنه عدَّ له نحواً من ثلاثين حديثاً يصرح فيها بالتحديث

(6)

.

وأيَّا ما كان العدد فتوافقهم على عدِّها وتتبعها يدل على اتفاقهم على مطالبته بالتصريح بالتحديث.

ومن ذلك أيضاً الحجاج بن أرطاة في عمرو بن شعيب، فقد قال أبونعيم

(1)

"العلل الكبير" 2: 966، و"الكامل" 2:642.

(2)

"تاريخ الدوري عن ابن معين" 2: 234، وانظر:"تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين" ص 46، والتعليق عليه، و"التعديل والتجريح" 3:1117.

(3)

. "الجرح والتعديل" 1: 227.

(4)

"إكمال تهذيب الكمال" 6: 92، وانظر:"شرح علل الترمذي" 2: 853.

(5)

" علل ابن أبي حاتم" 2: 210.

(6)

"العلل الكبير" 2: 966.

ص: 339

الفضل بن دكين: "لم يسمع الحجاج من عمرو بن شعيب إلا أربعة أحاديث"

(1)

، وقد روى عنه أحاديث كثيرة

(2)

، إلا أن الحجاج في نفسه مضعف.

ومحمد بن إسحاق في أبي الزناد، فقد قال أحمد:"عامة حديث ابن إسحاق، عن أبي الزناد ـ حديث الأعرج ـ ولم يسمعها، قال: هي في كتب يعقوب: ذكر أبوالزناد، ذكر أبوالزناد"

(3)

.

الصورة الثانية: إذا نسب الأئمة راوياً من الرواة إلى التدليس عن بعض شيوخه، وسكتوا عن الباقين، فقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه يقتصر على من رموه بالتدليس عنه، وأما من عداه فحكمه فيه حكم غير المدلس.

ومثلوا لذلك بزكريا بن أبي زائدة، فإن الأئمة قد وصفوه بكثرة التدليس عن الشعبي، ولم يذكروا تدليسه عن غيره

(4)

.

وكذلك إسماعيل بن أبي خالد في الشعبي أيضاً، فإنه يدلس عنه

(5)

.

(1)

"المراسيل" ص 48.

(2)

"تحفة الأشراف" 6: 306 - 308، و"إتحاف المهرة" 9: 492، 497، 507، 509، 516، 521، 524، 527 - 529، 533 - 535.

(3)

"مسائل أبي داود" ص 454، وانظر:" علل المروذي " ص 39.

(4)

"سؤالات أبي داود" ص 298، و"سؤالات الآجري لأبي داود" 1: 315، 322 - 323، و "الجرح والتعديل" 3: 594، و "تهذيب التهذيب" 3:330.

وقد ذكر ابن حجر في "تعريف أهل التقديس" ص 62، عن أبي حاتم قوله:"يدلس عن الشعبي وابن جريج"، ولم أجده عند غيره، ولم أقف على من ذكر له رواية عن ابن جريج.

(5)

"العلل ومعرفة الرجال" 1: 519، 3: 90، 217، و "الجرح والتعديل" 2: 175، و "تهذيب التهذيب" 1:292.

ص: 340

ولم أقف على شيء من كلام الأئمة في خصوص هذه المسألة، سوى أن ابن حبان قال في ترجمة محرز بن عبدالله الجزري:"كان يدلس عن مكحول، يعتبر بحديثه ما بين السماع فيه عن مكحول وغيره"

(1)

.

فظاهره أنه ثبت لديه تدليسه عن مكحول فطرد الحكم في غيره أيضاً، وابن حبان متشدد في موضوع التدليس كما تقدم في القول الثاني، ويحتمل أنه نص على مكحول لشهرته في شيوخه، ويكون قد عرف تدليسه عن غيره أيضاً.

وهذه المسألة ينبغي أن يتأنى فيها، إذ لا ريب أننا لو أدركنا من كلام الأئمة أنه لا يدلس إلا عمن ذكر لانتهى الأمر، كما في تدليس مغيرة بن مقسم، فقد نسبه الأئمة إلى التدليس عن إبراهيم النخعي، وفي كلام أحمد أنه لا يدلس إلا عن إبراهيم

(2)

.

ولكن قد يكون سبب تنصيصهم على بعض شيوخ المدلس لقوته فيه، وشهرته بالرواية عنه، وليس لما ذكر، فإسماعيل بن أبي خالد، وزكريا بن أبي زائدة، من كبار أصحاب الشعبي، فقد يكون هذا هو سبب تنصيص النقاد على تدليسهما عنه، وقد قال أحمد في إسماعيل:"يحيى أحسن الناس حديثاً عن إسماعيل - يعني ابن أبي خالد - يقول: لأن فيها أخباراً، حدثنا قيس، حدثنا حكيم بن جابر"

(3)

، فهذا يدل على أنه كان يدلس عن غير الشعبي.

ثم إني رأيت بعض الباحثين توسع جداً في هذه القضية، فذكر قول الحاكم

(1)

"الثقات" 7: 504.

(2)

. تقدم النقل عنهم في المبحث الأول.

(3)

"العلل ومعرفة الرجال" 3: 319.

