المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌قدوم الغني بالله ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب مخلوعين على السلطان أبي سالم والسبب في ذلك - الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى - جـ ٤

[أحمد بن خالد الناصري]

فهرس الكتاب

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌الدولة المرينية

- ‌الْقسم الثَّانِي

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان السعيد بِاللَّه أبي بكر بن أبي عنان بن أبي الْحسن المريني

- ‌ظُهُور أبي حمو مُوسَى بن يُوسُف الزياني واستيلاؤه على تلمسان ونهوض مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن إِلَيْهِ وطرده عَنْهَا

- ‌ظُهُور مَنْصُور بن سُلَيْمَان وبيعة مَسْعُود ابْن عبد الرَّحْمَن لَهُ وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المستعين بِاللَّه أبي سَالم إِبْرَاهِيم بن أبي الْحسن المريني

- ‌قدوم الْغَنِيّ بِاللَّه ابْن الْأَحْمَر ووزيره ابْن الْخَطِيب مخلوعين على السُّلْطَان أبي سَالم وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌سفر ابْن الْخَطِيب إِلَى مراكش وأعمالها وزيارته لأوليائها ورجالها وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار ابْن الْخَطِيب بسلا حرسها الله

- ‌انْتِقَاض الْحسن بن عمر الفودودي وَخُرُوجه بتادلا ثمَّ مَقْتَله عقب ذَلِك

- ‌نهوض السُّلْطَان أبي سَالم إِلَى تلمسان واستيلاؤه عَلَيْهَا

- ‌وفادة السودَان من أهل مَالِي على السُّلْطَان أبي سَالم وإغرابهم فِي هديتهم بالزرافة الْحَيَوَان الْمَعْرُوف

- ‌مقتل السُّلْطَان أبي سَالم رحمه الله وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عمر تاشفين الموسوس ابْن أبي الْحسن المريني

- ‌الفتك بغرسية بن أنطول قَائِد النَّصَارَى ومقتل جنده مَعَه وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌ظُهُور عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ بن أبي سعيد ومحاصرته لفاس الْجَدِيد ثمَّ فراره عَنْهَا

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المتَوَكل على الله أبي زيان مُحَمَّد بن أبي عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب بن أبي الْحسن المريني

- ‌وفادة ابْن الْخَطِيب من سلا على السُّلْطَان أبي زيان بن أبي عبد الرَّحْمَن رحمهمَا الله

- ‌وفادة ابْن مُحَمَّد الهنتاتي على السُّلْطَان أبي زيان بن أبي عبد الرَّحْمَن رحمهمَا الله

- ‌مقتل السُّلْطَان أبي زيان بن أبي عبد الرَّحْمَن رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي فَارس عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن رحمه الله

- ‌انْتِقَاض أبي الْفضل بن أبي سَالم ثمَّ مَقْتَله بعد ذَلِك

- ‌انْتِقَاض عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي وحصار السُّلْطَان عبد الْعَزِيز إِيَّاه وظفره بِهِ

- ‌ارتجاع الجزيرة الخضراء من يَد الإسبانيول

- ‌نهوض السُّلْطَان عبد الْعَزِيز إِلَى تلمسان واستيلاؤه عَلَيْهَا وفرار سلطانها أبي حمو بن يُوسُف عَنْهَا

- ‌نزوع الْوَزير ابْن الْخَطِيب عَن سُلْطَانه الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بتلمسان

- ‌وَفَاة السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان السعيد بِاللَّه أبي زيان مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن

- ‌الْخَبَر عَن الدولة الأولى للسُّلْطَان الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي سَالم بن أبي الْحسن

- ‌محنة الْوَزير ابْن الْخَطِيب ومقتله رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار أَمِير مراكش عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن رحمه الله

- ‌ذكر الشاوية وَبَيَان نسبهم وأوليتهم وَشرح لقبهم وتسميتهم

- ‌نهوض السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس إِلَى تلمسان وَفتحهَا وتخريبها

