الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ] [
فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ]
ِ وَفِيهِ بَابَانِ الْأَوَّلُ فِي الِاخْتِيَارِ الثَّانِي فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ) ابْنُ شَاسٍ: مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ مِنْ جَمِيعِ الْأَطْعِمَةِ الْمُعْتَادَةِ فَأَكْلُهُ جَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا بِنَفْسِهِ أَوْ يُخَالِطْهُ نَجِسٌ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: لَا بَأْسَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ فِي الدَّوَاءِ وَكَذَلِكَ أَبْوَالُ الْأَنْعَامِ وَلَا خَيْرَ فِي أَبْوَالِ الْأُتُنِ وَأَبْوَالِ النَّاسِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ وَقَاسَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ سَائِرَ أَبْوَالِ، مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فِي الطَّهَارَةِ عَلَى أَبْوَالِ الْأَنْعَامِ، وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَبَوْلٌ وَعَذِرَةٌ ".
(وَالْبَحْرِيُّ وَإِنْ مَيِّتًا)
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّفَادِعِ وَإِنْ مَاتَتْ لِأَنَّهَا مِنْ صَيْدِ الْمَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالْبَحْرِيُّ وَلَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ بِبَرٍّ ".
(وَطَيْرٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمْ يَكْرَهْ مَالِكٌ أَكْلَ شَيْءٍ مِنْ الطَّيْرِ كُلِّهِ. الرُّخَامِ وَالْعِقْبَانِ وَالنُّسُورِ وَالْأَحْدِيَةِ وَالْغِرْبَانِ وَجَمِيعِ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَغَيْرِ سِبَاعِهَا، مَا أَكَلَ الْجِيَفَ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَأْكُلْهَا. وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْهُدْهُدِ وَالْخُطَّافِ وَرَوَى عَلِيٌّ كَرَاهَةَ أَكْلِ الْخُطَّافِ. ابْنُ رُشْدٍ: لِقِلَّةِ لَحْمِهَا مَعَ تَحَرُّمِهَا بِمَنْ عَشَّشَتْ عِنْدَهُ. وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ» .
(وَلَوْ جَلَّالَةً) ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الدَّجَاجِ الَّتِي تَأْكُلُ النَّتِنَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْجَلَّالَةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ كَالطَّيْرِ الَّتِي تَأْكُلُ الْجِيَفَ.
(وَذَا مِخْلَبٍ) ابْنُ بَشِيرٍ:
الْمَذْهَبُ أَنَّ الطَّيْرَ كُلَّهُ مُبَاحٌ ذُو الْمِخْلَبِ وَغَيْرُهُ. (وَنَعَمٌ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَنَحْرُ إبِلٍ "(وَوَحْشٌ لَمْ يَفْتَرِسْ) ابْنُ عَرَفَةَ: غَيْرُ مُفْتَرِسِ الْوَحْشِ، أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَحَرَامٌ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْيَرْبُوعِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْخُلْدُ. مَالِكٌ: وَالْوَبْرُ وَالْأَرْنَبُ وَالْقُنْفُوذُ وَالْيَرْبُوعُ وَالضَّبُّ وَالضَّرَابِيبُ (كَيَرْبُوعٍ) ابْنُ حَبِيبٍ: الْيَرْبُوعُ أَصْغَرُ مِنْ الْقِنْيَةِ فَقُدِّمَ قَوْلُ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ (وَخُلْدٍ) ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ فَأْرٌ أَعْمَى يَكُونُ بِالصَّحْرَاءِ وَالْأَجِنَّةُ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ (وَوَبْرٍ) هُوَ دُوَيْبَّةٌ صَغِيرَةٌ أَصْغَرُ مِنْ السِّنَّوْرِ وَفَوْقَ الْيَرْبُوعِ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُؤْكَلُ (وَأَرْنَبٍ) هُوَ دَابَّةٌ قَدْرَ الْهُدْهُدِ فِي أُذُنَيْهِ طُولٌ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُؤْكَلُ (وَقُنْفُذٍ وَضَرْبُوبٍ) ابْنُ حَبِيبٍ: يُسَمَّى الضَّرْبُوبُ بِالْأَنْدَلُسِ الْمُلَوَّنَةَ. الصِّحَاحُ: وَهُوَ حَيَوَانٌ ذُو
شَوْكٍ كَالْقُنْفُذِ الْكَبِيرِ، تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ يُؤْكَلُ الْقُنْفُذُ وَالضَّرَابِيبُ.
(وَحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا) الْبَاجِيُّ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحَيَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي. إذَا أُمِنَ أَذَاهَا (وَخَشَاشِ أَرْضٍ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَافْتَقَرَ نَحْوُ الْجَرَادِ
لَهَا ".
(وَعَصِيرٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: عَصِيرُ الْعِنَبِ وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ وَجَمِيعُ الْأَنْبِذَةِ حَلَالٌ مَا لَمْ يُسْكِرْ، وَلَا أَجِدُ فِي قِيَامِ الْأَنْبِذَةِ قَدْرًا مِنْ تَوْقِيتِ وَقْتٍ أَوْ غَلَيَانٍ، وَكُنْت أَسْمَعُ أَنَّ الْمَطْبُوخَ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ لَمْ يُكْرَهْ وَلَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ إنْ طُبِخَ حَتَّى لَا يُسْكِرَ كَثِيرُهُ حَلَّ. الْبَاجِيُّ: الْعَصِيرُ قَبْلَ أَنْ يَنِشَّ وَهُوَ حَارٌّ لَا خِلَافَ أَنَّهُ حَلَالٌ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ. أَبُو عُمَرَ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتَبَرُ الْغَلَيَانُ وَإِنْ قَلَّ إذَا كَانَ يُسْكِرُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: أَشْرَبُ الْعَصِيرَ حَتَّى يَغْلِيَ وَيُقْذَفَ بِالزَّبَدِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ أَتَتْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَدْ حَرُمَ.
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أَشْرَبُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً. وَهَذَا كُلُّهُ بِمَعْنًى مُتَقَارِبٍ يَجْمَعُهُ أَنْ يَكُونَ كَثِيرُهُ يُسْكِرُ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا بَأْسَ بِشُرْبِ الْعَصِيرِ وَإِنْ عُصِرَ لِخَمْرٍ، وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَالِجَ الْعَصِيرَ حَتَّى يُبْطِئَ هَدِيرَهُ وَغَلَيَانَهُ وَيَسْتَحِلَّهُ بِذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ إذْ لَيْسَ يَحْرُمُ الْعَصِيرُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ خَمْرًا إذْ لَا تُحَرِّمُ النِّيَّةُ الْحَلَالَ وَلَا تُحِلُّ الْحَرَامَ وَإِنَّمَا كُرِهَ مُعَالَجَةُ الْعَصِيرِ حَتَّى يُبْطِئَ هَدِيرَهُ وَغَلَيَانَهُ مَخَافَةَ الذَّرِيعَةِ إلَى اسْتِحْلَالِ الْحَرَامِ هَدَرَ الشَّرَابُ غَلَا.
(وَفُقَّاعٌ) مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ شَرَابِ الْفُقَّاعِ وَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ
وَسَحْنُونٌ وَهُوَ شَرَابُ يُعْمَلُ مِنْ الشَّعِيرِ أَوْ مِنْ الْقَمْحِ.
(وَسُوبْيَا) ابْنُ شَاسٍ: وَشُرْبُ السُّوبِيَةِ حَلَالٌ مَا لَمْ تَدْخُلْهَا الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ فَتَحْرُمُ.
(وَعَقِيدٌ) ابْنُ شَاسٍ: شُرْبُ الْعَصِيرِ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ الْعَقِيدُ الَّذِي ذَهَبَ مِنْهُ قُوَّةُ الْإِسْكَارِ. مُحَمَّدٌ: لَا أُحِبُّ فِي طَبْخِهِ ثُلُثَيْنِ وَنَحْوُهُمَا وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إلَى السُّكْرِ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ ذَهَبَتْ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِ.
