الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومتى قَدَّرنا غير هذا وأنهم لم يقوموا بتفقد السماع لزمنا أحد أمرين: إما رميهم بالتقصير في نقد الأسانيد، وأنهم سنوا قانوناً لم يطبقوه، ورميهم بهذا لا يرضاه أحد لنفسه، أو إعادة النظر في ترجيح ما نسبناه إليهم، وأنه هو منهجهم، وهذا الثاني لا مفر منه، ويترجح حينئذٍ القول الأول، وهو أنهم إنما يتوقفون فيما لم يصرح فيه المدلس بالتحديث إذا ظهر لهم أنه قد دلَّس حديثاً بعينه، وهو قول قوي لا يبعد أن يكون هو الراجح، وإنما تَمَّ ترجيح القول الثالث كما تقدم بناء على قرائن أقوى دلَّت على أنه هو الراجح عنهم.
ويبقى النظر في جانب آخر يتعلق بهذه المسألة، وهو ما
إذا أعل الأئمة إسناداً بعلة، وأغفلوا نقده بالتدليس، فهل يعني هذا انتفاءه عندهم
؟ كنت أولاً أميل لهذا، وأرى أنه لو كان منتقداً بالتدليس لنص عليه الناقد، ثم تأملت نقدهم للأحاديث بصفة عامة، فرأيت الواحد منهم ينص على علة يسقط بها الحديث يكتفي بها، مع وجود علل أخرى في الإسناد.
ومن أمثلة ذلك - فيما نحن فيه - أن مسعراً روى عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس:"إذا أصبح صائماً تطوعاً ثم أفطر قضى يوماً مكانه"
(1)
- قال أحمد: " أبى ابن مهدي أن يحدث بهذا عن سفيان، لأنه يروى عن ابن عباس خلافه، لا بأس به، ابن عباس [يقول] فيه، خالفوا حبيباً في هذا"
(2)
.
(1)
. "مصنف ابن أبي شيبة" 3: 29، و"العلل ومعرفة الرجال" 2:8.
(2)
. "العلل ومعرفة الرجال" 2: 8، وانظر:"مصنف عبدالرزاق" حديث (7767 - 7770)، (7773)، و"مصنف ابن أبي شيبة" 3: 30، و"سنن البيهقي" 4:277.
فلم يتعرض ابن مهدي، ولا أحمد، لتدليس حبيب بن أبي ثابت، وهو مشهور بهذا، فهل يقال: إن روايته بلغتهم بصيغة التحديث فلم يتعرضوا لتدليسه؟ أرى أنه لا يسعنا الاعتماد على هذا، ونص الناقد على علة لا يمنع من التعليل بغيرها متى ظهر ذلك.
على أن القول بالمنع من النقد بالتدليس في هذه الحالة له حظ من النظر فيما إذا انضم إليه مانع آخر، كأن ينضم إلى عدم النقد بالتدليس أن يكون الراوي موصوفاً بالتدليس عن شيخ له فقط، ثم يكون الحديث الذي معنا عن شيخ آخر، فقد تقدم في الأمر الثاني أن جمعاً من الباحثين يمنع من الحكم بتدليس راو مطلقاً، إذا كان الأئمة قد نصوا على تدليسه عن شيخ معين، وقدمت هناك أن هذا غير ظاهر بالنسبة لي، فإذا اجتمع في حديث رواية المدلس له عن شيخ لم يوصف بالتدليس عنه، وأعرض الأئمة عن نقده بالتدليس في هذا الحديث، فلا يبعد أن يقال: إن التعليل بالتدليس بعيد حينئذ.
ومثاله زكريا بن أبي زائدة، فقد تقدم أن النقاد أكثروا من النص على تدليسه عن الشعبي، وهم في روايته عن أبي إسحاق - مثلاً - لا يتعرضون لتدليسه، حتى مع مخالفته لغيره، ويلجؤون إلى تعليله بتأخر سماعه من أبي إسحاق، والله أعلم.
الأمر الرابع: تقدم في الحالة الأولى شرح نوع من التدليس يبقي فيه المدلس شيخه، لكنه يسقط راوياً من وسط الإسناد، وهو ما يعرف بتدليس التسوية.