- ‌خلع السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم وتغريبه إِلَى الأندلس وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المتَوَكل على الله أبي فَارس مُوسَى ابْن أبي عنان بن أبي الْحسن

- ‌خُرُوج الْحسن بن النَّاصِر بغمارة ونهوض الْوَزير ابْن ماساي إِلَيْهِ

- ‌وَفَاة السُّلْطَان مُوسَى بن أبي عنان رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة الْمُنْتَصر بِاللَّه السُّلْطَان أبي زيان مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس ابْن أبي سَالم بن أبي الْحسن

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الواثق بِاللَّه أبي زيان مُحَمَّد بن أبي الْفضل بن أبي الْحسن

- ‌الْخَبَر عَن الدولة الثَّانِيَة للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم بن أبي الْحسن

- ‌ظُهُور مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ بسجلماسة ثمَّ اضمحلاله بعد ذَلِك

- ‌نكبة الْكَاتِب ابْن أبي عَمْرو وحركات بن حسون ومقتلهما

- ‌أَخْبَار تلمسان واستيلاء السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس عَلَيْهَا

- ‌وُصُول هَدِيَّة صَاحب مصر السُّلْطَان الظَّاهِر برقوق إِلَى السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بتازا وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌وَفَاة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي فَارس عبد الْعَزِيز ابْن أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان عبد الْعَزِيز ووفاته

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي عَامر عبد الله ابْن أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم رَحمَه الله تَعَالَى

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي سعيد عُثْمَان بن أبي الْعَبَّاس ابْن أبي سَالم

- ‌حجابة أبي الْعَبَّاس القبائلي ونكبته ومقتله وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌حجابة فارح بن مهْدي وأوليته وَسيرَته

- ‌حجابة أبي مُحَمَّد الطريفي وَسيرَته

- ‌حُدُوث الْفِتْنَة بَين السُّلْطَان أبي سعيد وَالسُّلْطَان أبي فَارس الحفصي وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌اسيتلاء البرتغال على مَدِينَة سبتة أَعَادَهَا الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان عبد الْحق بن أبي سعيد ابْن أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم المريني رحمه الله

- ‌زحف البرتغال إِلَى طنجة ورجوعهم عَنْهَا بالخيبة

- ‌أَخْبَار الوزراء والحجاب وتصرفاتهم

- ‌وزارة يحيى بن يحيى الوطاسي ومقتله ومقتل الوطاسيين مَعَه وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌رياسة الْيَهُودِيين هَارُون وشاويل وَمَا نَشأ عَن استبدادهما من المحنة والفتنة

- ‌اسْتِيلَاء البرتغال على طنجة

- ‌مقتل السُّلْطَان عبد الْحق بن أبي سعيد وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار بني الْأَحْمَر واستيلاء الْعَدو على غرناطة وَسَائِر الأندلس مِنْهَا وانقراض كلمة الْإِسْلَام مِنْهَا

- ‌أَخْبَار البرتغال بالمغرب الْأَقْصَى على الْجُمْلَة

- ‌الْخَبَر عَن دولة الشريف أبي عبد الله الْحَفِيد وأوليته

- ‌بيعَة السُّلْطَان أبي عبد الله الْحَفِيد وَالسَّبَب فِيهَا

- ‌فتْنَة الشاوية ووصولهم إِلَى بِلَاد الغرب

- ‌اسْتِيلَاء البرتغال على مَدِينَة آنفي وآصيلا

- ‌خلع السُّلْطَان أبي عبد الله الْحَفِيد وانقراض أمره

- ‌الْخَبَر عَن دولة بني وطاس وَذكر نسبهم وأوليتهم

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الشَّيْخ بن أبي زَكَرِيَّاء الوطاسي رحمه الله

- ‌رياسة بني رَاشد من شرفاء الْعَالم بغمارة وبناؤهم مَدِينَة شفشاون وَمَا يتبع ذَلِك

