الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[بَابُ الذَّكَاةِ] [
شُرُوطُ الذَّكَاةِ]
(بَابُ الذَّكَاةِ قَطْعُ مُمَيِّزٍ) فِيهَا لِمَالِكٍ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ إذَا أَطَاقَ الذَّبْحَ وَعَرَفَهُ، وَكَذَلِكَ ذَبِيحَةُ الْمَرْأَةِ تُؤْكَلُ وَإِنْ ذُبِحَتْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ابْنُ الْمَوَّازِ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْأَغْلَفِ وَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْأَخْرَسِ، وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّارِقِ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ السَّرِقَةُ لَا عَيْنُ الذَّبْحِ. ابْنُ شَاسٍ: وَالْمَشْهُورُ صِحَّةُ ذَكَاةِ مَنْ لَا يُصَلِّي. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّكْرَانِ إذْ لَا يُصَدَّقُ وَيَأْكُلُهَا هُوَ وَحْدَهُ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ جَوَازِهِمْ أَكْلَ ذَبِيحَةِ السَّارِقِ وَمَنْ لَا يُصَلِّي. وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَصَّابِ فِي الذَّكَاةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ كِتَابِيًّا أَوْ مَنْ مِثْلُهُ يَذْبَحُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ إذَا قَالَ هَذِهِ ذَكِيَّةٌ صُدِّقَ قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي إهْدَاءِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا: إنَّ الصَّبِيَّ وَالْأُنْثَى وَالْكَافِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْبُولٌ قَوْلُهُ فِي الْهَدِيَّةِ وَالِاسْتِئْذَانِ.
(يُنَاكِحُ) فِيهَا لِمَالِكٍ: ذَكَاةُ رِجَالِ الْكِتَابَيْنِ ذِمِّيِّهِمْ وَحَرْبِيِّهِمْ جَائِزَةٌ فَسَوَّى بَيْنَهُمْ. ابْنُ الْقَاسِمِ: نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ مُطِيقِي الذَّبْحِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ النَّصْرَانِيِّ الْعَرَبِيِّ وَذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ إذَا تَنَصَّرَ.
(تَمَامَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ) فِيهَا لِمَالِكٍ: وَتَمَامُ الذَّبْحِ إفْرَاءُ الْأَوْدَاجِ وَالْحُلْقُومِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا الْمَرِيءُ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْحُلْقُومِ فَهُوَ الْعِرَاقُ الْأَحْمَرُ فَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ شَيْئًا. ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَشْهُورُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ قَطْعِ الْمَرِيءِ. الْكَافِي: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْغَلْصَمَةُ إلَى الرَّأْسِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَلَا بَأْسَ، وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الْفَتْوَى بِتُونِسَ مُنْذُ مِائَةِ عَامٍ بِجَوَازِ أَكْلِ الْمُغَلْصَمَةِ وَبِهَذَا كَانَ يُفْتِي أَشْيَاخُنَا أَيْضًا.
(مِنْ الْمُقَدَّمِ) سَمِعَ أَشْهَبُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَمَرَ بِثَلَاثَةِ دِيَكَةٍ لَهُ أَنْ تُسَمَّنَ حَتَّى إذَا امْتَلَأْنَ شَحْمًا أَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَذْبَحَهَا فَذَبَحَهَا مِنْ أَقْفِيَتِهَا فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: لَا تُؤْكَلُ. قِيلَ لِمَالِكٍ: أَتَرَى مَا قَالَ سَعِيدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا تُؤْكَلُ وَأَرَى أَنْ تُطْرَحَ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ مَنْ ذَبَحَ مِنْ الْقَفَا قَدْ قَطَعَ النُّخَاعَ وَهُوَ الْمُخُّ الَّذِي فِي عِظَامِ الرَّقَبَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعِ الذَّبْحِ فَيَكُونُ بِفِعْلِهِ قَدْ قَتَلَ الْبَهِيمَةَ بِقَطْعِهِ نُخَاعَهَا إذْ هُوَ مَقْتَلٌ مِنْ مَقَاتِلِهَا قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهَا فِي مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا.
ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ: لَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ ثُمَّ لَمْ تُسَاعِدْهُ السِّكِّينُ فِي مَرِّهَا عَلَى الْوَدَجَيْنِ إذْ لَيْسَتْ بِحَادَّةٍ فَقَلَّبَهَا وَقَطَعَ الْأَوْدَاجَ بِهَا مِنْ دَاخِلٍ فَلَا تُؤْكَلُ (بِلَا رَفْعٍ قَبْلَ التَّمَامِ) ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إنْ رَفَعَ يَدَهُ ثُمَّ أَعَادَهَا فَإِنْ كَانَ حِينَ رَفَعَ يَدَهُ لَوْ تُرِكَتْ الذَّبِيحَةُ لَعَاشَتْ وَعَادَ وَأَتَمَّ الذَّكَاةَ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ وَكَأَنَّهُ الْآنَ ابْتَدَأَ ذَكَاتَهَا، وَإِنْ كَانَ حِينَ رَفَعَ
يَدَهُ لَوْ تَرَكَهَا لَمْ تَعِشْ إذْ قَدْ أَنْفَدَ الْمَقَاتِلَ فَلَا تُؤْكَلُ وَتَصِيرُ مِثْلَ الْمُتَرَدِّيَةِ وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ رحمه الله: وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: إنْ رَجَعَ فِي فَوْرِ الذَّبْحِ وَأَجْهَزَ صَحَّتْ الذَّكَاةُ كَمَنْ سَلَّمَ سَاهِيًا وَرَجَعَ بِالْقُرْبِ وَأَصْلَحَ.
ابْنُ أَبِي يَحْيَى: وَهَذَا مَعَ الِاخْتِيَارِ، أَمَّا إذَا وَقَعَتْ السِّكِّينُ مِنْ يَدِهِ أَوْ كَانَتْ لَا تَقْطَعُ فَأَتَى بِأُخْرَى بِالْقُرْبِ فَلَا يَضُرُّهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إبْقَاءِ السِّكِّينِ عَلَى الْمَذْبَحِ إذَا لَمْ يُمِرَّهَا وَبَيْنَ رَفْعِهَا لِأَنَّ الْمُرَاعَى الذَّبْحُ لَا إبْقَاءُ السِّكِّينِ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ رحمه الله: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ عَلَاقٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَايَا رَجُلٌ فَوَضَعَ رَجُلُ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ فَذَبَحَهَا أَوْ رَفَعَ الْأَوَّلُ يَدَهُ لَا فَرْقَ. وَانْظُرْ هَلْ يَحْتَاجُ الثَّانِي إلَى التَّسْمِيَةِ وَالنِّيَّةِ أَمْ لَا؟ وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ قَوْلِهِ:" وَلَزِمَ بِشَعْرِك طَالِقٌ ".
وَقَالَ التُّونِسِيُّ: اُنْظُرْ لَوْ غَلَبَتْهُ قَبْلَ تَمَامِ الذَّكَاةِ فَقَامَتْ ثُمَّ أَضْجَعَهَا وَأَتَمَّ الذَّكَاةَ وَكَانَ أَمْرًا قَرِيبًا. ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ أَبُو حَفْصِ بْنُ الْعَطَّارِ: تُؤْكَلُ وَنَزَلَتْ أَيَّامَ قَضَاءِ ابْنِ قِدَاحٍ فِي ثَوْرٍ وَحَكَمَ بِأَكْلِهِ وَبَيَانُ بَائِعِهِ ذَلِكَ وَكَانَ مَسَافَةُ هُرُوبِهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ بَاعٍ.
(وَفِي النَّحْرِ طَعْنٌ بِلَبَّةٍ) اللَّبَّةُ هِيَ الْحُفْرَةُ الَّتِي فِي الصَّدْرِ فِي أَصْلِ الْعُنُقِ. اللَّخْمِيِّ: وَيُجْزِئُ مِنْ النَّحْرِ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهِ الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُومَ كَمَا قَالُوا فِي الذَّبْحِ. قِيلَ: لِأَنَّ مِنْ اللَّبَّةِ تَصِيرُ الْآلَةُ إلَى الْقَلْبِ. ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَلَا يَكْتَفِي بِالطَّعْنِ فِي الْحُلْقُومِ دُونَ أَنْ يُصِيبَ شَيْئًا مِنْ الْأَوْدَاجِ وَيُجْزِئُ مِنْهُ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ: وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهِ الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُومَ كَمَا قَالُوا فِي الذَّبْحِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ اشْتِرَاطُ قَطْعِ الثَّلَاثَةِ كَالذَّبْحِ.
(وَشُهِرَ أَيْضًا الِاكْتِفَاءُ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ) . الْبَاجِيُّ: الْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ. رَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إذَا أَجْهَزَ عَنْ الْأَوْدَاجِ وَنِصْفِ الْحُلْقُومِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(وَالْوَدَجَيْنِ) . ابْنُ رُفَيْعٍ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ فَإِنَّهُ إذَا قَطَعَ نِصْفَ الْوَدَجِ أَنْهَرَ الدَّمَ. الْهَرَوِيَّ: فَرْيُ الْأَوْدَاجِ تَشْقِيقُهَا وَإِخْرَاجُ مَا فِيهَا مِنْ الدَّمِ. اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا لَمْ يَسْتَأْصِلْ الْقَطْعُ وَقُطِعَ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا قَطَعَ الْأَوْدَاجَ وَنِصْفَ الْحُلْقُومِ فَأَكْثَرَ أُكِلَتْ، وَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ أَقَلَّ لَمْ تُؤْكَلْ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ: فِي الدَّجَاجَةِ وَالْعُصْفُورِ إذَا أُجْهِزَ عَلَى أَوْدَاجِهِ وَنِصْفِ حَلْقِهِ وَلَبَّتِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يُحِلُّ حَتَّى يَحْتَزَّ الْحُلْقُومَ. انْتَهَى نَقْلُهُ. فَانْظُرْ جَعْلَ مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ إذَا قُطِعَ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَلَمْ يَنُصَّ إلَّا عَلَى حُكْمِ الْحُلْقُومِ. عِيَاضٌ: فِي جَوَازِهَا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ مَعَ أَحَدِ الْوَدَجَيْنِ قَوْلَا مَالِكٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ بَقِيَ يَسِيرُ الْأَوْدَاجِ فَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ وَالرِّسَالَةُ مَعَهَا. وَنَصُّ ابْنِ شَعْبَانَ: وَالشَّيْخِ عَنْ سَحْنُونٍ. لَا تُؤْكَلُ.
وَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: لَا تَحْرُمُ اُنْظُرْ كَثِيرًا مَا يَتَّفِقُ بَقَاءُ وَدَجٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ قَطَعَ الْمَرِيءَ وَالْوَدَجَ الْآخَرَ وَالْحُلْقُومَ
لَكَانَتْ ذَكِيَّةً عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى قَوْلَةٍ لِمَالِكٍ حَكَاهَا عِيَاضٌ. اُنْظُرْ مِنْهَاجَ الْمُحَدِّثِينَ فِي الضَّحَايَا.
