الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذَلِك اخْتِلَاف الْكَلِمَة بفاس ومحاصرة مَنْصُور بن سُلَيْمَان للمدينة الْبَيْضَاء فتسامع النَّاس بِخُرُوجِهِ بِبِلَاد غمارة أحْوج مَا كَانُوا إِلَيْهِ فتسايلوا إِلَيْهِ من كل وَجه وانفض النَّاس من حول مَنْصُور وَمَشى أهل مُعَسْكَره بأجمعهم على التعبية فَلَحقُوا بالسلطان أبي سَالم واستغذوه إِلَى دَار ملكه فأغذ السّير إِلَيْهَا وخلع الْحسن بن عمر سُلْطَانه السعيد من الْأَمر لتسعة أشهر من خِلَافَته وأسلمه إِلَى عَمه فَخرج إِلَيْهِ وَبَايَعَهُ وَدخل السُّلْطَان أَبُو سَالم الْبَلَد الْجَدِيد يَوْم الْجُمُعَة منتصف شعْبَان من سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة وَاسْتولى على ملك الْمغرب وتوافت وُفُود النواحي بالبيعات وَعقد لِلْحسنِ بن عمر على مراكش وجهزه إِلَيْهَا بالعساكر تخففا مِنْهُ وريبة بمكانه من الدولة واستوزر مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي وَالْحسن بن يُوسُف الورتاجني وَاصْطفى من خواصه خطيب أَبِيه الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَرْزُوق وَجعل إِلَى أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون صَاحب التَّارِيخ توقيعه وَكِتَابَة سره قَالَ وَكنت نزعت إِلَيْهِ من معسكر مَنْصُور بن سُلَيْمَان بكدية العرائس لما رَأَيْت من اخْتِلَاف أَحْوَاله ومصير الْأَمر إِلَى السُّلْطَان أبي سَالم فَأقبل عَليّ وأنزلني بِمحل التنويه واستخلصني لكتابته أه
قدوم الْغَنِيّ بِاللَّه ابْن الْأَحْمَر ووزيره ابْن الْخَطِيب مخلوعين على السُّلْطَان أبي سَالم وَالسَّبَب فِي ذَلِك
قد قدمنَا أَن السُّلْطَان أَبَا الْحجَّاج قتل يَوْم عيد الْفطر بالمصلى سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة وَولي الْأَمر من بعده ابْنه الْغَنِيّ بِاللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف وَكَانَ لَهُ أَخ اسْمه إِسْمَاعِيل فَجعله الْغَنِيّ بِاللَّه فِي بعض الْقُصُور من حَمْرَاء غرناطة احتفاظا بِهِ إِلَى أَن كَانَ رَمَضَان من سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة فَخرج الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَى بعض منتزهاته خَارج القصبة وَلما كَانَت لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان الْمَذْكُور أَو ثَمَان وَعشْرين مِنْهُ تسور جمَاعَة من شيعَة إِسْمَاعِيل
