الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشِّرْكِ.
[بَابٌ مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ الْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ]
(وَالْوَفَاءُ بِمَا فَتَحَ لَنَا بِهِ بَعْضُهُمْ) ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ الْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ. ابْنُ سَحْنُونٍ: لَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِأَهْلِ حِصْنٍ: مَنْ فَتَحَ الْبَابَ فَهُوَ آمِنٌ. فَفَتَحَهُ عِشْرُونَ مَعًا فَهُمْ آمِنُونَ.
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ حِصْنٍ حُوصِرَ غَيْرُ أَمِيرِهِ نَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى فُلَانٍ أَوْ عَلَى قَرَابَتِي أَوْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي أَوْ حِصْنِي دَخَلَ مَعَهُمْ فِي الْأَمَانِ الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ. وَفِي أَمِّنُونِي عَلَى أَهْلِ حِصْنِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ عَلَى كَذَا يَدْخُلُ الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ لِأَنَّ " أَفْتَحُ " دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ النَّاسِ فَقَطْ.
" وَفِي " أَفْتَحُ لَكُمْ " عَلَى عَشْرَةٍ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ " مِنْ كَذَا لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَالُهُ فَيْءٌ (وَبِأَمَانِ الْإِمَامِ مُطْلَقًا) ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يُعْطِيَ الْأَمَانَ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَى حُكْمِ التَّمَنِّي وَالتَّشَهِّي دُونَ مَصْلَحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
اللَّخْمِيِّ: فَمَا عَقَدَهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ مِنْ الْأَمَانِ جَازَ وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ، فَإِنْ جَعَلَ لَهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَرْحَلَ عَنْهُمْ أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ آمِنُونَ إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَكُلُّ ذَلِكَ بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَلَى أَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْ الْقَتْلِ خَاصَّةً وَيَسْتَرِقَّهُمْ أَوْ عَلَى أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ وَلَا يَسْتَرِقَّهُمْ وَعَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ خَاصَّةً وَلَا يَعْرِضَ لَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ بَعْضَ ذَلِكَ عَلَى عَقْدٍ، جَائِزٌ لَازِمٌ (كَالْمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ) ابْنُ شَاسٍ: يَجِبُ عَلَى الْمُبَارِزِ مَعَ قَرْنِهِ الْوَفَاءَ بِشَرْطِهِ.
الْبَاجِيُّ: فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِ الْقَتْلُ فَأَجَازَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ الْمُشْرِكُ وَلَا يُقْتَلُ لِأَنَّ مُبَارَزَتَهُ عَهْدٌ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ إلَّا مَنْ بَارَزَهُ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُعْجِبُنِي تَرْكُ الدَّفْعِ عَنْهُ لِأَنَّ الْعِلْجَ لَوْ أَسَرَهُ لَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَنْقِذَهُ إذَا قَدَرْنَا.
انْتَهَى مَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى دُونَ نَقْلِ الْخِلَافِ. وَرَوَى أَشْهَبُ فِي الرَّجُلِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَدْعُو إلَى الْمُبَارَزَةِ: لَا بَأْسَ بِهِ إنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَوَثِقَ بِنَفْسِهِ خَوْفَ إدْخَالِ الْوَهْنِ عَلَى النَّاسِ.
ابْنُ وَهْبٍ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَارِزَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ عَدْلًا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَلْزَمْ اسْتِئْذَانُهُ فِي مُبَارَزَةٍ وَلَا قِتَالٍ إذْ قَدْ يَنْهَاهُ عَنْ غُرَّةٍ قَدْ تَبَيَّنَتْ لَهُ فَيَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ، فَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْعَدْلُ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي الِاسْتِئْذَانِ لَهُ لَا فِي طَاعَتِهِ إذَا أُمِرَ بِشَيْءٍ أَوْ نُهِيَ عَنْهُ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ لِلْإِمَامِ مِنْ فَرَائِضِ الْغَزْوِ فَوَاجِبٌ عَلَى الرَّجُلِ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِمَعْصِيَةٍ (وَإِنْ أُعِينَ بِإِذْنِهِ قُتِلَ مَعَهُ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ خَرَجَ جَمَاعَةٌ لِإِعَانَةِ الْكَافِرِ بِاسْتِنْجَادِهِ قَتَلْنَاهُ مَعَهُمْ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُ.
الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ: اسْتَنْجَدَنِي فَأَنْجَدْته أَيْ اسْتَعَانَ بِي فَأَعَنْته (وَلَمِنْ خَرَجَ فِي جَمَاعَةٍ لِمِثْلِهَا إذَا فَرَغَ
مِنْ قِرْنِهِ الْإِعَانَةُ) سَحْنُونَ: لَوْ بَارَزَ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ مِثْلَهُمْ جَازَ أَنْ يَقْصِدَ مَنْ فَرَغَ مِنْ مُبَارَزَةِ أَصْحَابِهِ كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ يَوْمَ بَدْرٍ (وَأُجْبِرُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ الْمَصْلَحَةَ وَإِلَّا نَظَرَ الْإِمَامُ) سَحْنُونَ: صَحَّ النَّهْيُ عَنْ إنْزَالِ الْعَدُوِّ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَإِنْ جَهِلَ الْإِمَامُ فَأَنْزَلَهُمْ عَلَيْهِ رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ وَلْيُنْزِلْهُمْ الْإِمَامُ عَلَى حُكْمِهِ لَا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ وَلَوْ طَلَبُوهُ بِأَنْ أَنْزَلَهُمْ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ. وَلَوْ حَكَمَ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا عَدْلًا نَفَذَ حُكْمُهُ وَلَمْ يَرُدَّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا تَعَقَّبْ الْإِمَامُ حُكْمَهُ إنْ رَآهُ الْإِمَامُ حَسَنًا أَمْضَاهُ وَإِلَّا حَكَمَ بِمَا يَرَاهُ نَظَرًا وَلَا يَرُدُّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ. وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْحُكْمِ رُدُّوا أَيْضًا لِمَأْمَنِهِمْ.
(كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ إقْلِيمًا) سَحْنُونَ: لَوْ أَشْرَفَ عَلَى أَخْذِ حِصْنٍ وَتَيَقَّنَ أَخْذَهُ فَأَمَّنَهُمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَلِلْإِمَامِ رَدُّهُ (وَإِلَّا فَهَلْ يَجُوزُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَوْ يَمْضِي مِنْ مُؤَمِّنٍ مُمَيِّزٍ وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ رِقًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ لَا ذِمِّيًّا وَخَائِفًا مِنْهُمْ تَأْوِيلَانِ) اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَمِّنَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَيْشِ وَاحِدًا مِنْ الْحِصْنِ. فَإِنْ فَعَلَ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَمْضِي تَأْمِينُهُ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَشْهُورُ أَنَّ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ، فَإِذَا أَعْطَى أَمَانًا فَهُوَ كَأَمَانِ الْإِمَامِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَانُ الْمَرْأَةِ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ عِنْدِي أَمَانُ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ الْأَمَانَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِاجْتِهَادِهِ. ابْنُ يُونُسَ: جَعَلَ عَبْدُ الْوَهَّابِ قَوْلَ الْغَيْرِ خِلَافًا وَغَيْرَهُ وِفَاقًا.
وَعَزَا أَبُو عُمَرَ قَوْلَ الْغَيْرِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ قَالَ: وَهُوَ شَاذٌّ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى.
قَالَ يَحْيَى: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ نَاسٍ مِنْ الْعَدُوِّ كَانُوا خَرَجُوا إلَى رَجُلٍ كَانَ فِي الثَّغْرِ مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ لِلْإِمَامِ وَكَانَ يَلِي مَدِينَةً مِنْ الثَّغْرِ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا فَأَعْطَاهُمْ عَهْدًا فَأَمِنُوا بِذَلِكَ
عِنْدَهُ، هَلْ يُسْتَحَلُّونَ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِ وَقَبِلُوا عَهْدَهُ وَقَدْ عَلِمُوا خِلَافَهُ لِلْإِمَامِ؟ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ دِمَاؤُهُمْ وَلَا ذَرَارِيُّهُمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ لِأَحَدٍ، لِأَنَّ عَهْدَهُ عَهْدٌ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَعْقِدُ لَهُمْ أَمَانًا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ: إنَّ عَهْدَهُ لَا يُمْضِيهِ الْوَالِي فَارْجِعُوا إلَى مَأْمَنِكُمْ، فَإِذَا رُدُّوا إلَى أَرْضِهِمْ عَادُوا إلَى حَالِهِمْ الْأَوَّلِ فَكَانُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مَا هُمْ.
قُلْت: فَإِنْ اخْتَارُوا الْإِقَامَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ قَالَ: لَا أُحِبُّ لَهُ رَدَّهُمْ إذَا رَضُوا بِالْجِزْيَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ: " إنَّهُمْ يَحْرُمُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَهْدِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ الْمُخَالِفُ عَلَى الْإِمَامِ " صَحِيحٌ لِقَوْلِهِ عليه السلام: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» وَذَلِكَ مَا لَمْ يُغِيرُوا بَعْدَ مُعَاهَدَتِهِمْ إيَّاهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أَمَانَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ لَيْسَ بِأَمَانٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَالُوا: ظَنَنَّا الذِّمِّيَّ مُسْلِمًا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ. وَسُئِلَ أَشْهَبُ عَنْ رَجُلٍ شَذَّ عَنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَأَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَطَلَبَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ الْعَدُوُّ: لِلْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ أَعْطِنَا الْأَمَانَ فَأَعْطَاهُمْ الْأَمَانَ فَقَالَ: إذَا كَانَ أَمَّنَهُمْ وَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ أَمَّنَهُمْ وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ. وَقَوْلُ الْأَسِيرِ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ.