(وَإِنْ سَامِرِيًّا) مُحَمَّدٌ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّامِرِيِّ صِنْفٌ مِنْ الْيَهُودِ يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ (أَوْ مَجُوسِيًّا تَنَصَّرَ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " يُنَاكِحُ ". (وَذَبَحَ لِنَفْسِهِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ قِيلَ لِمَالِكٍ: إنَّ الْيَهُودِيَّ يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ فَيُطْعِمُك مِنْ ذَبِيحَتِهِ فَإِذَا ذَبَحْت أَنْتَ لِنَفْسِك لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا وَيَقُولُ إنْ أَرَدْت أَنْ آكُلَ فَهَاتِ حَتَّى أَذْبَحَهُ أَنَا، أَفَتَرَى أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْهَا؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا أَرَى ذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَبَاحَ لَنَا أَكْلَ مَا ذَبَحُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَأَمَّا أَنْ نُوَلِّيَهُمْ ذَبْحَ شَيْءٍ نَمْلِكُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ ذَبَائِحَنَا فَإِنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَفْعَلَهُ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الشَّاةُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ لَمْ يَنْبَغِ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ ذَبْحِهَا. سَمِعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(مُسْتَحِلَّهُ) فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا ذَبَحَهُ الْيَهُودُ مِمَّا لَا يَسْتَحِلُّونَهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَمِنْهُ كُلُّ ذِي ظُفْرٍ الْإِبِلُ وَحُمْرُ الْوَحْشِ وَالنَّعَمُ وَالْإِوَزُّ وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الظِّلْفِ وَلَا مُنْفَرِجِ الْقَائِمَةِ وَشُحُومُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الشَّحْمُ الْخَالِصُ كَالثَّرْبِ وَالْكِسَاءِ وَهُوَ شَحْمُ الْكِلَاءِ وَمَا لَصِقَ بِالْقُطْنَةِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الشَّحْمِ الْمَحْضِ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَمَّا مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا لَيْسَ فِي التَّنْزِيلِ مِثْلَ الطَّرِيفَةِ فَمَكْرُوهٌ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَفِيهَا: مَا ذَبَحَهُ الْيَهُودُ مِنْ الْغَنَمِ فَأَصَابُوهُ فَاسِدًا عِنْدَهُمْ لَا يَسْتَحِلُّونَهُ لِأَجْلِ الدِّيَةِ وَشَبَهِهَا الَّتِي يُحَرِّمُونَهَا فِي دِينِهِمْ، فَمَرَّةً كَانَ
مَالِكٌ يُجِيزُ أَكْلَهَا ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَكْرَهُهُ وَيَقُولُ لَا يُؤْكَلُ. اللَّخْمِيِّ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الطَّرِيقَةِ بِالْإِجَازَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَثَبَتَ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
(وَإِنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ إنْ لَمْ يَغِبْ) رَوَى مُحَمَّدٌ: إنْ عَرَفَ أَكْلَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَيْتَةَ لَمْ يَأْكُلْ مَا غَابَ عَلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَذَا نَقَلُوهُ وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ أَكْلِهِ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ نِيَّةِ الذَّكَاةِ.
(لَا صَبِيٌّ ارْتَدَّ) فِيهَا لِمَالِكٍ: إذَا ارْتَدَّ الْغُلَامُ إلَى أَيِّ دَيْنٍ كَانَ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ.
(وَذَبْحٌ لِصَنَمٍ) فِيهَا: كَرِهَ مَالِكٌ أَكْلُ مَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لِكَنَائِسِهِمْ أَوْ لِأَعْيَادِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ مَا سَمَّوْا عَلَيْهِ الْمَسِيحَ وَلَا أَرَى أَنْ يُؤْكَلَ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَكْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِالْمُحَرَّمِ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ (أَوْ غَيْرُ حِلٍّ لَهُ إنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنَا وَإِلَّا كُرِهَ) . اللَّخْمِيِّ: قَالَ أَشْهَبُ: كُلُّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا بِكِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} [الأنعام: 146] إلَى {شُحُومَهُمَا} الْآيَةُ. فَلَا يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ وَلَا بَأْسَ بِمَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُؤْكَلُ هَذَا وَلَا هَذَا ثُمَّ قَالَ: إنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ بَاقٍ وَأَنَّ هَذِهِ الذَّكَاةَ لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ قَالَ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهَا ذَكَاةٌ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِابْنِ يُونُسَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " مُسْتَحِلَّهُ ".
(كَجِزَارَتِهِ) فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ: الْحَرْبِيُّونَ وَمَنْ عِنْدَنَا مِنْ الذِّمِّيِّينَ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَمَالِكٌ يَكْرَهُ ذَبَائِحَهُمْ كُلَّهُمْ وَالشِّرَاءَ مِنْ مَجَازِرِهِمْ وَلَا يَرَاهُ حَرَامًا، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ أَنْ لَا يَكُونُوا جَزَّارِينَ وَلَا صَيَارِفَةَ فِي الْأَسْوَاقِ، ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقَدْ كَانَ مَنْ مَضَى يَخْتَارُونَ لِذَبَائِحِهِمْ أَهْلَ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ (وَبَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ لِعَبْدِهِ) سَيَأْتِي
الْكَلَامُ عَلَى هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِجَارَةٍ لِعَبْدٍ كَافِرٍ وَشِرَاءِ ذَبْحِهِ ". الْبَاجِيُّ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ مَنْعُ أَكْلِ الطَّرِيقَةِ وَهِيَ فَاسِدَةُ ذَبِيحَةِ الْيَهُودِ. اللَّخْمِيِّ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الطَّرِيقَةِ بِالْإِجَازَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَثَبَتَ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
(وَتَسَلُّفِ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ بَيْعٍ بِهِ لَا أَخْذِهِ قَضَاءً) . فِيهَا لِمَالِكٍ: إذَا بَاعَ الذِّمِّيُّ خَمْرًا بِدِينَارٍ كَرِهْت لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَسَلَّفَهُ مِنْهُ أَوْ يَبِيعَهُ بِهِ شَيْئًا أَوْ يَأْخُذَهُ هِبَةً أَوْ يُعْطِيَهُ فِيهِ دَرَاهِمَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامٍ ابْتَاعَهُ الذِّمِّيُّ بِذَلِكَ الدِّينَارِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْكَلَ طَعَامُ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَبِيعُ الْخَمْرَ لِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ أَكْلَهُمْ وَتَصَرُّفَهُمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ ذَلِكَ الدِّينَارَ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ كَمَا أَبَاحَ اللَّهُ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ.
(وَشَحْمِ يَهُودِيٍّ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: شُحُومُ الْيَهُودِ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، مُحَرَّمَةٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، اللَّخْمِيِّ: الِاخْتِلَافُ فِي ذِي ظُفُرٍ كَالِاخْتِلَافِ فِي الشُّحُومِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ الشَّحْمُ لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَتَبَعَّضُ.
(وَذَبْحٍ لِصَلِيبٍ أَوْ عِيسَى) . الْبَاجِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ مَا ذَبَحُوا لِلْكَنَائِسِ أَوْ لِعِيسَى أَوْ لِجِبْرِيلَ أَوْ لِأَعْيَادِهِمْ. زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَالصَّلِيبُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ. وَأَمَّا مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ فَمُحَرَّمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] . ابْنُ حَبِيبٍ: فِي أَكْلِ مَا ذُبِحَ لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ تَعْظِيمٌ لِشِرْكِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ فِي النَّصْرَانِيِّ يُوصِي بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لِكَنِيسَةٍ فَيُبَاعُ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ شِرَاؤُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شَرَائِعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَمُسْلِمٌ يَشْتَرِي مُسْلِمَ سَوْءٍ.
وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ: لَا يَنْبَغِي الذَّبْحُ لِعَوَامِرِ الْجَانِّ لِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الذَّبْحِ لِلْجَانِّ. ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ قَصَدَ بِهِ اخْتِصَاصَهَا بِانْتِفَاعِهَا بِالْمَذْبُوحِ كُرِهَ، وَإِنْ قَصَدَ التَّقَرُّبَ بِهِ إلَيْهَا حَرُمَ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا كَرِهَ مَالِكٌ مَا ذَبَحُوهُ لِجِبْرِيلَ. وَمِنْ شَرْحِ سَيِّدِي ابْنِ سِرَاجٍ رحمه الله يَلْتَحِقُ بِهَذَا مَا يَعْمَلُهُ الْمَحْمُومُ مِنْ طَعَامٍ وَيَضَعُهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَيُسَمِّيهِ ضِيَافَةَ الْجَانِّ.
وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُهْدِيَ لِلنَّصْرَانِيِّ فِي عِيدِهِ مُكَافَأَةً لَهُ وَنَحْوُهُ إعْطَاءُ الْيَهُودِيِّ وَرَقَ النَّخِيلِ لِعِيدِهِ.
(وَقَبُولُ مُتَصَدِّقٍ بِهِ كَذَلِكَ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الطَّعَامِ يَتَصَدَّقُ بِهِ النَّصْرَانِيُّ عَنْ مَوْتَاهُ: يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ قَبُولُهُ قَالَ: لِأَنَّهُ يُعْمَلُ تَعْظِيمًا لِشِرْكِهِمْ.
(وَذَكَاةِ خُنْثَى وَخَصِيٍّ وَفَاسِقٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: الَّتِي تُكْرَهُ ذَبَائِحُهُمْ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى وَالْخَصِيُّ وَالْأَغْلَفُ وَالْفَاسِقُ، وَإِنْ كَانَ السَّكْرَانُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ لَمْ يُمْنَعْ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ لِلشَّكِّ فِي نِيَّةِ الذَّكَاةِ وَلَا يُصَدِّقُ نَفْسَهُ وَيَنْوِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَذَبَحَهَا بِيَدِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَفِي ذَبْحِ كِتَابِيٍّ لِمُسْلِمٍ "(قَوْلَانِ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُمَكِّنَ
ذَبِيحَتَهُ مِنْ كِتَابِيٍّ وَإِنْ كَانَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ فَعَلَ أُكِلَتْ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَذَبَحَ لِنَفْسِهِ ".
(وَجُرْحُ مُسْلِمٍ) فِيهَا لِمَالِكٍ: ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ تُؤْكَلُ إذَا أَطَاقَ الذَّبْحَ وَعَرَفَهُ وَكَذَلِكَ صَيْدُهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا أَرَى صَيْدَهُمَا مِثْلَ ذَبَائِحِهِمَا، وَأَرَى أَنْ لَا يُؤْكَلَ صَيْدُهُمَا. اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] قَالَ ابْنُ الْجَهْمِ: مَعْنَاهُ ذَبَائِحُهُمْ. وَرَشَّحَ اللَّخْمِيُّ جَوَازَ صَيْدِ الْكِتَابِيِّ بِأَنَّهَا ذَكَاةٌ كُلُّهَا لَا فَرْقَ بَيْنَ تَذْكِيَتِهِمْ الْإِنْسِيِّ وَالْوَحْشِيِّ. اُنْظُرْ مَا عَقَرُوهُ مِنْ الْإِنْسِيِّ وَقَالُوا: إنَّهُ ذَكِيٌّ عِنْدَهُمْ، كَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ رحمه الله يَقُولُ: أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ إنَّا لَا نَسْتَبِيحُ الْوَحْشِيَّ بِعُقْرِهِمْ فَمِنْ بَابِ الْأَوْلَى الْإِنْسِيُّ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالِاسْتِبَاحَةِ عَلَّلَهُ اللَّخْمِيِّ بِأَنَّهُ ذَكَاةٌ عِنْدَنَا، وَعَقْرُهُمْ الْإِنْسِيَّ لَيْسَ بِذَكَاةٍ عِنْدَنَا فَلَا نَسْتَبِيحُهُ بِذَلِكَ. فَمَا وَقَعَ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ فَهُوَ هَفْوَةٌ وَقَدْ اتَّبَعَ الْفُقَهَاءُ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِ.
(مُمَيِّزٌ) رَوَى مُحَمَّدٌ:
لَا يُؤْكَلُ صَيْدُ سَكْرَانَ وَلَا مَجْنُونٍ. فِيهَا: وَلَا صَبِيٌّ لَا يَعْقِلُ. ابْنُ حَبِيبٍ: أَكْرَهُ صَيْدَ الْجَاهِلِ بِحُدُودِ الصَّيْدِ غَيْرِ مُتَحَرٍّ صَوَابَهُ.
(وَحْشِيًّا) فِيهَا لِمَالِكٍ: مَا نَدَّ مِنْ الْأَنْعَامِ الْإِنْسِيَّةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةِ الْإِنْسِيَّةِ.
(وَإِنْ تَأَنَّسَ) فِيهَا لِمَالِكٍ: مَا دَجَنَ مِنْ الْوَحْشِ ثُمَّ نَدَّ وَاسْتَوْحَشَ فَإِنَّهُ يُذَكَّى بِمَا يُذَكَّى بِهِ الصَّيْدُ مِنْ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى أَصْلِهِ. ابْنُ حَبِيبٍ: حَمَامُ الْبُيُوتِ وَالْبِرَكِ وَالْإِوَزُّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَهَا وَحْشِيَّةٌ وَلَا أَرَى هَذَا فِي الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ إذْ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوَحْشِيَّةِ تَرْجِعُ إلَيْهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْقِرَ عَقْرًا لَا يَبْلُغُ مَقْتَلًا وَتُعَرْقَبُ ثُمَّ تُذَكَّى. وَأَمَّا الْبَقَرُ فَهِيَ عِنْدِي لَهَا أَصْلٌ مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَإِذَا اسْتَوْحَشَتْ حَلَّتْ عِنْدِي بِالصَّيْدِ.
