الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن
لا يختلف اثنان على أن مقدمة مسلم ل-"صحيحه" تعتبر من أوائل ما دون في علوم الحديث وقواعده، فقد خالف نهج من سبقه من الأئمة الذين ألفوا في السنة النبوية، فوضع لكتابه مقدمة ضافية، كتبها بأسلوب أدبي بليغ، تطرق فيها لموضوعات متعددة، مثل سبب تأليفه للكتاب، وضرورة تنقية الأحاديث التي تلقى إلى العامة، والإسناد المعنعن، وجواز جرح الرواة، وشرطه في كتابه، وغير ذلك.
غير أن كلام مسلم رحمه الله عن بعض هذه الموضوعات أثار إشكالاً واسعاً، وجدلاً عريضاً، عند من جاء بعده، في بعض الموضوعات التي تعرض لها، ومن هذه الموضوعات: الإسناد المعنعن، وعلى التحديد كما يصوره مسلم بقوله:"كل إسناد لحديث فيه: فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به، غير أنه لا نعلم منه سماعاً، ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث"
(1)
.
ثم ذكر أن هناك من ذهب إلى أن الحكم بأن الرواية بينهما منقطعة والحالة هذه، ولم يسم من ذهب إلى ذلك، لكنه حمل عليه حملة عنيفة، ونسبه إلى اختراع
(1)
. "صحيح مسلم" 1: 29.
قول لم يسبق إليه، و"أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديماً وحديثاً: أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثاً، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعاً كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام - فالرواية ثابتة، والحجة لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئاً، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبداً، حتى تكون الدلالة التي بيّنا"
(1)
.
وقال أيضاً: "وما علمنا أحداً من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار، ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني، وابن عون، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث - فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد، كما ادعاه الذي وصفنا قوله من قبل، وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم: إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه، كي تنزاح عنهم علة التدليس، فمن ابتغى ذلك من غير مدلس - على الوجه الذي زعم من حكينا قوله - فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا ولم نسم من الأئمة"
(2)
.
وحينئذٍ فحجة مسلم التي اتكأ عليها هي أن القائل بعدم الاتصال قد اخترع قولاً جديداً لم يسبق إليه، وأنه زاد شرطاً في شروط الحديث الصحيح لم
(1)
. "صحيح مسلم" 1: 29.
(2)
. "صحيح مسلم" 1: 32.
يكن معروفاً من قبل، فالأئمة النقاد لم يكونوا يفتشون عن السماع إذا كان الراوي ثقة غير مدلس، وأمكن له اللقي.
وساق مسلم لهذا الغرض عدداً من الأسانيد على هذه الصفة، جاءت بها أحاديث، "وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد، لا نعلمهم وهنوا منها شيئاً قط، ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض"
(1)
.
وذكر مسلم للقول الآخر حجة واحدة وهي خشية أن يكون مرسلاً حيث لم يثبت السماع، ثم نقض هذه الحجة عن طريق الإلزام، فقد ألزم من قال بذلك أن لا يحكم بالاتصال إذا كانت الرواية معنعنة وإن ثبت السماع بين الراويين، لاحتمال الإرسال أيضاً، وساق من أجل ذلك جملة من الأحاديث، جاءت من طرق عن رواة غير مدلسين سمعوا ممن رووا عنه بدون واسطة، وجاءت من طرق أخرى عنهم بواسطة بينهم وبين من رووا عنه، والراجح - كما يقول مسلم - أن إسقاط الواسطة منها إرسال، فالاحتمال في كل عنعنة موجود إذاً، فيلزم حينئذٍ - من أجل احتمال الإرسال - أن لا تقبل العنعنة أصلاً.
وقد تعرض لهذه المسألة بعد مسلم أئمة كثيرون، وباحثون معاصرون، بل من الأئمة والباحثين من أفرد لها مؤلفاً خاصاً، فابن رشيد ألف فيها كتابه:"السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في الإسناد المعنعن" أحكمه أيما إحكام، وقد طبع الكتاب.
