الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْبَابِ (كَلِلَّهِ عَلَيَّ) إنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ طَلَاقُ زَوْجَتِي وَعِتْقُ أَمَتِي فَفَعَلَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالزَّوْجَةِ فَرْقٌ. نَقَلَ هَذَا عَنْ الْبُرْزُلِيُّ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ وَيُؤْمَرُ بِعِتْقِ الْأَمَةِ وَلَا يُجْبَرُ. نَقَلَ ذَلِكَ مِنْ النَّوَادِرِ وَسَمَاعِ عِيسَى وَقَدْ تَقَدَّمَ لِي نَحْوُ هَذَا. وَمِمَّا جَمَعْته أَيْضًا مِمَّا تَقَدَّمَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ فَعَلَيَّ فَرْقٌ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: فَعَلَيَّ عِتْقُ أَمَتِي أَوْ عِتْقُ أَمَةٍ فَرْقٌ نَظِيرُ أَمَةِ الْمَشْيِ وَالصَّدَقَةِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ انْتَهَى.
[النَّذْرُ الْمُسْتَحَبُّ]
ابْنُ رُشْدٍ: النَّذْرُ الْمُسْتَحَبُّ هُوَ الْمُطْلَقُ الَّذِي يُوجِبُهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى أَوْ لِغَيْرِ سَبَبٍ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ كَذَا وَكَذَا أَوْ نَذْرٌ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا أَوْ نَذْرٌ أَنْ لَا أَفْعَلَ أَوْ لَا يَلْفِظُ بِذِكْرِ النَّذْرِ فَيَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا أَوْ أَفْعَلُ كَذَا شُكْرًا لِلَّهِ، الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَقُلْ نَذْرٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِكَذِبٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ النَّذْرَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِخْبَارِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى النَّذْرِ الَّذِي لَهُ فَائِدَةٌ وَفِيهِ طَاعَةٌ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْكَذِبِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مَعْصِيَةٌ (أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ مِنْ الْمُلْتَزَمَاتِ أَنْوَاعٌ مِنْهَا الضَّحَايَا، فَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِبَدَنَةٍ لَمْ تَقُمْ مَقَامَهَا بَقَرَةٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَعَ الْعَجْزِ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
وَكَذَلِكَ فِي إجْزَاءِ سَبْعٍ مِنْ الْغَنَمِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْبَقَرَةِ وَمَذْهَبُ الْكِتَابِ الْإِجْزَاءُ فِيهِمَا (وَنُدِبَ الْمُطْلَقُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: النَّذْرُ الْمُسْتَحَبُّ هُوَ الْمُطْلَقُ (وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ خَمِيسٍ يَأْتِي لَزِمَهُ، فَإِنْ أَفْطَرَ مِنْهُ خَمِيسًا مُتَعَمِّدًا قَضَاهُ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَنْذِرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِوَقْتِهِ (وَفِي كُرْهِ الْمُعَلَّقِ تَرَدُّدٌ) الْبَاجِيُّ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ النَّذْرِ، وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْهُ وَأَنَّهُ يَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَنْذِرَ لِمَعْنًى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، مِثْلُ
أَنْ يَقُولَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ نَجَّانِي اللَّهُ مِنْ أَمْرِ كَذَا فَإِنِّي أَصُومُ يَوْمَيْنِ أَوْ أُصَلِّي صَلَاةً أَوْ أَتَصَدَّقُ بِكَذَا فَهَذَا الْمَكْرُوهُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ لِلَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ وَأَنْ يَكُونَ نَذْرُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ دُونَ تَعَلُّقِ نَذْرِهِ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَعَرَضِهَا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: النَّذْرُ الْمُبَاحُ هُوَ الْمُقَيَّدُ بِشَرْطٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ كَذَا إنْ شَفَانِي اللَّهُ مِنْ مَرَضِي أَوْ قَدِمَ غَائِبِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُونُ الشَّرْطُ مِنْ فِعْلِهِ، فَإِنْ قَيَّدَ مَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ بِشَرْطٍ مِنْ فِعْلِهِ وَيَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَعَلَيَّ كَذَا وَكَذَا فَلَيْسَ بِنَذْرٍ وَإِنَّمَا هِيَ يَمِينٌ مَكْرُوهَةٌ لِحَدِيثِ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» إلَّا أَنَّهَا لَازِمَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا يَلْزَمُ فِيهِ النَّذْرُ مِنْ الطَّاعَاتِ وَفِي الطَّلَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ طَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ مُطَلِّقٌ عَلَى صِفَةٍ وَيُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ وَبِالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ بِخِلَافِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَشْيِ وَالصَّدَقَةِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَالْعِتْقِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ ذَلِكَ مِنْ تَقْيِيدِهِ مَخْرَجَ النَّذْرِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ
فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا، فَلَا يَلْزَمُهُ فِي الطَّلَاقِ إذْ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ طَاعَةٌ وَيَلْزَمُهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ دُونَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عِتْقًا بِعَيْنِهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالنَّذْرِ وَإِنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ لِأَنَّهُ لَا وَفَاءَ فِيهِ إلَّا مَعَ النِّيَّةِ، وَمَتَى قَضَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَمْ تَصِحَّ لَهُ نِيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ. وَهَذَا إذَا سَمَّى النَّذْرَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَإِنَّمَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَهُوَ كَالْحَالِفِ بِاَللَّهِ، سَوَاءٌ فِي اللَّغْوِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَفِي جَمِيعِ وُجُوهِهِ وَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلَ اللَّهُ فِي كَذَا وَكَذَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. ابْنُ يُونُسَ: مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبِيدِي هَؤُلَاءِ يَأْمُرُ بِعِتْقِهِمْ وَلَمْ يُجْبَرْ وَلَمْ يُعْتَقُوا فِي ثُلُثٍ وَلَا غَيْرِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ غَدًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ. وَمُقْتَضَى نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ أَصْبَغَ: أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِمَشْيٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى فِعْلِهِمَا.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا خِلَافُ مَعْرُوفِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهُوَ فِي الْمَشْيِ أَبْيَنُ أَنْ لَا يُجْبَرَ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ لَا لِآدَمِيٍّ كَقَوْلِهِ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَيْسَ فِي قَوْلِ أَصْبَغَ فِي النَّوَادِرِ لَفْظُ الْجَبْرِ إنَّمَا فِيهِ لَفْظُ اللُّزُومِ وَاللُّزُومُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَبْرَ.
(وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ بِنَذْرِهَا فَإِنْ عَجَزَ فَبَقَرَةٌ ثُمَّ سَبْعُ شِيَاهٍ لَا غَيْرُ وَصَامَ) لَوْ قَالَ: " وَصَامَ إنْ أَحَبَّ " لِتَنْزِلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً فَلْيَنْحَرْ بَعِيرًا لِأَنَّ الْبَدَنَةَ مِنْ الْإِبِلِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَعِيرًا فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً فَسَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْغَنَمَ لِضِيقٍ وَجَدَهُ فَلَا أَعْرِفُ فِي هَذَا صَوْمًا إلَّا أَنْ يُحِبَّ الصَّوْمَ فَلْيَصُمْ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ أَيْسَرَ يَوْمًا كَانَ عَلَيْهِ مَا نَذَرَ.
(وَصِيَامٌ بِثَغْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ بِمَوْضِعٍ يَتَقَرَّبُ بِإِتْيَانِهِ إلَى اللَّهِ كَعَسْقَلَانَ وَإِسْكَنْدَرِيَّةَ لَزِمَهُ ذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ.
(وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ بِمَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ) الرِّسَالَةُ: مَنْ جَعَلَ مَالَهُ
صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ.
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ، وَاخْتُلِفَ مَا الْقَدْرُ اللَّازِمُ لَهُ مِنْهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ الثُّلُثُ. وَإِذَا حَلَفَ وَمَالُهُ لَهُ مِقْدَارٌ فَزَادَ بَيْنَ الْحِنْثِ وَالْيَمِينِ أَخْرَجَ ثُلُثَ الْمِقْدَارِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ نَقَصَ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ عَلَى بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى بِرٍّ كَقَوْلِهِ: لَا فَعَلْت أَخْرَجَ ثُلُثَ مَا عِنْدَهُ يَوْمَ الْحِنْثِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى حِنْثٍ كَقَوْلِهِ: لَأَفْعَلَنَّ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ فَقَوْلَانِ (وَهُوَ الْجِهَادُ وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خَفِيفٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَعَلَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَسُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ إنَّمَا يُعْطَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ مِنْ السَّوَاحِلِ وَالثُّغُورِ، وَلَيْسَ جُدَّةُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ فِيهَا الْخَوْفُ وَنُزُولُ الْعَدُوِّ بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَمْ يَرَهَا مِثْلَ السَّوَاحِلِ (وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ
مِنْ غَيْرِهِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ: مَالِي هَدْيٌ قَالَ: يُهْدِي ثُلُثَهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةُ ثُلُثِ مَالِهِ وَهُوَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ مَسَاكِينُ فَلْيُكْرِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ. وَقِيلَ: إنَّ النَّفَقَةَ مِنْ الثُّلُثِ. ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُ هَذَا الْقِيَاسُ عَلَى الزَّكَاةِ إذَا نُقِلَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا مِنْهَا. (إلَّا لِمُتَصَدِّقٍ بِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ) لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ هُنَا هُوَ مَوْضِعُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّذْرِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ
هُنَا ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ. وَاَلَّذِي لِابْنِ عَرَفَةَ الْهِبَةُ لِمُعَيَّنٍ دُونَ يَمِينٍ وَلَا تَعْلِيقٍ يَقْضِي بِهَا. ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا وَعَلَى مُعَيَّنٍ فِي يَمِينٍ أَوْ تَعْلِيقٍ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِهَا. اُنْظُرْ آخِرَ الْهِبَاتِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ وَانْظُرْهُ فِي الْهِبَاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ ".