(عَجَزَ عَنْهُ) . ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَحْشِيُّ يَتَأَنَّسُ كَالنَّعَمِ. وَكَذَا لَوْ عَجَزَ أَوْ حَلَّ بَعْدَ الْإِرْسَالِ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَفِيهَا لِمَالِكٍ: مَنْ رَأَى صَيْدًا فَأَثْخَنَهُ حَتَّى صَارَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِرَّ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ أَسِيرًا كَالشَّاةِ لَا تُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ وَيَضْمَنُ الَّذِي رَمَاهُ فَقَتَلَهُ لِلْأَوَّلِ قِيمَتَهُ يُرِيدُ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا.
(إلَّا بِعُسْرٍ) . أَصْبَغُ إنْ كَانَ الْوَكْرُ فِي شَاهِقَةِ جَبَلٍ أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ يَكُونُ فِيهَا فِرَاخُ الطَّيْرِ لَا يُوجَدُ سَبِيلٌ إلَى إنْزَالِهَا عَلَى حَالٍ أَوْ لَعَلَّهُ يُطَاقُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَخَافُ فِي ذَلِكَ الْعَطَبَ وَالْعَنَتَ، فَإِنِّي لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهَا بَازَهُ وَيَأْكُلَهَا وَإِنْ قَتَلَهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ قَرِيبٍ يُنَالُ بِالطُّلُوعِ إلَيْهَا وَالِاحْتِيَالِ إلَيْهَا فَتَقَعُ بِالْأَرْضِ فَتُؤْخَذُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ مَأْسُورَةٌ مَمْلُوكَةٌ لَا تُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ، فَإِنْ أَرْسَلَ بَازَهُ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا لَمْ
يَأْكُلْهَا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا. (لَا نَعَمٍ شَرَدَ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: مَا نَدَّ مِنْ الْأَنْعَامِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ.
(أَوْ تَرَدَّى بِكَهُوَّةٍ) فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْعُتْبِيِّ عَنْ أَصْبَغَ: مَا اضْطَرَّهُ الْجَارِحُ لِحُفْرَةٍ لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا أَوْ انْكَسَرَ رِجْلُهُ فَكَنَعَمٍ. مُحَمَّدٌ: وَكَذَا مَا بِجَزِيرَةٍ صَغِيرَةٍ يَتَأَتَّى أَخْذُهُ مِنْهَا.
(بِسِلَاحٍ مُحَدَّدٍ) التَّلْقِينُ: كُلُّ مَا جَرَحَ مِنْ السِّلَاحِ فَالِاصْطِيَادُ، بِهِ جَائِزٌ مِنْ سَيْفٍ وَرُمْحٍ وَسِكِّينٍ وَسَهْمٍ وَمِعْرَاضٍ أَصَابَ بِحَدِّهِ دُونَ عَرْضِهِ. عِيَاضٌ: الْمِعْرَاضُ عَصًا فِي طَرَفَيْهَا حَدِيدَةٌ وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ إلَّا مَا خَرَقَ بِحَدِّهِ.
وَفِيهَا: مَا جَرَحَهُ حَدُّ مِعْرَاضٍ أَوْ عَصًا أَوْ عُودٌ وَلَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلًا فَمَاتَ أُكِلَ كَالسَّهْمِ. ابْنُ يُونُسَ: الْمِعْرَاضُ خَشَبَةٌ فِي رَأْسَهَا كَالزَّجِّ.
(وَحَيَوَانٍ عُلِّمَ) التَّلْقِينُ: شَرْطُ الْجَارِحِ الْمَصِيدِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا.
وَفِيهَا لِمَالِكٍ: مَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا غَيْرَ مُعَلَّمٍ
لَمْ يُؤْكَلْ مَا صَادَ إلَّا أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ فَيُذَكِّيهِ.
(بِإِرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ) فِيهَا لِمَالِكٍ: وَإِذَا أَثَارَ الرَّجُلُ صَيْدًا فَأَشْلَى عَلَيْهِ كَلْبَهُ وَهُوَ مُطْلَقٌ فَانْشَلَى عَلَيْهِ وَصَادَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ مِنْ يَدِهِ فَلْيَأْكُلْ مَا صَادَهُ. ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ: لَا يُؤْكَلُ حَتَّى يُطْلِقَهُ مِنْ يَدِهِ مُرْسِلًا لَهُ مُشْلِيًا، وَبِالْأَوَّلِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَفِيهَا لِمَالِكٍ: وَلَوْ ابْتَدَأَ الْكَلْبُ طَلَبَهُ أَوْ أَفْلَتَهُ مِنْ يَدِهِ مُرْسَلًا ثُمَّ أَشْلَاهُ رَبُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخَذَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ قَبْلَ إنْفَاذِ مَقَاتِلِهِ، لِأَنَّ الْكَلْبَ خَرِجَ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْإِرْسَالَ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ، وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الذَّكَاةِ النِّيَّةَ فَإِرْسَالُ الْكَلْبِ كَنِيَّةِ الذَّابِحِ.
الْبَاجِيُّ: إذَا انْشَلَى الْكَلْبُ بِنَفْسِهِ عَلَى الصَّيْدِ ثُمَّ أَعَانَهُ الصَّائِدُ بِالْإِشْلَاءِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُؤْكَلُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُؤْكَلُ. وَوَجَّهَهُ أَنَّهُ بِإِشْلَائِهِ تَمَادَى فَوَجَبَ أَنْ يَطْرَحَ مَا كَانَ مِنْ جَرْيِهِ قَبْلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَبِهَذَا كَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ يُفْتِي وَيَنْقُلُ نَصَّ ابْنِ رُشْدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمَبْسُوطِ لِيَحْيَى قَالَ: وَكَيْفَ يُبْتَغَى الصَّيْدُ إلَّا هَكَذَا.
يُخْرِجُ كِلَابَهُ مَعَهُ فَإِذَا بَلَغَ مَوْضِعَ الصَّيْدِ وَمَظَانَّهُ أَرْسَلَهَا فِيهِ لِلطَّلَبِ وَتَدْخُلُ الْغِيَاضَ وَالشَّجَرَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يُشْلِيهَا وَيَحُضُّهَا أَوْ يَأْمُرُهَا، فَإِذَا أَثَارَتْ الصَّيْدَ أَشْلَاهَا عَلَيْهِ فَطَلَبَتْهُ. فَإِنْ قُلْتَ: طَابَ أَكْلُهُ وَحَلَّ وَهَذَا نَاحِيَةُ قَوْلِ مَالِكٍ عِنْدَنَا وَتَأْوِيلُهُ وَاَلَّذِي نَأْخُذُ بِهِ وَنَرَاهُ، وَهَذَا إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ عَلَى الْإِشْلَاءِ وَالطَّلَبِ فِي مَظَانِّهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَجَازَ أَصْبَغُ كُلَّ مَا يَبْتَدِئُ الْكَلْبُ طَلَبَهُ إذَا اتَّبَعَ رَبَّهُ بِالْإِشْلَاءِ وَالتَّحْرِيضِ وَالتَّسْمِيَةِ. وَصَدَرَتْ مِنِّي فُتْيَا بِأَنْ قُلْت: الَّذِي أَتَحَمَّلُ عُهْدَتَهُ فِي الْكَلْبِ إذَا أَنْفَذَ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ أَنْ أَقُولَ لِصَاحِبِهِ: هَلْ رَأَيْتَ كَلْبَكَ حِينَ رَأَى هَذَا الصَّيْدَ وَصَوَّبَ إلَيْهِ وَدَعْ كُنْتَ أَنْتَ غَائِبًا عَنْ الصَّيْدِ. فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ لَهُ: فَصِحْتَ أَنْتَ عَلَى الْكَلْبِ حِينَئِذٍ وَزِدْتَهُ إغْرَاءً وَسَمِعَكَ. فَإِنْ قَالَ نَعَمْ.
قُلْتُ: فَسَمَّيْتَ اللَّهَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُمْ نَصُّوا أَنَّ الْكَلْبَ إذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ وَسَمَّى اللَّهَ فَشَمَّ كَلْبًا آخَرَ أَوْ جِيفَةً فِي طَرِيقِهِ أَنَّ هَذَا الْإِرْسَالَ قَدْ بَطَلَ وَيَحْتَاجُ لِإِرْسَالٍ آخَرَ وَتَسْمِيَةٍ أُخْرَى. فَإِنْ قَالَ لِي نَعَمْ، فَأَقُول لَهُ: هَذَا الصَّيْدُ ذَكِيٌّ وَدَعْكَ لَمْ تُرْسِلْ الْكَلْبَ مِنْ يَدِكَ وَلَا رَأَيْتَ الصَّيْدَ، فَإِنْ تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَالصَّيْدُ غَيْرُ ذَكِيٍّ إلَّا التَّسْمِيَةَ سَهْوًا فَالْأَمْرُ فِيهَا قَرِيبٌ.
(بِلَا ظُهُورِ تَرْكٍ) فِيهَا: وَمَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ عَلَى صَيْدٍ فَطَلَبَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ عَنْ الطَّلَبِ ثُمَّ عَادَ فَقَتَلَهُ، فَإِنْ
كَانَ كَالطَّالِبِ لَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا أَوْ عَطَفَ وَهُوَ عَلَى طَلَبِهِ فَهُوَ عَلَى أَوَّلِ إرْسَالِهِ، وَإِنْ وَقَفَ لِأَكْلِ الْجِيفَةِ أَوْ شَمَّ كَلْبًا أَوْ سَقَطَ الْبَازِي عَجْزًا عَنْهُ ثُمَّ رَأَيَاهُ فَاصْطَادَهُ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا بِإِرْسَالٍ مُؤْتَنَفٍ.
(وَلَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ) فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى جَمَاعَةِ صَيْدٍ وَلَمْ يُرِدْ وَاحِدًا مِنْهَا دُونَ الْآخَرِ فَأَخَذَهَا كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا أَكَلَ مَا أَخَذَ مِنْهَا. اللَّخْمِيِّ: الْمُرْسَلُ عَلَى مُتَعَدِّدٍ إنْ نَوَى مُعَيَّنًا فَغَيْرُهُ كَنَعَمْ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَالثَّانِي كَنَعَمْ، فَلَوْ شَكَّ فِي الْأَوَّلِ مِنْهُمَا فَكِلَاهُمَا كَنَعَمْ، وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ بِسَهْمٍ أَكَلَهَا. ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَمَالِكٌ: وَكَذَا بِغَيْرِهِ.
(أَوْ أَكَلَ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي شَرْطِ عَدَمِ أَكْلِهِ طُرُقٌ، الْأَكْثَرُ لَغْوُهُ. ابْنُ بَشِيرٍ: لَا يُعْتَبَرُ فِي الطَّيْرِ اتِّفَاقًا وَالْكَلْبُ الْمَعْرُوفُ مِثْلُهُ.
وَفِيهَا لِمَالِكٍ: وَإِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ أَكْثَرَهُ فَلْيَأْكُلْ بَقِيَّتَهُ مَا لَمْ يَبِتْ وَهُوَ وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كُلِّ مَا أَخَذَ فَهُوَ مُعَلَّمٌ.