- ‌ثورة عَمْرو بن سُلَيْمَان السياف بِبِلَاد السوس وَشَيْء من أخباره

- ‌بِنَاء مَدِينَة تطاوين

- ‌قدوم أبي عبد الله بن الْأَحْمَر مخلوعا على السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي رحمهمَا الله

- ‌اسْتِيلَاء البرتغال على سَاحل البريجه وبناؤهم مَدِينَة الجديدة صانها الله سبحانه وتعالى بمنه

- ‌اسْتِيلَاء البرتغال على سواحل السوس وبناؤهم حصن فونتي قرب أكادير وَمَا قيل فِي ذَلِك

- ‌وَفَاة السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي الْمَعْرُوف بالبرتغالي رحمه الله

- ‌اسْتِيلَاء البرتغال على ثغر آسفي حرسه الله

- ‌زحف السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي إِلَى آصيلا

- ‌اسْتِيلَاء البرتغال على ثغر آزمور حرسه الله

- ‌اسْتِيلَاء البرتغال على ثغر المعمورة حرسه الله

- ‌أَخْبَار السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي مَعَ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الغزواني رضي الله عنه

- ‌نهوض السُّلْطَان أبي عبد الله البرتغالي إِلَى مراكش ومحاصرته أَبَا الْعَبَّاس الْأَعْرَج السَّعْدِيّ بهَا

- ‌ذكر وزراء السُّلْطَان أبي عبد الله وَمَا قيل فيهم

- ‌وَفَاة السُّلْطَان أبي عبد الله رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن الدولة الأولى للسُّلْطَان أبي حسون بن مُحَمَّد الشَّيْخ الوطاسي

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الوطاسي رَحمَه الله تَعَالَى

- ‌وقْعَة آنماي بَين الوطاسيين والسعديين

- ‌عقد الصُّلْح بَين السلطانين أبي الْعَبَّاس الوطاسي وَأبي الْعَبَّاس السَّعْدِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى

- ‌غَزْوَة الْحمر قرب آصيلا حرسها الله

- ‌وقْعَة أبي عقبَة بوادي العبيد وَمَا كَانَ فِيهَا بَين الوطاسيين والسعديين من الْقِتَال الشَّديد

- ‌بِنَاء السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الوطاسي قنطرة الرصيف بفاس حرسها الله

- ‌وقْعَة وَادي درنة بتادلا وَأسر الْأَمِير أبي زَكَرِيَّاء الوطاسي ومهلكه رحمه الله

- ‌اسْتِيلَاء السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ على فاس وَقَبضه على بني وطاس ومهلك سلطانهم أبي الْعَبَّاس رَحمَه الله تَعَالَى بفضله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الوطاسي وَسيرَته

- ‌الْخَبَر عَن الدولة الثَّانِيَة للسُّلْطَان أبي حسون الوطاسي رحمه الله

- ‌مَجِيء السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ إِلَى فاس واستيلاؤه عَلَيْهَا ومقتل السُّلْطَان أبي حسون رحمه الله

الفصل: ‌قدوم الغني بالله ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب مخلوعين على السلطان أبي سالم والسبب في ذلك