(أُمِنَ سُكْرُهُ) لَوْ قَالَ: " سُكْرُهَا " لَرَجَعَ إلَى الْأَرْبَعَةِ فَقَدْ قَالَ الْبَاجِيُّ: الْعَصِيرُ قَبْلَ أَنْ يَنِشَّ حَلَالٌ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: فِي السُّوبْيَا مَا لَمْ تَدْخُلْهَا الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْعَقِيدِ: إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى السُّكْرِ وَأَنْظُرُ مُعَالَجَةَ الْعَصِيرِ حَتَّى يُبْطِئَ هَدِيرَهُ وَغَلَيَانَهُ يَسْتَحِلُّهُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ سَمَاعٍ مِنْ جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ كَرِهَهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: كَرِهَ ذَلِكَ مَخَافَةَ الذَّرِيعَةِ إلَى اسْتِحْلَالِ الْحَرَامِ. وَقَالَ فِي صَدْرِ مُقَدِّمَاتِهِ: الْمَكْرُوهُ ضِدُّ الْمُسْتَحَبِّ وَهُوَ مَا كَانَ فِي تَرْكِهِ ثَوَابٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ عِقَابٌ وَهُوَ الْمُتَشَابِهُ.
(وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ) اُنْظُرْ هَذَا فَإِنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يَعْزُهُ أَبُو عُمَرَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. وَنَصُّ الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَحْسَنِ مَا سَمِعْتُ فِي الرَّجُلِ يَضْطَرُّ إلَى الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ مِنْهَا فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا. أَبُو عُمَرَ: حُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَيْسَ مِمَّنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمَيْتَةُ فَإِذَا كَانَتْ حَلَالًا لَهُ أَكَلَ مِنْهَا مَا شَاءَ حَتَّى يَجِدَ غَيْرَهَا فَتَحْرُمَ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ فِي الرِّسَالَةِ (غَيْرَ آدَمِيٍّ) الْبَاجِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ لَحْمِ ابْنِ آدَمَ الْمَيِّتِ وَإِنْ خَافَ الْمَوْتَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(وَخَمْرٍ إلَّا لِغُصَّةٍ) الْبَاجِيُّ: وَهَلْ لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ أَنْ يَشْرَبَ لِجُوعِهِ أَوْ عَطَشِهِ الْخَمْرَ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْرَبُهَا وَلَنْ تَزِيدَهُ إلَّا عَطَشًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَشْرَبُ الْمُضْطَرُّ الدَّمَ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا يَقْرَبُ ضَوَالَّ الْإِبِلِ وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ غَصَّ بِطَعَامٍ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُجَوِّزَهُ بِالْخَمْرِ وَقَالَهُ أَبُو الْفَرْجِ، وَأَمَّا التَّدَاوِي بِهَا فَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا لِلضَّرُورَةِ فَالْفَرْقُ أَنَّ التَّدَاوِيَ لَا يُتَيَقَّنُ الْبُرْءُ بِهَا مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَرَمَادٌ نَجَسٌ ".
(وَقَدَّمَ الْمَيْتَةَ عَلَى خِنْزِيرٍ) الْبَاجِيُّ: إنْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَخِنْزِيرًا فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ مَيْتَةٌ وَهُوَ لَا يُسْتَبَاحُ بِوَجْهٍ.
(وَصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ) . الْبَاجِيُّ: مَنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا وَهُوَ
مُحْرِمٌ أَكَلَ الْمَيْتَةَ وَلَمْ يُذَكِّ الصَّيْدَ لِأَنَّ بِذَكَاتِهِ يَكُونُ مَيْتَةً (لَا لَحْمِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَحْمُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ الْمُضْطَرِّ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ خَاصٌّ.
(وَطَعَامِ غَيْرٍ إنْ لَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ وَقَاتَلَ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُوَطَّأِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمُضْطَرِّ إلَى الْمَيْتَةِ أَيَأْكُلُ مِنْهَا وَهُوَ يَجِدُ تَمْرًا لِقَوْمٍ أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ: إنْ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ تِلْكَ التَّمْرِ وَالزُّرُوعِ أَوْ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ حَتَّى لَا يُعَدَّ سَارِقًا فَتُقْطَعَ يَدُهُ رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ وَلَا يَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ. وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ وَأَنْ يَعُدُّوهُ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي، وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ.