(أَوْ لَمْ يَرَ بِغَارٍ أَوْ غَيْضَةٍ) اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ: مَا بَغِيضَةٍ أَوْ غَارٍ أَوْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ إنْ كَانَ بِهَا صَيْدٌ يُحِلُّ بِقَتْلِهِ. الْبَاجِيُّ: مَا لَا يَخْتَلِطُ بِهِ غَيْرُهُ كَالْغَارِ الْمَشْهُورُ أَكْلُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ اضْطَرَبَ الْبَازِي عَلَى يَدِ صَاحِبِهِ عَلَى شَيْءٍ يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ صَاحِبُهُ فَأَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ يَنْوِي مَا صَادَهُ كَانَ الَّذِي اضْطَرَبَ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ لَا كُلُّ مَا صَادَهُ عَلَى مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يُرْسِلُ كَلْبَهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ الصَّيْدِ وَيَنْوِي إنْ كَانَ وَرَاءَهَا جَمَاعَةٌ أُخْرَى لَمْ يَرَهَا فَيَأْخُذُ مِمَّا لَمْ يَرَ أَنَّهُ يَأْكُلُهُ، وَيُبَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: مَنْ رَأَى كَلْبَهُ يُحِدُّ النَّظَرَ وَكَالْمُلْتَفِتِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَأَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ لَمْ يَرَهُ فَلْيَأْكُلْ مَا أَخَذَ، وَهُوَ كَإِرْسَالِهِ فِي الْغِيَاضِ وَالْغَيْرَانِ لَا
يَدْرِي مَا فِيهَا، عَرَفَ أَنَّ فِيهَا صَيْدًا أَوْ لَمْ يَعْرِفْ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَظْهَرُ. (أَوْ لَمْ يَظُنَّ نَوْعَهُ مِنْ الْمُبَاحِ) . ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ رَآهُ أَوْ نَوَاهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ كَفَى. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
(أَوْ ظَهَرَ خِلَافُهُ) . ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ رَمَى إبِلًا فَوَجَدَ بَقَرَةَ وَحْشٍ فَفِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ.
وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ الْجَوَازَ وَصَوَّبَهُ التُّونِسِيُّ قَالَ: وَانْظُرْ لَوْ أَرَادَ ذَبْحَ كَبْشٍ فَذَبَحَهُ فَإِذَا هُوَ نَعْجَةٌ وَالْأَصْوَبُ أَكْلُهُ.
(لَا إنْ ظَنَّهُ حَرَامًا) فِيهَا لِمَالِكٍ: مَنْ رَمَى صَيْدًا بِسِكِّينٍ فَقَطَعَ رَأْسَهُ أَكَلَهُ إنْ نَوَى اصْطِيَادَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ اصْطِيَادَهُ لَمْ يُؤْكَلْ. وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى صَيْدًا وَهُوَ يَظُنُّهُ سَبُعًا أَوْ خِنْزِيرًا فَأَصَابَ ظَبْيًا لَمْ يُؤْكَلْ لِأَنَّهُ حِينَ رَمَاهُ لَمْ يُرِدْ صَيْدَهُ فَلَا يَأْكُلُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ رَمَى سَبُعًا لِذَكَاةِ جِلْدِهِ فَإِذَا هُوَ ظَبْيٌ فَفِي جَوَازِ أَكْلِهِ نَقْلٌ نَقَلَهُ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ شُيُوخِهِ وَصَوَّبَ طَرْحَهُ.
(أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مُرْسَلٍ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ: إنْ نَوَى مُعَيَّنًا فَغَيْرُهُ كَنَعَمٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ نَوَى جَمَاعَتَيْنِ فَأَصَابَ مِنْ جَمَاعَةٍ أُخْرَى غَيْرَهَا فَلَا يَأْكُلُهُ إذَا كَانَ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ.
(أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ فِي شَرِكَةِ غَيْرِهِ كَمَاءٍ
فَسُبِعَ أَوْ ضُرِبَ بِمَسْمُومٍ أَوْ كَلْبِ مَجُوسِيٍّ) أَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ فِي شَرِكَةِ الْمَاءِ. أَبُو زَيْدٍ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ مَقَاتِلَهُ وَأَدْرَكَهُ وَقَدْ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ وَسَهْمُهُ فِي مَقَاتِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أَصَابَ مَقَاتِلَهُ فَلَا يَقْرُبُهُ إلَّا أَنْ يُذَكِّيَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا بَيِّنٌ إنْ كَانَ مَا أَصَابَهَا بَعْدَ إنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ فَلَا يَضُرُّهُ إذْ قَدْ فَرَغَ مِنْ ذَكَاتِهَا وَهُوَ مِثْلُ مَنْ ذَبَحَ ذَبِيحَةً فَسَقَطَتْ فِي مَاءٍ فَمَاتَتْ فِيهِ أَوْ تَرَدَّتْ مِنْ جَبَلٍ أَنَّهَا تُؤْكَلُ. قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَفِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ فِي شَرِكَةِ السَّهْمِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَا مَاتَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ وَلَمْ يُنْفَذْ مَقْتَلُهُ وَلَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ طُرِحَ. ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا.
قَالَ عُمَرُ فِي كَافِيهِ: فَإِنْ أَنْفَذَ السَّهْمُ مَقَاتِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْرِيَ السُّمُّ فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ خَوْفًا مِنْ أَذَى السُّمِّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا أَنْفَذَ السَّهْمُ بِالسُّمِّ مَقَاتِلَهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ بِالْمَعْنَى مِنْ مَسْأَلَةِ الذَّبْحِ فِي الْمَاءِ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ وَصَلَ إلَى مَذْبَحِهَا فِي الْمَاءِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا خِلَافًا لِابْنِ نَافِعٍ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ فَلِمَالِكٍ لَا يُؤْكَلُ لَعَلَّ السَّهْمَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ وَأَخَافُ عَلَى مَنْ أَكَلَهُ وَهَذَا عِنْدِي إذَا لَمْ يَنْفُذْ السَّهْمُ مَقَاتِلَهُ فَإِنْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فَقَدْ ذَهَبَتْ عِلَّةُ خَوْفِهِ أَنْ يُعِينَ عَلَى قَتْلِهِ السُّمُّ بَقِيَتْ عِلَّةُ الْخَوْفِ عَلَى آكِلِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ السَّمُومِ الَّتِي يُؤْمَنُ عَلَى آكِلِهَا كَالْبَقْلَةِ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْعِلَّتَانِ وَجَازَ أَكْلُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى أَصْلِ ابْنِ نَافِعٍ انْتَهَى.
وَانْظُرْ إذَا رَمَى بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ وَلَمْ يَنْفُذْ مَقَاتِلَهُ وَأُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يُؤْكَلُ. وَنَحْوُهُ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: إنَّهُ يُؤْكَلُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِّيَ وَحَيَاتُهُ فِيهِ مُجْتَمِعَةٌ قَبْلَ أَنْ يَنْفُذَ مَقَاتِلَهُ انْتَهَى. ابْنُ رُشْدٍ: وَيَتَخَرَّجُ عَلَى الذَّبْحِ فِي الْمَاءِ وَالرَّمْيِ بِالسَّهْمِ الْمَسْمُومِ فَيَنْفُذُ مَقَاتِلَهُ الْمُنْخَنِقَةُ بِذَبْحٍ فِي الْمَاءِ فِي حَالِ خِنَاقِهَا وَهِيَ تَنْفُسُ وَعَيْنُهَا تَطْرِفُ انْتَهَى.
اُنْظُرْ ذَبْحَ الدِّيَكَةِ عِنْدَ خِنَاقِهَا بِالْعَجِينِ، هَلْ هُوَ مِنْ هَذَا؟ وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَنْ دِيكٍ أُطْعِمَ الْعَجِينَ لِيَسْمَنَ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَفِي شَقِّ الْوَدَجِ " وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ بِنَهْشِهِ " وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ فِي شَرِكَةِ كَلْبِ مَجُوسِيٍّ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إذَا أَرْسَلَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ كَلْبَيْهِمَا عَلَى صَيْدٍ فَتَعَاوَنَا أَوْ لَمْ يَتَعَاوَنَا فَلَمْ يَدْرِ أَيَّهُمَا سَبَقَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ أَنَّهُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ قَتَلَهُ وَلَمْ يُمْسِكْهُ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ أَكَلَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ إمْسَاكِهِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَإِنْ صَادَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ أَكَلَ، وَإِنْ صَادَ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ لَوْ ذَبَحَ أَحَدُهُمَا بِسِكِّينِ الْآخَرِ.
(أَوْ بِنَهْشِهِ مَا قَدَرَ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ يَضْطَرِبُ وَقَدْ أَنْفَدَتْ الْجَوَارِحُ مَقَاتِلَهُ فَأَحْسَنُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَفْرِيَ أَوْدَاجَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ أَكَلَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَدْرَكَ الْكَلْبَ وَالْبَازَ عَلَى صَيْدِهِ فَأَرَادَ أَنْ يُذَكِّيَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِنْ كَانَ قَدْ غَلَبَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْتِ التَّفْرِيطُ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ بِنَفْسِهِ فَلْيَأْكُلْهُ،
وَلَوْ كَانَ إنْ شَاءَ عَزَلَهُ عَنْهُ عَزَلَهُ وَذَكَّاهُ فَلَمْ يَعْزِلْهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا يَأْكُلُهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْ الْكَلْبِ إلَّا أَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يُذَكِّيَهُ تَحْتَهُ فَلْيُذَكِّهِ، فَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ فَلَا يَأْكُلُهُ قَالَ: وَلَوْ قَدَرَ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْ الْكِلَابِ فَذَكَّاهُ وَهُوَ فِي أَفْوَاهِهَا تَنْهَشُهُ فَلَا يُؤْكَلُ إذْ لَعَلَّهُ مِنْ نَهْشِهَا مَاتَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يُوقِنَ أَنَّهُ ذَكَّاهُ وَهُوَ مُجْتَمِعٌ قَبْلَ أَنْ تَنْفُذَ هِيَ مَقْتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ (أَوْ أَغْرَى فِي الْوَسَطِ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " بِإِرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ ".
(أَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ تَوَارَى عَنْهُ كَلْبُهُ وَالصَّيْدُ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلَى بَيْتِهِ ثُمَّ عَادَ فَأَصَابَهُ مِنْ يَوْمِهِ لَمْ يُؤْكَلْ لِاحْتِمَالِ إدْرَاكِ ذَكَاتِهِ لَوْ تَبِعَهُ. اللَّخْمِيِّ: هَذَا إنْ وَجَدَهُ غَيْرَ مَنْفُوذٍ وَلَوْ وَجَدَهُ مَنْفُوذًا فَإِنْ كَانَ بِرَمْيٍ أُكِلَ، وَبِجَارِحٍ طُرِحَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْجَارِحَ يَقْتُلُهُ سَرِيعًا لِقُوَّتِهِ وَضَعْفِ الصَّيْدِ. اللَّخْمِيِّ: وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَصَّارِ. وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ فِي السَّهْمِ وَالْجَارِحِ لَوْ رَجَعَ مِنْ اتِّبَاعِهِ اخْتِيَارًا (إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ فَإِنْ ذَكَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَنْفُذَ مَقَاتِلَهُ أُكِلَ بِالذَّبْحِ لَا بِالصَّيْدِ وَإِلَّا فَلَا، إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَرَاخَى لَمْ يَعُدْ وَهَذَا يَظْهَرُ فِي السَّهْمِ.
(أَوْ حَمَلَ الْآلَةَ مَعَ غَيْرٍ أَوْ بِخُرْجٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَدْرَكَهُ حَيًّا قَبْلَ أَنْ تَنْفُذَ الْكِلَابُ مَقَاتِلَهُ فَاشْتَغَلَ بِإِخْرَاجِ سِكِّينٍ مِنْ خُرْجٍ أَوْ بِانْتِظَارِ مَنْ مَعَهُ مِنْ عَبْدٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى تَقْتُلَهُ الْجَوَارِحُ أَوْ يَمُوتَ وَقَدْ اعْتَزَلَتْ الْجَوَارِحُ عَنْهُ، لَمْ يُؤْكَلْ لِأَنَّهُ أَدْرَكَهُ حَيًّا، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُذَكِّيَهُ ذَكَّاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ كَانَ السِّكِّينُ فِي حَقِّهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: أَوْ فِي حِزَامِهِ فَبَيْنَمَا يُخْرِجُهَا مِنْ الْحَقِّ وَمِنْ الْحِزَامِ مَاتَ الصَّيْدُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ حَمَلَهَا فِي مَوْضِعٍ تُحْمَلُ فِيهِ لَمْ يُفَرِّطْ وَاَلَّذِي حَمَلَهَا فِي الْخُرْجِ فَرَّطَ فَافْتَرَقَا.