ص: 341

في قتادة: "وكذلك قتادة بن دعامة ـ وهو إمام أهل البصرة ـ إذا قال: قال أنس، أو قال: قال الحسن، وهو مشهور بالتدليس عنهما"

(1)

، فأراد الباحث أن يقصر تدليس قتادة على أنس، والحسن، وظاهر جداً أن الحاكم أراد التمثيل بذلك، إذ هو قاله في معرض شرحه لمعنى التدليس.

وأبعد من هذا ما فهمه الباحث من قول الذهبي في الوليد بن مسلم: "فإذا قال الوليد أو بقية: عن الأوزاعي ـ فواهٍ، فإنهما يدلسان كثيراً عن الهلكى، ولهذا يتقي أصحاب الصحاح حديث الوليد، فما جاء إسناده بصيغة: عن ابن جريج، أو عن الأوزاعي - تجنبوه"

(2)

، ومن قول الذهبي أيضاً:"إذا قال الوليد: عن ابن جريج، أو عن الأوزاعي فليس بمعتمد، لأنه يدلس عن كذابين، فإذا قال: حدثنا فهو حجة"

(3)

.

فقد أخذ الباحث من هذا أن التوقف في عنعنة الوليد بن مسلم خاص بهذين الشيخين ـ الأوزاعي، وابن جريج ـ، وهو تساهل غير مرضي، فالذهبي أراد التمثيل بهذين الشيخين للوليد، لكونه مكثراً عنهما، ومشهوراً بالتدليس عنهما، وحينئذٍ فمطالبته بالتصريح لا تقتصر عليهما، وقد قال الذهبي:"لانزاع في حفظه وعلمه، وإنما الرجل مدلس، فلا يحتج به إلا إذا صرح بالسماع"

(4)

.

وقال ابن عبدالهادي: "يدلس عن الضعفاء، فإذا قال: حدثنا الأوزاعي،

(1)

"المدخل إلى الصحيح" ص 94.

(2)

"الموقظة" ص 46.

(3)

"ميزان الاعتدال" 4: 348.

(4)

"تذكرة الحفاظ" 1: 304.

ص: 342

أو غيره، أو أخبرنا ـ فهو حجة"

(1)

.

ثم إن الوليد مشهور بالتدليس عن الكذابين، وبارتكاب أنواع التدليس، فلا ينبغي أن يتسامح معه أبداً، ومقاومة الإسراف في نقد الأسانيد بالتدليس لا يصح أن تخرج إلى حد التساهل فيه، فقد رأيت بوادر هذا في كلام بعض الباحثين على التدليس.

والذهبي قد ذكر بقية بن الوليد وعنعنته عن الأوزاعي، فهل يقال فيه أيضاً ما قيل في الوليد؟

الأمر الثالث: يستحضر القارئ وهو ينظر في الأقوال الثلاثة السابقة والموازنة بينها ما تكرر ذكره مراراً، وهو أننا نبحث في وضع قواعد دراسة الأسانيد عن منهج الأئمة في كل قضية معينة يجري بحثها، وربما لا يتضح المنهج تماماً، إما لاختلاف المنقول عنهم، أو لاختلاف اجتهاد الباحثين في تفسير عملهم، وحينئذٍ فالموازنة والترجيح بين الأقوال في مسألة ما ليس معناه البحث في أي الأقوال هو الأرجح في نفسه، والاستدلال لإثبات ذلك، وإنما يكون البحث في ترجيح أي الأقوال هو الذي عليه أئمة النقد، وإذا ترجح ذلك صار هو الراجح في نفسه وإن لم يستدل عليه، والاستدلال عليه حينئذٍ من نافلة القول.

والغرض من استحضار القارئ لهذا هنا مهم جداً، يغفل عنه كثير من الباحثين، وذلك أنه إذا افترضنا سلامة ترجيحنا للقول الثالث، وأنه هو الذي

(1)

"تنقيح التحقيق" 1: 531.

ص: 343

عليه الأئمة، فمن الضروري جداً أن نضم إلى ذلك أنهم قد قاموا بتفقد السماع من المدلسين المعروفين بالتدليس.

فإذا صحح الأئمة أو أحدهم حديثاً واعتمد في تصحيحه على طريق فيه مدلس معروف بالتدليس فمعناه أنه وقف على تصريح المدلس بالتحديث أو ما يقوم مقامه، وهذا معنى قول الحاكم وهو يذكر أجناس المدلسين: "الجنس الخامس من المدلسين قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسون

، ومن هذه الطبقة جماعة من المحدثين المتقدمين والمتأخرين مخرج حديثهم في الصحيح، إلا أن المتبحر في هذا العلم يميز بين ما سمعوه وما دلسوه"

(1)

، وقوله:"وأخبار المدلسين كثيرة، وضبط الأئمة عنهم ما لم يدلسوا، وما لم يدلسوا ظاهر في الأخبار"

(2)

.

وقال الخليلي في معرض كلامه عن حديث دلسه ابن جريج: "وابن جريج يدلس في أحاديث، ولا يخفى ذلك على الحفاظ"

(3)

.

ومثل هذا يقال لو تم ترجيح القول الثاني، وأنه هو الذي عليه الأئمة، وقد قال ابن حبان ـ وهو أحد من نسب إليه هذا القول ـ:"إذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر"

(4)

.

(1)

"معرفة علوم الحديث" ص 108 - 109.

(2)

"المدخل في أصول الحديث" ص 94.

(3)

. "الإرشاد" 1: 352.

(4)

"صحيح ابن حبان" 1: 162.

ص: 344