مُحَمَّدٌ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَسَقَطَ الْقَتْلُ) اللَّخْمِيِّ: مُتَعَلَّقُ الْأَمَانِ فِي
الْأَسِيرِ عَدَمُ قَتْلِهِ وَلَوْ كَانَ أَمَانًا لِمَنْ فِي حِصْنٍ كَانَ لَا يُبَاحُ بِقَتْلٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَسْتَبِينَ أَنَّهُ فِي النَّفْسِ دُونَ الْمَالِ (وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ) لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ الْخِلَافَ فِي أَمَانِ الْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ التَّأْمِينُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْفَتْحُ وَمَا دَامَ الَّذِي أَمِنَ مُتَمَنِّعًا.
وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْفَتْحُ وَصَارَ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ أَمَّنَهُ الْأَمِيرُ صَحَّ تَأْمِينُهُ، وَإِنْ أَمَّنَهُ غَيْرُهُ فَهَلْ يَصِحُّ تَأْمِينُهُ فَيَكُونُ مَانِعًا مِنْ الْقَتْلِ؟ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْأَسْرِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ «صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأُمِّ هَانِئٍ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت يَا أُمَّ هَانِئٍ» . وَكَانَتْ إجَارَتُهَا بَعْدَ الْفَتْحِ.
وَعَزَا اللَّخْمِيِّ هَذَا لِابْنِ الْمَوَّازِ.
الثَّانِي: عَدَمُ صِحَّتِهِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ صِيَانَةُ دَمِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَحِلُّ لِمَنْ أَمَّنَهُ قَتْلُهُ وَالْإِمَامُ يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ إنْ رَأَى قَتْلَهُ أَصْلَحَ قَتَلَهُ وَهَذَا أَحْسَنُ، إذْ لَوْ كَانَتْ إجَارَةُ أُمِّ هَانِئٍ لَازِمَةً لَمْ يَقُلْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت.
قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ: إنَّمَا تَمَّ أَمَانُهَا بِإِجَارَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (بِلَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: يَصِحُّ التَّأْمِينُ بِكُلِّ مَا يُفْهَمُ بِهِ ذَلِكَ كَانَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ بِالْعَجَمِيِّ، نُطْقًا أَوْ إشَارَةً (إنْ لَمْ يَضُرَّ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: لَوْ أَمَّنَ جَاسُوسًا أَوْ طَلِيعَةً لَمْ يَنْعَقِدْ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ بَلْ يَكْفِي عَدَمُ الْمَضَرَّةِ.
(وَإِنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ فَجَاءَ أَوْ نَهَى النَّاسَ عَنْهُ فَعَصَوْا أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا أَوْ جُهِلَ إسْلَامُهُ لَا إمْضَاؤُهُ أَمْضَى أَوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ) أَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَرْبِيِّ يَظُنُّ الْأَمَانَ فَيَجِيءُ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَرْكَبٍ لِلْمُسْلِمِينَ قَاتَلُوا مَرْكَبَ عَدُوِّهِمْ يَوْمَهُمْ فَطَلَبَ الْعَدُوُّ الْأَمَانَ فَنَشَرَ الْمُسْلِمُونَ الْمُصْحَفَ وَحَلَفُوا بِمَا فِيهِ لَنَقْتُلَنَّكُمْ،
فَظَنَّهُ الْعَدُوُّ أَمَانًا فَاسْتَسْلَمُوا ثُمَّ طَلَبُوا بَيْعَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمَانٌ قَالَ: وَلَوْ طَلَبُوا مَرْكَبًا لِلْعَدُوِّ فَصَاحُوا بِهِ: اُرْخُ قَلْعَك فَأَرْخَاهَا، هُوَ أَمَانٌ إنْ كَانَ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِمْ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ أَمَّنَ وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ نَهَى عَنْهُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ أَنْ يُؤَمِّنَ أَحَدًا غَيْرَ الْإِمَامِ وَحْدَهُ وَلِذَلِكَ قُدِّمَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ إنْ أَمَّنَ أَحَدٌ أَحَدًا قَبْلَ نَهْيِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ، إمَّا أَمَّنَهُ أَوْ رَدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ: إذَا نُهِيتُمْ عَنْ الْأَمَانِ فَأَمَّنَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ نَاسِيًا أَوْ عَاصِيًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ جَاهِلًا رُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُقِيمَ فِيكُمْ فَيَكُونَ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْجِزْيَةِ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا: ظَنَنَّا الذِّمِّيَّ مُسْلِمًا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَوْ جُهِلَ كُفْرُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ " لَا إمْضَاؤُهُ " فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا أَمَانَ لِذِمِّيٍّ، فَإِنْ قَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّ لَهُ جِوَارًا بِمَكَانِ الذِّمَّةِ فَلَا أَمَانَ لَهُمْ. اللَّخْمِيِّ: أَرَى أَنْ يُرَدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ (وَإِنْ أَخَذَ مُقْبِلًا بِأَرْضِهِمْ وَقَالَ جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ أَوْ بِأَرْضِنَا وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ أَوْ بَيْنَهُمَا رُدَّ لِمَأْمَنِهِ وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ فَعَلَيْهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَخَذَ الرُّومِيُّ بِبَلَدِ الْعَدُوِّ وَهُوَ مُقْبِلٌ إلَيْنَا فَيَقُولُ: جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ فَقَالَ مَالِكٌ: هَذِهِ أُمُورٌ مُشْكِلَةٌ وَأَرَى رَدَّهُ لِمَأْمَنِهِ.
قِيلَ: فَمَنْ أَخَذَ حَرْبِيًّا دَخَلَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ دُونَ أَمَانٍ. أَيَكُونُ لَهُ أَمْ فَيْءٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وُجِدُوا بِسَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ تُجَّارٌ: لَا يُصَدَّقُونَ وَلَيْسُوا لِمَنْ وَجَدَهُمْ وَيَرَى الْإِمَامُ رَأْيَهُ. قُلْت: إنْ نَزَلَ تَاجِرٌ دُونَ أَمَانٍ وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ؟ قَالَ: هَذَا كَقَوْلِ مَالِكٍ أَوَّلًا. أَمَّا قَبْلَ قَوْلِهِ: " أَوْ رُدَّ لِمَأْمَنِهِ ".
ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِذَا وُجِدَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مَوَاضِعَ بَيْنَ أَرْضِهِمْ أَوْ أَرْضِنَا فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ حُكِمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ حُكِمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَإِنْ شَكَّ فَقَوْلَانِ. اللَّخْمِيِّ: إنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ كَانَ آمِنًا وَلَمْ يُسْتَرَقَّ، وَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَكَانَ رَقِيقًا، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ وَلَا عَلَى كَذِبِهِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ رَأَى مَرَّةً أَنَّهُ صَارَ أَسِيرًا رَقِيقًا بِنَفْسِ الْأَخْذِ يَدَّعِي وَجْهًا يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَرَأَى مَرَّةً أُخْرَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلَهُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ صَدَقَ وَلَا يُسْتَرَقُّ بِشَكٍّ وَهُوَ أَحْسَنُ.
فَإِنْ قَالَ: جِئْتُ رَسُولًا وَمَعَهُ مُكَاتَبَةٌ أَوْ جِئْتُ لِفِدَاءٍ وَلَهُ مَنْ يَفْدِيهِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ (وَإِنْ رُدَّ بِرِيحٍ فَعَلَى أَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا نَزَلَ تُجَّارُهُمْ بِأَمَانٍ فَبَاعُوا وَانْصَرَفُوا فَأَيْنَمَا رَمَتْهُمْ الرِّيحُ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَالْأَمَانُ لَهُمْ مَا دَامُوا فِي تَجْرِهِمْ حَتَّى
يَرِدُوا بِلَادَهُمْ.
(وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ فَيْءٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ مَاتَ عِنْدَنَا وَقَدْ كَانَ اسْتَأْمَنَ عَلَى رُجُوعِهِ بِانْقِضَاءِ أَرَبِهِ فَمَالُهُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَفِي رَدِّهِ لِوَارِثِهِ أَوْ لِحُكَّامِهِمْ قَوْلَانِ. وَلَعَلَّهُ خِلَافٌ فِي حَالِ إنْ انْتَقِلْ لَنَا حَقِيقَةُ تَوْرِيثِهِمْ دُفِعَ لِوَارِثِهِمْ وَإِلَّا فَلِحَاكِمِهِمْ. ابْنُ عَرَفَةَ: رَابِعُ الْأَقْوَالِ مَالُهُ لِوَارِثِهِ وَدِيَتُهُ لِحَاكِمِهِمْ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا حَرْبِيٌّ مُسْتَأْمَنٌ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيُرَدَّ مَالُهُ إلَى وَرَثَتِهِ بِبَلَدِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ قُتِلَ فَتُدْفَعُ دِيَتُهُ إلَى وَرَثَتِهِ وَيُعْتِقُ قَاتِلُهُ رَقَبَةً. وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ: وَدِيَةُ الْمُسْتَأْمَنِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا يُرَدُّ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ إذَا مَاتَ عِنْدَنَا إذَا اسْتَأْمَنَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ إذَا كَانَ شَأْنُهُمْ الرُّجُوعَ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَأْمَنَ عَلَى الْمُقَامِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ شَأْنَهُمْ فَإِنَّ مَا تَرَكَ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَقَالَ فِيهِ: وَإِنْ كَانَ شَأْنُهُمْ الرُّجُوعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَمِيرَاثُهُ إنْ مَاتَ رُدَّ إلَى وَرَثَتِهِ بِبَلَدِهِ إلَّا أَنْ تَطُولَ إقَامَتُهُ عِنْدَنَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَلَا يُرَدُّ مِيرَاثُهُ، وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُمْ وَلَا ذَكَرُوا رُجُوعًا فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
(وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ لِوَارِثِهِ كَوَدِيعَتِهِ وَهَلْ وَإِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيْءٍ قَوْلَانِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَأْمَنُ عِنْدَنَا مَالًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَمَاتَ فَلْيُرَدَّ مَالُهُ إلَى وَرَثَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُتِلَ فِي مُحَارَبَتِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّا نَبْعَثُ بِمَالِهِ الَّذِي لَهُ عِنْدَنَا، وَأَمَّا لَوْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ صَارَ مَالُهُ فَيْئًا لِمَنْ أَسَرَهُ وَقَتَلَهُ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا رَقَبَتَهُ قَبْلَ قَتْلِهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ قُتِلَ بَعْدَ أَنْ أُسِرَ قَالَ: وَأَمَّا إنْ
قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ فَهِيَ فَيْءٌ لَا خُمُسَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْأَسِيرَ إذَا بِيعَ فِي الْمَقَاسِمِ أَوْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ بَعْدَ الْأَسْرِ يَكُونُ الْمَالُ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ مُسْتَوْدَعًا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ: مَعْنَاهُ يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ فَيُخَمَّسُ وَتَجْرِي فِيهِ السِّهَامُ فَهُوَ كَمَا أَصَابُوا مَعَهُ مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَغُرَمَاؤُهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْجَيْشِ بِخِلَافِ مَا غُنِمَ مَعَهُ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا إذَا قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَمْ يُؤْسَرْ فَجَعَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِمَنْزِلَةِ إذَا مَاتَ بِأَرْضِهِ فَيُرَدُّ الْمَالُ الْمُسْتَوْدَعُ إلَى وَرَثَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يُخَمَّسُ. وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ.
(وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اشْتِرَاءُ سِلْعَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ مَا أَحْرَزُوا مِنْ مَتَاعِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَأَتَوْا بِهِ لِيَبِيعُوهُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَاسْتَحَبَّ غَيْرُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا بِأَيْدِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَأْخُذَهُ رَبُّهُ بِالثَّمَنِ. ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا حَصَلَتْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ صَارَتْ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ كَانَ مَصِيرُهَا إلَيْهِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِمُعَاوَضَةٍ أَوْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِمُعَاوَضَةٍ فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بَعْدَ دَفْعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ صَاحِبُهُ حَتَّى بَاعَهُ مَنْ أَخَذَهُ فَأَمَّا مَنْ صَارَ إلَيْهِ بِمُعَاوَضَةٍ فَالْبَيْعُ مَاضٍ، وَأَمَّا مَنْ صَارَ إلَيْهِ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَهَلْ لِرَبِّهِ نَقْضُ الْبَيْعِ؟ قَوْلَانِ فِي الْكِتَابِ. وَإِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ النَّقْضُ فَلَهُ الثَّمَنُ وَإِنْ قَدِمَ أَهْلُ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنِينَ فِي أَيْدِيهمْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُكْرَهُ لِغَيْرِ أَرْبَابِهَا شِرَاؤُهَا مِنْهُمْ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ. وَهَذَا عَلَى الْخِلَافِ، هَلْ يَكُونُ أَرْبَابُهَا أَحَقَّ بِهَا بِالثَّمَنِ أَمْ لَا؟ فَعَلَى أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهَا يُسْتَحَبُّ شِرَاؤُهَا مِنْهُمْ لِيَتَوَصَّلَ أَرْبَابُهَا إنْ شَاءُوا، وَهَذَا قِيَاسُ مَا اشْتَرَى مِنْهُمْ بِأَرْضِهِمْ. فَإِنْ أَخَذَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَهَلْ لِأَرْبَابِهَا أَخْذُهَا. قَوْلَانِ (وَفَاتَتْ بِهِ وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا) اللَّخْمِيِّ: إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ مَالُ الْمُسْلِمِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ فِيهِ مَا دَامَ فِي يَدِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا أُحِبُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ
يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ وَهَبَهُ لِأَحَدٍ لَمْ يَأْخُذْهُ سَيِّدُهُ عَلَى حَالٍ. وَاَلَّذِي يُشْبِهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ وَفِي الْهِبَةِ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَهَذَا أَحْسَنُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَهُوَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَوْ هُوَ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ.
(وَانْتُزِعَ مَا سُرِقَ ثُمَّ عِيدَ بِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ) يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَوْ سَرَقَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَمْوَالَنَا وَعَبِيدًا وَكَتَمُوا ذَلِكَ حَتَّى حَارَبُوا ثُمَّ صُولِحُوا عَلَى أَنْ رَجَعُوا إلَى حَالِهِمْ مِنْ غُرْمِ الْجِزْيَةِ لَا يُنْزَعُ مِنْهُمْ شَيْءٌ. وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي النَّفْرِ مِنْ الْعَدُوِّ يَنْزِلُونَ بِأَمَانٍ فَإِذَا فَرَغُوا سَرَقُوا عَبِيدَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَعْضَ الْأَحْرَارِ ثُمَّ رَجَعُوا وَهُمْ مَعَهُمْ فَنَزَلُوا عَلَى أَمَانٍ وَلَمْ يَعْرِفُوا فَأَرَادُوا أَنْ يَبِيعُوهُمْ قَالَ: لَا يُتْرَكُوا. وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ عِنْدِي مِثْلُ مَا لَوْ نَزَلُوا بِأَمَانٍ فَدَايَنُوا الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ هَرَبُوا وَالدَّيْنُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا فَنَزَلُوا بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الدُّيُونِ. ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ أَيْدِيهِمْ وَأَرَى أَنْ يُوَفَّى لَهُمْ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَحْرَزُوهُمْ. وَلَا يُتْبِعُوا بِمَا دَايَنُوا عَلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْعَهْدَ وَالْأَمَانَ شَدِيدٌ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُنْزِلَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلَ أَنْفَذَ لَهُمْ الشَّرْطَ وَلَمْ يَنْتَزِعْ مِنْهُمْ شَيْئًا. قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. وَنَحْوُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ يَقْدُمُونَ بِأَمَانٍ لِلتِّجَارَةِ فَيَشْتَرِطُونَ أَنْ لَا يَرُدَّ عَلَيْهِمْ إلَّا مِنْ جُنُونٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ أَنَّ لَهُمْ شَرْطَهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتِلَافُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَاخِلٌ فِي مَسْأَلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَلَا يُتْرَكَ لَهُمْ لَا سِيَّمَا فِي مَسْأَلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا حَارَبُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلَى غُرْمِ
الْجِزْيَةِ. اُنْظُرْ السَّمَّاعَيْنِ فَفِيهِمَا طُولٌ.
(لَا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ) اللَّخْمِيِّ: إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ مُسْلِمُونَ أَحْرَارٌ أَوْ عَبِيدٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِمْ إنْ أَحَبَّ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيُعْطَى فِي كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ فِي الْقِيمَةِ وَيُنْتَزَعُ مِنْهُ. وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْمُسْلِمَةِ يُرِيدُ بِخِلَافِ الذَّكَرِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ. وَقَالَ: إذَا عَاقَدَ الْأَمَانَ عَلَى شَرْطِ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا رَدَّهُ إلَيْهِمْ يُوَفَّى لَهُمْ بِذَلِكَ فِي الرِّجَالِ وَلَا يُوَفَّى لَهُمْ بِهِ فِي النِّسَاءِ، فَأَمْضَى لَهُمْ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَاضَى أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مُسْلِمًا رَدَّهُ إلَيْهِمْ» وَلَمْ يَمْضِ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَقَبْلَ أَنْ يَكْثُرَ الْمُسْلِمُونَ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ.
وَفَرَّقَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [الممتحنة: 10] . وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا نَزَلَ الْحَرْبِيُّونَ بِأَمَانٍ لِلتِّجَارَةِ فَأَسْلَمَ رَقِيقُهُمْ أَوْ قَدِمُوا بِهِمْ مُسْلِمِينَ فَلَا يُمْنَعُوا مِنْ الرُّجُوعِ بِهِمْ إذَا أَدَّوْا مَا رَضُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ كُنَّ إمَاءً لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ وَطْئِهِنَّ.
وَلَقَدْ أَنْكَرَ رَجُلٌ عَلَى مَالِكٍ هَذَا فَقَالَ مَالِكٌ: أَلَمِ تَعْلَمْ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ فَهَرَبَ أَبُو جَنْدَلٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَطَلَبَهُ أَبُوهُ مِنْ مَكَّةَ فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: إنَّا لَا نَخْفِرُ بِالْعَهْدِ» .
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ حُجَّةُ الْحَرْبِيِّ أَنْ يَقُولَ: عَهْدِي لَا يُنْقَضُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَمَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَيُبَاعُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُفْعَلُ بِالذِّمِّيِّ ثُمَّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، وَأَمَّا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ فَلْتُؤْخَذْ مِنْهُمْ وَيُعْطُوا قِيمَتَهُمْ وَإِنْ كَرِهُوا، وَأَمَّا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ رَقِيقٍ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَحْرَارِ ذِمَّتِنَا مِمَّنْ أَخَذُوهُ. وَأَسَرُوهُ فَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِثَمَنٍ وَلَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ.
وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ نَافِعٍ وَغَيْرُهُمْ وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ. وَانْفَرَدَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ: لَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِيمَا أَسْلَمَ مِنْ رَقِيقِهِمْ أَوْ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ وَأُسَارَاهُمْ وَلَا يُعْجِبُنِي.
