الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
انْظُرِ إِلَى مَا أُمِرْتَ بِهِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ * وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ يَحْيَى بن سليم عن أبي خيثم (1) عن سعيد ابن أَبِي رَاشِدٍ، عَنِ التَّنوخيّ الَّذِي بَعَثَهُ هِرَقْلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِتَبُوكَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِلَى أَنْ قَالَ: فحلَّ حَبْوَتَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَهُنَا امْضِ لِمَا أمرت به، قال: فَجُلْتُ فِي
ظَهْرِهِ، فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِي موضع غضروف الكتف مثل الحجمة الضَّخْمَةِ (2) * وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْسَرَةَ، ثَنَا عَتَّابٌ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: الْخَاتَمُ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم لحمة نابتة (3) * وقال الإمام أحمد: حدثنا شريح، ثَنَا أَبُو لَيْلَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ غِيَاثٍ الْبِكْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُجَالِسُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَقَالَ: بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ هَكَذَا لَحْمٌ نَاشِزٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ صلى الله عليه وسلم تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ * وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ الْمِصْرِيُّ فِي كِتَابِهِ - التَّنْوِيرِ فِي مَوْلِدِ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ - عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بِشْرٍ الْمَعْرُوفِ بِالْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْخَاتَمُ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَأَنَّهُ بَيْضَةُ حَمَامَةٍ مَكْتُوبٌ فِي بَاطِنِهَا اللَّهُ وَحْدَهُ، وَفِي ظَاهِرِهَا توجَّه حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّكَ مَنْصُورٌ * ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا غَرِيبٌ وَاسْتَنْكَرَهُ * قَالَ: وَقِيلَ كَانَ مِنْ نُورٍ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مَالِكِ بْنِ عَائِذٍ فِي كِتَابِهِ تَنَقُّلِ الْأَنْوَارِ، وَحَكَى أَقْوَالًا غَرِيبَةً غَيْرَ ذَلِكَ * وَمِنْ أَحْسَنِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ دِحْيَةَ رحمه الله وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَبْلَهُ فِي الْحِكْمَةِ فِي كَوْنِ الْخَاتَمِ كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَكَ يَأْتِي مِنْ وَرَائِكَ.
قَالَ: وَقِيلَ كَانَ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ منه إلى الإنسان، فكان هذا عصمة له عليه السلام مِنَ الشَّيْطَانِ (4) * قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ على أنه لا نبي بعده عليه السلام وَلَا رَسُولَ، عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: * (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شئ عليما) * [الاحزاب: 40]
باب أحاديث مُتَفَرِّقَةٍ وَرَدَتْ فِي صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
قَدْ تقدَّم فِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن مسلم (5) الْقَعْنَبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا عُمَرُ (6) بْنُ
(1) في رواية البيهقيّ: ابن خثيم.
(2)
تقدَّم الحديث في الجزء الخامس والتعليق عليه.
انظر مسند أحمد ج 3 / 441 وفيه الحجمة وفي دلائل البيهقي: المحجمة.
(3)
في رواية البيهقيّ: ناتئة.
(4)
في صفة خاتم النبوة أفرد البيهقي بابا خاصا في دلائله 1 / 259، وابن سعد في طبقاته 1 / 425.
(5)
في رواية البيهقيّ: مسلمة.
(6)
في البيهقي: عيسى.
(*)
يُونُسَ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى عفرة، حدَّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ (1) مِنْ وَلَدِ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ إِذَا نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَمْ يَكُنْ بالطَّويل الممغط ولا بالقصير الْمُتَرَدِّدِ، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبْطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلًا، وَلَمْ يَكُنْ بالمطهَّم وَلَا الْمُكَلْثَمِ، وَكَانَ فِي الْوَجْهِ تَدْوِيرٌ أَبْيَضَ مُشْرَبًا، أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ، أَهْدَبَ الأشفار جليل المشاش والكتد، أجرد ذو مَسْرُبَةٍ، شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ كأنما يمشي في صيب وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، أَجْوَدَ النَّاس كَفًّا وَأَرْحَبَ النَّاس صَدْرًا، وَأَصْدَقَ النَّاس لَهْجَةً، وَأَوْفَى النَّاس ذِمَّةً، وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً، وَأَلْزَمَهُمْ (2) عِشْرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ لَمْ أرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ * وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ فِي كِتَابِ الْغَرِيبِ * ثُمَّ رَوَى عَنِ الْكِسَائِيِّ وَالْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عَمْرٍو تَفْسِيرَ غَرِيبِهِ، وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ مِمَّا فِيهِ غَرَابَةٌ: أَنَّ الْمُطَهَّمَ هُوَ الْمُمْتَلِئُ الْجِسْمِ، وَالْمُكَلْثَمَ شَدِيدُ تَدْوِيرِ الْوَجْهِ.