(وَكَرَّرَ إنْ أَخْرَجَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا تَكَرَّرَتْ الْيَمِينُ بِصَدَقَةِ الْمَالِ فَإِنْ أَخْرَجَ مَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ عَنْ الْيَمِينِ الْأُولَى ثُمَّ حَلَفَ أَخْرَجَ عَنْ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ.
وَهَكَذَا كُلَّمَا تَكَرَّرَتْ الْيَمِينُ فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ حَتَّى وَقَعَ يَمِينٌ ثَانٍ وَثَالِثٌ أَوْ أَكْثَرُ فَهَلْ يُجْزِئُهُ ثُلُثٌ وَاحِدٌ أَوْ يُخْرِجُ ثُلُثَ مَا بَقِيَ بَعْدَ أَنْ يُخْرِجَ ثُلُثَ الْيَمِينِ الْأُولَى؟ وَهَكَذَا عَلَى هَذَا الْحِسَابِ فِيهِ قَوْلَانِ (وَمَا سَمَّى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ قَالَ: نِصْفُ مَالِي أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ صَدَقَةٌ أَوْ أَكْثَرُ فَلْيُخْرِجْ جَمِيعَ مَا سَمَّى مَا لَمْ يَقُلْ مَالِي كُلُّهُ.
وَفِي الْوَاضِحَةِ: وَلَوْ قَالَ مَالِي كُلُّهُ صَدَقَةٌ إلَّا دِرْهَمًا فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَكَذَلِكَ فِي جُزْءٍ مِنْهُ (وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ سَمَّى شَيْئًا مِنْ مَالِهِ
فَقَالَ: دَارِي أَوْ دَابَّتِي أَوْ ثَوْبِي صَدَقَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى فَحَنِثَ فَلْيُخْرِجْ كُلَّ مَا سَمَّى وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْهُ الثُّلُثُ (وَبَعْثُ فَرَسٍ وَسِلَاحٍ لِمَحَلِّهِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِيعَ وَعُوِّضَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَعَلَ عَبْدَهُ صَدَقَةً أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَفِي الصَّدَقَةِ يَبِيعُهُ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ، وَفِي السَّبِيلِ يَدْفَعُ ثَمَنَهُ إلَى مَنْ يَغْزُو عَنْهُ مِنْ مَوْضِعِهِ إنْ وُجِدَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَبْعَثْ بِثَمَنِهِ.
وَإِنْ كَانَ فَرَسًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ شَيْئًا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ جَعَلَهُ فِي السَّبِيلِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ أَوْ فِي غَيْرِ يَمِينٍ فَلْيَبْعَثْ بِثَمَنِهِ فَيُجْعَلُ فِي مِثْلِ الْمَبِيعِ مِنْ كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْبَقَرِ الْهَدْيِ تُبَاعُ إذَا لَمْ تَبْلُغْ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا إبِلًا لِأَنَّ تِلْكَ كُلُّهَا لِلْأَكْلِ وَهَذَا تَخْتَلِفُ مَنَافِعُهُ.
وَإِنْ جَعَلَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ صَدَقَةً فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ أَوْ فِي غَيْرِ يَمِينٍ بَاعَ ذَلِكَ وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَهُ هَدْيًا فَلْيَبِعْهُ وَيُهْدِي ثَمَنَهُ. (كَهَدْيٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَغَنَمِي أَوْ إبِلِي أَوْ بَقَرِي هَدْيٌ فَحَنِثَ فَلْيَبْعَثْ بِهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنْ كَانَتْ تَصِلُ. وَتُقَلَّدُ الْإِبِلُ وَتُشْعَرُ وَالْبَقَرُ لَا تَصِلُ مِنْ مِصْرَ.