ذَلِك اخْتِلَاف الْكَلِمَة بفاس ومحاصرة مَنْصُور بن سُلَيْمَان للمدينة الْبَيْضَاء فتسامع النَّاس بِخُرُوجِهِ بِبِلَاد غمارة أحْوج مَا كَانُوا إِلَيْهِ فتسايلوا إِلَيْهِ من كل وَجه وانفض النَّاس من حول مَنْصُور وَمَشى أهل مُعَسْكَره بأجمعهم على التعبية فَلَحقُوا بالسلطان أبي سَالم واستغذوه إِلَى دَار ملكه فأغذ السّير إِلَيْهَا وخلع الْحسن بن عمر سُلْطَانه السعيد من الْأَمر لتسعة أشهر من خِلَافَته وأسلمه إِلَى عَمه فَخرج إِلَيْهِ وَبَايَعَهُ وَدخل السُّلْطَان أَبُو سَالم الْبَلَد الْجَدِيد يَوْم الْجُمُعَة منتصف شعْبَان من سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة وَاسْتولى على ملك الْمغرب وتوافت وُفُود النواحي بالبيعات وَعقد لِلْحسنِ بن عمر على مراكش وجهزه إِلَيْهَا بالعساكر تخففا مِنْهُ وريبة بمكانه من الدولة واستوزر مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي وَالْحسن بن يُوسُف الورتاجني وَاصْطفى من خواصه خطيب أَبِيه الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَرْزُوق وَجعل إِلَى أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون صَاحب التَّارِيخ توقيعه وَكِتَابَة سره قَالَ وَكنت نزعت إِلَيْهِ من معسكر مَنْصُور بن سُلَيْمَان بكدية العرائس لما رَأَيْت من اخْتِلَاف أَحْوَاله ومصير الْأَمر إِلَى السُّلْطَان أبي سَالم فَأقبل عَليّ وأنزلني بِمحل التنويه واستخلصني لكتابته أه

‌قدوم الْغَنِيّ بِاللَّه ابْن الْأَحْمَر ووزيره ابْن الْخَطِيب مخلوعين على السُّلْطَان أبي سَالم وَالسَّبَب فِي ذَلِك

قد قدمنَا أَن السُّلْطَان أَبَا الْحجَّاج قتل يَوْم عيد الْفطر بالمصلى سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة وَولي الْأَمر من بعده ابْنه الْغَنِيّ بِاللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف وَكَانَ لَهُ أَخ اسْمه إِسْمَاعِيل فَجعله الْغَنِيّ بِاللَّه فِي بعض الْقُصُور من حَمْرَاء غرناطة احتفاظا بِهِ إِلَى أَن كَانَ رَمَضَان من سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة فَخرج الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَى بعض منتزهاته خَارج القصبة وَلما كَانَت لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان الْمَذْكُور أَو ثَمَان وَعشْرين مِنْهُ تسور جمَاعَة من شيعَة إِسْمَاعِيل

ص: 8

الْمَحْبُوس عَلَيْهِ القصبة لَيْلًا وأخرجوه من محبسه وأعلنوا بدعوته ثمَّ اقتحموا على حَاجِبه رضوَان دَاره فَقَتَلُوهُ على فرَاشه وَبَين نِسَائِهِ وضبطوا القصبة وأعلنوا بالدعوة وَلم يرع الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَّا قرع الطبول بالقصبة فِي جَوف اللَّيْل فاستكشف الْخَبَر وَتسمع فَعلم بِمَا تمّ عَلَيْهِ من خلعه وتولية أَخِيه فَركب فرسه وخاض اللَّيْل إِلَى وَادي آش فاستولى عَلَيْهَا وضبطها وَبَايَعَهُ أَهلهَا على الْمَوْت ثمَّ عمد شيعَة إِسْمَاعِيل الثائر إِلَى الْوَزير ابْن الْخَطِيب فأودعوه السجْن بعد أَن أغروا بِهِ ثائرهم واكتسحوا دَاره واصطلموا نعْمَته وأتلفوا موجوده وَكَانَ شَيْئا يجل عَن الْحصْر واتصل ذَلِك كُله بالسلطان أبي سَالم وَكَانَت لَهُ مصافاة مَعَ ابْن الْأَحْمَر من لدن كَانَ عِنْده بالأندلس فَكتب إِسْمَاعِيل الثائر وشيعته يَأْمُرهُم بتخلية طَرِيق الْغَنِيّ بِاللَّه للقدوم عَلَيْهِ ويشفع فِي تَسْرِيح ابْن الْخَطِيب وتخلية سَبيله فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِك وَقدم الْغَنِيّ بِاللَّه بن الْأَحْمَر ووزيره ابْن الْخَطِيب على السُّلْطَان أبي سَالم فِي السَّادِس من محرم فاتح سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فأجل السُّلْطَان أَبُو سَالم قدومه وَركب للقائه وَدخل بِهِ إِلَى مجْلِس ملكه وَقد احتفل فِي ترتيبه وَقد غص بالمشيخة والعلية ووقف وزيره ابْن الْخَطِيب على قَدَمَيْهِ فَأَنْشد السُّلْطَان أَبَا سَالم قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه ويستحثه لمظاهرته على أمره واستعطف واسترحم بِمَا أبكى النَّاس شَفَقَة لَهُ ورحمه وَنَصّ القصيدة