يَعْنِي لَمْ يَكُنْ بالسَّمين النَّاهِضِ، وَلَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا بَلْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ وَجْهُهُ فِي غَايَةِ التَّدْوِيرِ بَلْ فِيهِ سُهُولَةٌ، وَهِيَ أَحْلَى عِنْدَ الْعَرَبِ وَمَنْ يَعْرِفُ، وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا حُمْرَةً وَهِيَ أَحْسَنُ اللَّون، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَمْهَقَ اللَّون، وَالْأَدْعَجَ هُوَ شَدِيدُ سَوَادِ الْحَدَقَةِ، وَجَلِيلَ الْمُشَاشِ هُوَ عَظِيمُ رُؤُوسِ الْعِظَامِ مِثْلِ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ، وَالْكَتَدَ الْكَاهِلُ وَمَا يَلِيهِ مِنَ الْجَسَدِ وَقَوْلُهُ: شَثْنَ الْكَفَّيْنِ أَيْ: غَلِيظَهُمَا، وَتَقَلَّعَ فِي مِشْيَتِهِ، أَيْ شَدِيدَ الْمِشْيَةِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الشُّكْلَةِ وَالشُّهْلَةِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَالْأَهْدَبَ طَوِيلُ أَشْفَارِ الْعَيْنِ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ كَانَ شَبْحَ الذِّرَاعَيْنِ، يَعْنِي غَلِيظَهُمَا والله أعلم.
حديث أم معبد فِي ذَلِكَ قَدْ تقدَّم الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حِينَ وَرَدَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ أَبُو
بَكْرٍ وَمَوْلَاهُ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَدَلِيلُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطَ الدِّيلِيُّ، فَسَأَلُوهَا: هَلْ عِنْدَهَا لَبَنٌ أَوْ لَحْمٌ يَشْتَرُونَهُ مِنْهَا؟ فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهَا شَيْئًا، وَقَالَتْ: لَوْ كَانَ عندنا شئ مَا أَعْوَزَكُمُ الْقِرَى، وَكَانُوا مُمْحِلِينَ فَنَظَرَ إِلَى شَاةٌ فِي كَسْرِ خَيْمَتِهَا فَقَالَ: مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ فَقَالَتْ خلَّفها الْجَهْدُ، فَقَالَ: أَتَأْذَنِينَ أَنْ أَحْلِبَهَا؟ فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ بِهَا حَلَبٌ فَاحْلِبْهَا، فَدَعَا بالشَّاة فَمَسَحَهَا وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي حَلْبِهِ مِنْهَا مَا كَفَاهُمْ أَجْمَعِينَ ثُمَّ حَلَبَهَا وَتَرَكَ عِنْدَهَا إِنَاءَهَا مَلْأَى وَكَانَ يُرْبِضُ الرَّهط، فَلِمَا جَاءَ بَعْلُهَا اسْتَنْكَرَ اللَّبَنَ وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا يَا أُمَّ مَعْبَدٍ وَلَا حَلُوبَةَ فِي الْبَيْتِ وَالشَّاةُ عَازِبٌ؟ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ إنَّه مرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ كَيْتَ وكيت، فقال، صفيه لي فو الله إِنِّي لَأَرَاهُ صَاحِبَ قُرَيْشٍ الَّذِي تَطْلُبُ فَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ حَسَنَ الْخُلُقِ، مَلِيحَ الوجه، لم تعبه ثجلة، ولم تزربه صَعْلَةٌ، قَسِيمٌ وَسِيمٌ، فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وَفِي أشفاره
(1) وهو إبراهيم بن محمد بن الحنفية.