الْمَحْبُوس عَلَيْهِ القصبة لَيْلًا وأخرجوه من محبسه وأعلنوا بدعوته ثمَّ اقتحموا على حَاجِبه رضوَان دَاره فَقَتَلُوهُ على فرَاشه وَبَين نِسَائِهِ وضبطوا القصبة وأعلنوا بالدعوة وَلم يرع الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَّا قرع الطبول بالقصبة فِي جَوف اللَّيْل فاستكشف الْخَبَر وَتسمع فَعلم بِمَا تمّ عَلَيْهِ من خلعه وتولية أَخِيه فَركب فرسه وخاض اللَّيْل إِلَى وَادي آش فاستولى عَلَيْهَا وضبطها وَبَايَعَهُ أَهلهَا على الْمَوْت ثمَّ عمد شيعَة إِسْمَاعِيل الثائر إِلَى الْوَزير ابْن الْخَطِيب فأودعوه السجْن بعد أَن أغروا بِهِ ثائرهم واكتسحوا دَاره واصطلموا نعْمَته وأتلفوا موجوده وَكَانَ شَيْئا يجل عَن الْحصْر واتصل ذَلِك كُله بالسلطان أبي سَالم وَكَانَت لَهُ مصافاة مَعَ ابْن الْأَحْمَر من لدن كَانَ عِنْده بالأندلس فَكتب إِسْمَاعِيل الثائر وشيعته يَأْمُرهُم بتخلية طَرِيق الْغَنِيّ بِاللَّه للقدوم عَلَيْهِ ويشفع فِي تَسْرِيح ابْن الْخَطِيب وتخلية سَبيله فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِك وَقدم الْغَنِيّ بِاللَّه بن الْأَحْمَر ووزيره ابْن الْخَطِيب على السُّلْطَان أبي سَالم فِي السَّادِس من محرم فاتح سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فأجل السُّلْطَان أَبُو سَالم قدومه وَركب للقائه وَدخل بِهِ إِلَى مجْلِس ملكه وَقد احتفل فِي ترتيبه وَقد غص بالمشيخة والعلية ووقف وزيره ابْن الْخَطِيب على قَدَمَيْهِ فَأَنْشد السُّلْطَان أَبَا سَالم قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه ويستحثه لمظاهرته على أمره واستعطف واسترحم بِمَا أبكى النَّاس شَفَقَة لَهُ ورحمه وَنَصّ القصيدة
(سلا هَل لَدَيْهَا من مخبرة ذكر
…
وَهل أعشب الْوَادي ونم بِهِ الزهر)
(وَهل باكر الوسمي دَارا على اللوا
…
عفت آيها إِلَّا التَّوَهُّم وَالذكر)
(بلادي الَّتِي عاطيت مشمولة الْهوى
…
بِأَكْنَافِهَا والعيش فينان مخضر)
(وجوى الَّذِي ربى جناحي وَكره
…
فها أَنا ذَا مَا لي جنَاح وَلَا وكر)
(نبت بِي لَا عَن جفوة وملالة
…
وَلَا نسخ الْوَصْل الهني بهَا هجر)
(وَلكنهَا الدُّنْيَا قَلِيل متاعها
…
ولذاتها دأبا تزور وتزور)
(فَمن لي بِقرب الْعَهْد مِنْهَا ودوننا
…
مدى طَال حَتَّى يَوْمه عندنَا شهر)
(وَللَّه عينا من رآنا وللأسى
…
ضرام لَهُ فِي كل جانحة جمر)
(وَقد بددت در الدُّمُوع يَد النَّوَى
…
وللشوق أشجان يضيق لَهَا الصَّدْر)
(بكينا على النَّهر الشروب عشيه
…
فَعَاد أجاجا بَعدنَا ذَلِك النَّهر)
(أَقُول لأظعاني وَقد غالها السرى
…
وآنسها الْحَادِي وأوحشها الزّجر)
(رويدك بعد الْعسر يسران أَبْشِرِي
…
بإنجاز وعد الله قد ذهب الْعسر)
(وَللَّه فِينَا علم غيب وَرُبمَا
…
أَتَى النَّفْع من حَال أُرِيد بهَا الضّر)
(وَإِن تخن الْأَيَّام لم تخن النهى
…
وَأَن يخذل الأقوام لم يخذل الصَّبْر)
(وَإِن عركت مني الخطوب مجربا
…
نقابا تساوى عِنْده الحلو والمر)
(فقد عجمت عودا صليبا على الردى
…
وعزما كَمَا تمْضِي المهندة البتر)
(إِذا أَنْت بالبيضاء قررت منزلي
…
فَلَا اللَّحْم حل مَا حييت وَلَا الظّهْر)
(زجرنا بإبراهيم برْء همومنا
…