والمرتكب لهذا النوع من التدليس يعامل في بقية الإسناد ومطالبته بالتصريح بالتحديث بمبدأ القلة والكثرة، فمن فعله على سبيل الندرة فروايته محكوم لها بالاتصال، والمكثر منه مطالب بالتصريح بالتحديث في جميع الإسناد.
وقد تقدم أن ممن ارتكبه بقلة: الأعمش، والثوري، وابن جريج، وهشيماً، فهؤلاء لا يتوقف في عنعنة من بعدهم في الإسناد، ما لم يتبين أن فيه تدليس تسوية، كما قال يحيى القطان:"لم أكن أهتم لسفيان أن يقول ـ لمن فوقه ـ قال: سمعت فلاناً، ولكن كان يهمني أن يقول هو: سمعت فلاناً، وحدثني فلان"
(1)
.
وتقدم أيضاً أن ممن ارتكبه بكثرة: الوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، فهذان لا يكتفى بتصريحهما بالتحديث، بل لابد من وجود ذلك في جميع الإسناد.
قال ابن حجر في كلام له على إسناد حديث فيه الوليد بن مسلم: "قد صرح بتحديث الأوزاعي له، وبتحديث نافع للأوزاعي، فأمن تدليس الوليد وتسويته"
(2)
.
وقال أيضاً في إسناد حديث بهذه الصفة: "وزال بهذا ما كان يخشى من تدليس الوليد وتسويته"
(3)
.
وقد رأيت من الباحثين المعاصرين بصفة عامة إغفال نقد الإسناد بتدليس
(1)
"الكفاية" ص 363.
(2)
"فتح الباري" 2: 463.
(3)
"فتح الباري" 2: 519، وانظر:"بيان الوهم والإيهام" 5: 499، و"المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر" للزركشي ص 122.
التسوية، فقد نظر أحد المشايخ الفضلاء في الحديث السابق في المبحث الرابع، الذي رواه بقية، عن معاوية بن يحيى، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً: " إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤونة
…
"، وحين رأى بقية مصرحاً بالتحديث جعل الإسناد حسناً عند المتابعة، من أجل الكلام في معاوية ابن يحيى، ثم ضم إليه طريقاً آخر إلى أبي الزناد، وحسن الحديث بالطريقين، ثم ضم إليهما متابعة ثالثة صحح بها الحديث.
والحديث ضعيف جداً لا يصح، لكن الشاهد هنا أن طريق معاوية بن يحيى هذا قد ارتكب فيه بقية تدليس التسوية، فأسقط عباد بن كثير، بين معاوية وأبي الزناد، كما تقدم ذكره عن أبي حاتم، وعباد متروك الحديث.
الأمر الخامس: ينبغي أن يرتفع الخلاف في حكم رواية المدلس إذا جاءت روايته بصيغة عن، واحتف بذلك قرينة ترجح أن ذلك الحديث المعين مما دلَّسه وليس مما سمعه، فيحكم حينئذٍ للرواية بالانقطاع على جميع الأقوال، سواء كان المدلس مكثراً من التدليس أو مقلاً منه، وسواء كان مكثراً عن ذلك الشيخ الذي روى عنه أو مقلاً، وسواء كان وصفه بالتدليس قد جاء عن الأئمة في عموم رواياته أو في شيخ معين، يستوي في ذلك التدليس في مبدأ الإسناد، والتدليس في وسطه، وهو المعروف بتدليس التسوية.
وهكذا في جميع ما قيل: إن رواية المدلس محمولة على السماع حتى يتبين الانقطاع، فهذا التبين يعني ظهور قرينة تدل على الانقطاع، وعلى الباحث أن يجتهد في التحقق من وجود هذه القرينة أو عدم وجودها.
وعلى القول بأن رواية المدلس بصيغة عن محمولة على الانقطاع فالباحث بحاجة أيضاً إلى البحث في هذه القرائن، حتى وإن كان سيحكم بالانقطاع ولو لم توجد، ذلك أن حكمه بالانقطاع إذا وجدت أقوى وآكد، ويرفع الخلاف بينه وبين غيره.
وسأذكر من هذه القرائن ما رأيت الأئمة استخدموه في ترجيح وقوع التدليس، وقد يصادف الباحث أحاديث ليس لهم فيها كلام، فبإمكانه استخدامها إذا وجدت.