(2)
دلائل البيهقي 1 / 270: وأكرمهم.
(*)
وَطَفٌ، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ، أَحْوَرُ، أَكْحَلُ، أَزَجُّ، أقرن، في عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، إِذَا صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، وَإِذَا تكلَّم سَمَا وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ، حُلْوُ الْمَنْطِقِ، فَصْلٌ لَا نَزْرٌ وَلَا هَذَرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَنْحَدِرْنَ، أَبْهَى النَّاسِ وَأَجْمَلُهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ، رَبْعَةٌ لَا تَشْنَؤُهُ عَيْنٌ مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مَنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ قَدًّا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنَّ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ، لَا عَابِسٌ وَلَا مُفَنَّدٌ * فَقَالَ بَعْلَهَا: هَذَا وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي تَطْلُبُ، وَلَوْ صَادَفْتُهُ لَالْتَمَسْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلَأَجْهَدَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا * قَالَ وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكَّةَ عَالٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَسْمَعُونَهُ وَلَا يَرَوْنَ مَنْ يَقُولُهُ وَهُوَ يَقُولُ: جَزَى اللَّهُ ربُّ النَّاسِ خيرَ جزائِهِ * رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أمَّ معْبدِ هُمَا نَزَلَا بالبرِّ وَارْتَحَلَا بهِ * فأفلحَ منْ أَمْسَى رفيقَ محمدِ (1)
فيالِ قصيٍ مَا زَوَى اللهُ عَنْكُمُ * بهِ مِنْ فعالٍ لا تجازى وسؤْدُدِ سلُوا أختكم عن شاتها وإنائها * فإنَّكموا إنْ تَسْأَلُوا الشَّاة تشهدِ دَعَاهَا بشاةٍ حائلٍ فتحلَّبتْ * لهُ بصريحٍ ضرَّة الشَّاة مُزْبدِ فَغَادَرَهُ رَهْنًا لَدَيْهَا لحالبٍ * يدرَّ لَهَا فِي مصدرٍ ثمَّ موردِ وَقَدْ قدَّمنا جَوَابَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ لِهَذَا الشِّعْرِ الْمُبَارَكِ بِمِثْلِهِ فِي الْحُسْنِ * وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحَافِظَ الْبَيْهَقِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَهْبٍ الْمَذْحِجِيِّ قال: ثنا الحسن بن الصباح عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ بِأَلْفَاظِهِ * وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِهِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّ أُمَّ مَعْبَدٍ هَاجَرَتْ وَأَسْلَمَتْ، ثُمَّ إِنَّ الْحَافِظَ الْبَيْهَقِيَّ أَتْبَعَ هَذَا الْحَدِيثَ بِذِكْرِ غَرِيبِهِ وَقَدْ ذكرناه في الحواشي فيا سبق ونحن نذكر ههنا نُكَتًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَوْلُهَا: ظَاهِرَ الْوَضَّاءَةِ، أَيْ ظَاهِرَ الْجَمَالِ، أَبْلَجَ الْوَجْهِ، أَيْ مَشْرِقَ الْوَجْهِ مُضِيئَهُ لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ كِبَرُ الْبَطْنِ وَقَالَ غَيْرُهُ كِبَرُ الرَّأْسِ، وردَّ أبو عبيدة رِوَايَةَ مَنْ رَوَى لَمْ تَعِبْهُ نُحْلَةٌ يَعْنِي مِنَ النُّحُولِ وَهُوَ الضَّعْفُ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ الْحَدِيثَ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّهُ كِبَرُ الرَّأْسِ لَكَانَ قَوِيًّا، وَذَلِكَ لِقَوْلِهَا بَعْدَهُ: وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ وَهُوَ صِغَرُ الرَّأْسِ بِلَا خِلَافٍ وَمِنْهُ يُقَالُ لِوَلَدِ النَّعَامَةِ: صَعْلٌ، لِصِغَرِ رَأْسِهِ، وَيُقَالُ لَهُ: الظَّلِيمُ، وَأَمَّا الْبَيْهَقِيُّ فَرَوَاهُ لَمْ تَعِبْهُ نُحْلَةٌ يَعْنِي مِنَ الضَّعْفِ كَمَا فَسَّرَهُ، ولم تزر به صعلة وهو الحاصرة (2) ، يُرِيدُ أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ لَيْسَ بِمُنْتَفِخٍ وَلَا نَاحِلٍ، قَالَ: وَيُرْوَى لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ وَهُوَ كِبَرُ الْبَطْنِ.
وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ وهو صغر الرأس، وأما
(1) البيت في دلائل البيهقي: هما نزلا بالهدى واهتدت به * فقد فاز منْ أمسى رفيقَ محمد (2) في البيهقي: الخاصرة.
(*)
الْوَسِيمُ فَهُوَ حَسَنُ الْخَلْقِ وَكَذَلِكَ الْقَسِيمُ أَيْضًا، وَالدَّعَجُ شِدَّةُ سَوَادِ الْحَدَقَةِ، وَالْوَطَفُ طُولُ أَشْفَارِ
الْعَيْنَيْنِ، وَرَوَاهُ الْقُتَيْبِيُّ فِي أَشْفَارِهِ عَطف وَتَبِعَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلَا أعرف ما هذا لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ غَلَطٌ فَحَارَ فِي تَفْسِيرِهِ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ وَهُوَ بُحَّةٌ يَسِيرَةٌ وَهِيَ أَحْلَى فِي الصَّوْتِ مِنْ أَنْ يكونَ حَادًّا، قَالَ أبو عبيد: وبالصحل يوصف الظِّبَاءُ، قَالَ: وَمَنْ رَوَى فِي صَوْتِهِ صَهَلٌ فَقَدْ غَلِطَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْخَيْلِ وَلَا يَكُونُ فِي الْإِنْسَانِ.
قُلْتُ وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
قَالَ وَيُرْوَى صَحَلٌ، وَالصَّوَابُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا قَوْلُهَا: أَحْوَرُ فَمُسْتَغْرَبٌ فِي صِفَةِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو قبل في العين يزينها لا يَشِينُهَا كَالْحَوَلِ، وَقَوْلُهَا: أَكْحَلُ، قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ شَاهِدٌ، وَقَوْلُهَا: أَزُجُّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ المتقوِّس الْحَاجِبَيْنِ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهَا: أَقْرَنُ فَهُوَ الْتِقَاءُ الْحَاجِبَيْنِ بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ قَالَ: وَلَا يُعْرَفُ هَذَا فِي صِفَةِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ في صفته عليه السلام أَنَّهُ أَبْلَجُ الْحَاجِبَيْنِ، فِي عُنُقِهِ سَطَعٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَيْ طُولٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: نُورٌ قُلْتُ: وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ بَلْ مُتَعَيِّنٌ، وَقَوْلُهَا إِذَا صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، أَيِ الْهَيْبَةُ عَلَيْهِ فِي الحال صَمْتِهِ وَسُكُوتِهِ وَإِذَا تكلَّم سَمَا أَيْ عَلَا عَلَى النَّاسِ وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ أَيْ فِي حَالِ كَلَامِهِ حُلْوُ الْمَنْطِقِ فَصْلٌ أَيْ فَصِيحٌ بَلِيغٌ يَفْصِلُ الْكَلَامَ وَيُبَيِّنُهُ، لَا نَزْرٌ وَلَا هَذْرٌ، أَيْ لَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خرزات نظم، يعني الذي مِنْ حُسْنِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَبَيَانِهِ وَحَلَاوَةِ لِسَانِهِ، أَبْهَى النَّاسِ وَأَجْمَلُهُ مِنْ بَعِيدٍ وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ، أَيْ هُوَ مَلِيحٌ مِنْ بَعِيدٍ وَمِنْ قَرِيبٍ، وَذَكَرَتْ أَنَّهُ لَا طَوِيلَ وَلَا قَصِيرَ بَلْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا وَمِنْ هذا، وذكرت أن أصحابه يعظمونه ويخدمونه ويبادرون إلى طاعته وما ذلك إِلَّا لِجَلَالَتِهِ عِنْدَهُمْ وَعَظْمَتِهِ فِي نُفُوسِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ لَهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِعَابِسٍ أَيْ لَيْسَ يَعْبِسُ، وَلَا يُفَنِّدُ أَحَدًا أَيْ يُهَجِّنُهُ وَيَسْتَقِلُّ عَقْلَهُ بَلْ جَمِيلُ الْمُعَاشَرَةِ حَسَنُ الصُّحْبَةِ صَاحِبُهُ كَرِيمٌ عَلَيْهِ وَهُوَ حَبِيبٌ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ.