فَإِذَا خَافَ عَلَى هَذِهِ الْهَدَايَا أَنْ لَا تَبْلُغَ لِبُعْدِ سَفَرٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ بَاعَهَا وَابْتَاعَ بِثَمَنِ الْغَنَمِ غَنَمًا وَبِثَمَنِ الْإِبِلِ إبِلًا وَبِثَمَنِ الْبَقَرِ بَقَرًا، وَجَائِزٌ أَنْ يَبْتَاعَ بِثَمَنِ الْبَقَرِ إبِلًا لِأَنَّهَا لَمَّا بِيعَتْ صَارَتْ كَالْعَيْنِ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا غَنَمًا حَتَّى تَقْصُرَ عَنْ ثَمَنِ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ (وَلَوْ مَعِيبًا) أَشْهَبُ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ بَدَنَةً
عَوْرَاءَ وَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا كَالْجَذَعِ مِنْ الْمَعْزِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَلْيُهْدِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَلْيُهْدِ مَا يَجُوزُ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ ابْنَهُ فَإِنَّهُ يُهْدِي مَكَانَهُ مَا يَجُوزُ فِي الْهَدْيِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: الْمَعِيبُ الْمُعَيَّنُ يُهْدِي قِيمَتَهُ أَوْ بَعِيرًا سَالِمًا. التُّونِسِيُّ: وَالْأَشْبَهُ فِي الْمَعِيبِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ سُقُوطُهُ كَنَذْرِ صَلَاةٍ فِي وَقْتٍ لَا تَحِلُّ. اللَّخْمِيِّ: الْمُعَيَّنُ وَالْمُبْهَمُ سَوَاءٌ لَيْسَ عَلَى الْجَاهِلِ إلَّا مَا نَذَرَ يَبِيعُ الْمُعَيَّنَ وَيُخْرِجُ قِيمَةَ الْمُبْهَمِ (عَلَى الْأَصَحِّ وَلَهُ فِيهِ إذَا بِيعَ الْإِبْدَالُ بِالْأَفْضَلِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةُ: جَائِزٌ أَنْ يَبْتَاعَ بِثَمَنِ الْبَقَرِ إبِلًا وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا غَنَمًا.
(وَإِنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ وَكُرِهَ بَعْثُهُ وَأُهْدِيَ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: دَارِي أَوْ عَبْدِي أَوْ دَابَّتِي أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ مِمَّا لَا يُهْدَى هُوَ هَدْيٌ أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ فَحِنْثٌ فَلْيَبِعْهُ وَيَبْعَثْ بِثَمَنِهِ وَمَا أُهْدِيَ مِنْ الْعَيْنِ فَيَبْتَاعُ بِهِ هَدْيًا. ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ وَبَعَثَ بِهِ بِعَيْنِهِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَيُبَاعُ هُنَالِكَ فَيَشْتَرِي بِهِ هَدْيًا، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ثَمَنَ هَدْيٍ وَأَدْنَاهُ شَاةٌ أَوْ فَضَلَ مِنْهُ مَا لَا يَبْلُغُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: يَبْعَثُهُ إلَى خَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُنْفَقُ عَلَيْهَا.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: فَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ الْكَعْبَةُ تَصَدَّقَ بِهِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْسُو الْكَعْبَةَ بِأَجَلِهِ بَدَنَةً، فَلَمَّا كُسِيَتْ تَصَدَّقَ بِهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَ الْحَجَبَةِ فِي الْخَزَنَةِ أَحَدٌ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذْ دَفَعَ الْمَفَاتِيحَ لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ (وَهَلْ اُخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُهُ أَوْ لَا أَوْ لَا نَدْبًا أَوْ التَّقْوِيمُ إنْ كَانَ بِيَمِينٍ تَأْوِيلَاتٌ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ هَدْيًا وَهُوَ مِمَّا لَا يُهْدَى إنْ شَاءَ بَاعَهُ وَأَخْرَجَ ثَمَنَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ قِيمَتَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُهُمْ فِي الصَّدَقَةِ لَا يَحْبِسُهُ وَيُخْرِجُ قِيمَتَهُ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ فِي هَدْيِ مَتَاعِهِ إلَّا إلَى عِوَضِهِ وَفِي صَدَقَةِ مَتَاعِهِ يُحْسِنُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِعَيْنِهِ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِهِمْ: مَنْ تَصَدَّقَ بِعَرَضٍ تَطَوُّعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ
حَبْسُهُ وَإِخْرَاجُ قِيمَتِهِ، وَلَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ فَحَنِثَ أَجْزَأَهُ إخْرَاجُ قِيمَتِهِ لِأَنَّ الْحَالِفَ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْقُرْبَةِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي حَدِيثِ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ، وَالْمُتَطَوِّعُ قَاصِدٌ لِلْقُرْبَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْحَدِيثِ فَأَمْرُ ذَلِكَ مُفْتَرَقٌ.