(سلا هَل لَدَيْهَا من مخبرة ذكر

وَهل أعشب الْوَادي ونم بِهِ الزهر)

(وَهل باكر الوسمي دَارا على اللوا

عفت آيها إِلَّا التَّوَهُّم وَالذكر)

(بلادي الَّتِي عاطيت مشمولة الْهوى

بِأَكْنَافِهَا والعيش فينان مخضر)

(وجوى الَّذِي ربى جناحي وَكره

فها أَنا ذَا مَا لي جنَاح وَلَا وكر)

(نبت بِي لَا عَن جفوة وملالة

وَلَا نسخ الْوَصْل الهني بهَا هجر)

(وَلكنهَا الدُّنْيَا قَلِيل متاعها

ولذاتها دأبا تزور وتزور)

(فَمن لي بِقرب الْعَهْد مِنْهَا ودوننا

مدى طَال حَتَّى يَوْمه عندنَا شهر)

(وَللَّه عينا من رآنا وللأسى

ضرام لَهُ فِي كل جانحة جمر)

ص: 9

(وَقد بددت در الدُّمُوع يَد النَّوَى

وللشوق أشجان يضيق لَهَا الصَّدْر)

(بكينا على النَّهر الشروب عشيه

فَعَاد أجاجا بَعدنَا ذَلِك النَّهر)

(أَقُول لأظعاني وَقد غالها السرى

وآنسها الْحَادِي وأوحشها الزّجر)

(رويدك بعد الْعسر يسران أَبْشِرِي

بإنجاز وعد الله قد ذهب الْعسر)

(وَللَّه فِينَا علم غيب وَرُبمَا

أَتَى النَّفْع من حَال أُرِيد بهَا الضّر)

(وَإِن تخن الْأَيَّام لم تخن النهى

وَأَن يخذل الأقوام لم يخذل الصَّبْر)

(وَإِن عركت مني الخطوب مجربا

نقابا تساوى عِنْده الحلو والمر)

(فقد عجمت عودا صليبا على الردى

وعزما كَمَا تمْضِي المهندة البتر)

(إِذا أَنْت بالبيضاء قررت منزلي

فَلَا اللَّحْم حل مَا حييت وَلَا الظّهْر)

(زجرنا بإبراهيم برْء همومنا

فَلَمَّا رَأينَا وَجهه صدق الزّجر)

(بمنتخب من آل يَعْقُوب كلما

دجا الْخَطِيب لم يكذب لعزمته فجر)

(تناقلت الركْبَان طيب حَدِيثه

فَلَمَّا رَأَتْهُ صدق الْخَبَر الْخَبَر)

(ندى لَو حواه الْبَحْر لذ مذاقه

وَلم يتعقب مده أبدا جزر)

(وبأس غَدا يرتاع من خَوفه الردى

وترفل فِي أذياله الفتكة الْبكر)

(أَطَاعَته حَتَّى العصم فِي قنن الرِّبَا

وهشت إِلَى تأميله الأنجم الزهر)

(قصدناك يَا خير الْمُلُوك على النَّوَى

لتنصفنا مِمَّا جنى عَبدك الدَّهْر)

(كففنا بك الْأَيَّام عَن غلوائها

وَقد رابنا مِنْهَا التعسف وَالْكبر)

(وعدنا بذلك الْمجد فانصرم الردى

ولدنَا بِذَاكَ الْعَزْم فَانْهَزَمَ الذعر)