حديث هند بن أبي هالة فِي ذَلِكَ وَهِنْدٌ هَذَا هُوَ رَبِيبُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُمُّهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَأَبُوهُ أَبُو هَالَةَ كَمَا قَدَّمْنَا بيانه.
قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ الْحَافِظُ رحمه الله: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَمَّادٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمِصْرِيُّ، وأبو غسان مالك بن إسماعيل الهندي قَالَا: ثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي
رَجُلٌ بِمَكَّةَ عَنِ ابْنٍ لِأَبِي هَالَةَ التَّميميّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ خَالِيَ هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ - وَكَانَ وصَّافاً - عَنْ حِلْيَةِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئًا أتعلَّق بِهِ - فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَخْمًا مفخَّماً، يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَطْوَلَ مِنَ الْمَرْبُوعِ، وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ، عَظِيمَ الْهَامَةِ رَجِلَ الشَّعْرِ، إِذَا تفرَّقت عَقِيصَتُهُ (1) فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة
(1) في رواية البيهقيّ: عقيقته.
(*)
أذنيه، ذا وَفَّرَهُ، أَزْهَرَ اللَّون، وَاسِعَ الْجَبِينِ، أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ سَوَابِغَ فِي غَيْرِ قَرَنٍ، بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ أَقْنَى الْعِرْنِينِ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ، كَثَّ اللِّحْيَةِ، أَدْعَجَ سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب مفلج الأسنان، دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صفاء - يعني الفضة - معتدل الخلق، بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ، سَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ، عَرِيضُ الصَّدْرِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ أَنْوَرُ الْمُتَجَرَّدِ، مَوْصُولُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ، عَارِي الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، أَشَعَرُ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ، طَوِيلُ الزندين، رحب الراحة سبط الغضب، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، سَابِلُ الْأَطْرَافِ، خَمْصَانُ الْأَخَمَصَيْنِ، مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ إِذَا زَالَ زَالَ قَلْعًا يَخْطُو تَكَفِّيًا وَيَمْشِيَ هَوْنًا ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا خَافِضُ الطَّرْفِ، نَظَرُهُ إِلَى الْأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، جلَّ نَظَرِهِ الْمُلَاحَظَةُ يَسُوقُ أَصْحَابَهُ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ * قُلْتُ: صِفْ لِي مَنْطِقَهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ دَائِمَ الْفِكْرَةِ، لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَّةٍ، طَوِيلَ السُّكُوتِ يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه يتكلم بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَصْلٌ: لَا فُضُولٌ وَلَا تَقْصِيرٌ.
دَمِثٌ: لَيْسَ بِالْجَافِي وَلَا الْمُهِينِ يُعَظِّمُ النِّعْمَةَ وَإِنْ دَقَّتْ، لَا يَذُمُّ مِنْهَا شَيْئًا (1) وَلَا يَمْدَحُهُ وَلَا يَقُومُ لِغَضَبِهِ إِذَا تعرَّض لِلْحَقِّ شئ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَهَا، فَإِذَا تعرَّض لِلْحَقِّ لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شئ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، لَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلَا ينتصر لها، إذا أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا، وَإِذَا تعجَّب قلَّبها، وَإِذَا تحدَّث يَصِلُ بِهَا، يَضْرِبُ بِرَاحَتِهِ الْيُمْنَى
بَاطِنَ (2) إبهامه اليسرى، وإذا عضب أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، وَإِذَا فَرِحَ غضَّ طَرْفَهُ، جلَّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، وَيَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حبِّ الْغَمَامِ * قال الحسن: فكتمها الْحُسَيْنَ (3) بْنَ عَلِيٍّ زَمَانًا ثُمَّ حَدَّثْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَوَجَدْتُهُ قَدْ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَمَجْلِسِهِ وَشَكْلِهِ فَلَمْ يَدَعْ مِنْهُ شَيْئًا.