ابْنُ يُونُسَ: هُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ الْحَالِفَ أَيْضًا إنَّمَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَتَصَدَّقُ بِكَذَا فَهُوَ عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ الْقُرْبَةَ بِالصَّدَقَةِ إنْ فَعَلَ كَذَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعَلَى إخْرَاجِ الْقِيمَةِ لَا يُكْتَفَى بِتَقْوِيمِ الْعُدُولِ بَلْ يُنَادَى عَلَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ فِيمَا خُيِّرَ فِيهِ وَمِثْلُهُ طَلَبُ الْوَرَثَةِ إخْرَاجَ الثُّلُثِ دُونَ بَيْعٍ لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْمَتْرُوكِ أَوْ خَوْفًا مِنْ الْوُلَاةِ عَلَيْهِ، فَرَأَيْت بَعْضَ الشُّيُوخِ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِشَرْطِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْقِيمَةِ بِالِاجْتِهَادِ (فَإِنْ عَجَزَ عُوِّضَ الْأَدْنَى ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِيهَا إنْ احْتَاجَتْ وَإِلَّا تُصُدِّقَ بِهِ وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ثَمَنَ هَدْيٍ وَأَدْنَاهُ شَاةٌ بَعَثَ
ذَلِكَ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ تَصَدَّقَ بِهِ، وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَ الْحَجَبَةِ غَيْرُهُمْ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
(وَالْمَشْيِ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَحَنِثَ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ إنْ شَاءَ فِي حَجَّةِ أَوْ فِي عُمْرَةٍ، وَإِحْرَامُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ مِيقَاتِهِ لَا مِنْ مَوْضِعِهِ. (وَلَوْ لِصَلَاةٍ) لَمْ يَحْكِ ابْنُ يُونُسَ هَذَا الْقَوْلَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُورَ، وَانْظُرْهُ فِي الْإِكْمَالِ. وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفُتْيَا مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ إنْ شَاءَ فِي حَجٍّ وَإِنْ شَاءَ فِي عُمْرَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ إيلِيَاءَ أَوْ إلَى مَسْجِدِهِ صلى الله عليه وسلم يَأْتِيهِمَا رَاكِبًا لَا مَاشِيًا، لِأَنَّ الْمُبْتَغَى فِيهِمَا الصَّلَاةُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْمَشْيُ إذْ لَا طَاعَةَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ
عَلَى نَفْسِهِ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ مَكَّةَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِيهِ دُونَ الْإِحْرَامِ لَكَانَ كَذَلِكَ وَيَرْكَبُ إنْ شَاءَ، وَإِنَّمَا يَمْشِي مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ قَالَ إسْمَاعِيلُ: لِأَنَّ الَّذِي قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ وَالْمَشْيُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَاعَةٌ. انْتَهَى مَا لِابْنِ يُونُسَ.
(وَخَرَجَ مَنْ بِهَا وَأَتَى بِعُمْرَةٍ) مُحَمَّدٌ: لَوْ حَلَفَ بِمَكَّةَ مَشَى مِنْ الْحِلِّ بِعُمْرَةٍ (لِمَكَّةَ أَوْ الْبَيْتِ) لَا غَيْرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَلْزَمُ الْمَشْيُ فِي قَوْلٍ إلَّا لِمَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ لِبَيْتِ اللَّهِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ الْكَعْبَةِ أَوْ الْحِجْرِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: أَوْ الرُّكْنِ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَوْ مِنًى أَوْ عَرَفَةَ أَوْ الْمُزْدَلِفَةَ أَوْ ذِي طُوًى أَوْ الْحَرَمِ أَوْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِبَالِ الْحَرَمِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَإِنَّمَا لَزِمَ مَنْ قَالَ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَوِي عَلَى الْبَيْتِ وَالْبَيْتُ لَا يُؤْتَى إلَيْهِ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْحِجْرِ وَإِلَى الْحَطِيمِ أَوْ زَمْزَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (إنْ لَمْ يَنْوِ نُسُكًا) فِي الْمُوَطَّأِ: لَا يَكُونُ مَشْيٌ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
الْبَاجِيُّ: فَإِنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى غَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ لَا إلَى الْمَدِينَةِ وَلَا إلَى غَيْرِهَا إذْ لَيْسَ هُنَاكَ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ. وَإِنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى مَكَّةَ فَإِنْ قَيَّدَ نِيَّتَهُ بِالنُّسُكِ أَوْ أَطْلَقَهَا لَزِمَهُ الْمَشْيُ وَالنُّسُكُ لِأَنَّ ظَاهِرَ نَذْرِهِ الْقُرْبَةُ وَإِنَّمَا هِيَ فِي النُّسُكِ، وَأَمَّا إنْ قَيَّدَ نَذْرَهُ بِالْمَشْيِ خَاصَّةً فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا (مِنْ حَيْثُ نَوَى وَإِلَّا حَيْثُ حَلَفَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَيَمْشِي الْحَالِفُ مِنْ حَيْثُ حَلَفَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَوْضِعًا يَمْشِي مِنْهُ فَلَهُ نِيَّتُهُ وَإِنْ لَمْ