القرينة الأولى: أن تأتي رواية أخرى صحيحة يروي فيها المدلس ذلك الحديث عن شيخه بواسطة، سواء سماه، أو أبهمه بأن قال: عن رجل، أو قال: بلغني عنه، أو نبئت عنه، ونحو ذلك.
ومثله في تدليس التسوية: إذا جاءت رواية أخرى عن المدلس فيها هذه الزيادة في وسط الإسناد.
وهذه أهم القرائن وأقواها وأكثرها استخداماً، كما قال ابن القطان:"وأبين ما يكون الانقطاع بزيادة واحد في حديث من عرف بالتدليس"
(1)
.
ومن الأمثلة على ذلك ما رواه الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس حديث قصة اللذين يعذبان في قبريهما
(2)
، ورواه منصور بن المعتمر، عن
(1)
"بيان الوهم والإيهام" 2: 435.
(2)
. "صحيح البخاري" حديث (218)، (1361)، (1378)، (6052)، و"صحيح مسلم" حديث (292).
مجاهد، عن ابن عباس
(1)
.
والبخاري مع أنه أخرج رواية منصور ولم يخرجها مسلم، إلا أن البخاري رجح رواية الأعمش
(2)
، وكذا رجحها الترمذي
(3)
، والدارقطني
(4)
، فإما أن يكون الخطأ من منصور، وإما أن يكون مجاهد حين حدث به منصوراً أسقط طاوساً، ورواه عن ابن عباس مباشرة.
ومن ذلك أن جمعاً غفيراً روى عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: " الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن
…
" الحديث
(5)
، فذهب جماعة من الأئمة منهم سفيان الثوري، وأحمد، وابن المديني، وابن خزيمة، والبيهقي، وغيرهم إلى أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح، لأنه كان يقول في طرق أخرى عنه: عن رجل، عن أبي صالح، وفي بعضها: حدثت عن أبي صالح، وفي
(1)
. "صحيح البخاري" حديث (216)، (6055).
(2)
. "العلل الكبير" 1: 141، لكن وقع فيه قلب في السؤال، فقد جعل رواية الأعمش بإسقاط طاوس، ورواية منصور بذكره، والصواب العكس، وانظر:"سنن الترمذي" حديث (70) وتعليق الترمذي عليه، و"عمدة القاري" 3:115.
(3)
. "سنن الترمذي" 1: 103، بعد حديث (70).
(4)
. "الإلزامات والتتبع" ص 500.
(5)
"سنن الترمذي" حديث (207)، و"مسند أحمد" 2: 284، 424، 461، 472، 514، و"مسند الطيالسي" حديث (2404)، و"مسند الحميدي" حديث (999)، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (1528)، و"علل الدارقطني" 10:192.
بعضها: حدثت عن أبي صالح ـ ولا أراني إلا وقد سمعته ـ
(1)
.
وروى جماعة كثيرون منهم الثوري، وحماد بن سلمة، وعبدالوهاب الثقفي، وأنس بن عياض، وغيرهم، عن حميد الطويل، عن أنس قصة صلاته صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر في مرض موته
(2)
، ورواها محمد بن طلحة، وسليمان بن بلال، ويحيى بن أيوب، ويزيد بن هارون، عن حميد، عن ثابت، عن أنس، قال الترمذي:"ومن ذكر فيه: عن ثابت ـ فهو أصح"
(3)
.
وقال ابن المديني: "سمعت يحيى (يعني القطان) يقول: حديث التيمي، عن الحسن: " أن ابن عباس كان يعرف " ـ لم يسمعه من الحسن، كان يقول: رجل عن الحسن، قال يحيى: فبلغني أنه رواه عن أبي بكر الهذلي"
(4)
.
وقال أحمد في حديث سفيان الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود
(1)
"سنن أبي داود" حديث (517 - 518)، و"سنن الترمذي" 1: 403، و"مسند أحمد" 2: 232، 382، و"مسائل أبي داود" ص 293، و"تاريخ الدوري عن ابن معين" 2: 236، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (528 - 529)، و"مشكل الآثار" حديث (2192 - 2193)، و"علل الدارقطني" 10: 195، و"سنن البيهقي" 1: 430، و"التلخيص الحبير" 1:218.
(2)
"سنن النسائي" حديث (785)، و"مسند أحمد" 3: 159، 216، 233، 243، 263، و"مسند أبي يعلى" حديث (3751)، و"الأوسط" لابن المنذر 4: 204، و"سنن البيهقي" 7: 192، و"دلائل النبوة" 7:192.