الْبَاجِيُّ: نَحْوُ هَذَا. رَوَى مُحَمَّدٌ: وَزَادَ إنْ كَانَ مَالُ الْغَيْرِ لَا قَطْعَ فِيهِ فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ إنْ خَفِيَ لَهُ ذَلِكَ. الْبَاجِيُّ: فَشَرَطَ فِي التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ أَنْ يَخْفَى لَهُ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْذَى وَيُضْرَبَ إنْ عُلِمَ بِهِ وَلَمْ يُصَدَّقْ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ، وَشَرَطَ فِي تَمْرِ الْجَرِينِ وَغَنَمِ الْمُرَاحِ أَنْ يُصَدِّقُوهُ مَخَافَةَ أَنْ يُقْطَعَ إنْ لَمْ يُصَدِّقُوهُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَخْفَى لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ أَخْذَهُ عَلَى وَجْهِ التَّسَتُّرِ هُوَ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ فَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَهُ مُعْلَنًا إنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَهُ.
وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْمَيْتَةِ يَشْبَعُ وَيَتَزَوَّدُ وَقَالَ فِي مَالِ غَيْرِهِ يَأْكُلُ مَا يَرُدُّ بِهِ جُوعَهُ وَلَا يَتَزَوَّدُ، لِأَنَّ مَالَ غَيْرِهِ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ اللَّهِ وَلِحَقِّ مَالِكِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ مِنْهُ، وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِذَا اُسْتُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ تَجَاوَزَتْ الرُّخْصَةُ فِيهَا مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ لَا تَتَجَاوَزُ مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ، وَإِذَا بَلَغَتْ الضَّرُورَةُ إلَى اسْتِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ فَقَدْ لَزِمَ صَاحِبُ التَّمْرِ وَالزَّرْعِ مُوَاسَاتُهُ بِثَمَنٍ إنْ كَانَ عِنْدَهُ أَوْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَجِدْ مَا لَا يُؤْكَلُ كَالثِّيَابِ وَالْعَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، وَسَوَاءٌ وَجَدَ مَيْتَةً أَمْ لَا. وَقَدْ أَحْسَنَ ابْنُ حَبِيبٍ إيرَادَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ: إنْ حَضَرَ صَاحِبُ الْمَالِ فَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ، فَإِنْ مَنَعَهُ فَجَائِزٌ لِلَّذِي خَافَ الْمَوْتَ أَنْ يُقَاتِلَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى أَكْلِ مَا يَرُدُّ نَفْسَهُ.
الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ أَنَّهُ يَدْعُوهُ أَوَّلًا إلَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ أَبَى اسْتَطْعَمَهُ، فَإِنْ أَبَى أَعْلَمَهُ أَنَّهُ يُقَاتِلُهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَكَلَ الْمُضْطَرُّ إلَى الْمَيْتَةِ مَالَ غَيْرِهِ فَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: يَضْمَنُ. أَبُو عَمْرٍو: قَالَ الْأَكْثَرُ: إنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَجِدُ التَّمْرَ سَاقِطًا لَا يَأْكُلُ مِنْهُ إلَّا إنْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهُ طَيِّبُ النَّفْسِ بِذَلِكَ أَوْ يَكُونُ مُحْتَاجًا قَالَ: وَلَا يَأْخُذُ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ شَيْئًا.
(وَالْمُحَرَّمُ النَّجِسُ) تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ: " الْمُبَاحُ طَعَامٌ
طَاهِرٌ (وَخِنْزِيرٌ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَوَحْشٌ " وَانْظُرْ خِنْزِيرَ الْمَاءِ. الْبَاجِيُّ: أَمَّا كَلْبُ الْبَحْرِ وَخِنْزِيرُهُ فَرَوَى ابْنُ شَعْبَانَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ: - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُجِيبُنَا فِي خِنْزِيرِ الْمَاءِ بِشَيْءٍ وَيَقُولُ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَتَّقِيهِ وَلَوْ أَكَلَهُ رَجُلٌ لَمْ أَرَهُ حَرَامًا.