(أَوْ بَاتَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَوَارَى عَنْهُ كَلْبُهُ وَالصَّيْدُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فِيهِ أَثَرُ كَلْبِهِ أَوْ بَازِهِ أَوْ سَهْمِهِ وَهُوَ فِيهِ أَكَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ إلَّا آخِرَ النَّهَارِ مَا لَمْ يَبِتْ، فَإِنْ بَاتَ فَلَا يَأْكُلُهُ، وَإِنْ أَنْفَذَتْ مَقَاتِلَهُ الْجَوَارِحُ أَوْ سَهْمَهُ وَهُوَ فِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَمَّا السَّهْمُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ وَإِنْ بَاتَ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: قَالَ: وَقَدْ أَمِنَ عَلَيْهِ مِمَّا يَخَافُ الْفُقَهَاءُ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ السَّهْمِ قَالَ: وَلَمْ نَجِدْ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذِهِ عَنْ مَالِكٍ ذِكْرًا فِي كُتُبِ السَّمَاعِ، وَلَا رَوَاهَا عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَمْ نَشُكَّ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَهَمَ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَبِهِ أَقُولُ. ابْنُ يُونُسَ: وَهُوَ الصَّوَابُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ.
قَالَ سُلَيْمَانُ: وَقَالَهُ سَحْنُونَ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا. الْبَاجِيُّ: وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا لَمْ يَنْفُذْ السَّهْمُ مَقَاتِلَهُ حَتَّى غَابَ عَنْهُ، أَمَّا إنْ نَفَذَ السَّهْمُ أَوْ الْكَلْبُ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ بِمُشَاهَدَةِ الصَّائِدِ ثُمَّ تَحَامَلَ الصَّيْدُ وَغَابَ عَنْهُ فَقَدْ كَمَلَتْ ذَكَاتُهُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ مَغِيبُهُ وَلَا مَبِيتُهُ.
(أَوْ صَدَمَ أَوْ عَضَّ بِلَا جُرْحٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا طَلَبَ الْجَارِحُ صَيْدًا فَمَاتَ ابْنُهَا أَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ لَمْ يُؤْكَلْ كَالْمَوْقُوذَةِ، وَلَوْ أَخَذَتْهُ الْكِلَابُ فَقَتَلَهُ بِالْعَضِّ وَالرَّضِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ تُنْبِيهِ أَوْ تُدْمِهِ لَمْ يُؤْكَلْ
كَالْمَوْقُوذَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ أَدْمَتْهُ وَلَوْ فِي أُذُنِهِ أُكِلَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الصَّيْدُ بِصَدْمِهَا فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، وَكَذَلِكَ إنْ ضَرَبْتَ الصَّيْدَ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَقْطَعْ فِيهِ لَمْ يُؤْكَلْ كَالْعَصَا وَهَذَا كُلُّهُ مَوْقُوذًا (أَوْ قَصَدَ مَا وَجَدَ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ:" أَوْ لَمْ يَرَ بِغَارٍ " لَكِنْ قَالَ الْبَاجِيُّ: الْإِرْسَالُ عَلَى غَيْرِ تَعْيِينٍ، مِثْلُ أَنْ يُرْسِلَهُ عَلَى كُلِّ صَيْدٍ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
(أَوْ أَرْسَلَ ثَانِيًا بَعْدَ مَسْكِ أَوَّلٍ وَقَتْلٍ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ ثُمَّ أَمَدَّهُ بِآخَرَ بَعْدَ أَنْ فَارَقَهُ الْأَوَّلُ فَقَتَلَاهُ أَوْ قَتَلَهُ أَحَدُهُمَا فَأَكْلُهُ جَائِزٌ. اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ قَتَلَهُ الثَّانِي وَكَانَ إرْسَالُهُ بَعْدَ أَنْ أَمْسَكَهُ الْأَوَّلُ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ.
(أَوْ اضْطَرَبَ فَأَرْسَلَ وَلَمْ يَرَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُضْطَرِبُ وَغَيْرُهُ فَتَأْوِيلَانِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي الْبَازِي يَضْطَرِبُ عَلَى شَيْءٍ يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ صَاحِبُهُ فَيُرْسِلُهُ لَا أُحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ مَا صَادَ إلَّا أَنْ يُوقِنَ أَنَّهُ الَّذِي اضْطَرَبَ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ: فَلَوْ نَوَى مَا صَادَ كَانَ الَّذِي اضْطَرَبَ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ لَا كُلَّ مَا صَادَ رَاجِعْ مَا قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَمْ يَرَ بِغَارٍ ".
(وَوَجَبَ نِيَّتُهَا) فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: مَنْ رَمَى صَيْدًا لِيُنَفِّرَهُ عَنْ مَحَلِّهِ لَا لِصَيْدٍ فَكَنَعَمٍ وَنَحْوُهُ سَمْعُ ابْنِ وَهْبٍ.
(وَتَسْمِيَةٌ إنْ ذَكَرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بُدَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الرَّمْيِ وَعِنْدَ إرْسَالِ الْجَوَارِحِ وَعِنْدَ الذَّبْحِ لِقَوْلِهِ: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4] وَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَكَلَ وَسَمَّى اللَّهَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ. التَّلْقِينُ: عَمْدُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ يُحَرِّمُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ.
(وَنَحْرُ إبِلٍ وَذَبْحُ غَيْرِهِ إنْ قَدَرَ وَجَازَ
لِلضَّرُورَةِ إلَّا الْبَقَرَ فَيُنْدَبُ الذَّبْحُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُذْبَحُ مَا يُنْحَرُ وَلَا يُنْحَرُ مَا يُذْبَحُ خَلَا الْبَقَرِ فَإِنَّ النَّحْرَ وَالذَّبْحَ فِيهَا جَائِزٌ. وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ فِيهَا الذَّبْحَ قَالَ مَالِكٌ: وَالْغَنَمُ تُذْبَحُ وَلَا تُنْحَرُ، وَالْإِبِلُ تُنْحَرُ وَلَا تُذْبَحُ، فَإِنْ نُحِرَتْ الْغَنَمُ أَوْ ذُبِحَتْ الْإِبِلُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لَمْ تُؤْكَلْ.
وَقَالَ أَشْهَبُ تُؤْكَلُ. ابْنُ يُونُسَ: وَوَجَّهَهُ لِأَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ الضَّرُورَةِ. الْبَاجِيُّ: وَالْخَيْلُ كَالْبَقَرِ. الْأَبْهَرِيُّ: إنْ نَحَرَ الْفِيلَ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِعَظْمِهِ وَجِلْدِهِ وَنَحْرُ الطَّيْرِ حَتَّى النَّعَامَةِ لَغْوٌ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهَا لَا لَبَّةَ لَهَا. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَا عَجَزَ عَنْهُ فِي مُهْوَاةٍ جَازَ فِيهِ مَا أَمْكَنَ مِنْ ذَبْحٍ وَنَحْرٍ فَإِنْ تَعَذَّرَا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُحِلُّ بِطَعْنِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا.
(كَالْحَدِيدِ) عِيَاضٌ: وَلَا يُذَكَّى بِغَيْرِ حَدِيدٍ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَهُ اتِّفَاقًا فَإِنْ فَعَلَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَسَاءَ وَلَا يَحْرُمُ أَكْلُهَا.
(وَإِحْدَادُهُ) فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: السُّنَّةُ أَنْ تُحَدَّ الشَّفْرَةُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الذَّبْحِ. وَرَأَى عُمَرُ رَجُلًا يَحُدُّ شَفْرَتَهُ وَقَدْ أَخَذَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: تُعَذِّبُ الرُّوحَ أَلَا فَعَلْتَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَهَا. ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا خَيْرَ فِي الذَّبْحِ بِمِنْجَلِ الْحَصْدِ الْمُضَرَّسِ لَا الْأَمْلَسِ، وَلَوْ قَطَعَ الْمُضَرَّسُ قَطْعَ الشَّفْرَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ
وَمَا أَرَاهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
(وَقِيَامُ الْإِبِلِ وَضَجْعُ ذَبْحٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُنْحَرُ الْبُدُنُ قَائِمَةً أَحَبُّ إلَيَّ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ تُضْجَعُ وَتُذْبَحُ.
(عَلَى أَيْسَرَ) فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: السُّنَّةُ أَخْذُ الشَّاةِ بِرِفْقٍ يُضْجِعُهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْسَرِ لِلْقِبْلَةِ رَأْسُهَا مَشْرِقَ يَأْخُذُهُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى جِلْدُ حَلْقِهَا مِنْ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ فَيَمُدُّهُ لِتَبِينَ الْبَشَرَةُ فَيَضَعُ السِّكِّينَ حَيْثُ تَكُونُ الْجَوْزَةُ فِي الرَّأْسِ ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ وَيُمِرُّ السِّكِّينَ مَرًّا مُجْهِزًا مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدٍ، فَيَرْفَعُ يَدَهُ دُونَ نَخْعٍ وَقَدْ حُدَّتْ الشَّفْرَةُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَضْرِبُ بِهَا الْأَرْضَ وَلَا يَجْعَلُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِهَا وَلَا يَجُرُّهَا بِرِجْلِهَا. وَكَرِهَ رَبِيعَةُ ذَبْحَهَا وَأُخْرَى تَنْظُرُ، وَكَرِهَ مَالِكٌ ذَبْحَهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْمَنِ إلَّا الْأَعْسَرَ، وَكَرِهَ ابْنُ حَبِيبٍ ذَبْحَ الْأَعْسَرِ.
(وَتَوَجُّهُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِنْ السُّنَّةِ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أُكِلَتْ
وَبِئْسَ مَا صَنَعَ. وَنَهَى مَالِكٌ الْجَزَّارِينَ يَدُورُونَ حَوْلَ الْحُفْرَةِ يَذْبَحُونَ حَوْلَهَا وَأَمَرَهُمْ بِتَوْجِيهِهَا إلَى الْقِبْلَةِ. مُحَمَّدٌ: تَرْكُ تَوْجِيهِهَا لِلْقِبْلَةِ سَهْوًا عَفْوٌ وَعَمْدًا لَا أُحِبُّ أَكْلَهَا. ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ كَانَ عَمْدًا لَا جَهْلًا لَمْ تُؤْكَلْ.
(وَإِيضَاحُ الْمَحَلِّ) تَقَدَّمَ نَصُّ مُحَمَّدٍ لِتَبَيُّنِ الْبَشَرَةُ (وَفَرْيُ وَدَجَيْ صَيْدٍ أُنْفِذَ مَقْتَلُهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: أَحْسَنُ أَنْ يَفْرِيَ أَوْدَاجَهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَكَلَهُ (وَفِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِالظُّفْرِ وَالسِّنِّ أَوْ إنْ انْفَصِلَا أَوْ بِالْعَظْمِ أَوْ مَنْعِهِمَا خِلَافٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ احْتَاجَ أَنْ يَذْبَحَ بِمَرْوَةِ أَوْ عُودٍ أَوْ عَظْمٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ ذَبَحَ بِذَلِكَ وَمَعَهُ سِكِّينٌ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ إذَا أَفْرَى الْأَوْدَاجَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ أَسَاءَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَالْمَرْوَةُ حِجَارَةٌ بِيضٌ صُلْبَةٌ حِدَادٌ وَالْعَظْمُ يَجُوزُ بِهِ الذَّبْحُ ذَكِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَكِيٍّ، وَأَمَّا السِّنُّ وَالظُّفْرُ الْمَنْهِيُّ عَنْ التَّذْكِيَةِ بِهِمَا فَهُمَا الْمُرَكَّبَانِ فِي فَمِ الْإِنْسَانِ وَفِي أُصْبُعِهِ، فَإِنْ كَانَا مَنْزُوعَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِالذَّبْحِ بِهِمَا إذَا أَمْكَنَ. التَّلْقِينُ: وَفَلَقَةُ الْقَصَبَةِ. وَتَقَدَّمَ نَصُّ عِيَاضٍ: إنَّ هَذَا كُلَّهُ إنَّمَا هُوَ مَعَ الضَّرُورَةِ. انْتَهَى مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ عَرَفَةَ.