(وَلما أَتَيْنَا الْبَحْر يرهب موجه

ذكرنَا نداك الْعُمر فاحتقر الْبَحْر)

(خلافتك الْعُظْمَى وَمن لم يدن بهَا

فإيمانه لَغْو وعرفانه نكر)

(ووصفك يهدي الْمَدْح قصد صَوَابه

إِذا ظلّ فِي أَوْصَاف من دُونك الشّعْر)

(دعتك قُلُوب الْمُؤمنِينَ وأخلصت

وَقد طَابَ مِنْهَا السِّرّ لله والجهر)

(ومدت إِلَى الله الأكف ضراعة

فَقَالَ لَهُنَّ الله قد قضى الْأَمر)

(وألبسها النعمى ببيعتك الَّتِي

لَهَا الطَّائِر الميمون والمحتد الْحر)

(فَأصْبح ثغر الثغر يبسم ضَاحِكا

وَقد كَانَ مِمَّا نابه لَيْسَ يفتر)

(وَآمَنت بالسلم الْبِلَاد وَأَهْلهَا

فَلَا ظبة تعرى وَلَا روعة تعرو)

ص: 10

(وَقد كَانَ مَوْلَانَا أَبوك مُصَرحًا

بأنك فِي أَوْلَاده الْوَلَد الْبر)

(وَكنت حَقِيقا بالخلافة بعده

على الْفَوْر لَكِن كل شَيْء لَهُ قدر)

(فأوحشت من دَار الْخلَافَة هَالة

أَقَامَت زَمَانا لَا يلوح بهَا الْبَدْر)

(فَرد عَلَيْك الله حَقك إِذْ قضى

بِأَن تَشْمَل النعمى وينسدل السّتْر)

(وقاد إِلَيْك الْملك رفقا بخلقه

وَقد عدموا ركن الْإِمَامَة واضطروا)

(وزادك بالتمحيص عزا ورفعة

وَأَجرا وَلَوْلَا السبك مَا عرف التبر)

(وَأَنت الَّذِي يدعى إِذا دهم الردى

وَأَنت الَّذِي يُرْجَى إِذا أخلف الْقطر)

(وَأَنت إِذا جَار الزَّمَان مُحكم

لَك النَّقْض والإبرام وَالنَّهْي وَالْأَمر)

(وَهَذَا ابْن نصر قد أَتَى وجناحه

مهيض وَمن علياك يلْتَمس الْجَبْر)

(غَرِيب يرجي مِنْك مَا أَنْت أَهله

فَإِن كنت تبغي الْفَخر قد جَاءَك الْفَخر)

(ففز يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ببيعة

موثقة قد حل عروتها الْغدر)

(وَمثلك من يرْعَى الدخيل وَمن دَعَا

بيا لمرين جَاءَهُ الْعِزّ والنصر)

(وَخذ يَا إِمَام الْحق ثاره

فَفِي ضمن مَا تَأتي بِهِ الْعِزّ وَالْأَجْر)

(وَأَنت لَهَا يَا نَاصِر الْحق فلتقم

بِحَق فَمَا زيد يُرْجَى وَلَا عَمْرو)

(فَإِن قيل مَال مَالك الدثر وافر

وَإِن قيل جَيش عنْدك الْعَسْكَر المجر)

(يكف بك العادي ويحيا بك الْهدى

وَيَبْنِي بك الْإِسْلَام مَا هدم الْكفْر)

(أعده إِلَى أوطانه عَنْك رَاضِيا

وطوقه نعماك الَّتِي مَا لَهَا حصر)

(وعاجل قُلُوب النَّاس فِيهِ بجبرها

فقد صدهم عَنهُ التغلب والقهر)

(وهم يرقبون الْفِعْل مِنْك وصفقة

تحاولها يمناك مَا بعْدهَا خسر)

(مرامك سهل لَا يؤودك كلفة

سوى عرض مَا إِن لَهُ فِي الْعلَا خطر)