(3)
"سنن الترمذي" حديث (363)، و"مسند أحمد" 3: 243، و"شرح معاني الآثار" 1: 406، و"صحيح ابن حبان" حديث (2125).
(4)
"الجرح والتعديل" 1: 238.
" أنه كان يقول: اندرايم " ـ: "لم يسمعه سفيان من حماد، في إملاء اليمن: عن جابر، عن حماد"
(1)
.
والمقصود بإملاء اليمن ما سمعه عبدالرزاق من الثوري باليمن، وكان أحمد يرى أنه أحكم وأضبط مما سمعه منه بمكة
(2)
.
وقال أحمد أيضاً في حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة مرفوعاً:" لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين "، وهو من رواية يونس عن الزهري، جاء ذلك من طرق عن يونس
(3)
، قال أحمد: "أفسدوا علينا حديث الزهري
…
، قالوا: عن سليمان بن أرقم ـ يعني قالوا: عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ـ
…
"
(4)
.
وكذا قال غير واحد من الأئمة: إن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة،
(1)
"العلل ومعرفة الرجال" 1: 300، 2:21.
(2)
"شرح علل الترمذي" 2: 770.
(3)
"سنن أبي داود" حديث (3290 - 3291)، و"سنن الترمذي" حديث (1524)، و" سنن النسائي " حديث (3843 - 3847)، و"سنن ابن ماجه" حديث (2125)، و"مسند أحمد" 6: 247، وجاء في رواية عن يونس، عن الزهري قال: بلغني عن أبي سلمة، عن عائشة به موقوفاً عليها، انظر:"التاريخ الكبير" 4: 2، و"التاريخ الصغير" 2: 197، و"المعرفة والتاريخ" 3:3.
(4)
"سنن أبي داود" 3: 595، و "مسائل أبي داود" ص 401، وحديث سليمان بن أرقم أخرجه أبو داود حديث (3292)، والترمذي حديث (1525)، والنسائي حديث (3848)، من رواية موسى بن عقبة، وابن أبي عتيق، عن الزهري.
معتمدين على هذه القرينة
(1)
.
وروى إسماعيل بن علية، وعبدالوهاب بن عبدالمجيد، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يسترعي الله تبارك وتعالى عبداً رعية ـ قلَّت أو كثرت ـ إلا سأله الله تبارك وتعالى عنها يوم القيامة
…
" الحديث
(2)
.
قال ابن خزيمة: "لم يسمع الحسن هذا الخبر من ابن عمر، حدثنا محمد بن عبدالأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا يونس، عن الحسن قال: نبئت أن ابن عمر قال
…
"
(3)
.
وقد تقدم أن الحسن قد سمع من ابن عمر في قول الجمهور، لكن يظهر أنهم إنما يثبتون له سماعه لحديث واحد، كما تقدم شرحه في المبحث الثالث، وعلى هذا فهذه القرينة تأكيد لعدم سماعه منه هذا الحديث المعين، ونفي لاحتمالات أخرى قد تكون قائمة في سماع الحسن من ابن عمر، وعنعنته عنه.
وفي هذا المثال يقرب أن حذف الواسطة ليس من الحسن، وإنما هو من الراوي عنه يونس بن عبيد، فالطرق مدارها عليه، فكأنه ربما استبدل العنعنة بقول الحسن: نبئت، بالعنعنة، ويونس مدلس أيضاً كما تقدم في المبحث الثاني،
(1)
"سنن أبي داود" 3: 595، و"سنن الترمذي" 4: 103، و"سنن النسائي" 7: 34، و"العلل الكبير" 2: 652، و"التاريخ الكبير" 4: 2، و"التاريخ الصغير" 2: 197، و"سنن البيهقي" 10:69.
(2)
"مسند أحمد" 2: 15، و"إتحاف المهرة" 8:296.
(3)
"إتحاف المهرة" 8: 296.
وقد يكون تسامح في ذلك للعلم بأن الحسن لم يسمعه من ابن عمر.
وروى جماعة عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه رضي الله عنه مرفوعاً: " نضر الله عبداً سمع مقالتي
…
" الحديث
(1)
.