(وَمَلَكَ بِإِسْلَامِهِ غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لَهُ. ابْنُ يُونُسَ
لِأَنَّ لِلْكَافِرِ شُبْهَةَ مِلْكٍ عَلَى مَا حَازَهُ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ اسْتَهْلَكَ فِي حَالِ شِرْكِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَوْ أَتْلَفَهُ مُسْلِمٌ عَلَى صَاحِبِهِ لَضَمِنَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ حَرْبِيٌّ إنْ كَانَ مُتَمَوِّلًا فَلَهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَابْنُ الْقَاسِمِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: يُنْزَعُ مِنْهُ مَجَّانًا. ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا. ابْنُ بَشِيرٍ: عَلَى الْمَشْهُورِ (وَفُدِيَتْ أُمُّ وَلَدٍ وَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَرْبَابِهِ مَا لَمْ يَكُنْ حُرًّا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ وَتُرَدُّ أُمُّ الْوَلَدِ إلَى سَيِّدِهَا وَيَتْبَعُهُ بِقِيمَتِهَا، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَتَكُونُ لَهُ كِتَابَتُهُ وَإِنْ عَجَزَ بَقِيَ رَقِيقًا لِهَذَا الْحَرْبِيِّ، وَإِنْ أَدَّى كَانَ حُرًّا وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ وَالْمُدَبَّرُ يَخْتَدِمُهُ وَيُؤَاجِرُهُ مَا دَامَ سَيِّدُهُ حَيًّا، فَإِنْ مَاتَ وَحَمَلَهُ ثُلُثُهُ كَانَ حُرًّا. سَحْنُونَ: وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ وَإِنْ رَقَّ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ مَا رَقَّ مِنْهُ لِلْحَرْبِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَيْهِ (وَمُعْتَقٌ لِأَجَلٍ بَعْدَهُ) . سَحْنُونَ: الْمَعْتُوقُ لِأَجَلٍ إذَا سُبِيَ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَيْهِ حَرْبِيٌّ كَانَ لَهُ خِدْمَتُهُ إلَى الْأَجَلِ دُونَ سَيِّدِهِ، فَإِنْ عَتَقَ بِتَمَامِ الْأَجَلِ لَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ (وَلَا يُتْبَعُونَ بِشَيْءٍ وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمَنْصُوصُ فِي أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ نَزْعُهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الرَّقِيقِ وَبِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَأُمِّ الْوَلَدِ تُفْدَى وَالْمُدَبَّرُ وَنَحْوُهُ كَالْمِلْكِ الْمُحَقَّقِ ثُمَّ يُعْتَقُونَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ بَعْدُ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُتْبَعُونَ بِشَيْءٍ وَلَا قَوْلَ لِلْوَرَثَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ فِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ يُنْزَعُ مَجَّانًا، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ فِي الْمُدَبَّرِ لَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ.
(وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٌ إنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ) . ابْنُ شَاسٍ: لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْغَانِمِينَ عَلَى الْغَنِيمَةِ بِنَفْسِ الْغَنِيمَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: إذَا وَطِئَ أَمَةً مِنْ الْمَغْنَمِ حُدَّ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ، وَكَذَلِكَ
يُقْطَعُ إنْ سَرَقَ مِنْهُ. اُنْظُرْ فِي الْحُدُودِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْغَنِيمَةِ "(وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) . ابْنُ شَاسٍ: أَرَاضِي الْكُفَّارِ الْمَأْخُوذَةُ بِالِاسْتِيلَاءِ قَهْرًا وَعَنْوَةً تَكُونُ وَقْفًا يُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَالْعُمَّالِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ وَلَا تُقْسَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَرَاضِيِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَكَذَلِكَ دُورُ مَكَّةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا. اللَّخْمِيِّ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَكَّةَ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنَّهَا لَمْ تُقْسَمْ، وَاخْتُلِفَ هَلْ مَنْ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا أَوْ أُقِرَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ؟ وَاخْتُلِفَ فِي كِرَاءِ دُورِهَا وَبَيْعِهَا فَمَنَعَهَا مَالِكٌ مَرَّةً ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُمَا فَإِنْ وَقَعَا لَمْ يُفْسَخَا. اللَّخْمِيِّ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ إنْ قُسِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ مَاضٍ وَلَا يُنْقَضُ. (وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إنْ أَوْجَفَ عَلَيْهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: مَا مُلِكَ مِنْ مَالِ الْكَافِرِ غَنِيمَةٌ وَمُخْتَصٌّ وَفَيْءٌ. فَالْغَنِيمَةُ مَا كَانَ بِقِتَالٍ أَوْ بِحَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ وَلَازَمَهُ تَخْمِيسُهُ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ: مَا أُخِذَ
مِنْ حَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ كَمَا بِقُرْبِ قُرَاهُمْ كَمَا قُوتِلَ عَلَيْهِ.
(فَخَرَاجُهَا وَالْخُمُسُ وَالْجِزْيَةُ لِآلِهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْفَيْءُ مَا سِوَى الْغَنِيمَةِ وَالْمُخْتَصُّ فِيهَا خَرَاجُ الْأَرَضِينَ وَالْجِزْيَةُ وَمَا اُفْتُتِحَ مِنْ أَرْضٍ بِصُلْحٍ وَخُمُسِ غَنِيمَةٍ أَوْ رِكَازٍ فَيْءٌ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَمَا أُخِذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ وَتُجَّارِ الذِّمِّيِّينَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْخُمُسُ وَالْفَيْءُ سَوَاءٌ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيُعْطِي الْإِمَامُ أَقْرِبَاءَ رَسُولِ اللَّهِ. صلى الله عليه وسلم مِنْهُ بِقَدْرِ الِاجْتِهَادِ وَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ. ابْنُ حَبِيبٍ: لَمَّا كَثُرَ الْمَالُ دَوَّنَ عُمَرَ لِلْعَطَاءِ دِيوَانًا فَاضَلَ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ وَقَالَ: ابْدَءُوا بِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ حَتَّى تَضَعُوا عُمَرَ حَيْثُ وَضَعَهُ اللَّهُ. اللَّخْمِيِّ: يَبْدَأُ مِنْهُ بِسَدِّ مَخَاوِفِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ وَإِصْلَاحِ حُصُونِ سَوَاحِلِهِ وَيُشْتَرَى مِنْهُ السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ إذَا كَانَ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَغُزَاةِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَعَامِلِيهِ وَفُقَهَائِهِ وَقَاضِيهِ.
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أُعْطِي لِلْفُقَرَاءِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ وُقِفَ عُدَّةً لِمَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا بُدِئَ بِمَنْ تَقَدَّمَ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ لِأَنَّ أُولَئِكَ لَا تَحِلُّ لَهُمْ الزَّكَاةُ فَكَانُوا أَحَقَّ بِالِارْتِفَاقِ بِمَالِهِمْ الْأَخْذُ مِنْهُ وَيَنْتَفِعُ الْآخَرُونَ بِمَا جُعِلَ لَهُمْ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِأُولَئِكَ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُقْطَعُ مِنْهُ رِزْقُ الْعُمَّالِ وَالْقُضَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَلِمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَخْرُجُ عَطَاءُ الْمُقَاتِلَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ تَبْدِئَةُ الْعُمَّالِ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ وَيَأْتِي لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَكْسُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ (وَبُدِئَ بِمَنْ فِيهِمْ الْمَالُ) تَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ: يَبْدَأُ بِالْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ (وَنُقِلَ لِلْأَحْوَجِ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ حَاجَةً أُعْطِيَ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِمْ الْمَالُ مِنْ ذَلِكَ وَنُقِلَ الْأَكْثَرُ إلَى الْبَلَدِ الْمُحْتَاجِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ فِي أَعْوَامِ
الرَّمَادَةِ.
(وَنَفَّلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: النَّفَلُ مِنْ الْخُمُسِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} [الأنفال: 41] . فَجَعَلَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ لِمَنْ غَنِمَهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا شَيْءٌ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَالنَّفَلُ كُلُّهُ مِنْ الْخُمُسِ سَلَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَالنَّفَلُ زِيَادَةٌ عَلَى السَّهْمِ أَوْ هِبَةٌ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ السَّهْمِ يَفْضُلُهُ الْإِمَامُ الرَّأْيُ يَرَاهُ مِمَّا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ
إلَيْهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَهَلْ يَكُونُ لَهُ سَلَبُهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ إلَّا فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ يَجْتَهِدُ فِيهِ. ابْنُ يُونُسَ: مِثْلُ أَنْ يَرَى ضَعْفًا مِنْ الْجَيْشِ فَيُرَغِّبَهُمْ بِذَلِكَ فِي الْقِتَالِ.
(وَلَمْ يَجُزْ إنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ السَّلَبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ نَفْلٌ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ وَيَجُوزُ النَّفَلُ فِي أَوَّلِ الْمَغْنَمِ وَفِي آخِرِهِ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ. اللَّخْمِيِّ: النَّفَلُ جَائِزٌ وَمَكْرُوهٌ. فَالْجَائِزُ مَا كَانَ بَعْدَ الْقِتَالِ، وَالْمَكْرُوهُ مَا كَانَ قَبْلُ.
وَيَقُولُ وَالِي الْجَيْشِ: مَنْ يَقْتُلْ فُلَانًا فَلَهُ سَلَبُهُ أَوْ دَنَانِيرُهُ أَوْ كِسْوَتُهُ أَوْ مَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ مِنْ الْمَتَاعِ أَوْ مِنْ الْخَيْلِ فَلَهُ رُبْعُهُ أَوْ نِصْفُهُ أَوْ مَنْ صَعِدَ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا أَوْ بَلَغَهُ أَوْ وَقَفَ بِهِ فَلَهُ كَذَا، مَمْنُوعٌ ابْتِدَاؤُهُ لِأَنَّهُ قِتَالٌ لِلدُّنْيَا وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّحَامُلِ عَلَى الْقِتَالِ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: لَا تُقَدِّمُوا جَمَاجِمَ الرِّجَالِ إلَى الْحُصُونِ فَلَمُسْلِمٌ أَسْتَبْقِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حِصْنٍ أَفْتَحُهُ.