(1)
. "صحيح مسلم" 1: 35.
والشيخ عبدالرحمن المعلمي كتب رسالة في الأسانيد التي ساقها مسلم محتجاً بها على رأيه الذي اختاره، وفي الأحاديث التي نقض بها حجة خصمه، وطبعت هذه الرسالة أيضاً.
كما تحدث عن الموضوع أيضاً في كتابه "التنكيل"، وفي رسالته "عمارة القبور"، وكلاهما مطبوع.
وخصص الباحث الأخ خالد الدريس رسالته في الماجستير لهذه المسألة بعنوان: "موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين"، بذل فيها جهداً مشكوراً.
وقد تناولت هذه الكتابات كل كلمة قالها مسلم رحمه الله، بدءاً من تعيين المخالف الذي عناه مسلم، هل هو البخاري وشيخه ابن المديني، أو أحدهما، أو ليس واحداً منهما؟ وهل ما نقله مسلم من إجماع أئمة النقد على أن الإسناد في هذه الحالة محمول على الاتصال - دقيق أو لا؟ ثم ما احتج به مسلم من الأسانيد التي ساقها هل يصلح حجة له؟ وهل ما نقض به على خصمه من أحاديث يسلم له هذا النقض؟ وقبل ذلك كله الطريقة التي عالج بها مسلم هذه القضية وهجومه العنيف على المخالف هل هو لائق من الناحية العلمية؟
والمتأمل فيما كتب بعد مسلم حول هذه المسألة يرى أن الأئمة والباحثين على أربعة أقسام:
الأول: جماعة من الأئمة وغيرهم خالفوا مسلماً في القول الذي اختاره، ورجحوا أن الإسناد في هذه الحالة غير متصل، وأيضاً خالفوه في دعواه أن الإجماع قائم على الحكم بالاتصال، وبينوا أن مذهب جمهور أئمة النقد قبل مسلم على عدم الاكتفاء بإمكان اللقي، بل منهم من قلب المسألة على مسلم،
فقال: إنه لو ادعى مدعٍ أن الإجماع قائم على هذا قبل مسلم لم يكن قوله بعيداً.
واشتغل بعض هؤلاء - وهم الذي أطالوا في بحث هذه المسألة - بنقض الحجج التي ذكرها مسلم، وأنه لا يسلم له الاحتجاج بها، وصنيعه في سرد أسانيد قال إنها صحيحة عند الأئمة ولم يثبت فيها سماع - غير دقيق، فبعضها قد ثبت فيها السماع، وقد يكون ذلك عند مسلم في "صحيحه"، وبعضها له طرق أخرى صحيحة غير هذه، وغفل عنه، وبعضها قد تكلم فيه الأئمة فلم يصححوه.
ومن هؤلاء: ابن الصلاح، والنووي، وابن رشيد، والعلائي، وابن رجب، وابن حجر، وغيرهم من الأئمة والباحثين
(1)
.
الثاني: من سلم لمسلم أن الحكم بالاتصال في هذه الحالة هو قول الجمهور، لكنه اختار القول المخالف الذي شنع مسلم على قائله، وهو عدم ثبوت الاتصال، ومن هؤلاء ابن القطان الفاسي، قال: "البخاري وعلي بن المديني يريان رأياً قد تولى رده عليهما مسلم، وهو أن المتعاصرين لا يحمل معنعن
(1)
. انظر: "صيانة صحيح مسلم" لابن الصلاح ص 128، و"مقدمة ابن الصلاح" ص 157، و"شرح صحيح مسلم" للنووي 1: 128، و"إرشاد طلاب الحقائق" للنووي ص 86، و"السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن" لابن رشيد، و"جامع التحصيل" للعلائي ص 134 - 141، و"شرح علل الترمذي" لابن رجب 2: 586 - 599، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" لابن حجر 2: 595 - 598، و"موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين" لخالد الدريس.