(وَبَغْلٌ وَفَرَسٌ وَحِمَارٌ وَلَوْ وَحْشِيًّا دُجِّنَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تُؤْكَلُ الْبِغَالُ وَالْخَيْلُ وَالْحُمُرُ قَالَ: وَإِذَا
دُجِّنَ حِمَارُ وَحْشٍ وَصَارَ يَعْمَلُ عَلَيْهِ لَمْ يُؤْكَلْ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ فَلِأَنَّهُ لَمَّا تَأَنَّسَ وَصَارَ يُعْمَلُ عَلَيْهِ فَقَدْ صَارَ كَالْأَهْلِيِّ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ صَيْدٌ مُبَاحٌ أَكْلُهُ فَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ التَّأَنُّسُ كَسَائِرِ الصَّيْدِ انْتَهَى. اُنْظُرْ إذَا اسْتَوْحَشَ الْأَهْلِيُّ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: فِي كَرَاهَةِ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَحُرْمَتِهَا رِوَايَتَانِ، وَالْبِغَالُ مِثْلُهَا.
وَفِي التَّلْقِينِ: الْخَيْلُ مَكْرُوهَةٌ دُونَ كَرَاهِيَةِ السِّبَاعِ، وَمَا حَكَى الْمَازِرِيُّ خِلَافَ هَذَا، وَمَا عَزَا الْبَاجِيُّ لِمَالِكٍ فِي الْخَيْلِ إلَّا الْكَرَاهَةَ خَاصَّةً، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ إبَاحَتُهَا.
(وَالْمَكْرُوهُ سَبُعٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ أَكْلَ السَّبُعِ وَلَا الثَّعْلَبِ وَلَا الذِّئْبِ وَلَا الْهِرِّ الْوَحْشِيِّ وَلَا الْإِنْسِيِّ وَلَا شَيْئًا مِنْ السِّبَاعِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: رَوَى الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السِّبَاعَ أَكْلُهَا عَنْ الْكَرَاهَةِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ وَلَا تَفْصِيلٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَدَنِيُّونَ فِي تَحْرِيمِ لُحُومِ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ: الْأَسَدُ وَالنَّمِرُ وَالذِّئْبُ وَالْكَلْبُ. فَأَمَّا غَيْرُ الْعَادِيَةِ كَالذِّئْبِ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ وَالْهِرِّ الْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسِيِّ فَمَكْرُوهَةٌ دُونَ تَحْرِيمٍ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَنَحْوُ هَذَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ. اللَّخْمِيِّ: فِي حُرْمَةِ كُلِّ ذِي نَابٍ كَالْكَلْبِ وَالذِّئْبِ وَكَرَاهَتُهُمَا قَوْلَانِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: إدْخَالُ مَالِكٍ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ يَدُلُّ أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، وَأَصْلُ النَّهْيِ أَنْ تَنْظُرَ إلَى مَا وَرَدَ مِنْهُ، فَمَا كَانَ مِنْهُ وَارِدًا عَلَى مَا فِي مِلْكِكَ فَهِيَ نَهْيُ أَدَبٍ وَإِرْشَادٍ كَالْأَكْلِ مِنْ رَأْسِ الصَّحْفَةِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ وَالْأَكْلِ بِالشِّمَالِ، وَمَا طَرَأَ عَلَى غَيْرِ مِلْكِك فَهُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَالشِّغَارِ وَعَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ وَاسْتِبَاحَةِ الْحَيَوَانِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ. وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} [الأنعام: 145] الْآيَةُ. لِأَنَّ سُورَةَ الْأَنْعَامِ مَكِّيَّةٌ وَقَدْ نَزَلَ بَعْدَهَا نَهْيُ أَشْيَاءَ مُحَرَّمَاتٍ وَبِإِجْمَاعٍ أَنَّ
النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ إنَّمَا كَانَ مِنْ الْمَدِينَةِ. وَانْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ: سَبُعٌ إنْ كَانَ عَنَى بِهِ الْأَسَدَ فَعَلَى مَا قَالَ الْبَاجِيُّ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَمُقْتَضَى مَا لِابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ حَرَامٌ.