فَإِنْ فَاتَ الْقِتَالُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ شَرْطُهُ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَلَى حَظِّهِ مِنْ الدُّنْيَا فَهِيَ كَالْمُبَالَغَةِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: النَّفَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: مِنْ الْخُمُسِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ الْعَسْكَرِ وَيُرِيدَ أَنْ يُنَفِّلَهَا مِمَّا غَنِمَتْ دُونَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَحَقُّهُ أَنْ يُخَمِّسَ مَا غَنِمَتْ ثُمَّ يُعْطِيَ السَّرِيَّةَ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ الْخُمُسِ مَا شَاءَ رُبْعًا أَوْ ثُلُثًا لَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، وَيَقْسِمَ الْبَاقِيَ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَبَيْنَ السَّرِيَّةِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةً وَالرَّاجِلِ وَاحِدًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُحَرِّضَ الْإِمَامُ أَهْلَ الْعَسْكَرِ عَلَى قِتَالِ قَبْلٍ اللِّقَاءَ وَيُنَفِّلَ جَمِيعَهُمْ مِمَّا فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الرُّبْعُ أَوْ الثُّلُثُ قَبْلَ الْقَسْمِ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ: لِأَنَّ قِتَالَهُمْ حِينَئِذٍ عَلَى الدُّنْيَا. وَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ «قَالَ صلى الله عليه وسلم لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: هَلْ لَك أَنْ نَبْعَثَك فِي جَيْشٍ فَيُسَلِّمَك اللَّهُ وَيُغْنِمَك وَأَرْغَبُ لَك مِنْ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً» ؟ قَالَ سَحْنُونَ: كُلُّ شَيْءٍ يَبْذُلُهُ الْإِمَامُ قَبْلَ الْقِتَالِ لَا يَنْبَغِي عِنْدَنَا إلَّا أَنَّهُ إنْ نَزَلَ وَقَالَهُ إمَامٌ أَمْضَيْنَاهُ وَإِنْ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَذَلِكَ مِمَّا يُفْسِدُ النِّيَّاتِ، وَلَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ مَعَهُمْ لِمَنْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَا. أَصْبَغُ: وَمَا أَرَاهُ حَرَامًا لِمَنْ أَخَذَهُ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَدْ اسْتَحَبَّ هَذَا بَعْضُهُمْ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ الْإِمَامُ، مِثْلُ أَنْ تُرْهِبَهُ كَثْرَةُ الْعَدُوِّ أَوْ نَحْوُهُ، وَقَدْ فَعَلَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ لَمَّا دَهَمَهُ كَثْرَةُ الْعَدُوِّ.
وَمِنْ النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: لَوْ نَفَّلَ فِي السَّرِيَّةِ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فَهَذَا النَّفَلُ عِنْدَنَا لَا يَصِحُّ فَإِنْ عَقَدَهُ وَخَرَجُوا عَلَيْهِ فَلْيُنْفِذْهُ كَقَضِيَّةٍ قَضَى بِهَا قَاضٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى. اُنْظُرْ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ أَنَّ خُرُوجَهُمْ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَهْمٌ لِلرَّاجِلِ وَسَهْمَانِ لِلْفَارِسِ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلِلْفَرَسِ مِثْلَا فَارِسِهِ "(وَمَضَى) تَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ: أَمْضَيْنَاهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ وَقَعَ النَّفَلُ قَبْلَ الْقِتَالِ مَضَى
لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ (إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ الْمَغْنَمِ) سَحْنُونَ: لَوْ أَشْهَدَ مُنَفِّلُ السَّرِيَّةِ بَعْدَ أَنْ فَضَلَتْ أَنَّهُ أَبْطَلَ ذَلِكَ نَظَرًا أَبْطَلَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ أَنْ غَنِمَتْ (وَلِلْمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبٌ) سَحْنُونَ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ بَعْدَ أَنْ يَرِدَ الْقِتَالَ أَوْ قَبْلُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَلَا شَيْءَ مِنْ السَّلَبِ لِذِمِّيٍّ وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ بِهِ الْإِمَامُ وَيَنْفُذَهُ فَلَا يُتَعَقَّبُ بِرَدٍّ، لِأَنَّ أَهْلَ الشَّامِ يَرَوْنَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَتْ امْرَأَةٌ فَلَا شَيْءَ لَهَا إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لَهَا فَيَمْضِي.
(اُعْتِيدَ لَا سِوَارٌ) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ بَعْدَ الِانْقِضَاءِ أَوْ قَبْلَهُ وَحَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَلِلْقَاتِلِ السَّلَبُ الْمُعْتَادُ.
وَهَلْ يَكُونُ لَهُ مَا يَلْبَسُهُ عُظَمَاءُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْأَسْوِرَةِ وَالتِّيجَانِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْقَاتِلِ نَظَرًا إلَى حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى الْغَالِبِ (وَصَلِيبٌ) سَحْنُونَ: لَا يَكُونُ الصَّلِيبُ فِي عُنُقِهِ مِنْ النَّفْلِ. الْأَوْزَاعِيِّ: يَدْخُلُ الصَّلِيبُ فِي السَّلَبِ.
قَالَ الْوَلِيدُ: وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ.
(وَعَيْنٌ) قَالَ سُلَيْمَانُ: لَا نَفْلَ فِي عَيْنٍ وَلَا فِضَّةٍ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَقَالَهُ أَصْحَابُنَا. وَإِنَّمَا النَّفَلُ فِي الْعُرُوضِ السَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ وَالْمِنْطَقَةُ مِنْ السَّلَبِ لَا مَا فِيهَا مِنْ نَفَقَةٍ. اللَّخْمِيِّ: لَا مَا فِيهَا مِنْ دَنَانِيرَ. وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ أَصَابَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَلَهُ مِنْهَا الرُّبْعُ بَعْدَ الْخُمُسِ أَمْضَيْنَاهُ عَلَى مَا قَالَ وَلِمَنْ أَصَابَ ذَلِكَ نَفْلُهُ كَانَ مَسْكُوكًا أَوْ غَيْرَ مَسْكُوكٍ.
(أَوْ دَابَّةٌ) اُنْظُرْ هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرَسَ مِنْ السَّلَبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَرَسُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يُمْسِكُهَا وَجْهُ فَتَالٍ عَلَيْهِ مِنْ السَّلَبِ لَا مَا تَجَنَّبَ أَوْ كَانَ مُنْفَلِتًا عَنْهُ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَإِنْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ
سَلَبُهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ السَّلَبُ لِمَنْ قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ (أَوْ تَعَدَّدَ إنْ لَمْ يَقُلْ قَتِيلًا وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا، هَلْ هُوَ يُرِيدُ قَوْلَ سَحْنُونٍ إذَا قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَلَهُ سَلَبُهُمْ وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ: إنْ قَتَلْتَ قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ فَقَتَلَ اثْنَيْنِ أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ بِنَحْرٍ فَكَرِهَهُ وَإِنْ نَزَلَ مَضَى وَكَانَ لَهُ سَلَبُ الْأَوَّلِ (وَلَمْ يَكُنْ لِكَمَرْأَةٍ إنْ لَمْ تُقَاتِلْ) سَحْنُونَ: إذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَإِنْ سَلَبَ كُلَّ مَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ سَلْبُ مَنْ قَتَلَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ زَمِنٍ أَوْ رَاهِبٍ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ هَؤُلَاءِ فَلَهُ سَلَبُهُمْ لِإِجَازَةِ قَتْلِهِمْ.
(كَالْإِمَامِ إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ) سَحْنُونَ: وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَأَمْضَيْنَاهُ ثُمَّ لَقِيَ هُوَ عِلْجًا فَقَتَلَهُ فَإِنَّ لَهُ سَلَبَهُ. فَإِنْ قَالَ: " مِنْكُمْ " لَمْ يَكُنْ لَهُ هُوَ سَلَبُ مَنْ قُتِلَ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: " مِنْكُمْ "(أَوْ يَخُصَّ نَفْسَهُ) سَحْنُونَ: وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: إنْ قَتَلْتَ قَتِيلًا فَلِي سَلَبُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِمَا خَصَّ نَفْسَهُ.
(وَلَهُ الْبَغْلَةُ إنْ قَاتَلَ عَلَى بَغْلٍ لَا إنْ كَانَتْ بِيَدِ غُلَامِهِ وَقَسْمُ الْأَرْبَعَةِ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حَاضِرٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ سِتُّ صِفَاتٍ اسْتَحَقَّ الْغَنِيمَةَ وَهِيَ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالصِّحَّةُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَحُضُورُ الْوَقِيعَةِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالْمُسْتَنِدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ ".
(كَتَاجِرٍ وَأَجِيرٍ إنْ قَاتَلَا أَوْ خَرَجَا بِنِيَّةِ غَزْوٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: التَّاجِرُ وَالْأَجِيرُ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ يُسْهَمُ لَهُمَا وَإِلَّا فَلَا إلَّا أَنْ يُقَاتِلَا. عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّمَا لَمْ يُسْهَمْ لِلتُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ وَالْأُجَرَاءِ الْمُتَشَاغِلِينَ بِاكْتِسَابِهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ السَّهْمُ وَهُوَ الْقِتَالُ وَالْمُعَاوَنَةُ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمْ إنَّمَا حَضَرَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ وَلِخِدْمَةِ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ.
وَأَمَّا إنْ قَاتَلَ فَإِنَّهُ يُسْهِمُ لَهُ لِأَنَّهُ مِمَّنْ خُوطِبَ بِالْجِهَادِ وَقَاتَلَ فِيهِ وَالْقَتْلُ سَبَبُ الْغَنِيمَةِ فَلَيْسَ إجَارَةُ نَفْسِهِ تَمْنَعُهُ السَّهْمَ إذَا قَاتَلَ كَاَلَّذِي يَحُجُّ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ أَوْ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ صِحَّةُ الْحَجِّ. ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْأَجِيرَ وَالتَّاجِرَ إذَا قَاتَلَ يُسْهَمُ لَهُ وَإِنْ لِمَ يُقَاتِلْ فَلَا يُسْهِمُ لَهُ وَيَصِيرُ كَالْأَجِيرِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ خُرُوجُهُ لِلْغَزْوِ غَيْرَ أَنَّ مَعَهُ تِجَارَةً فَهَذَا يُسْهَمُ لَهُ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَإِذَا قَاتَلَ الْأَجِيرُ فَلَهُ سَهْمُهُ وَيَبْطُلُ مِنْ أَجْرِهِ بِقَدْرِ مَا اشْتَغَلَ عَنْ الْخِدْمَةِ.
قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: وَلَيْسَ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ السَّهْمَانِ الَّذِي صَارَ لَهُ عِوَضًا مِمَّا عَطَّلَ مِنْ الْخِدْمَةِ بِخِلَافِ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي خِدْمَةِ آخَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْقِتَالَ لَا يُشَابِهُ الْخِدْمَةَ (لَا ضِدِّهِمْ وَلَوْ قَاتَلُوا) ابْنُ حَارِثٍ: لَا يُسْهِمُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ اتِّفَاقًا. اُنْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ ". وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُسْهِمُ لِلْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ وَإِنْ قَاتَلُوا وَلَا يُرْضَخُ لَهُمْ (إلَّا الصَّبِيَّ فَفِيهِ إنْ أُجِيزَ وَقَاتَلَ خِلَافٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُسْهِمُ لِلصِّبْيَانِ.
وَفِي الرِّسَالَةِ: إلَّا أَنْ يُطِيقَ الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ الْقِتَالَ وَيُجِيزَهُ الْإِمَامُ وَيُقَاتِلَ فَيُسْهِمَ لَهُ وَنَحْوُهُ نَقَلَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ (وَلَا يَرْضَخُ لَهُمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا (كَمَيِّتٍ قَبْلَ اللِّقَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا قِتَالَ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْقِتَالِ فَلَا يُسْهِمُ لَهُ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْقِتَالِ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ فَلَهُ سَهْمُهُ وَلَوْ كَانَتْ غَنِيمَةً بَعْدَ غَنِيمَةٍ، فَمَا كَانَ مُتَتَابِعًا فَلَهُ سَهْمُهُ فِي الْجَمِيعِ، مِثْلُ أَنْ يَفْتَتِحَ حِصْنًا فَيَمُوتَ ثُمَّ يَفْتَتِحَ آخَرَ عَلَى جِهَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
أَصْبَغُ: وَأَمَّا إنْ رَجَعُوا قَافِلِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ انْقِطَاعِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا اسْتَوْقَفَ بَعْدَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ لِكُلِّ قَوْلٍ مِنْهَا وَجْهٌ. اُنْظُرْ أَوَّلَ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَرَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى.
وَنَصُّ السُّؤَالِ: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يُقْتَلُ فِي الْمَعْرَكَةِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ يَخْرُجُ فَيَمُوتُ بَعْدَ أَيَّامٍ أَوْ يَمْرَضُ فَيَمُوتُ بَعْدَ شُهُودِ الْقِتَالِ.
(وَأَعْمَى وَأَعْرَجَ وَأَشَلَّ) سَحْنُونَ: يُسْهَمُ لِلْأَعْمَى وَلِلْأَعْرَجِ وَأَقْطَعْ الْيَدَيْنِ وَالْمُقْعَدِ وَالْمَجْذُومِ فَارِسًا. اللَّخْمِيِّ: الصَّوَابُ فِي الْأَعْمَى أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَانَ يَرَى النَّبْلَ دَخَلَ بِذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْخَدَمَةِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ، وَكَذَلِكَ أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى أَسْهَمَ لَهُ، وَيُسْهِمُ لِلْأَعْرَجِ إذَا حَضَرَ الْقِتَالَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجْبُنُ عَنْ الْقِتَالِ لِأَجْلِ عَرَجِهِ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ فَارِسًا، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقْعَدِ إنْ كَانَ رَاجِلًا، وَإِنْ كَانَ فَارِسًا يَقْدِرُ عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ أَسْهَمَ لَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ فَارِسًا مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ نَصُّ سَحْنُونٍ.
(وَمُتَخَلِّفٍ لِحَاجَةٍ إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالْجَيْشِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ بَعَثَ الْأَمِيرُ قَوْمًا مِنْ الْجَيْشِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَلَدِ الْعَدُوُّ فِي أَمْرٍ مِنْ مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ مِنْ حَشْدٍ أَوْ إقَامَةِ سُوقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَاشْتَغَلُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى غَنِمَ الْجَيْشُ فَلَهُمْ مَعَهُمْ سَهْمُهُمْ. وَقَدْ «قَسَمَ صلى الله عليه وسلم لِعُثْمَانَ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ خَلَّفَهُ عَلَى بِنْتِهِ، وَقَسَمَ لِطَلْحَةَ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَهُمَا غَائِبَانِ بِالشَّامِ» .
قَالَ سَحْنُونَ: وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا شَيْءَ لَهُمْ وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ. الْبَاجِيُّ: مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْخُرُوجُ فِي الْجَيْشِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ الشُّرُوعُ فِي الْعَمَلِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ السَّهْمِ إلَّا الرُّجُوعُ بِاخْتِيَارِهِ إلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ: وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ الرُّجُوعِ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ.
وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي أَهْلِ مَرْكَبٍ بَعَثُوا بَعْدَ نُزُولِهِمْ جَزِيرَةَ الرُّومِ رَجُلًا لِنَاحِيَةٍ مِنْهَا لِيُخْبِرَ مَا فِيهَا مِنْ سُفُنِ الْمُسْلِمِينَ
فَأَبْطَأَ فَأَقْبَلُوا فَغَنِمُوا وَكَانَ الرَّجُلُ دَخَلَ بَعْضَ سُفُنِ الْمُسْلِمِينَ، إنْ قَعَدَ مَعَهُمْ تَارِكًا لَهُمْ فَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَهُمْ وَإِلَّا فَلَهُ حَظُّهُ مَعَهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا أَبْيَنُ عَلَى مَا قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلُوهُ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ فِيمَا يَخُصُّهُمْ مِنْ أَمْرِ غَزْوِهِمْ عَلَى أَنْ يَلْحَقَهُمْ فَلَمْ يُدْرِكْهُمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَهْمُهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ (وَضَالٌّ بِبَلَدِنَا وَإِنْ بِرِيحٍ) هَذَا يُفْهَمُ مِنْ اللَّخْمِيِّ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ حَسْبَمَا يَأْتِي. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرَاكِبِ تَصِلُ إلَى أَرْضِ الرُّومِ ثُمَّ يَرُدُّ بَعْضَهَا الرِّيحُ إلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَرْجِعْ أَهْلُهَا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ: فَإِنَّ لَهُمْ سِهَامَهُمْ مَعَ أَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ وَصَلُوا إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَغَنِمُوا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ ضَلَّ رَجُلٌ مِنْ الْعَسْكَرِ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى غَنِمُوا فَلَهُ سَهْمُهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِينَ رَدَّتْهُمْ الرِّيحُ.
قَالَ عَنْهُ أَصْبَغُ: وَكَذَلِكَ لَوْ ضَلَّ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلَهُ سَهْمُهُ. (بِخِلَافِ بَلَدِهِمْ) اللَّخْمِيِّ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ضَلَّ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ فَغَنِمُوا بَعْدَهُ فَلَهُ سَهْمُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: تَخْصِيصُهُ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَيَتَعَقَّبُ بِنَصِّهَا فَلَهُ سَهْمُهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِينَ رَدَّتْهُمْ الرِّيحُ وَهُوَ بِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْقُلُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَوَاءٌ ضَلَّ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ الْإِسْلَامِ.
(وَمَرِيضٌ شَهِيدٌ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْمَرَضِ طُرُقٌ. الْبَاجِيُّ: إنْ مُنِعَ الْقُدْرَةَ عَلَى الْقِتَالِ حَالًا وَمَآلًا مُنِعَ الْإِسْهَامَ وَإِلَّا فَلَا. اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ خَرَجَ مَرِيضًا وَأَرَى لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَأْيِهِ، رُبَّ رَأْيٍ أَنْفَعَ مِنْ قِتَالٍ. وَمَنْ مَرِضَ بَعْدَ الْقِتَالِ أَسْهَمَ لَهُ. وَيَخْتَلِفُ إنْ مَرِضَ بَعْدَ الْإِدْرَابِ وَقَبْلَ الْقِتَالِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ عَنْ مَالِكٍ الرُّجُوعُ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِسْهَامِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ خَرَجَ غَازِيًا فَلَمْ يَزَلْ مَرِيضًا حَتَّى شَهِدَ الْقِتَالَ وَحَازُوا الْغَنِيمَةَ فَلَهُ سَهْمُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ الْقِتَالَ بِفَرَسٍ رَهِيصٍ فَلَهُ سَهْمُهُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: بِخِلَافِ الْحَطِيمِ وَالْكَسِيرِ. ابْنُ سَحْنُونٍ قَالَ مَالِكٌ: يُسْهِمُ لِلْفَرَسِ الْمَرِيضِ وَالرَّجُلِ الْمَرِيضِ قَالَ: وَمَا كُلُّ مَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ يُقَاتِلُ وَلَا كُلُّ فَرَسٍ يُقَاتِلُ. وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ لَا يُسْهِمُ لَهُ وَبِالْأَوَّلِ أَخَذَ سَحْنُونَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: الْقِتَالُ سَبَبُ الْغَنِيمَةِ فَمَنْ قَاتَلَ أَوْ حَضَرَ الْقِتَالَ أَسْهَمَ لَهُ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، لِأَنَّهُ قَدْ حَضَرَ سَبَبَ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ الْقِتَالُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْجَيْشِ يُقَاتِلُ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَصْلَحَةِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فِي الرِّدْءِ وَبَعْضُهُمْ يَحْفَظُونَ السَّوَادَ وَبَعْضُهُمْ فِي الْعُلُوفَةِ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْحَرْبِ. وَلَوْ قَاتَلَ كُلُّ الْجَيْشِ لَفَسَدَ التَّدْبِيرُ. وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إنَّ الْمَرِيضَ يُسْهَمُ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ الْوَاقِعَةَ وَيَحْصُلُ مِنْهُ التَّكَثُّرُ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا} [آل عمران: 167] أَيْ كَثِّرُوا.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَلَمْ يَبْلُغْ الْعَسْكَرَ حَتَّى مَرِضَ فَخَلَفُوهُ فِي الطَّرِيقِ لَعَلَّهُ يُفِيقُ فَيَلْحَقُ بِهِمْ فَغَنِمُوا وَرَجَعُوا فَلَهُ سَهْمُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُدَرَّبَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ فَلَهُ سَهْمُهُ (كَفَرَسٍ رَهِيصٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا.