أحدهما عن الآخر على الاتصال، ما لم يثبت أنهما التقيا، وخالفهما الجمهور في ذلك، وعندي أن الصواب ما قالاه
…
"
(1)
.
ويمكن أن يفهم هذا من صنيع الذهبي، فإنه اكتفى بنسبة القول بعدم الاتصال إلى علي بن المديني والبخاري، فقال عن مسلم:"افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة (عن)، وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبّخَ من اشترط ذلك، وإنما يقول ذلك أبوعبدالله البخاري، وشيخه علي بن المديني، وهو الأصوب الأقوى"
(2)
.
الثالث: من وافق مسلماً على ما ذهب إليه من الحكم بالاتصال، ونصر قوله، وجعل بعضهم الاختلاف بين مسلم وجمهور الأئمة، وجعل بعضهم قول مسلم هو قول الجمهور، والمخالف هو البخاري.
ومن هؤلاء: المزّي، فقد قال بعد أن نقل عن البخاري قوله في إسناد حديث من رواية سالم بن أبي الجعد، عن نبيط، عن جابان، عن عبدالله بن عمرو - وقيل: عن سالم، بإسقاط نبيط -:"لا يعرف لجابان سماع من عبدالله ولا لسالم من جابان، ولا من نبيط"
(3)
- قال: "وهذه طريقة سلكها البخاري في مواضع كثيرة، وعلل بها كثيراً من الأحاديث الصحيحة، وليست هذه علة قادحة، وقد أحسن مسلم وأجاد في الرد على من ذهب هذا المذهب في مقدمة
(1)
. "بيان الوهم والإيهام" 3: 287، وانظر أيضاً: 2: 575، 3: 603، 5:105.
(2)
. "سير أعلام النبلاء" 12: 573.
(3)
. "التاريخ الكبير" 2: 257.
كتابه بما فيه كفاية، وبالله التوفيق"
(1)
.
ونسبه ابن رجب إلى كثير من العلماء المتأخرين فقال: "وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم رحمه الله من أن إمكان اللقي كافٍ في الاتصال، من الثقة غير المدلس"
(2)
.
واختار هذا المذهب كثير من المشايخ المعاصرين، كعبدالرحمن المعلمي، وأحمد شاكر
(3)
.
الرابع: جمع من الباحثين، ذهب إلى أن ما ذكره مسلم من الإجماع على الاكتفاء بإمكان اللقي صحيح، والمخالف الذي يعنيه مسلم بالرد ليس من أهل الحديث.
ثم من هؤلاء الباحثين من يوجد فرقاً بين مذهب مسلم، وبين مذهب جمهور النقاد من جهة إعمال القرائن في إثبات السماع أو نفيه، فمسلم يكتفي بإمكان اللقاء، وجمهور النقاد يعملون هذه القرائن، وهذا سمعته من بعض الباحثين.
ومنهم من يقول: بل مذهب الجميع واحد، وهو عدم اشتراط العلم بالسماع، مع إعمال القرائن لإثبات السماع أو نفيه، ومن هؤلاء الباحث الأخ حاتم الشريف في رسالته:"إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين".
(1)
. "تهذيب الكمال" 4: 433.
(2)
. "شرح علل الترمذي" 2: 588.
(3)
. "عمارة القبور" ص 233 - 251، و"شرح ألفية السيوطي" لأحمد شاكر ص 32.