(وَحَرُمَ اصْطِيَادُ مَأْكُولٍ إلَّا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ) اللَّخْمِيِّ: الصَّيْدُ لِلْعَيْشِ اخْتِيَارًا مُبَاحٌ وَلِسَدِّ خَلَّتِهِ وَلِتَوْسِيعِ ضِيقِ عَيْشِهِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَلِإِحْيَاءِ
نَفْسٍ وَاجِبٌ وَلِلَّهْوِ مَكْرُوهٌ، وَأَبَاحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَدُونَ نِيَّةٍ أَوْ لِمُضَيِّعٍ وَاجِبًا حَرَامٌ (إلَّا بِكَخِنْزِيرٍ فَيَجُوزُ) اللَّخْمِيِّ: صَيْدُ الْخِنْزِيرِ لِأَكْلِهِ غَيْرَ مُضْطَرٍّ حَرَامٌ. وَلِمُضْطَرٍّ قَالَ الْوَقَارُ: يُسْتَحَبُّ فِيهِ نِيَّةُ ذَكَاتِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَيْتَةً لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَتَذْكِيَةُ الْمَيْتَةِ لَغْوٌ. اللَّخْمِيِّ: وَصَيْدُهُ لِقَتْلِهِ جَائِزٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ: مَنْ وَرِثَ مِنْ عَبْدِهِ النَّصْرَانِيِّ خِنْزِيرًا سَرَّحَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ» ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بُيُوتَ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً وَأَنْ يُرِيدَ جَمِيعَ الْبُيُوتِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا فَيُسْتَحَبُّ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تُقْتَلَ حَيَّاتُ الْبُيُوتِ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ بِخِلَافِ حَيَّاتِ الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا حَيَّاتُ الصَّحَارَى وَالْأَوْدِيَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:«خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» فَذَكَرَ فِيهِنَّ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ، فَيُقْتَلُ مَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِ مِنْ الْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْحَدَأَةِ وَالْوَزَغَةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ رُشْدٍ. وَانْظُرْ حُكْمَ الْكَلْبِ غَيْرِ الْعَقُورِ فِي الْبُيُوعِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَيُقْتَلُ كُلُّ مَا يُؤْذِي مِنْ الدَّوَابِّ كَالْبُرْغُوثِ وَالْقَمْلَةِ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالنَّارِ.
(كَذَكَاةِ مَا لَا يُؤْكَلُ إنْ أَيِسَ مِنْهُ) سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الدَّابَّةِ الَّتِي يُؤْكَلُ لَحْمُهَا تَعْيَا فِي أَرْضٍ لَا عَلَفَ فِيهَا فَقَالَ: يَدَعُهَا وَلَا يَذْبَحُهَا قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ دَابَّةٌ مَرِيضَةٌ يَئِسَ مِنْ النَّفْعِ بِهَا عَلَى كُلِّ وَجْهٍ فَذَبْحُهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ تَرْكِهَا. ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا قَالَ فِي الدَّابَّةِ الَّتِي تَعْيَا أَنَّهُ يَدَعُهَا، رَجَاءَ أَنْ يَجِدَهَا مَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا حَتَّى تَصِحَّ، ثُمَّ إنْ وَجَدَهَا صَاحِبُهَا قَدْ صَحَّتْ عِنْدَ الَّذِي قَامَ عَلَيْهَا فَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الَّذِي قَامَ عَلَيْهَا مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَاسْتَحَبَّ فِي الَّتِي يَئِسَ مِنْ الْمُنْتَفَعِ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ يَذْبَحَهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ رَاحَتَهَا، وَهَذَا هُوَ الْآتِي عَلَى مَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ أَنَّ الْقِطَطَ الصِّفَارَ يَجُوزُ قَتْلُهَا إذَا قَلَّ غِذَاءُ أُمَّهَاتِهَا وَأَمَّا الْكِبَارُ فَحَكَى الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ إذَا خَرَجَتْ إذَايَتُهَا عَنْ عَادَةِ الْقِطَطِ وَتَكَرَّرَتْ قُتِلَتْ.
(وَكُرِهَ ذَبْحٌ بِدُونِ حُفْرَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَتَوْجِيهُهُ "(وَسَلْخٌ أَوْ قَطْعٌ قَبْلَ الْمَوْتِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبْدَأَ الْجَزَّارُ بِسَلْخِ الشَّاةِ قَبْلَ أَنْ تَزْهَقَ نَفْسُهَا قَالَ: وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا وَلَا شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسُهَا فَإِنْ فَعَلَتْ أُكِلَتْ مَعَ مَا قُطِعَ مِنْهَا.
(كَقَوْلِ مُضَحٍّ: اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ) أَنْكَرَ مَالِكٌ قَوْلَ الْمُضَحِّي: اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ وَقَالَ: هَذِهِ بِدْعَةٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ قَالَ هَذَا الذِّكْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ وَأُجِرَ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَأَوَّلَ قَوْلَ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَبْيَنُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم دُعَاءٌ لَهُ فَلَا وَجْهَ لِكَرَاهَتِهِ.
(وَتَعَمُّدُ إبَانَةِ رَأْسٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ذَبَحَ فَتَرَامَتْ يَدُهُ إلَى أَنْ أَبَانَ الرَّأْسَ أُكِلَتْ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ وَبَدَأَ فِي قَطْعِهِ بِالْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ أُكِلَتْ لِأَنَّهَا كَذَبِيحَةٍ ذُكِّيَتْ ثُمَّ عَجَّلَ قَطْعَ رَأْسِهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ أَنْ تُؤْكَلَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ (وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ الْأَكْلِ إنْ قَصَدَهُ أَوَّلًا) لَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ إلَّا مَا تَقَدَّمَ فَانْظُرْهُ أَنْتَ.
(وَدُونَ نِصْفٍ أُبِينَ مَيْتَةٌ إلَّا الرَّأْسَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا قَطَعَ الْكَلْبُ أَوْ الْبَازُ عُضْوًا مِنْ الصَّيْدِ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ فَخِذٍ أَوْ جَنَاحٍ أَوْ خَطْمٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَبَانَهُ فَلْيُذْكِهِ وَيَأْكُلْ بَقِيَّتَهُ دُونَ مَا أَبَانَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ وَفَاتَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلْيَأْكُلْهُ دُونَ مَا أَبَانَ مِنْهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ إنْ ضَرَبْتَ صَيْدًا فَأَبَنْتَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ أَبْقَيْتَهُ مُعَلَّقًا بِالْجِلْدِ بَقَاءً لَا يَعُودُ لِهَيْئَتِهِ أَبَدًا فَإِنَّهُ يُذَكَّى وَيُؤْكَلُ دُونَ مَا تَعَلَّقَ مِنْهُ أَوْ بَانَ قَالَ: فَأَمَّا إنْ كَانَ مَا تَعَلَّقَ مِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَلْتَحِمُ وَيَعُودُ لِهَيْئَتِهِ فَلْيُؤْكَلْ جَمِيعُهُ.
قَالَ: وَإِنْ ضَرَبْتَهُ فَأَبَنْتَ رَأْسَهُ أَوْ ضَرَبْتَ رَأْسَهُ فَجَزَلْتَهُ نِصْفَيْنِ فَلْيَأْكُلْ جَمِيعَهُ. ابْنُ يُونُسَ: الْعِلَّةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ ضَرْبَةٍ بَلَغَتْ الْمَقَاتِلَ فَجَذَلَتْ ذُكِّيَ كُلُّهُ إذْ لَا حَيَاةَ لِصَيْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا، وَكُلُّ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْمَقَاتِلَ وَأَمْكَنَ أَنْ يَحْيَا الصَّيْدُ بَعْدَهُ فَاَلَّذِي جُزِلَ مِنْهُ مَيْتَةٌ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أُخِذَ مِنْ الْحَيِّ مِمَّا جَرَى فِيهِ الدَّمُ فَهُوَ مَيْتَةٌ إذْ لَا يُذَكِّي شَخْصٌ مَرَّتَيْنِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْكَلْ مَا جُذِلَ مِنْهُ مِنْ يَدٍ أَوْ جَنَاحٍ.
(وَمَلَكَ الصَّيْدَ الْمُبَادِرُ وَإِنْ تَنَازَعَ قَادِرُونَ فَبَيْنَهُمْ) قِيلَ لِسَحْنُونٍ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا سَائِرِينَ فِي طَرِيقٍ فَوَجَدَ أَحَدُهُمْ عُشًّا فَقَالَ هَذَا الْعُشُّ لِي أَنَا رَأَيْتَهُ قَبْلَكُمْ فَلَا تَأْخُذُوهُ فَبَدَرَهُ إلَيْهِ رَجُلٌ فَأَخَذَهُ قَالَ: هُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ وَلَيْسَ قَوْلُهُ
هُوَ لِي قَبْضًا مِنْهُ وَلَا حِيَازَةً لَهُ. قِيلَ: فَلَوْ وَجَدُوهُ كُلُّهُمْ فَبَدَرَ إلَيْهِ أَحَدُهُمْ فَأَخَذَهُ فَقَالَ: هُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ. قِيلَ: فَلَوْ وَجَدُوهُ كُلُّهُمْ فَأَرَادَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ وَتَدَافَعُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَتْرُكْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَصِلُ إلَيْهِ قَالَ: إذَنْ أَقْضِي بِهِ بَيْنَهُمْ خَوْفًا أَنْ يَقْتَتِلُوا عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ لَا خِلَافَ فِيهَا.
(وَإِنْ نَدَّ وَلَوْ مِنْ مُشْتَرٍ فَلِلثَّانِي لَا إنْ تَأَنَّسَ وَلَمْ يَتَوَحَّشْ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِيمَا نَدَّ مِنْ صَائِدِهِ وَصَادَهُ غَيْرُهُ طَرِيقَانِ. اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ: إنْ صِيدَ قَبْلَ تَوَحُّشِهِ وَبَعْدَ تَأَنُّسِهِ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ اتِّفَاقًا، وَلَوْ صَادَهُ بَعْدَ تَوَحُّشِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ لِلثَّانِي. ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِنْ مَلَكَهُ الْأَوَّلُ بِشِرَاءٍ فَهَلْ يَكُونُ كَالْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: هُوَ كَالْأَوَّلِ.
وَقَالَ ابْنِ الْكَاتِبِ: هَذَا يَكُونُ لِلْأَوَّلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ يُحْيِيهَا الْإِنْسَانُ ثُمَّ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَرْجِعَ إلَى حَالِهَا قَبْلَ الْإِحْيَاءِ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِمَنْ أَحْيَاهَا ثَانِيًا، وَإِنْ اشْتَرَاهَا ثُمَّ تَرَكَهَا فَإِنَّهَا لَا تَزُولُ عَنْ مِلْكِهِ.
(وَاشْتَرَكَ طَارِدٌ مَعَ ذِي حِبَالَةٍ قَصَدَهَا وَلَوْلَاهَا لَمْ يَقَعْ بِحَسَبِ فِعْلِهِمَا) سَمِعَ عِيسَى ابْنُ الْقَاسِمِ الرَّجُلَ يَنْصِبُ حِبَالَةً لِلصَّيْدِ أَوْ فَخًّا أَوْ يَعْمَلُ حُفْرَةً لِيَقَعَ فِيهَا الصَّيْدُ فَيَخْرُجُ قَوْمٌ فَيَطْرُدُونَ صَيْدًا إلَى ذَلِكَ الْمَنْصِبِ لِيَقَعَ فِيهِ، هَلْ تَرَى لِصَاحِبِ الْحُفْرَةِ أَوْ الْفَخِّ أَوْ الْحِبَالَةِ شَيْئًا مِنْ الصَّيْدِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَرَى أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ شَرِيكًا فِي ذَلِكَ الصَّيْدِ بِقَدْرِ مَا يَرَى لَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ قَاسِمٍ هَذَا عَلَى مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا إشْكَالَ عَلَى مَذْهَبِهِ إذَا طَرَدُوهُ إلَى الْمَنْصِبِ وَقَصَدُوا إيقَاعَهُ فِيهِ وَهُمْ مُتَّبِعُونَ لَهُ عَلَى قُرْبٍ مِنْهُ أَوْ بُعْدٍ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ بِقَدْرِ مَا يَرَى لَهُ وَلَهُمْ.