(وَمَرِضَ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) تَقَدَّمَ مَا يَنْبَغِي نَقْلُهُ مِنْ النُّصُوصِ وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ وَهِيَ عِبَارَةُ ابْنِ بَشِيرٍ قَالَ مَا نَصُّهُ: إنْ فَصَّلْت قُلْت: أَمَّا إنْ مَرِضَ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ أَوْ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفُوا عَلَى
الْغَنِيمَةِ أُسْهِمَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُشْرِفُوا فَفِي كُلِّ صُورَةٍ قَوْلَانِ.
(وَلِلْفَرَسِ مِثْلَا فَارِسِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَسَهْمٌ لِفَارِسِهِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ.
قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَمَا عَلِمْت أَنَّ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مَنْ قَالَ لِلْفَرَسِ سَهْمٌ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ خَالَفَهُ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ. لَكِنْ هُنَا نَظَرٌ وَهُوَ أَنَّ الْفَرَسَ إذَا اسْتَحَقَّ السَّهْمَيْنِ عِنْدَنَا فَهَلْ نَقُولُ: إنَّهُمَا جُعِلَا لِأَجْلِ الْفَارِسِ وَالْفَرَسُ تَبَعٌ لَهُ، أَوْ نُقَدِّرُ أَنَّ السَّهْمَيْنِ لِأَجْلِ الْفَرَسِ لِأَجْلِ فَرِّهِ وَكَرِّهْ وَالْفَارِسُ فِي حُكْمِ التَّبَعِ؟ هَذَا مِمَّا فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ ذَلِكَ فِيمَنْ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مُسْتَعَارٍ وَفِي عَبْدٍ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ.
(وَإِنْ بِسَفِينَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَقُوا الْعَدُوَّ فِي الْبَحْرِ وَمَعَهُمْ الْخَيْلُ فِي السُّفُنِ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ
وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَكَذَلِكَ إنْ أَسْرَى أَهْلُ الْعَسْكَرِ رَجَّالَةً وَلِبَعْضِهِمْ خَيْلٌ فَغَنِمُوا وَهُمْ رَجَّالَةٌ فَإِنَّهُ يُعْطَى مَنْ لَهُ فَرَسٌ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ الْعَسْكَرِ فَغَنِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَأَهْلِ السَّرِيَّةِ بَعْدَ الْخُمُسِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا لِأَنَّهُ كَمَا يُسْهَمُ لِمَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ كَذَلِكَ يُسْهَمُ لِفَرَسِ مَنْ شَهِدَ بِفَرَسِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهِ.
وَفِي الْكَافِي لِأَبِي عُمَرَ مَا نَصُّهُ: مَنْ شَهِدَ الْحَرْبَ فَارِسًا أُسْهِمَ لَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ وَلَا يُرَاعَى عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الدُّخُولُ إنَّمَا يُرَاعَى اللِّقَاءُ، فَمَنْ دَخَلَ فَارِسًا وَقَاتَلَ رَاجِلًا أُسْهِمَ لَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ (أَوْ بِرْذَوْنًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْبَرَاذِينُ إنْ أَجَازَهَا الْوَالِي كَانَتْ كَالْخَيْلِ. ابْنُ حَبِيبٍ: هِيَ كَالْخَيْلِ الْعِظَامِ. الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ الْجَافِيَةَ الْخِلْقَةِ الْعَظِيمَةَ الْأَعْضَاءِ وَالْعِرَابُ أَضْمَرُ وَأَرَقُّ أَعْضَاءً
(أَوْ هَجِينًا أَوْ صَغِيرًا) مِنْ الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى الْهَجِينَ إلَّا مِنْ الْخَيْلِ. ابْنُ حَبِيبٍ: الْهَجِينُ الَّذِي أَبُوهُ عَرَبِيٌّ وَأُمُّهُ مِنْ الْبَرَاذِينِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَشْبَهَتْ الْخَيْلَ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهَا وَالطَّلَبَ بِهَا أَسْهَمَ لَهَا. الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخَيْلِ الْكَرُّ وَالْفَرُّ وَالطَّلَبُ بِهَا. وَلَمْ يَشْتَرِطْ ابْنُ حَبِيبٍ إجَازَةَ الْوَالِي وَاشْتَرَطَهُ مَالِكٌ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَمْرَ الْخَيْلِ فَيُجِيزَ مِنْهَا مَا يُحِبُّ وَيَرُدَّ مِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، وَإِنَاثُ الْخَيْلِ كَذُكُورِهَا يُسْهَمُ لَهَا، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَأَمَّا
صِغَارُ الْخَيْلِ لَا مَرْكَبَ فِيهَا فَلَا يُسْهَمُ لَهَا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ الْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ أُسْهِمَ لَهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُسْهَمُ لِبَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ بَعِيرٍ وَصَاحِبُهُ رَاجِلٌ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ مَنْ غَزَا عَلَى حِمَارٍ أَوْ بَغْلٍ فَيَأْخُذُ فَرَسًا أُعْطِيَ فِي السَّبِيلِ قَالَ: الْحِمَارُ ضَعِيفٌ وَالْبَغْلُ أَقْوَى وَلَا يَأْخُذُ الْفَرَسُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ عَلَى التَّقَدُّمِ إلَى الْأَسِنَّةِ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: الْبِرْذَوْنُ وَالْهَجِينُ وَالصَّغِيرُ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ. الْجَلَّابُ: وَذُكُورُ الْخَيْلِ وَإِنَاثُهَا سَوَاءٌ كَغَيْرِهَا بِخِلَافِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ.
(وَمَرِيضٌ رُجِيَ) تَقَدَّمَ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ خَلَّفُوا الْمَرِيضَ فِي الطَّرِيقِ لَعَلَّهُ يُفِيقُ فَيَلْحَقُ بِهِمْ فَغَنِمُوا وَرَجَعُوا فَلَهُ سَهْمُهُ.
(وَمُحَبَّسٍ) سَحْنُونَ: يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ الْمُحَبَّسِ لِلْغَزْوِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَى فَرَسًا أَوْ اسْتَعَارَهُ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ.
(وَمَغْصُوبٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ) . اللَّخْمِيِّ: لَوْ غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ خَيْلًا فَغَصَبَ رَجُلٌ مِنْهَا فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ كَانَ سَهْمَاهُ لِلْغَاصِبِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَعَلَيْهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ (أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ وَمِنْهُ لِرَبِّهِ) . اللَّخْمِيِّ: الْقَوْلَانِ وَلَوْ غَصَبَ فَرَسًا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ كَانَ سَهْمَاهُ لِلْغَاصِبِ وَلِصَاحِبِهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ: وَإِنْ تَغَيَّرَ خُيِّرَ رَبُّهُ إمَّا ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الْفَرَسِ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْأُجْرَةَ. وَانْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ إذَا غَصَبَ فَرَسًا لِأَهْلِ الْجَيْشِ. وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَعَزَا اللَّخْمِيِّ الْقَوْلَيْنِ لِابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: وَهَذَا رَاجِعٌ لِلْخِلَافِ فِي الضَّالِّ انْتَهَى. فَحَصَلَ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرَسَ الْمُحَبَّسَ وَالْمُكْتَرَى وَالْمُسْتَعَارَ وَالْمَغْصُوبَ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي فَرَسٍ انْفَلَتَ مِنْ رَبِّهِ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ فَأَخَذَهُ آخَرُ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى غَنِمُوا إنَّ سُهْمَانَهُ لِلَّذِي انْفَلَتَ مِنْهُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: سُهْمَانُهُ لِلَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ إجَارَةُ مِثْلِهِ، وَانْظُرْ الْعَبْدَ إذَا قَاتَلَ عَلَى فَرَسِ سَيِّدِهِ. الْمَازِرِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا.
(لَا أَعْجَفَ أَوْ كَبِيرٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) . ابْنُ شَاسٍ:
لَا يُسْهَمُ لِلْأَعْجَفِ إذَا كَانَ فِي حَيِّزِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَمَا لَا يُسْهَمُ لِلْكَبِيرِ (وَبَغْلٍ وَبَعِيرٍ) اُنْظُرْهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَمَرِيضٍ رُجِيَ "(وَثَانٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَهُ أَفْرَاسٌ لَا يُزَادُ عَلَى سَهْمِ فَرَسٍ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ، مَالِكٍ هَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَاتِلَ الْعَدُوَّ عَلَى فَرَسَيْنِ إلَّا عَلَى فَرَسٍ وَاحِدٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَزِيَادَةُ عَدَدٍ كَزِيَادَةِ رِمَاحٍ أَوْ سُيُوفٍ (وَالْمُشْتَرَكُ لِلْمُقَاتِلِ وَدَفَعَ أَجْرَ شَرِيكِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنْ أَدْرَبَ رَجُلَانِ بِفَرَسٍ لَهُمَا فَسَهْمَاهُ لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِ لِلْآخَرِ نِصْفُ أُجْرَتِهِ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَالْمُسْتَنَدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ وَإِلَّا فَلَهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُسْتَنَدُ إلَى الْجَيْشِ مِنْ مُفْرَدٍ وَسَرِيَّةٍ كَالْجَيْشِ وَإِلَّا فَهُمْ كَالْمُتَلَصِّصِ. ابْنُ عَلَاقٍ: الْمُرَادُ بِالْمُسْتَنَدِ إلَى الْجَيْشِ أَنْ يَخْرُجَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْجَيْشِ فَيُقَاتِلُونَ دُونَ الْجَيْشِ وَيَغْنَمُونَ، فَمَا غَنِمَ هَؤُلَاءِ شَارَكَهُمْ فِيهِ الْجَيْشُ كَمَا أَنَّهُمْ لَوْ غَنِمَ الْجَيْشُ فِي غَيْبَتِهِمْ لَشَارَكُوهُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْعَسْكَرِ بَعْدَمَا فَصَلَ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ: بَيِّنٌ، وَأَمَّا إنْ خَرَجَتْ مِنْ بِلَادٍ ثُمَّ اتَّبَعَهَا بَقِيَّةُ الْجَيْشِ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّ أَمِيرَ الْجَيْشِ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَتَقَدَّمَتْ لِيَتْبَعَهَا فَغَنِمَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَلَحِقَهَا بِمَوْضِعٍ غَنِمَتْ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لِمَنْ مَعَهُ فِيمَا غَنِمَتْ، فَلَوْ غَنِمَتْ بَعْدَمَا اتَّبَعَهَا بِبَقِيَّةِ عَسْكَرِهِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ.