فَلَمَّا رَأينَا وَجهه صدق الزّجر)
(بمنتخب من آل يَعْقُوب كلما
…
دجا الْخَطِيب لم يكذب لعزمته فجر)
(تناقلت الركْبَان طيب حَدِيثه
…
فَلَمَّا رَأَتْهُ صدق الْخَبَر الْخَبَر)
(ندى لَو حواه الْبَحْر لذ مذاقه
…
وَلم يتعقب مده أبدا جزر)
(وبأس غَدا يرتاع من خَوفه الردى
…
وترفل فِي أذياله الفتكة الْبكر)
(أَطَاعَته حَتَّى العصم فِي قنن الرِّبَا
…
وهشت إِلَى تأميله الأنجم الزهر)
(قصدناك يَا خير الْمُلُوك على النَّوَى
…
لتنصفنا مِمَّا جنى عَبدك الدَّهْر)
(كففنا بك الْأَيَّام عَن غلوائها
…
وَقد رابنا مِنْهَا التعسف وَالْكبر)
(وعدنا بذلك الْمجد فانصرم الردى
…
ولدنَا بِذَاكَ الْعَزْم فَانْهَزَمَ الذعر)
(وَلما أَتَيْنَا الْبَحْر يرهب موجه
…
ذكرنَا نداك الْعُمر فاحتقر الْبَحْر)
(خلافتك الْعُظْمَى وَمن لم يدن بهَا
…
فإيمانه لَغْو وعرفانه نكر)
(ووصفك يهدي الْمَدْح قصد صَوَابه
…
إِذا ظلّ فِي أَوْصَاف من دُونك الشّعْر)
(دعتك قُلُوب الْمُؤمنِينَ وأخلصت
…
وَقد طَابَ مِنْهَا السِّرّ لله والجهر)
(ومدت إِلَى الله الأكف ضراعة
…
فَقَالَ لَهُنَّ الله قد قضى الْأَمر)
(وألبسها النعمى ببيعتك الَّتِي
…
لَهَا الطَّائِر الميمون والمحتد الْحر)
(فَأصْبح ثغر الثغر يبسم ضَاحِكا
…
وَقد كَانَ مِمَّا نابه لَيْسَ يفتر)
(وَآمَنت بالسلم الْبِلَاد وَأَهْلهَا
…
فَلَا ظبة تعرى وَلَا روعة تعرو)
(وَقد كَانَ مَوْلَانَا أَبوك مُصَرحًا
…
بأنك فِي أَوْلَاده الْوَلَد الْبر)
(وَكنت حَقِيقا بالخلافة بعده
…
على الْفَوْر لَكِن كل شَيْء لَهُ قدر)
(فأوحشت من دَار الْخلَافَة هَالة
…
أَقَامَت زَمَانا لَا يلوح بهَا الْبَدْر)
(فَرد عَلَيْك الله حَقك إِذْ قضى
…
بِأَن تَشْمَل النعمى وينسدل السّتْر)
(وقاد إِلَيْك الْملك رفقا بخلقه
…
وَقد عدموا ركن الْإِمَامَة واضطروا)
(وزادك بالتمحيص عزا ورفعة
…
وَأَجرا وَلَوْلَا السبك مَا عرف التبر)
(وَأَنت الَّذِي يدعى إِذا دهم الردى
…
وَأَنت الَّذِي يُرْجَى إِذا أخلف الْقطر)
(وَأَنت إِذا جَار الزَّمَان مُحكم
…
لَك النَّقْض والإبرام وَالنَّهْي وَالْأَمر)
(وَهَذَا ابْن نصر قد أَتَى وجناحه
…
مهيض وَمن علياك يلْتَمس الْجَبْر)
(غَرِيب يرجي مِنْك مَا أَنْت أَهله
…
فَإِن كنت تبغي الْفَخر قد جَاءَك الْفَخر)
(ففز يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ببيعة
…
موثقة قد حل عروتها الْغدر)
(وَمثلك من يرْعَى الدخيل وَمن دَعَا
…
بيا لمرين جَاءَهُ الْعِزّ والنصر)
(وَخذ يَا إِمَام الْحق ثاره
…
فَفِي ضمن مَا تَأتي بِهِ الْعِزّ وَالْأَجْر)
(وَأَنت لَهَا يَا نَاصِر الْحق فلتقم
…
بِحَق فَمَا زيد يُرْجَى وَلَا عَمْرو)
(فَإِن قيل مَال مَالك الدثر وافر
…
وَإِن قيل جَيش عنْدك الْعَسْكَر المجر)
(يكف بك العادي ويحيا بك الْهدى
…
وَيَبْنِي بك الْإِسْلَام مَا هدم الْكفْر)