قَالَ الحسن: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: كَانَ دُخُولُهُ لِنَفْسِهِ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جزَّأ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءًا لله وجزءاً لنفسه، ثم جزَّأ جزأه بين النَّاسِ فردَّ ذَلِكَ عَلَى الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ لَا يدَّخر عَنْهُمْ شَيْئًا، وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الْأُمَّةِ: إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِأَدَبِهِ وقسَّمه عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ، فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ، فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ وَيُشْغِلُهُمْ فِيمَا أَصْلَحَهُمْ وَالْأُمَّةَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَنْهُمْ وَإِخْبَارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي وَيَقُولُ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغِي حَاجَتَهُ، فَإِنَّهُ مَنْ بلَّغ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا إِيَّاهُ ثبَّت اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلَّا ذَلِكَ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ.
يَدْخُلُونَ عليه زواراً، ولا يفترقون إلا
(1) في رواية البيهقيّ: 1 / 288 زاد: لا يذم ذواقا ولا يمدحه.
وفي رواية العلوي: لم يكن ذواقا ولا مدحة.
(2)
في رواية البيهقيّ: بطن.
(3)
في الاصل: الحسن، والصواب ما أثبتناه من رواية البيهقي.
(*)
عَنْ ذَوَاقٍ وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا يَتَفَرَّقُونَ إِلَّا عَنْ ذَوْقٍ، وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً يَعْنِي فُقَهَاءَ.
قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلَّا بِمَا يَعْنِيهِمْ ويؤلِّفهم وَلَا ينفِّرهم، وَيُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ، وَيَحْذَرُ النَّاسَ، وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِشْرَهُ وَلَا خاتمه (1) ، يتفقَّد أَصْحَابَهُ، وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ، ويحسِّن الْحَسَنَ ويقوِّيه، ويقبِّح الْقَبِيحَ وَيُوَهِّيهِ، مُعْتَدِلَ الْأَمْرِ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، لَا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا أَوْ يَمِيلُوا.
لكلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٌ، لَا يَقْصُرُ عَنِ الْحَقِّ وَلَا يَجُوزُهُ، الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ، أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً، وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وَمُؤَازَرَةً.
قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ
كَيْفَ كَانَ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَجْلِسُ وَلَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى ذِكْرٍ، وَلَا يوطِّن الْأَمَاكِنَ وَيَنْهَى عَنْ إِيطَانِهَا وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ، وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ، يُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ، لَا يَحْسَبُ جَلِيسُهُ، أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ، مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ فِي حَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ، وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا، أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ، قَدْ وَسِعَ النَّاسَ مِنْهُ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ، فَصَارَ لَهُمْ أَبًا، وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً، مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِكَمٍ (2) وَحَيَاءٍ وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ، لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ، وَلَا تُؤْبَنُ (3) فيه الحرم، ولا تنشى فَلَتَاتُهُ، مُتَعَادِلِينَ يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى (4) ، مُتَوَاضِعِينَ يوقِّرون فِيهِ الْكَبِيرَ، وَيَرْحَمُونَ الصَّغِيرَ يُؤْثِرُونَ ذَا الْحَاجَةِ، وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ سِيرَتِهِ فِي جُلَسَائِهِ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ وَلَا فحَّاش وَلَا عيَّاب وَلَا مزَّاح.
يَتَغَافَلُ عمَّا لا يشتهى، ولا يؤيس منه وَلَا يُخَيِّبُ فِيهِ قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ: المِراء، وَالْإِكْثَارِ وَمَا لَا يَعْنِيهِ.
وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلَاثٍ: كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا، وَلَا يعيِّره، وَلَا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ، وَلَا يتكلَّم إِلَّا فِيمَا يَرْجُو ثَوَابَهُ، إِذَا تكلَّم أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّير، فَإِذَا سَكَتَ تكلَّموا، وَلَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ، يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، ويتعجَّب مِمَّا يتعجَّبون مِنْهُ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إذا كان أصحابه ليستجلبونهم (5) فِي الْمَنْطِقِ وَيَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ فَارْفِدُوهُ، وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ، وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِانْتِهَاءٍ أَوْ قِيَامٍ.