قَالَ أَشْهَبُ: إنْ غَنِمَتْ بَعْدَ فُصُولِ الْعَسْكَرِ فَكُلُّهُمْ شُرَكَاءُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا لِأَنَّهُمْ إذَا فَصَلُوا عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ صَارُوا رِدْءًا لِلسَّرِيَّةِ وَنَصِيرًا لَهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْغَنِيمَةُ قَبْلَ فُصُولِهِمْ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَمْ تَكُنْ السَّرِيَّةُ رِدْءًا.
قَالَ سَحْنُونَ: إنْ دَخَلَ الْجَيْشُ أَرْضَ الْحَرْبِ فَمَاتَ أَمِيرُهُمْ قَبْلَ الْقِتَالِ فَافْتَرَقُوا طَائِفَتَيْنِ وَأَمَّرَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَمِيرًا وَأَغَارَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَقَاتَلَتْ وَغَنِمَتْ فَكُلُّ مَا غَنِمَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: إلَّا أَنْ تَتَبَاعَدَ كُلُّ طَائِفَةٍ عَنْ الْأُخْرَى بَعْدَ أَنْ لَا يُمْكِنَهَا الْمَعُونَةُ وَلَمْ يَجْتَمِعَا إلَّا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا إنْ اجْتَمَعَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَلْيَرْجِعَا عَلَى أَمْرِهِمَا. وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ سَحْنُونٍ. وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي أَمِيرِ سَرِيَّةٍ عَرَضَ لَهُ نَهْرٌ حِينَ دَنَا مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ فَجَازَهُ بِبَعْضِ مَنْ مَعَهُ وَتَخَلَّفَ الْآخَرُونَ مُعْتَذِرِينَ عَنْ طَاعَتِهِ بِشِدَّةِ خَطَرِهِ فَرَجَعَ بِغَنِيمَةٍ وَوَجَدَ الْمُتَخَلِّفِينَ بِمَكَانِهِمْ لَا قَسْمَ لَهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي يَنْبَغِي عِنْدِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا فِي وُقُوفِ الْمُتَخَلِّفِينَ بِمَكَانِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ وَجْهُ مَنْفَعَةٍ لِلْغَانِمَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْرُ قُرْبَ بَلَدِ الْعَدُوِّ بِحَيْثُ يَظُنُّ الْعَدُوُّ جَوَازَهُمْ أَجْمَعِينَ قُسِمَ لَهُمْ مَعَهُمْ وَإِلَّا فَلَا.
سَحْنُونَ: وَلَوْ حَبَسَ الْإِمَامُ حِينَ خَرَجَ النَّاسُ مِنْ الْمَدِينَةِ طَائِفَةً لِحِفْظِهَا كَانَ لَهُمْ حَظُّهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، لِأَنَّهُ حَبَسَهُمْ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَانْظُرْ رَابِعَ تَرْجَمَةٍ وَخَامِسَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْجِهَادِ الثَّالِثِ مِنْ نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَسَمِعَ أَيْضًا عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي عَدُوٍّ حَصَرَ أَهْلَ حِصْنٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَخَرَجَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ وَقَاتَلُوا الْعَدُوَّ فَأَظْفَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ وَأَصَابُوا خَيْلَهُ وَأَسْلَابَهُ يُقْسَمُ ذَلِكَ بَيْنَ جَمِيعِ مَنْ خَرَجَ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَبَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْحِصْنِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ وَيُقْسَمُ لِخَيْلِ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ وَلِخَيْلِ مَنْ خَرَجَ رَاجِلًا وَخَلَّفَ فَرَسَهُ فِي الْحِصْنِ إذَا كَانُوا بِمَوْضِعِ رِبَاطٍ وَضَعُوا فِيهِ رُصْدَةً لِلْعَدُوِّ وَلِذَلِكَ سَكَنُوا، وَلَوْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْغَنِيمَةَ تُقْسَمُ
عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ مَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ لِكَوْنِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ رِدْءًا لِمَنْ قَاتَلَ وَعَوْنًا لَهُمْ عَلَى الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ نُفُوسَهُمْ تَقْوَى بِوُقُوفِهِمْ وَتَزِيدُ فِي جُرْأَتِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ فِي الْحِصْنِ بِهِمْ قَوِيَتْ نُفُوسُ مَنْ خَرَجَ وَلَعَلَّ الْعَدُوَّ إنَّمَا انْهَزَمَ بِسَبَبِهِمْ.
وَانْظُرْ فِي نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ إذَا أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى بَعْضِ الثُّغُورِ فَتَدَاعَى عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَانْهَزَمُوا مِنْ غَيْرِ مُلَاقَاةٍ وَنَالُوا مِنْهُمْ مَغْنَمًا أَنَّهُ يُخَمِّسُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَهُمْ، لِأَنَّ مِنْهُمْ جَزِعُوا وَهَرَبُوا.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: مَا غُنِمَ بِغَيْرِ إيجَافٍ وَلَا قِتَالٍ وَهُوَ مِمَّا يَنْجَلِي عَنْهُ أَهْلُهُ وَيَتْرُكُونَهُ رَهْبَةً وَفَزَعًا وَهَذَا لَا يُخَمَّسُ، وَهُوَ فَيْءٌ.
لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ: إذَا كَانَتْ قُرًى إنَّمَا فِيهَا أَهْلُهَا فَخَرَجُوا فِي طَلَبِ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ قُسِمَ مَا أَصَابُوا بَيْنَ كُلِّ مَنْ طَلَبَ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ خَرَجَ طَالِبًا بِالثَّبْتِ وَالْيَقِينِ. زَادَ فِي الِاسْتِغْنَاءِ: وَلَا شَيْءَ لِمَنْ خَرَجَ بَعْدَ الْوَقِيعَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَدِينَةُ ثَغْرًا وَمُحْرِسًا. وَمِنْهُ أَيْضًا: وَإِنْ غَار الْعَدُوُّ عَلَى جِهَتَيْنِ فَلِكُلِّ جِهَةٍ مَا غَنِمُوا.
وَانْظُرْ رَابِعَ تَرْجَمَةٍ وَخَامِسَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْجِهَادِ الثَّالِثِ مِنْ نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَمُتَخَلِّفٌ لِحَاجَةٍ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " وَضَالٌّ بِبَلَدِنَا " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمَرِيضٌ شَهِدَ " وَقَوْلَ عَبْدِ الْوَهَّابِ لِأَنَّ لَيْسَ كُلُّ الْجَيْشِ يُقَاتِلُ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَصْلَحَةِ الْحَرْبِ.
وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» أَنَّهُمْ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْمَغْنَمِ يُسْهِمُونَ مِنْهُ لِمَنْ شَغَلَهُ عَنْ حُضُورِ الْمُعْتَرَكِ مَصْلَحَةٌ مِنْ مَصَالِحِ الْغَانِمِينَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ نَقَلَ صَاحِبُ كِتَابِ مَعَارِفِ الْأَشْوَاقِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَانُوا يَتَعَفَّفُونَ عَنْ الْمَغْنَمِ قَالَ: وَمِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ فَقِيلَ لَهُ: أَتَشُكُّ فِي أَنَّ الْغَنِيمَةَ حَلَالٌ؟ فَيَقُول: وَهَلْ هُوَ الزُّهْدُ إلَّا فِي الْحَلَالِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمْ ثُلُثٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ» وَنَقَلَ أَيْضًا هُوَ وَصَاحِبُ الْمُقَرِّبِ أَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَمَّرَ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ عَلَى غَزْوِ إفْرِيقِيَّةَ وَكَانَ صَاحِبُ إفْرِيقِيَّةَ جِرْجِيرٌ سُلْطَانُهُ مِنْ طَرَابُلُسَ إلَى طَنْجَةَ فَهَالَهُ أَمْرُ الْعَرَبِ بِحَيْثُ إنْ زَيَّنَ بِنْتًا لَهُ كَانَتْ بَارِعَةَ الْجَمَالِ وَقَالَ لِحَشَمِهِ: أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ سَيِّدَتُنَا وَبِنْتُ سَيِّدِنَا لِمَالِكٍ. فَقَالَ: وَحَقِّ الْمَسِيحِ وَدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ لَا قَتَلَ مِنْكُمْ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ أَمِيرَ الْعَرَبِ إلَّا زَوَّجْتهَا لَهُ وَسُقْت لَهَا جَمِيعَ مَا مَعَهَا مِنْ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَالْجَوَارِي يُحَرِّضُ بِذَلِكَ الرُّومَ تَحْرِيضًا شَدِيدًا. وَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ فَأَخْبَرَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَقَالَةِ جِرْجِيرٍ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَحَقِّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَدِينِ الْإِسْلَامِ لَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْكُمْ جِرْجِيرًا إلَّا نَفَّلْته ابْنَتَهُ. فَانْتَدَبَ أُنَاسٌ وَفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَقُّوا الصُّفُوفَ وَظَهَرُوا بِجِرْجِيرٍ وَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ وَتَنَازَعُوا فِي قَتْلِ جِرْجِيرٍ فَقَالَتْ الِابْنَةُ: أَنَا أَعْرِفُ قَاتِلَ أَبِي فَأَمَرَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ أَنْ يَمُرَّ الْجَيْشُ بَيْنَ يَدَيْهَا وَهِيَ تَنْظُرُ حَتَّى مَرَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَتْ: هَذَا وَالْمَسِيحِ قَاتِلُ أَبِي. فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: لِمَ كَتَمْتنَا؟ قَالَ: قَدْ عَلِمَ الَّذِي قَتَلْته لَهُ فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: إذَنْ وَاَللَّهِ