وَكَذَلِكَ لَا إشْكَالَ عَلَى مَذْهَبِهِ إذَا كَانُوا عَلَى بُعْدٍ مِنْهُ وَأَيِسَ مَا أَخَذَهُ فَمَشَى بِاخْتِيَارِهِ وَهُوَ قَدْ انْقَطَعَ عَنْهُمْ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ أَنَّهُ
لِصَاحِبِهِ وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ. وَكَذَلِكَ لَا إشْكَالَ عَلَى مَذْهَبِهِ لَوْ طَرَدُوا صَيْدًا لِيَأْخُذُوهُ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ إيقَاعَهُ فِي الْمَنْصِبِ فَلَمَّا أَعْيَوْهُ أَشْرَفُوا عَلَى أَخْذِهِ، وَكَانَ كَالشَّيْءِ الَّذِي قَدْ مَلَكُوهُ وَحَازُوهُ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَقَعَ فِي الْمَنْصِبِ دُونَ أَنْ يَقْصِدُوا إيقَاعَهُ فِيهِ أَنَّهُ لَهُمْ وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الْمَنْصِبِ فِيهِ.
وَانْظُرْ لَوْ كَانُوا إنَّمَا طَرَدُوهُ وَأَعْيَوْهُ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ إيقَاعَهُ فِي الْمَنْصِبِ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى أَخْذِهِ قَصَدُوا إيقَاعَهُ فِي الْمَنْصِبِ لِيَخِفَّ عَنْهُمْ فِي أَخْذِهِ بَعْضُ النَّصَبِ. وَاَلَّذِي يَنْبَغِي عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ وَيَكُونَ عَلَيْهِمْ لِصَاحِبِ الْمَنْصِبِ قِيمَةُ انْتِفَاعِهِمْ بِمَنْصِبِهِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ لَوْ طَرَدُوا صَيْدًا إلَى دَارِ رَجُلٍ فَأَخَذُوهُ فِيهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَأَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي هَذَا (وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَأَيِسَ مِنْهُ فَلِرَبِّهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: لَا إشْكَالَ إذَا كَانُوا عَلَى بُعْدٍ مِنْهُ وَأَيِسَ مِنْ أَخْذِهِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ (وَعَلَى تَحْقِيقٍ بِغَيْرِهَا فَلَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: لَوْ كَانَ كَالشَّيْءِ الَّذِي مَلَكُوهُ وَوَقَعَ فِي الْمَنْصِبِ دُونَ أَنْ يَقْصِدُوا إيقَاعَهُ فِيهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الْمَنْصِبِ فِيهِ (كَالدَّارِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: يَكُونُ لِصَاحِبِ الْمَنْصِبِ قِيمَةُ انْتِفَاعِهِمْ بِمَنْصِبِهِ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ لَوْ طَرَدُوا صَيْدًا إلَى دَارِ رَجُلٍ فَانْظُرْهُ مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ.
(إلَّا أَنْ لَا يَطْرُدَهُ لَهَا فَلِرَبِّهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ طَرَدَ صَيْدًا حَتَّى دَخَلَ دَارَ قَوْمٍ فَإِنْ اضْطَرَّهُ وَجَوَارِحَهُ إلَيْهَا فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَضْطَرَّهُ وَكَانَ عَلَى بُعْدٍ مِنْهُ فَهُوَ لِرَبِّ الدَّارِ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ الصَّيْدُ غَيْرَ مَقْهُورٍ وَلَا مَضْغُوطٍ بِالطَّلَبِ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَذْهَبَ إلَى غَيْرِ طَرِيقِ الْمَنْصِبِ لِعُذْرٍ فَأَرَاهُ لِصَاحِبِ الْمَنْصِبِ وَلَا شَيْءَ لِطَالِبِهِ.
قَالَ ابْنُ حَارِثٍ: وَلَوْ لَمْ يَضْطَرَّهُ طَارِدٌ لِلدَّارِ فَدَخَلَهَا الصَّيْدُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِرَبِّ الدَّارِ.
(وَضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَهُ ذَكَاتُهُ وَتَرَكَ) . ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ مَرَّ بِالصَّيْدِ غَيْرُ صَاحِبِهِ فَرَآهُ فِي مَخَالِبِ الْبَازِي أَوْ فِي فَمِ الْكَلْبِ وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهِ فَتَرَكَهُ وَلَمْ يَلْحَقْهُ صَاحِبُهُ حَتَّى فَاتَ بِنَفْسِهِ فَلَا يُؤْكَلُ، وَغَيْرُ صَاحِبِهِ فِي
هَذَا مِثْلُ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لِأَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَ الْمَارَّ بِهِ ذَكَاتُهُ فَكَانَ كَرَبِّهِ وَفِي هَذَا بُعْدٌ، لِأَنَّ رَبَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْ ذَكَاتِهِ حَتَّى مَاتَ بِنَفْسِهِ.
وَمَنْ رَآهُ فِي فَمِ الْكَلْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُذَكِّيَهُ بَلْ يُقَالُ لَهُ قَتَلْتَهُ فَعَلَيْكَ قِيمَتُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي ضَمَانِ الْمَارِّ طُرُقٌ. ابْنُ مُحْرِزٍ: فِيهِ نَظَرٌ. ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَنْصُوصُ أَنَّ الْمَارَّ بِهِ يَضْمَنُهُ لِصَاحِبِهِ. قَالَهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ. اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّاةِ يَجِدُهَا مَرِيضَةً فَلَا يَلْزَمُهُ ذَكَاتُهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ تَرَكَ بِاتِّفَاقٍ. (كَتَرْكِ تَخْلِيصِ مُسْتَهْلَكٍ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ بِيَدِهِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: أَجْرَى ابْنُ مُحْرِزٍ عَلَى هَذَا فُرُوعًا مِنْهَا: أَنْ يَرَى إنْسَانًا يَسْتَهْلِكُ نَفْسَ إنْسَانٍ أَوْ مَالَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى خَلَاصِهِ فَلَا يَفْعَلُ حَتَّى يَهْلَكَ (أَوْ شَهَادَتِهِ) .
ابْنُ بَشِيرٍ: وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِإِنْسَانٍ فَلَا يُؤَدِّيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى تَلَفِهِ أَوْ تَلَفِ مَالِهِ (أَوْ بِإِمْسَاكِ وَثِيقَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ فَلَا يُخْرِجُهَا حَتَّى يَقَعَ التَّلَفُ أَيْضًا (أَوْ تَقْطِيعُهَا) . ابْنُ بَشِيرٍ: أَمَّا لَوْ قَطَعَ إنْسَانٌ وَثِيقَةَ إنْسَانٍ حَتَّى ضَاعَ مَا فِيهَا فَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ فِي ضَمَانِهِ (وَفِي قَتْلِ شَاهِدَيْ حَقٍّ تَرَدُّدٌ) . ابْنُ بَشِيرٍ: دُونَ هَذَا فِي الْمَرْتَبَةِ أَنْ يَقْتُلَ شَاهِدَيْهِ اللَّذَيْنِ يَشْهَدَانِ لَهُ بِحَقٍّ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَتَعَدَّ عَلَى نَفْسِ الشَّهَادَةِ إنَّمَا تَعَدَّى عَلَى سَبَبِهَا، فَهُوَ بِلَا شَكٍّ أَضْعَفُ مِنْ الْأَوَّلِ، وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا رَجَعَ الْمُزَكِّي أَوْ شَاهِدُ الْإِحْصَانِ (وَتَرْكِ مُوَاسَاةٍ وَجَبَتْ بِخَيْطٍ لِجَائِفَةٍ) . ابْنُ بَشِيرٍ: وَمِنْهَا أَنْ يَجْرَحَ إنْسَانٌ جُرْحَ جَائِفَةٍ أَوْ غَيْرَهَا فَيُمْسِكُ عَنْهُ آخَرُ مَا يَخِيطُ بِهِ حَتَّى يَهْلِكَ (وَفَضْلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ لِمُضْطَرٍّ) .
ابْنُ بَشِيرٍ: وَمِنْهَا أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ مُوَاسَاةُ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَفْعَلُ حَتَّى يَهْلِكَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا أَصْلٌ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ (وَعُمُدٍ وَخَشَبٍ فَيَقَعُ الْجِدَارُ) . ابْنُ مُحْرِزٍ: إنْ وَجَبَ ضَمَانُ الْمَارِّ وَجَبَ فِي التَّلَفِ بِتَرْكِ مُوَاسَاةٍ بِفَضْلِ سَقْيِ زَرْعٍ أَوْ مَاسِكِ حَائِطِ جَارٍ عَنْ سُقُوطِهِ أَوْ الْتِقَاطِ مَالٍ ذِي قَدْرٍ (لَهُ لِثَمَنٍ إنْ وُجِدَ) سَيَأْتِي النَّصُّ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَطَعَامُ غَيْرٍ إنْ لَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ ". وَخَرَّجَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةً سُئِلَ عَنْهَا وَهِيَ: صَاحِبُ حَبْسٍ حُوسِبَ فَشَطَّ دَخْلُهُ عَلَى خُرُوجِهِ فَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ بَاقِيًا عِنْدَ سُكَّانِ
رُبْعِ الْحَبْسِ وَاطَّلَعَ عَلَى هَذَا بَعْدَ وَفَاةِ صَاحِبِ الْحَبْسِ، هَلْ تَرَوْنَ يَمِينًا عَلَى مَنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ مِنْ الْوَرَثَةِ؟ فَأَجَابَ: السُّؤَالُ عَنْ تَوْجِيهِ الْيَمِينِ كَالدَّلِيلِ عَلَى وُضُوحِ عَدَمِ تَضْمِينِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّوَابُ إنْ قَامَ دَلِيلٌ بِتَفْرِيطِهِ تَضْمِينُهُ، وَنَزَلْت أَيَّامَ الْقَاضِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَضَى بِتَضْمِينِهِ وَأَظُنُّ دَلِيلَهُ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَةَ التَّضْمِينِ بِالتَّرْكِ الْمَشْهُورِ. ذَكَرَهَا فِي كِتَابِ الصَّيْدِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي الْوَصِيِّ إذَا بَوَّرَ أَرْضَ الْيَتِيمِ حَتَّى نَقَصَتْ أَنَّ عَلَيْهِ غُرْمَ مَا نَقَصَهُ. وَلِلَّخْمِيِّ مَا يَقْرُبُ مِنْ هَذَا فِي دَلَالِيِّ الطَّعَامِ.
(وَأُكِلَ الْمُذَكَّى وَإِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ) . ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِي الْمَرِيضَةِ وَإِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهَا إذَا وَجَدَ دَلِيلَ الْحَيَاةِ فِيهَا حِينَ الذَّكَاةِ (بِتَحَرُّكٍ قَوِيٍّ) . ابْنُ رُشْدٍ: الْحَرَكَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ اسْتِفَاضَةِ نَفَسِهَا فِي حَلْقِهَا دَلِيلٌ عَلَى الْحَيَاةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَأَدْنَى الْحَرَكَةِ أَنْ تَطْرِفَ بِعَيْنِهَا أَوْ تُحَرِّكَ ذَنَبَهَا أَوْ تَرْكُضَ بِرِجْلِهَا أَوْ يُوجَدَ مِنْهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الْحَرَكَةِ وَهُوَ اسْتِفَاضَةُ نَفَسِهَا فِي حَلْقِهَا، وَعِبَارَةُ ابْنِ حَبِيبٍ فِي جَوْفِهَا أَوْ مَنْخِرَيْهَا. ابْنُ بَشِيرٍ: وَحَرَكَةُ الِارْتِعَاشِ وَالِارْتِعَادِ وَمَدِّ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ قَبْضِهَا لَغْوٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي لَغْوِ الْقَبْضِ نَظَرٌ. اللَّخْمِيِّ: وَحَرَكَةُ الذَّنَبِ أَقْوَى مِنْ حَرَكَةِ الْعَيْنِ. فَإِنْ وُجِدَتْ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ فِي حَالِ الذَّبْحِ خَاصَّةً فَلِابْنِ حَبِيبٍ تُؤْكَلُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَاجِيُّ غَيْرَهُ، وَلِابْنِ نَافِعٍ أَيْضًا كَذَلِكَ مَا مُقْتَضَاهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْحَرَكَةِ حَالَ الذَّبْحِ لَا بَعْدَ الذَّبْحِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ كَثِيرٌ، ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا سَيَلَانُ الدَّمِ دُونَ الْحَرَكَةِ فَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْحَيَاةِ فِي الصَّحِيحَةِ خَاصَّةً (مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: الْحَرَكَةُ دَلِيلٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ (وَسَيْلُ دَمٍ إنْ صَحَّتْ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: سَيَلَانُ الدَّمِ دُونَ حَرَكَةٍ دَلِيلٌ فِي الصَّحِيحَةِ خَاصَّةً (إلَّا الْمَوْقُوذَةَ وَمَا مَعَهَا الْمَنْفُوذَةُ الْمَقَاتِلِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُصَابَةُ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا مَانِعَ عَيْشِهَا غَالِبًا كَصَحِيحَةٍ وَالْمُصَابَةُ بِمَا أَنْفَذَ مَقْتَلَهَا فِيهَا طُرُقٌ. الْبَاجِيُّ: ذَكَاتُهَا لَغْوٌ اتِّفَاقًا. ابْنَ رُشْدٍ: مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى {إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ أَجَازَ ذَكَاةَ الْمُنْخَنِقَةِ وَأَخَوَاتِهَا، وَإِنْ صَارَتْ الْبَهِيمَةُ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ إلَى حَالِ الْيَأْسِ مَا لَمْ يَنْفُذْ لَهَا ذَلِكَ مَقْتَلًا، وَذَلِكَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ وَإِحْدَى رِوَايَتَيْ أَشْهَبَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ الرِّسَالَةَ فَظَاهِرُهَا أَنَّ
الْمَوْقُوذَةَ وَأَخَوَاتِهَا إنْ بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَا تَعِيشُ مَعَهُ لَا تَنْفَعُ فِيهَا الذَّكَاةُ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ.