يُحَرِّكْ بِذَلِكَ لِسَانَهُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: فَلَوْ حَلَفَ بِمِصْرَ وَحَنِثَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَرْجِعْ إلَى مِصْرَ حَتَّى يَمْشِيَ مِنْهَا (أَوْ مِثْلِهِ إنْ حَنِثَ بِهِ) اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ آخَرَ وَهُوَ مِثْلُهُ فِي الْمَسَافَةِ مَشَى مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى قَدْرِ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ وَكَثْرَةِ الْخُطَا وَلَا مَزِيَّةَ فِي هَذَا لِلْأَرَاضِيِ (وَتَعَيَّنَ مَحَلٌّ اُعْتِيدَ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَالِفِ نِيَّةٌ فَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ يَمِينِهِ هُوَ مَوْضِعُ حِنْثِهِ مَشَى مِنْ حَيْثُ حَلَفَ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى لَفْظِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عُرْفٌ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ.
(وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ وَلِحَاجَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَكَلَّمَهُ فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
فَإِنْ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ مَشَى حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَإِنْ رَكِبَ بَعْدَ سَعْيِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَعَلَهُ فِي حَجَّةٍ مَشَى حَتَّى يَقْضِيَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، فَإِذَا قَضَاهُ فَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ بِمِنًى، وَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى فَلَا يَرْكَبُ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ فِي حَوَائِجِهِ، كَمَا لَهُ إذَا وَصَلَ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ إلَى الْمَنَاهِلِ مَاشِيًا أَنْ يَرْكَبَ فِي حَوَائِجِهِ أَوْ تَذَكَّرَ فِي طَرِيقِهِ وَهُوَ سَائِرٌ حَاجَةً نَسِيَهَا فَلْيَرْجِعْ وَرَاءَهَا رَاكِبًا (كَطَرِيقِ قُرْبَى اُعْتِيدَتْ) رَوَى مُحَمَّدٌ: لَهُ مَشْيُ أَقْصَرِ طَرِيقٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فَقَبِلَهُ الشَّيْخُ وَقَيَّدَهُ. الْبَاجِيُّ: بِأَنْ كَانَ مُعْتَادًا. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ نَذْرُ التَّحْلِيقِ فِي الْمَشْيِ (وَبَحْرٍ اُضْطُرَّ لَهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي جَوَازِ رُكُوبِ الْبَحْرِ الْمُعْتَادَ وَتَخْصِيصُهُ بِمَوْضِعِ الِاضْطِرَارِ قَوْلَانِ (لَا اُعْتِيدَ عَلَى الْأَرْجَحِ) ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ بِصِقِلِّيَةَ فَحَنِثَ هَلْ يَمْشِي مِنْ أَقْرَبِ بَرٍّ لَهَا أَوْ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة قَالَ: إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ فِعْلِهِمْ إذَا أَرَادُوا الْحَجَّ إنَّمَا يَنْزِلُونَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: بَلْ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ بَرٍّ إلَيْهَا. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا أَبْيَنُ (لِتَمَامِ الْإِفَاضَةِ وَسَعْيِهَا) لَوْ قَالَ: وَسَعْيِ الْعُمْرَةِ لَكَانَ أَبْيَنَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: آخِرُ مَشْيِ الْعُمْرَةِ السَّعْيُ وَآخِرُ مَشْيِ الْحَجِّ الْإِفَاضَةُ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ "(وَرَجَعَ وَأَهْدَى إنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ أَوْ الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ نَحْوَ الْمِصْرِيِّ قَابِلًا) أَمَّا إنْ رَكِبَ كَثِيرًا فِي غَيْرِ الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ رَكِبَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ لِعَجْزٍ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ كَانَ لِلرُّكُوبِ مِقْدَارٌ وَإِلَّا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَسَاوَى رُكُوبُهُ وَمَشْيُهُ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَثِيرًا وَالْآخَرُ أَكْثَرَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَمْشِيَ مَا رَكِبَ وَيَرْكَبَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي مَشَى فِيهَا وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُهُ بَعِيدًا جِدًّا، فَإِنْ عَجَزَ فِي الثَّانِي لَمْ يُكَلَّفْ الْعَوْدَةَ ثَالِثَةً.