(أعده إِلَى أوطانه عَنْك رَاضِيا
…
وطوقه نعماك الَّتِي مَا لَهَا حصر)
(وعاجل قُلُوب النَّاس فِيهِ بجبرها
…
فقد صدهم عَنهُ التغلب والقهر)
(وهم يرقبون الْفِعْل مِنْك وصفقة
…
تحاولها يمناك مَا بعْدهَا خسر)
(مرامك سهل لَا يؤودك كلفة
…
سوى عرض مَا إِن لَهُ فِي الْعلَا خطر)
(وَمَا الْعُمر إِلَّا زِينَة مستعارة
…
ترد وَلَكِن الثَّنَاء هُوَ الْعُمر)
(وَمن بَاعَ مَا يفنى بباق مخلد
…
فقد أنجح الْمَسْعَى وَقد ربح التَّجر)
(وَمن دون مَا تبغيه يَا ملك الْهدى
…
جِيَاد المذاكي والمحجلة الغر)
(وراد وشقر واضحات شياتها
…
فأجسامها تبر وأرجلها در)
(وشهب إِذا مَا ضمرت يَوْم غَارة
…
مصممة غارت بهَا الأنجم الزهر)
(وَأسد رجال من مرين أعزة
…
عمائمها بيض وآسالها سمر)
(عَلَيْهَا من المأذي كل مفاضة
…
تدافع فِي أعطافها اللجج الْخضر)
(هم الْقَوْم إِن هبوا لكشف ملمة
…
فَلَا الْمُلْتَقى صَعب وَلَا المرتقى وعر)
(إِذا سئلوا أعْطوا وَإِن نوزعوا سطوا
…
وَإِن واعدوا وفوا وَإِن عَاهَدُوا بروا)
(وَإِن مدحوا اهتزوا ارتياحا كَأَنَّهُمْ
…
نشاوى تمشت فِي معاطفهم خمر)
(وَإِن سمعُوا العوراء فروا بأنفس
…
حرَام على هاماتها فِي الوغى الفر)
(وَتَبَسم مَا بَين الوشيج ثغورهم
…
وَمَا بَين قضب الدوح يبتسم الزهر)
(أمولاي غاضت فكرتي وتبلدت
…
طباعي فَلَا طبع يعين وَلَا فكر)
(وَلَوْلَا حنان مِنْك داركتني بِهِ
…
وأحييتني لم يبْق عين وَلَا أثر)
(فأوجدت مني فائتا أَي فَائت
…
وأنشرت مَيتا ضم أشلاءه قبر)
(بدأت بِفضل لم أكن لعظيمه
…
بِأَهْل فجل اللطف وانشرح الصَّدْر)
(وطوقتني النعمى المضاعفة الَّتِي
…
يقبل عَلَيْهَا مني الْحَمد وَالشُّكْر)
(وَأَنت بتتميم الصَّنَائِع كافل
…
إِلَى أَن يعود الجاه والعز والوفر)
(جَزَاك الَّذِي أَسْنَى مقامك رَحْمَة
…
يفك بهَا عان وينعش مُضْطَر)
(إِذا نَحن أثنينا عَلَيْك بمدحة
…
فهيهات يُحْصى الرمل أَو يحصر الْقطر)
(ولكننا نأتي بِمَا نستطيعه
…
وَمن بذل المجهود حق لَهُ الْعذر)
ثمَّ انفض الْمجْلس وَانْصَرف ابْن الْأَحْمَر إِلَى منزله الْمعد لَهُ وَقد فرشت الْقُصُور وَقربت لَهُ الْجِيَاد بالمراكب المذهبة وَبعث إِلَيْهِ بالكسا الفاخرة ورتبت الجرايات لَهُ ولمواليه من المعلوجي وبطانته من الصَّنَائِع وانحفظ عَلَيْهِ رسم سُلْطَانه فِي الرَّاكِب والراجل وَلم يفقد من ألقاب ملكه إِلَّا الأداة أدبا مَعَ السُّلْطَان وَاسْتقر فِي جملَته إِلَى أَن لحق بعد بالأندلس وَعَاد لَهُ ملكه سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وأرغد السُّلْطَان أَبُو سَالم عَيْش ابْن الْخَطِيب وأفاض عَلَيْهِ الجرايات ورتب لَهُ الإقطاعات غير أَنه كَانَ مضمرا لمفارقة السُّلْطَان والتخلي عَن خدمته والانفراد بِنَفسِهِ لاغتنام مَا بَقِي من عمره فِي طَاعَة الله تَعَالَى فَكَانَ من أمره فِي ذَلِك مَا نذكرهُ