وأقرب هذه الأقسام إلى الصواب هو الأول منها، وأبعدها - بلا تردد - هو الأخير منها، فلا ذكر للقرائن في كلام مسلم، ومذهب جمهور النقاد واضح لا خفاء فيه، وهو اشتراط العلم بالسماع والتصريح بالتحديث، وسأكتفي هنا بذكر ما يثبت ذلك من نصوصهم، والجواب عما يعترض به على الاستدلال بهذه النصوص، فإن بحث المسألة من جميع جوانبها لا يحتمله هذا الموضع، وكنت قد بحثت ذلك في رسالة خاصة بعنوان:"اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن"
(1)
،
وأقتطع منها هنا ما يتعلق بالنصوص التي أشرت إليها، وهي تنقسم في الجملة إلى أربعة أقسام:
(1)
. هذه الرسالة مضمونها الاستدلال على أن جمهور الأئمة يشترطون ورود التصريح بالتحديث لإثبات السماع، ومسلماً يكتفي بالمعاصرة وإمكان اللقي، ومناقشة من ذهب من الباحثين إلى أن مسلماً يعمل القرائن في إثبات السماع، والأئمة كذلك اعتمادهم على القرائن، لا على التصريح بالتحديث، وكذلك من ذهب منهم إلى أن مسلماً لا يعمل القرائن، ويكتفي بإمكان اللقي، فهذا وجه الفرق بين مذهبه ومذهب الجمهور، فالجمهور وإن كانوا لا يشترطون التصريح بالتحديث فهم ينظرون في قرائن إثبات السماع أو نفيه، وكذلك من ذهب منهم إلى أن أئمة النقد - غير مسلم - يشترطون ثبوت التصريح بالتحديث وإن كان بعضهم
- كابن المديني والبخاري - ربما أثبتوا السماع بدون التصريح إذا كانت القرائن قوية جداً، وهذا في أمثلة معدودة، وقد ناقشت في هذه الرسالة جميع ما أوردوه من أدلة ونصوص، وكانت المناقشة أشد مع بعض الإخوة الباحثين الذين خرجوا في استدلالهم ومناقشتهم لأدلة مخالفهم عن المنهج العلمي الصحيح في النظر والاستدلال، فجاءت الرسالة طويلة في نحو ثلاثمائة صفحة، ثم ظهر لي - بمشورة بعض الإخوة الفضلاء - أنه من غير المناسب نشرها - في الوقت الحاضر على الأقل - مخافة أن توضع في غير موضعها، ويؤول الغرض منها بغير تأويله، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
القسم الأول: ما يفيد تفتيشهم عن السماع مع غير المدلس، حتى مع ثبوت سماعه ممن روى عنه، وهذا ينقض قول من يقول إنهم كانوا لا يفتشون عن السماع إلا مع المدلس.
فمن هذه النصوص توقيفهم لشيوخهم على السماع، فقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول رأي شعبة في قبول الإسناد المعنعن بصفة عامة، وانزعاجه من كثرة الإرسال عند الرواة، وهو وإن كان قد حكي عنه رجوعه عن عدم قبول الإسناد المعنعن إلا أنه كان كثير التفتيش عن السماع مع المدلسين وغيرهم، حتى من عرف بسماعه من شيخه، فإنه كان يوقفه في كل حديث، فقد ورد عنه قوله:"كل شيء حدثتكم به عن رجل فهو حدثني به، قال: سمعت، أو حدثني، إلا ما بينته لكم"، قال ابن المديني تعليقاً على هذا النص:"وإنما تعلم شعبة هذا التوقيف من أبي مريم عبدالغفار بن القاسم"
(1)
.
وقال يحيى بن سعيد القطان: "كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا
(1)
. "معرفة الرجال" 2: 210، وانظر أيضاً:"العلل ومعرفة الرجال" 1: 151 - 152، 2: 162، و"علل المروذي" ص 92، و"الجرح والتعديل" 1:173.
وعبدالغفار بن القاسم هذا كان له عناية بالعلم وبالرجال، وقد سمع منه شعبة، ثم تركه، فقد كان شيعياً غالياً، روى أحاديث بواطيل في عثمان رضي الله عنه، تركه الجمهور، ورماه بعضهم بوضع الحديث، وممن رماه بذلك ابن المديني، وهو الذي قال فيه ما في النص أعلاه، انظر:"الجرح والتعديل" 6: 53، و"الميزان" 2: 640، و"اللسان" 4:42.