ورواه عبدالله بن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالسلام بن أبي الجنوب، عن الزهري به
(2)
، قال العلائي عن الطريق الأول: "الظاهر أن هذا مما دلسه ابن إسحاق
…
، وعبدالسلام قال فيه أبوحاتم: متروك"
(3)
.
وروى عبدالله بن صالح كاتب الليث بن سعد، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: " من إذاً اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة
…
" الحديث
(4)
.
وقد رواه يحيى بن المتوكل، عن ابن جريج، عمن حدثه، عن نافع به، وذكر البخاري أن هذا أشبه
(5)
.
وروى مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر
(1)
"سنن ابن ماجه" حديث (231)، و"مسند أحمد" 4: 80، 82، و"سنن الدارمي" حديث (234)، و "الجرح والتعديل" 2: 10، و"المجروحين" 1: 2، و"المعجم الكبير" حديث (1541 - 1544)، و"المستدرك" 1:87.
(2)
"سنن ابن ماجه" حديث (231).
(3)
"جامع التحصيل" ص 53، وانظر:"تهذيب التهذيب" 6: 315.
(4)
"سنن ابن ماجه" حديث (728)، و"المستدرك" 1:205.
(5)
"التاريخ الكبير" 8: 306.
مرفوعاً: " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع "، قال النسائي بعد أن رواه: "لم يسمعه سفيان من أبي الزبير
…
"، ثم أخرجه من طريق أبي داود الحفري، عن سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن أبي الزبير به
(1)
.
وروى الدارقطني من طريق يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: " زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها فأرغبها في المال
…
" الحديث، وقال الدارقطني بعده: "لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه، كذلك رواه إبراهيم بن سعد عنه، وتابعه محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمر بن حسين "، ثم أخرج الطريقين
(2)
.
وروى جماعة منهم أبومعاوية، ويعلى بن عبيد، وجرير بن عبدالحميد، وغيرهم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: " كم مضى من الشهر
…
" الحديث في ليلة القدر
(3)
.
قال الحاكم: "لم يسمع هذا الحديث الأعمش من أبي صالح، وقد رواه أصحابه عنه هكذا منقطعاً"، ثم أخرجه من طريق عبيدالله بن سعيد قائد
(1)
"سنن النسائي" حديث (4986) - 4987)
(2)
"سنن الدارقطني" 3: 230، وانظر:"مسند أحمد" 2: 130، و"المستدرك" 2: 167، و"سنن البيهقي" 7:120.
(3)
"سنن ابن ماجه" حديث (1656)، و"مسند أحمد" 2: 251، و"مصنف ابن أبي شيبة" 3: 84، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (2179)، و"صحيح ابن حبان" حديث (2548)، (3450)، و"سنن البيهقي" 4:310.
الأعمش، عن الأعمش، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة
(1)
.
وعبيدالله بن سعيد قائد الأعمش ضعيف
(2)
، وكأن الحاكم هنا اعتمد زيادته لأن عنعنة الأعمش عن أبي صالح في جميع الطرق إليه أوجبت ريبة.
وكلام الأئمة في الحكم بالتدليس اعتماداً على هذه القرينة كثير جداً
(3)
.
ويمكن للباحث أن يستخدمها في الاستدلال لكلام الأئمة إذا حكموا بوقوع تدليس، ولم يذكروا دليل ذلك، مثاله ما روى معتمر بن سليمان التيمي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي:" إن فاجأتك جنازة وأنت على غير وضوء فصلِّ عليها "
(4)
، قال يحيى القطان:"حديث إسماعيل بن أبي خالد: " إذا فجأتك جنازة " ـ ليس هو من صحيح حديثه"
(5)
، يعني لم يسمعه من عامر الشعبي.
ودليل هذا أن عبدالله بن نمير قد رواه عن إسماعيل، عن رجل، عن عامر الشعبي، قال عبدالله:"هو مطيع الغزال ـ يعني الرجل ـ"
(6)
.
(1)
"معرفة علوم الحديث" ص 35.
(2)
"تهذيب التهذيب" 7: 16.
(3)
انظر مثلاً: " سنن الترمذي " حديث (3662)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (7094 - 7099)، (10383 - 10384)، و"صحيح ابن خزيمة" حديث (37)، و"الإلزامات والتتبع" ص 168، و"التمهيد" 12:267.
(4)
"مصنف عبدالرزاق" حديث (6280).
(5)
"الجرح والتعديل" 1: 238.