(وَمَا الْعُمر إِلَّا زِينَة مستعارة

ترد وَلَكِن الثَّنَاء هُوَ الْعُمر)

(وَمن بَاعَ مَا يفنى بباق مخلد

فقد أنجح الْمَسْعَى وَقد ربح التَّجر)

(وَمن دون مَا تبغيه يَا ملك الْهدى

جِيَاد المذاكي والمحجلة الغر)

(وراد وشقر واضحات شياتها

فأجسامها تبر وأرجلها در)

(وشهب إِذا مَا ضمرت يَوْم غَارة

مصممة غارت بهَا الأنجم الزهر)

(وَأسد رجال من مرين أعزة

عمائمها بيض وآسالها سمر)

ص: 11

(عَلَيْهَا من المأذي كل مفاضة

تدافع فِي أعطافها اللجج الْخضر)

(هم الْقَوْم إِن هبوا لكشف ملمة

فَلَا الْمُلْتَقى صَعب وَلَا المرتقى وعر)

(إِذا سئلوا أعْطوا وَإِن نوزعوا سطوا

وَإِن واعدوا وفوا وَإِن عَاهَدُوا بروا)

(وَإِن مدحوا اهتزوا ارتياحا كَأَنَّهُمْ

نشاوى تمشت فِي معاطفهم خمر)

(وَإِن سمعُوا العوراء فروا بأنفس

حرَام على هاماتها فِي الوغى الفر)

(وَتَبَسم مَا بَين الوشيج ثغورهم

وَمَا بَين قضب الدوح يبتسم الزهر)

(أمولاي غاضت فكرتي وتبلدت

طباعي فَلَا طبع يعين وَلَا فكر)

(وَلَوْلَا حنان مِنْك داركتني بِهِ

وأحييتني لم يبْق عين وَلَا أثر)

(فأوجدت مني فائتا أَي فَائت

وأنشرت مَيتا ضم أشلاءه قبر)

(بدأت بِفضل لم أكن لعظيمه

بِأَهْل فجل اللطف وانشرح الصَّدْر)

(وطوقتني النعمى المضاعفة الَّتِي

يقبل عَلَيْهَا مني الْحَمد وَالشُّكْر)

(وَأَنت بتتميم الصَّنَائِع كافل

إِلَى أَن يعود الجاه والعز والوفر)

(جَزَاك الَّذِي أَسْنَى مقامك رَحْمَة

يفك بهَا عان وينعش مُضْطَر)

(إِذا نَحن أثنينا عَلَيْك بمدحة

فهيهات يُحْصى الرمل أَو يحصر الْقطر)

(ولكننا نأتي بِمَا نستطيعه

وَمن بذل المجهود حق لَهُ الْعذر)

ثمَّ انفض الْمجْلس وَانْصَرف ابْن الْأَحْمَر إِلَى منزله الْمعد لَهُ وَقد فرشت الْقُصُور وَقربت لَهُ الْجِيَاد بالمراكب المذهبة وَبعث إِلَيْهِ بالكسا الفاخرة ورتبت الجرايات لَهُ ولمواليه من المعلوجي وبطانته من الصَّنَائِع وانحفظ عَلَيْهِ رسم سُلْطَانه فِي الرَّاكِب والراجل وَلم يفقد من ألقاب ملكه إِلَّا الأداة أدبا مَعَ السُّلْطَان وَاسْتقر فِي جملَته إِلَى أَن لحق بعد بالأندلس وَعَاد لَهُ ملكه سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وأرغد السُّلْطَان أَبُو سَالم عَيْش ابْن الْخَطِيب وأفاض عَلَيْهِ الجرايات ورتب لَهُ الإقطاعات غير أَنه كَانَ مضمرا لمفارقة السُّلْطَان والتخلي عَن خدمته والانفراد بِنَفسِهِ لاغتنام مَا بَقِي من عمره فِي طَاعَة الله تَعَالَى فَكَانَ من أمره فِي ذَلِك مَا نذكرهُ

ص: 12