(بِقَطْعِ نُخَاعٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ الْمَقَاتِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا انْقِطَاعُ النُّخَاعِ وَهُوَ الْمُخُّ الَّذِي فِي عَظْمِ الرَّقَبَةِ وَالصُّلْبِ. الْبَاجِيُّ: وَهُوَ الْمُخُّ الْأَبْيَضُ الَّذِي فِي وَسَطِ فَقَارِ الْعُنُقِ وَالظَّهْرِ، فَإِنْ انْدَقَّ الْعُنُقُ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعِ نُخَاعِهِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَا كَسْرُ الصُّلْبِ وَلَمْ يَنْقَطِعْ النُّخَاعُ (وَنَثْرِ دِمَاغٍ) . الْبَاجِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ: مِنْ الْمَقَاتِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا انْتِثَارُ الدِّمَاغِ. عَبْدُ الْحَقِّ: وَشَدْخُ الرَّأْسِ دُونَ انْتِثَارِ الدِّمَاغِ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ.
وَمِنْ نَوَازِلِ ابْنِ لُبٍّ: مَعْنَى انْتِثَارِ الدِّمَاغِ أَنْ يَبْرُزَ شَيْءٌ مِنْ الْمُخِّ الَّذِي فِي الصِّفَاقِ وَيَنْفَصِلَ عَنْ مَقَرِّهِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ ابْنُ الشَّيْخِ: إذَا انْفَصَلَ الْمُخُّ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ وَلَمْ يَنْقَطِعْ النُّخَاعُ فَالصَّحِيحُ جَوَازُ الْأَكْلِ وَيُبَيِّنُ إذَا بَاعَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يَتَخَرَّجُ عَلَى شَقِّ الْوَدَجِ شَقُّ النُّخَاعِ.
وَقَالَ ابْنُ لُبٍّ: الْخِلَافُ فِي شَقِّ الْوَدَجِ وَالْمَصِيرِ خِلَافٌ فِي شَهَادَةٍ هَلْ يَلْتَئِمُ أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْتَئِمُ بِخِلَافِ الْقَطْعِ. وَسُئِلَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ رحمه الله عَمَّنْ وَجَدَ بَعْدَ السَّلْخِ جُرْحًا فِي الْقَلْبِ، فَأَجَابَ: إنْ كَانَ يَسِيرًا يُمْكِنُ أَنْ لَا يُصِيبَهَا مِنْهُ مَوْتٌ فَلَا بَأْسَ (أَوْ حُشْوَةٍ) .
ابْنُ رُشْدٍ وَالْبَاجِيُّ: مِنْ الْمَقَاتِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ انْتِثَارُ الْحُشْوَةِ. عَبْدُ الْحَقِّ: وَشَقُّ الْجَوْفِ دُونَ قَطْعِ مَصِيرٍ وَدُونَ انْتِثَارِ شَيْءٍ مِنْ الْحُشْوَةِ غَيْرَ مَقْتَلٍ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: إذَا انْشَقَّ الْجَوْفُ فَانْتَثَرَتْ مِنْهُ الْحُشْوَةُ وَلَمْ تَنْقَطِعْ فَلَيْسَ انْتِثَارُهَا حِينَئِذٍ بِمَقْتَلٍ لِأَنَّهَا قَدْ تَرِدُ، وَأَمَّا قَرْضُ الْمُصْرَانِ وَانْبِتَاتُ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَقْتَلٌ بِخِلَافِ شَقِّهِ.
وَفِي الصِّحَاحِ: الْحُشْوَةُ كُلُّ مَا حَوَاهُ الْبَطْنُ مِنْ كَبِدٍ وَطِحَالٍ وَرِئَةٍ وَأَمْعَاءٍ وَكُلًى وَقَلْبٍ.
وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ رحمه الله يَقُولُ: انْتِثَارُ الْحُشْوَةِ انْقِطَاعُهَا، وَأَمَّا شَقُّ شَيْءٍ مِنْهَا أَوْ ثَقْبُهُ فَيَظْهَرُ أَنْ لَا
يَكُونَ مَقْتَلًا، وَرَأَيْتُ لِابْنِ الْجَمَاعَةِ: اخْتَلَفَ فِي شَقِّ الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَالْمِرَّةِ وَالْكُلْوَةِ وَالْأُنْبُولَةِ وَالدَّوَّارَةِ وَالْمَبْعَرِ وَالْكَرِشِ وَالرِّئَةِ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ الذَّكَاةَ، وَمِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ ابْنُ غَلَّابٍ: تُكْرَهُ الذَّبِيحَةُ بِثَمَانٍ: شَقُّ الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَالْكُلْوَةِ وَالْأُنْبُولَةِ وَالْمَنْحَرِ وَالدَّوَّارَةِ وَالْمِرَّةِ، فَمَا كَثُرَ شَقُّهُ كَرَاهَتَهُ تَحْرِيمٌ وَإِلَّا فَتَنْزِيهٌ، وَمِنْ كُتُبِ الطِّبِّ قَالَ بُقْرَاطُ: مَنْ انْخَرَقَتْ كَبِدُهُ مَاتَ (وَفَرْيِ وَدَجٍ) .
الْبَاجِيُّ: مِنْ الْمَقَاتِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فَرْيُ الْأَوْدَاجِ. وَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ خَرْقُ الْأَوْدَاجِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ يُونُسَ شَقُّ الْأَوْدَاجِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: انْشِقَاقُ الْأَوْدَاجِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لَيْسَ مَقْتَلًا.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ هُوَ مَقْتَلٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: يَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ النُّخَاعُ (وَثَقْبِ مُصْرَانٍ) . الْبَاجِيُّ: مِنْ الْمَقَاتِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا انْفِتَاقُ الْمُصْرَانِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ خَرْقُ الْمُصِيرِ.
قَالَ ابْنُ لُبٍّ: الصَّحِيحُ أَنَّ شَقَّ الْمُصِيرِ الْأَعْلَى لَيْسَ بِمَقْتَلٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْتَئِمُ بِخِلَافِ الْقَطْعِ وَالِانْتِثَارِ جُمْلَةً فَإِنَّهُ لَا يَلْتَئِمُ أَصْلًا، وَهَكَذَا ثَقْبُ شَيْءٍ مِنْ الْمُصْرَانِ فِي الْحُشْوَةِ، وَفِي غَيْرِهَا إنَّمَا الْمَقْتَلُ فِيهَا كُلُّهَا الْقَطْعُ وَالِانْتِثَارُ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُصِيرَ الْأَعْلَى وَهُوَ الْمَرِيءُ أَنَّهُ مَقْتَلٌ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ فِي خَرْقِ الْمُصِيرِ أَنَّهُ مَقْتَلٌ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا خُرِقَ أَعْلَاهُ فِي مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَيَصِيرَ إلَى حَالِ الرَّجِيعِ، وَأَمَّا إذَا خُرِقَ أَسْفَلُهُ حَيْثُ يَكُونُ الرَّجِيعُ فَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّا وَجَدْنَا كَثِيرًا مِنْ الْحَيَوَانِ وَمِنْ بَنِي آدَمَ يُجْرَحُ فَيَخْرُجُ مَصِيرُهُ فِي مَجْرَى الرَّجِيعِ فَيَخْرُجُ الرَّجِيعُ عَلَى ذَلِكَ الْجُرْحِ وَيَعِيشُ مَعَ ذَلِكَ زَمَانًا وَهُوَ مُتَصَرِّفٌ يُقْبِلُ وَيُدْبِرُ.
وَلَوْ خُرِقَ فِي مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَمَا عَاشَ إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ طُعِنَ فَسُقِيَ اللَّبَنَ فَخَرَجَ مِنْ الْجُرْحِ عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ؟ وَالصَّوَابُ فُتْيَا ابْنِ رِزْقٍ بِجَوَازِ أَكْلِ ثَوْرٍ ذُبِحَ فَوُجِدَ كَرِشُهُ مَثْقُوبًا وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ إنْ بَاعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا نَقْلُ عَدَدِ التَّوَاتُرِ مِنْ كَاسِي الْبَقَرِ بِإِفْرِيقِيَّةَ أَنَّهُمْ يَثْقُبُونَ كَرِشَ الثَّوْرِ لِبَعْضِ الْأَدْوَاءِ فَيَزُولُ عَنْهُ مَا بِهِ. وَسُئِلَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ثَوْرٍ رَقَدَ بِمَا أَكَلَ مِنْ الشَّعِيرِ فَذُبِحَ فَإِذَا مَصَارِينُهُ قَدْ تَقَطَّعَتْ فَقَالَ يُؤْكَلُ. الْبُرْزُلِيِّ: لَعَلَّهَا كَانَتْ السُّفْلَى الَّتِي تَلِي الْكَرِشَ، وَأَمَّا الْمَصَارِينُ الْعُلْيَا الَّتِي يَجْرِي مَعَهَا الطَّعَامُ فَإِنَّهَا مَقْتَلٌ.
قَالَ: وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَنْ دِيكٍ أُطْعِمَ الْعَجِينَ لِيَسْمَنَ فَدَخَلَ فِي حَلْقِهِ فَخِيفَ فَذُبِحَ فَسَالَ الدَّمُ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ فَأَجَابَ: إذَا ذَكَّاهُ وَهُوَ يَسْتَيْقِنُ حَيَاتَهُ مَا عِنْدِي غَيْرُ ذَلِكَ (وَفِي شَقِّ الْوَدَجِ قَوْلَانِ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَفَرْيُ وَدَجٍ " وَكَذَا هِيَ قَوْلَانِ أَيْضًا فِي شَقِّ غَيْرِهِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (وَفِيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ أَوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ لَمْ يَنْخَعْهَا) اُنْظُرْ لِمَ أَتَى بِهَذَا وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: أَنَّ الْمُنْخَنِقَةَ وَأَخَوَاتِهَا وَإِنْ صَارَتْ إلَى حَالِ الْيَأْسِ إذَا لَمْ يُنْفَذْ مَقْتَلُهَا أَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَإِحْدَى رِوَايَتَيْ أَشْهَبَ، فَلَوْ كَانَ الْفِقْهُ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ الْأُخْرَى مَا اُحْتِيجَ لِذِكْرِ الْمَقَاتِلِ فَانْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِنَقْلِ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ وَلَفْظِهَا: قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَرَدَّتْ الشَّاةُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَانْدَقَّ عُنُقُهَا وَأَصَابَهَا مَا يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ نَخَعَهَا فَإِنَّهَا تُذَكَّى وَتُؤْكَلُ لِأَنَّ بَعْضَهَا مُجْتَمِعٌ إلَى بَعْضٍ، وَلَوْ انْقَطَعَ النُّخَاعُ