(6)
"العلل ومعرفة الرجال" 3: 344.
وروى محمد بن يوسف الفريابي، عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبدالله بن مسعود مرفوعاً:" ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواءً، فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر "
(1)
، وسئل عنه أبوحاتم فقال: "
…
وأما الثوري فإنه لا يسنده إلا الفريابي، ولا أظن الثوري سمعه من قيس، أراه مدلساً"
(2)
.
وقد رواه عبدالرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن يزيد بن أبي خالد، عن قيس بن مسلم، عن طارق مرسلاً
(3)
.
ويمكن للباحث أن يستند على هذه القرينة في الحكم بوقوع تدليس، وإن لم ينص أحد على ذلك، كما في رواية عبدالرزاق، عن سفيان الثوري، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي:" أن عمر وابن مسعود كانا يصليان في السفر قبل المكتوبة وبعدها "
(4)
، فقد رواه ابن مهدي، عن الثوري، عن مالك بن مغول، عن حماد به بمعناه
(5)
.
وروى وكيع، وعلي بن مسهر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي "في المرأة تزوجت رجلاً على أنه حر، فوجد عبداً، قال: تخير "، لفظ وكيع
(6)
،
(1)
"سنن النسائي الكبرى" حديث (6863).
(2)
"علل ابن أبي حاتم" 2: 254، وفي المطبوع سقط.
(3)
"سنن النسائي الكبرى" حديث (6864).
(4)
"مصنف عبدالرزاق" حديث (4454).
(5)
"العلل ومعرفة الرجال" 3: 228.
(6)
"مصنف ابن أبي شيبة" 4: 162.
ورواه يحيى القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عمن حدثه، عن الشعبي
(1)
.
ومما يؤكد أهمية هذه القرينة - أعني إدخال واسطة بين المدلس وشيخه - في الدلالة على وقوع تدليس، أن إدخال واسطة في إسناد معنعن بين راو وشيخه دليل على وقوع انقطاع في الإسناد الذي حذفت منه الواسطة، وإن لم يوصف الراوي بالتدليس
(2)
، والفرق بين المدلس وغيره حينئذ أن المدلس يكتفى للحكم بوقوع التدليس منه بأدنى شبهة، ويكون وصف الراوي بالتدليس قرينة مستقلة على ترجيح الزيادة.
وقد تقدم في ذكر أخطاء التصريح بالتحديث من المدلسين وعليهم، أن من أهم دلائل ذلك ورود واسطة بين المدلس وشيخه في بعض الروايات.
ولابد من الإشارة هنا إلى أنه ليس كل زيادة بين المدلس وشيخه يحكم من أجلها على الراوي بأنه دلس في هذا الحديث، فبعض الزيادات لا تصح، فهذا الأمر يخضع للقرائن، فهو محل اجتهاد إذاً.
ومن ذلك أن جماعة من أصحاب أبي إسحاق السبيعي - منهم الثوري، وشعبة، وعمر بن عبيد، وغيرهم - رووا عنه، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد
(1)
"العلل ومعرفة الرجال" 3: 343.
وانظر في أحاديث أخرى يرويها إسماعيل عن الشعبي بواسطة، وربما حذفها، وكذلك قتادة عن سعيد بن المسيب:"العلل ومعرفة الرجال" 3: 322 - 335 فقرة (5436 - 5483)، 3: 336 - 346 فقرة (5491 - 5527)، وتخريج محقق الكتاب.
(2)
. انظر: "بيان الوهم والإيهام" 2: 435.
الخدري: "أصبنا سبايا فكنا نعزل عنهن .... " الحديث
(1)
.
ورواه أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد
(2)
.
فهذه الزيادة لا تصح، لمخالفة أبي بكر بن عياش لأصحاب أبي إسحاق، وفيهم كبار أصحابه، وهو متكلم فيه وفي روايته عن أبي إسحاق على وجه الخصوص
(3)
.
وأيضاً فإن من رواة الوجه الأول عن أبي إسحاق شعبة، وقد تقدم في المبحث الرابع أنه لا يروي عن أبي إسحاق إلا ما سمعه، وقد صرح أبو إسحاق بالتحديث في روايته.
قال الدارقطني عن رواية أبي بكر: "ليس بمحفوظ، والصحيح: عن أبي إسحاق، عن أبي الوداك "
(4)
.