(وَضَبُعٌ وَثَعْلَبٌ) مُقْتَضَى مَا لِابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الضَّبُعَ وَالثَّعْلَبَ لَا يَخْتَلِفُ. مَالِكٌ: إنَّ أَكْلَهُمَا مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ الْبَاجِيِّ.
(وَذِئْبٌ) حُكْمُ الذِّئْبِ وَاللَّيْثِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالْكَلْبِ كَحُكْمِ الْأَسَدِ كَمَا تَقَدَّمَ فَانْظُرْهُ (وَهِرٌّ وَإِنْ وَحْشِيًّا) تَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الثَّعْلَبِ وَالدُّبِّ.
(وَفِيلٌ) ابْنُ عُمَرَ: كَرِهَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ أَكْلَ الْفِيلِ لِأَنَّهُ ذُو نَابٍ، وَهُمْ لِلْأَسَدِ أَشَدُّ كَرَاهِيَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ نُحِرَ اُنْتُفِعَ بِعَظْمِهِ وَجِلْدِهِ (وَكَلْبُ مَاءٍ وَخِنْزِيرُهُ) تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ:" وَبَغْلٌ ".
(وَشَرَابُ خَلِيطَيْنِ) ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ هَذَا تَعَبُّدٌ لَا لِعِلَّةٍ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَا عَلِمْتُ لَهَا وَجْهًا إلَى الْآنَ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُحَرَّمُ الْإِسْكَارَ فَدَعْهُ يَخْلِطُهُ بِمَا شَاءَ وَيَشْرَبُهُ فِي الْحَالِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الِاتِّبَاعُ حَتَّى إنِّي رَوَيْتُ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَيْنِ غَرِيبَتَيْنِ: الْأُولَى أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ الْمُذَنَّبُ وَهُوَ الَّذِي بَدَا الْإِرْطَابُ فِي ذَنَبِهِ وَصَدَقَ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَلِيطَيْنِ.
الثَّانِيَةُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ أَجْرَى النَّهْيَ فِي الْخَلِيطَيْنِ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى مَنَعَ مِنْهَا فِي شَرَابِ الطِّيبِ، وَهَذَا جُمُودٌ عَظِيمٌ عَلَى الْأَلْفَاظِ انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَهُ:" الْبُسْرُ الْمُذَنَّبُ " هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْبَاجِيُّ: هُوَ كَالْبُسْرِ مَعَ التَّمْرِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ ثُمَّ قَالَ: وَرَدَّ أَبُو حَنِيفَةَ هَذِهِ الْآثَارَ
بِرَأْيِهِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِشَرَابِ الْخَلِيطَيْنِ. وَنَحْوُ هَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَإِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْلَطَ نَبِيذُ التَّمْرِ وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ ثُمَّ يُشْرَبَانِ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا نَهَى أَنْ يُنْبَذَا ثُمَّ يُشْرَبَا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَجُوزُ شَرَابُ الْخَلِيطَيْنِ يُنْبَذَانِ وَيُخْلَطَانِ عِنْدَ الشُّرْبِ نَهَى عَنْهُ مَالِكٌ إلَّا الْفُقَّاعَ فَقَالَ أَصْبَغُ: يُسْتَحَبُّ تَحْلِيَتُهُ بِالْعَسَلِ وَشُرْبُهُ بِاللَّبَنِ. الْبَاجِيُّ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَمْنُوعًا لِأَنَّ الْفُقَّاعَ مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُنْبَذُ مُفْرَدًا وَالْعَسَلُ يُنْبَذُ مُفْرَدًا، فَالْقِيَاسُ مَنْعُ جَمْعِهِمَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعَسَلِ يُطْرَحُ فِيهِ قِطْعَةُ الْعَجِينِ أَوْ الْحَرِيرَةِ.