قَالَ: فَسَأَلْتُهُ كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ؟ قَالَ: كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعٍ: الْحِلْمِ وَالْحَذَرِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّفَكُّرِ.
فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَفِي تَسْوِيَتِهِ النَّظَرُ وَالِاسْتِمَاعُ بَيْنَ النَّاسِ.
وَأَمَّا تَذَكُّرُهُ أو قال
(1) في البيهقي: خلقه.
(2)
في رواية البيهقيّ: حلم.
(3)
في البيهقي: ولا تؤبه.
(4)
في رواية العقيقي نقلها البيهقي: وصاروا عنده في الحق متقاربين يتفاضلون بالتقوى.
سقط منها ما بينهما.
(5)
في الاصل: يستحلبونه، وفي التيمورية: يستحلونه، وأثبتنا ما في البيهقي: حتى إذا كان أصحابه
ليستجلبونهم.
(*)
تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجُمع له لله: الحلم والصبر فكان لا يغضبه شئ وَلَا يَسْتَفِزُّهُ، وَجُمِعَ لَهُ الْحَذَرُ فِي أَرْبَعٍ: أَخْذِهِ بِالْحُسْنَى (1)، وَالْقِيَامِ لَهُمْ فِيمَا جُمِعَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ صلى الله عليه وسلم * وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ رحمه الله فِي كِتَابِ شَمَائِلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العجلي: حدثني رجل مَنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سَمَّاهُ غَيْرُهُ يَزِيدَ بْنَ عُمَرَ عَنِ ابْنٍ لِأَبِي هَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي فَذَكَرَهُ وَفِيهِ حَدِيثُهُ عَنْ أَخِيهِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ * وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ النَّيْسَابُورِيِّ لَفْظًا وَقِرَاءَةً عَلَيْهِ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (2) بْنِ الْحُسَيْنِ [بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ](3) بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب القعنبيّ (4) صَاحِبُ كِتَابِ النَّسَبِ بِبَغْدَادَ، حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ بالمدينة سنة ست وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، حدَّثني عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ جعفر بن محمد [عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ] (5) قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: سَأَلْتُ خَالِيَ هند بن أبي هالة فذكره.
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ رحمه الله فِي كِتَابِهِ الْأَطْرَافِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ: وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ مسلم بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ صَالِحٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبَّاس أَنَّهُ قَالَ لِهِنْدِ بْنِ أَبِي هالة - وكان وصَّافاً لرسول الله -: صِفْ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ (6) مِنْ طَرِيقِ صُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَرْغَانِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثًا مطوَّلاً فِي صِفَةِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَرِيبًا مِنْ حَدِيثِ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ.
وَسَرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِتَمَامِهِ وَفِي أَثْنَائِهِ تَفْسِيرُ مَا فِيهِ مِنَ الْغَرِيبِ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ غُنْيَةٌ عَنْهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ * وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الضَّحاك عن عمر بن سعيد بن أحمد بن
حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الْعَصْرَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِلَيَالٍ فَخَرَجَ هُوَ وَعَلِيٌّ يَمْشِيَانِ، فَإِذَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ فَاحْتَمَلَهُ أبو بكر على
(1) زاد ابن سعد في الطبقات 1 / 423: ليقتدى به، وتركه القبيح ليتناهى عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته.
(2)
في البيهقي: عبيد الله.
(3)
من دلائل البيهقي 1 / 285.
(4)
في الدلائل: العقيقي، وهو الحسن العلوي مات سنة 358 هـ.
نسابة من آثاره: المثالب وكتاب في النسب ترجم له (الميزان 1 / 521)(تاريخ بغداد: 7 / 421) تنقيح المقال (1 / 309) أعيان الشيعة 23 / 257.
(5)
من البيهقي، وفي الاصل: عن عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ محمد بن علي بن الحسين تحريف.
(6)
في دلائل النبوة ج 1 / 298.
(*)