ويلتحق بذكر الواسطة أن يأتي عن المدلس في بعض الروايات عنه ما يعرف منه صيغة الرواية التي يحدث بها بينه وبين شيخه في الحديث المعين، وأنه لم يصرح بالتحديث، بل روى بصيغة قال، أو ذكر، أو حدث، ونحوها، فقد تقدم أننا إذا عرفنا أن المدلس لم يصرح بالتحديث، وعرفنا صيغة روايته على وجه
(1)
" مسند أحمد " 3: 49، 59، و"مسند الطيالسي" حديث (2289)، و"صحيح ابن حبان" حديث (4191).
(2)
" المعجم الأوسط " حديث (8104).
(3)
" علل ابن أبي حاتم " 1: 34، و"تهذيب التهذيب " 12:34.
(4)
" علل الدارقطني " 11: 349.
التحديد، فنرجح حينئذ أنه لم يسمعه، ويكون حكمنا في ذلك حكم النقاد في عصر الرواية، الذين وقفوا على صيغ رواية المدلس، وقد تقدم في هذا المبحث النقول عنهم فيما يشبه الإجماع على أن المدلس إذا روى بهذه الصيغ فقد دلَّس.
ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك حديث: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"، الماضي ذكره آنفاً، فقد تقدم أن من قرائن وقوع التدليس فيه إدخال الزهري واسطة في بعض الروايات عنه.
ومن القرائن كذلك أنه جاء في بعض الطرق إلى يونس قول الزهري: حدث أبو سلمة، قال أبو داود: "سمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك في هذا الحديث: حدث أبو سلمة، فدل على أن الزهري لم يسمعه من أبي
سلمة "
(1)
.
وقال البيهقي بعد أن أخرجه من طريق عنبسة بن خالد، عن الزهري كذلك:"هذا يدل على أنه لم يسمعه من أبي سلمة، وإنما سمعه من سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة "
(2)
.
ومن الأمثلة أيضاً ما رواه سعيد بن أبي عروبة، وعمران القطان - في رواية عنه - عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله، عن عياض بن حمار، قال:
(1)
" سنن أبي داود " 3: 595.
وممن رواه كذلك عن يونس أيضاً أبو ضمرة، أخرجه النسائي حديث (3847)، لكن وقع فيه: حدثنا أبو سلمة، وقد جاء على الصواب في "تحفة الأشراف" 12: 367، فهو من أمثلة أخطاء التصريح بالتحديث من مدلس، وقد تقدم الحديث عنها بتوسع في المبحث الرابع.
(2)
" سنن البيهقي " 10: 69.
"قلت: يا رسول الله، رجل من قومي يشتمني، وهو دوني، علي بأس أن أنتصر منه؟ قال: المستبان شيطانان
…
"
(1)
.
ورواه شيبان بن عبد الرحمن في بعض الروايات عنه، عن قتادة قال: وحدث مطرف، عن عياض بن حمار
(2)
.
فأفادت هذه الرواية أن قتادة لم يسمعه من مطرف، وأنه يدلسه عنه، وأكد ذلك أن الحديث رواه همام بن يحيى، وحجاج بن حجاج، وعمران القطان- في رواية عنه - عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله - أخي مطرف - عن عياض بن حمار
(3)
.
وقتادة يروي عن مطرف بن عبد الله، ويروي عن يزيد بن عبد الله، عن أخيه مطرف، وربما أسقط يزيد
(4)
.
وروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال:"لما جاء بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه - يعني الصلوات الخمس - خلى عنهن، حتى إذا زال الشمس عن بطن السماء نودي فيهم: الصلاة جامعة .... " الحديث
(5)
.
(1)
" مسند أحمد " 4: 162، و"مسند الطيالسي" حديث (1176)، و"صحيح ابن حبان" حديث (5726 - 5727)، و"سنن البيهقي" 10:235.
(2)
" مسند أحمد " 4: 162، و"سنن البيهقي" 10:235.
(3)
" مسند أحمد" 4: 162، 266، و"مسند الطيالسي" حديث (1176)، و"الأدب المفرد" حديث (428).
(4)
انظر: " مسند أحمد " 4: 266، و"مسند الطيالسي " حديث (1175).
(5)
" المراسيل " لأبي داود حديث (12)، و"سنن الدارقطني" 1:260.