وَأَمَّا خَلْطُ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ وَشُرْبِهِمَا فَلَا بَأْسَ بِهِ إنَّمَا هُوَ خَلْطُ مَشْرُوبَيْنِ كَشَرَابِ الْوَرْدِ وَشَرَابِ النَّيْلُوفَرِ. انْتَهَى مِنْ الْبَاجِيِّ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ رحمه الله: عَلَى هَذَا يَجُوزُ خَلْطُ الرُّبِّ وَالْخَلِّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَنْتَهِي إلَى الْإِسْكَارِ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مَعْنَى خَلْطِ شَرَابِ الطِّيبِ وَحَكَى اللَّخْمِيِّ أَيْضًا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ خَلْطِ شَرَابِ الْوَرْدِ وَالسَّكَنْجَبِينِ.
وَعَنْ مَالِكٍ: لَا خَيْرَ فِي الْخَلِيطَيْنِ لِلْخَلِّ. وَعَنْهُ أَيْضًا: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَمَنْ نَبَذَ الْخَلِيطَيْنِ فَقَدْ أَسَاءَ.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَيَجُوزُ شُرْبُهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا بَأْسَ بِمَا طُبِخَ بِالْعَصِيرِ مِنْ سَفَرْجَلٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ يَوْمَ عُمِلَ بِهِ حَلَالًا يُرِيدُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إلَّا الِانْتِبَاذَ بَلْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِبْقَاءِ لِمَنْفَعَتِهِ وَدَفْعِ الْفَسَادِ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِمَعْنَى الْخَلِيطَيْنِ لِلْخَلِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي خَلْطِهِمَا لِلْخَلِّ غَرَضٌ مَقْصُودٌ مُبَاحٌ كَمَا فِي المري.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي جَوَازِ خَلْطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ لِلْخَلِّ وَكَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَلِكَ فِي النُّضُوخِ مِنْ الْخَلِيطَيْنِ لِرَأْسِ الْمَرَّةِ رِوَايَتَانِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْتَبَذَ تَمْرٌ مَعَ زَبِيبٍ، وَلَا بُسْرٌ أَوْ زَهْوٌ مَعَ رُطَبٍ، وَلَا بُرٌّ مَعَ شَعِيرٍ أَوْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَعَ تِينٍ أَوْ عَسَلٍ. الْبَاجِيُّ: ظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
(وَنَبِيذٌ بكدباء) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُنْبَذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ لِئَلَّا يُعَجِّلَ مَا يُنْبَذُ فِيهِ فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالتَّخْلِيلُ أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ أَنْ يَشْرَبَ النَّبِيذَ مَا لَمْ يُسْكِرْ كَتَخْلِيلِ الْخَمْرِ مَنْ اجْتَرَأَ وَخَلَّلَهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ رحمه الله: أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي الْحَنْتَمِ أَنَّهُ مَا طُلِيَ مِنْ الْفَخَّارِ بِالْحَنْتَمِ وَهُوَ الزُّجَاجُ وَالدُّبَّاءُ الْقَرْعَةُ - بِسُكُونِ الرَّاءِ - وَالنَّقِيرُ الْمَنْقُورُ وَهُوَ جِذْعُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ. ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ مَا كَانَ
مِنْ عُودٍ ثُمَّ يُنْبَذُ فِيهِ، وَالْمُقَيَّرُ مَا طُلِيَ بِالْقَارِ وَهُوَ الزِّفْتُ.
(وَفِي كُرْهِ الْقِرْدِ) ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَحِلُّ لَحْمُ الْقِرْدِ. أَبُو عُمَرَ: لَا خِلَافَ فِي هَذَا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. الْبَاجِيُّ: الْأَظْهَرُ عِنْدِي مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ.
(وَالطِّينِ وَمَنْعِهِمَا قَوْلَانِ) ابْنُ شَاسٍ: كَرِهَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَكْلُ الطِّينِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: أَكْلُهُ حَرَامٌ. اُنْظُرْ رَسْمَ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ وَفِي بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ الْمَازِرِيِّ.