وممن تعلم منه شعبة التفتيش عن سماع الرواة ممن رووا عنه والدته، فروى ابن معين في "معرفة الرجال" 2: 157، عن عفان، عن شعبة قال:"قالت أمي لهشام بن حسان: عمن يحدث ابن سيرين؟ قال: فقال: عن أبي هريرة، وابن عمر، قال: فقالت: وسمع منهما؟ ".
تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل إنه سمع فلاناً، قد كفاك أمره"
(1)
.
وقال أبوداود الطيالسي: "رأيت رجلاً يقول لشعبة: قل: حدثني أو أخبرني، فقال له شعبة: فقدتك وعدمتك، وهل جاء أحد بهذا قبلي؟ "
(2)
.
وجاء عنه قوله لعدي بن ثابت حين روى له حديثاً عن البراء بن عازب: "أنت سمعته من البراء؟ قال: إياي حدث"
(3)
.
وسمع شعبة عبدالرحمن بن القاسم يحدث عن أبيه عن عائشة بحديث قصص بريرة الثلاث، قال شعبة: "قلت لسماك بن حرب: إني أتقي أن أسأله عن الإسناد فسله أنت - قال: وكان في خلقه
…
- فقال له سماك بعدما حدث: أحدثك هذا أبوك عن عائشة؟ قال عبدالرحمن: نعم، فلما خرج قال لي سماك: يا شعبة استوثقت لك منه"
(4)
.
وربما وصل به الأمر إلى تحليف شيخه أنه سمع، كما في قصته مع عبدالله بن دينار حين روى له حديثاً عن ابن عمر
(5)
.
وحدث أبو داود السجستاني بحديث شعبة، عن أبي زياد الطحان، عن أبي هريرة: "رأى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً يشرب قائماً
…
" الحديث، ثم قال: "أبو زياد
(1)
. "الجرح والتعديل" 1: 162.
(2)
. "الجرح والتعديل" 1: 166، و"الكامل" 1:87.
(3)
. "صحيح مسلم" 1: 60.
(4)
. "الجرح والتعديل" 1: 165.
(5)
. "المعرفة والتاريخ" 2: 703، و" الجرح والتعديل" 1: 164، 170.
الطحان حلَّفه شعبة، فقال: والرحمن لقد سمعت أبا هريرة"
(1)
.
ومثل ما جاء عن شعبة جاء عن سفيان الثوري
(2)
، وهشام بن عروة، وعن تلميذهم يحيى بن سعيد القطان
(3)
، إلا أن شعبة اشتهر أيضاً بأنه يؤديها بألفاظ السماع أيضاً، ولا يختصرها بإبدال (عن) بها، قال عبدالله بن أحمد: "قلت لأبي: أبومعاوية فوق شعبة - أعني في حديث الأعمش -؟ فقال: أبومعاوية في الكثرة والعلم - يعني علمه بالأعمش - شعبة صاحب حديث، يؤدي الألفاظ والأخبار، أبومعاوية: عن، عن
…
"
(4)
.
ولهذا كان الأئمة يعدون رواية شعبة بمثابة ترجيح السماع، فقد سئل أحمد: هل سمع عمرو بن دينار من سليمان اليشكري؟ قال: "قتل سليمان في فتنة ابن الزبير، وعمرو رجل قديم، قد حدث عنه شعبة: عن عمرو، عن سليمان، وأراه قد سمع منه"
(5)
، والظاهر أنه رجح سماعه برواية شعبة، وليس بوجود التصريح بالسماع، فقد سئل مرة أخرى عن سماع عمرو منه فقال:"لعل عمراً أدركه"
(6)
.
(1)
. "سؤالات الآجري لأبي داود" 2: 10. والحديث أخرجه أحمد 2: 301، والدارمي حديث (2134).
(2)
. "الجرح والتعديل" 1: 68، 82.
(3)
. انظر: ما تقدم في المبحث الأول.
(4)
. "العلل ومعرفة الرجال" 2: 377.
(5)
. "العلل ومعرفة الرجال" 3: 284.
(6)
. "العلل ومعرفة الرجال" 2: 487.