وَأَمَّا إنْ رَكِبَ فِي الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ فَفِي
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ مَشَى حَجَّهُ كُلَّهُ وَرَكِبَ فِي الْإِفَاضَةِ فَقَطْ لَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً وَأَهْدَى لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا مَرِضَ فِي طَرِيقِهِ يَرْكَبُ الْأَمْيَالَ أَوْ الْبَرِيدَ أَوْ الْيَوْمَ. ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: أَوْ الْيَوْمَيْنِ وَمَشَى الْبَقِيَّةَ لَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً وَأَهْدَى.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ مَشَى حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ وَشَهِدَ الْمَنَاسِكَ وَالْإِفَاضَةَ رَاكِبًا رَجَعَ قَابِلًا رَاكِبًا فَرَكِبَ مَا مَشَى وَمَشَى مَا رَكِبَ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ رَكِبَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ وَأَيَّامَ الرَّمْيِ وَفِي الْإِفَاضَةِ، وَهَذَا كَثِيرٌ لِأَنَّ رُكُوبَهُ وَقَعَ فِي مَوَاضِعَ فِي أَعْمَالِ الْحَجِّ، فَهَذَا أَشَدُّ مِمَّنْ رَكِبَ فِي الطَّرِيقِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ فَلِذَلِكَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ.
وَالصَّوَابُ أَنْ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِوُصُولِهِ إلَى مَكَّةَ بَرَّ وَإِلَيْهَا كَانَتْ الْيَمِينُ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: وَيُهْدِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ وَلَمْ يَرَهُ فِي الْهَدْيِ، مِثْلُ مَنْ عَجَزَ فِي الطَّرِيقِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ عَجْزًا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدَةَ فِيهِ أَمْ لَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " نَحْوَ الْمِصْرِيِّ " فَاَلَّذِي فِي الرِّسَالَةِ: إنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ رَكِبَ ثُمَّ رَجَعَ ثَانِيَةً إنْ قَدَرَ فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ قَعَدَ وَأَهْدَى، وَنَحْوُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(فَيَمْشِي مَا رَكِبَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ مَاشِيًا فَعَجَزَ فِي مَشْيِهِ فَلْيَرْكَبْ فِيمَا عَجَزَ.
فَإِذَا اسْتَرَاحَ نَزَلَ وَعَرَفَ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ يَعُودُ ثَانِيَةً فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَمْشِيَ عِدَّةَ أَيَّامِ رُكُوبِهِ إذْ قَدْ يَرْكَبُ مَوَاضِعَ رُكُوبِهِ أَوَّلًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي رُجُوعِهِ ثَانِيَةً إنْ كَانَ قَوِيًّا أَنْ يَمْشِيَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ وَلَكِنْ يَمْشِي مَا رَكِبَ فَقَطْ وَيُهْرِقُ دَمًا لِتَفْرِيقِ مَشْيِهِ (فِي مِثْلِ الْمُعَيَّنِ) مِنْ
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ نَذَرَ الْمَشْيَ الْأَوَّلَ فِي حَجٍّ فَلَا يَجْعَلُ الثَّانِيَ فِي عُمْرَةٍ، وَإِنْ نَذَرَ الْأَوَّلَ فِي عُمْرَةٍ فَلَا يَجْعَلُ الثَّانِيَ فِي حَجَّةٍ (وَإِلَّا فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لِمَنْ أَبْهَمَ مَشْيَهُ فَجَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ فَعَجَزَ وَرَكِبَ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ الثَّانِيَةَ فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ.
قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ مَشْيَهُ الْأَوَّلَ فِي حَجٍّ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَشْيَهُ الثَّانِيَ فِي عُمْرَةٍ. الشَّيْخُ: يُرِيدُ إنْ كَانَ مَشْيُهُ فِي غَيْرِ الْمَنَاسِكِ (إنْ ظَنَّ أَوَّلًا الْقُدْرَةَ وَإِلَّا مَشَى مَقْدُورَهُ وَرَكِبَ وَأَهْدَى فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ عَلِمَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمَامِ الْمَشْيِ قَعَدَ وَأَهْدَى، كَانَتْ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً. وَلَوْ عَلِمَ أَوَّلَ خُرُوجِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ كُلَّ الطَّرِيقِ، فِي تَرْدَادِهِ إلَى مَكَّةَ مَرَّتَيْنِ لِضَعْفِهِ أَوْ بُعْدِ بَلَدِهِ أَوْ كَانَ شَيْخًا زَمِنًا أَوْ امْرَأَةً ضَعِيفَةً أَوْ مَرِيضًا أَيِسَ مِنْ الْبُرْءِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلَوْ كَانَ رَاكِبًا يَمْشِي وَلَوْ نِصْفَ مِيلٍ ثُمَّ يَرْكَبَ وَيُصَلِّي وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ (كَأَنْ قَلَّ) . ابْنُ عَرَفَةَ: رُكُوبُ يَسِيرٍ لِعُذْرٍ لَا يَعُودُ لَهُ فِي نُسُكٍ آخَرَ. وَتَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ بَشِيرٍ: وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلرُّكُوبِ مِقْدَارٌ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لُزُومُ الْهَدْيِ مُطْلَقًا (وَلَوْ قَادِرًا) . ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ رَكِبَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ (كَالْإِفَاضَةِ فَقَطْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ رَكِبَ فِي الْإِفَاضَةِ فَقَطْ لَمْ يَعُدْ ثَانِيَةً وَأَهْدَى.
(وَكَعَامٍ عُيِّنَ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ فَمَرِضَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَا مَرِضَ فِيهِ، وَإِذَا حَضَرَ خُرُوجُ الْحَاجِّ وَهُوَ مَرِيضٌ خَرَجَ عَلَى حَالِهِ رَاكِبًا فَإِنْ صَحَّ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ مَشَى، فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ أَجْزَأَ عَنْهُ وَأَهْدَى، وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا أُمْهِلَ لِعَامٍ آخَرَ (وَلْيَقْضِهِ) اُنْظُرْ مَا نَقَصَ هُنَا، وَاَلَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ إذَا لَمْ يَمْشِ عَلَى الْمُعْتَادِ فَطُولُ الْقِيَامِ فِي أَثْنَائِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَفَاتَهُ أَثِمَ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ مُقَابِلَ الْمَعْرُوفِ (أَوْ لَمْ يَقْدِرْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الرِّسَالَةِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ قَعَدَ وَأَهْدَى. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَدْيٌ وَاحِدٌ يُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (وَكَإِفْرِيقِيٍّ وَكَأَنْ فَرَّقَهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ) .
ابْنُ عَرَفَةَ: اتِّصَالُ زَمَنِ مَشْيِهِ الْمُعْتَادِ مَطْلُوبٌ وَتَفْرِيقُهُ لِعُذْرٍ عَفْوٌ وَلِغَيْرِ عُذْرٍ فِيهِ طُرُقٌ. اللَّخْمِيِّ: رَوَى مُحَمَّدٌ: إنْ مَشَى مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَأَقَامَ بِمِصْرَ شَهْرًا ثُمَّ أَتَمَّ بِالْمَدِينَةِ شَهْرًا ثُمَّ أَتَمَّ عُمْرَتَهُ أَجْزَأَهُ، يُرِيدُ وَكَذَا فِي نَذْرِ مَشْيَ الْحَجِّ مُعَيَّنًا
وَمَضْمُونًا كَقَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بَعْدَ لُزُومِ تَتَابُعِ نَذْرِ صَوْمِ سَنَةٍ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ (وَفِي لُزُومِ الْجَمِيعِ بِمَشْيِ عَقَبَةٍ وَرُكُوبِ أُخْرَى تَأْوِيلَانِ) .
ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ كَثُرَ رُكُوبُهُ فَكَانَ يَمْشِي عَقَبَةً وَيَرْكَبُ عَقَبَةً فَلْيَرْجِعْ وَيَمْشِ الطَّرِيقَ كُلَّهُ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ. قَالَهُ مَالِكٌ انْتَهَى.
وَلَمْ يُقَيِّدْ ابْنُ يُونُسَ وَلَا ابْنُ رُشْدٍ وَلَا اللَّخْمِيِّ هَذَا بِشَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَعَلَّ بُطْلَانَهُ يَعْنِي بُطْلَانَ الْمَشْيِ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ ضَبْطِ مَحَلِّ رُكُوبِهِ فَلَا يَلْزَمُ فِيمَا يَضْبِطُهُ.
وَقَالَ بَهْرَامَ مَا نَصَّهُ الشَّيْخُ: قَدْ يُقَالُ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَيْسَ بِخِلَافٍ ثُمَّ نَقَلَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، فَحَصَلَ أَنَّ أَحَدَ التَّأْوِيلَيْنِ لِابْنِ عَرَفَةَ وَالشَّيْخِ بَهْرَامُ (وَالْهَدْيُ وَاجِبٌ إلَّا لِمَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ فَنَدْبٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ مَالِكٍ: يُصَلِّي أَحَبُّ إلَيَّ وَلَمْ يَرَهُ فِي الْهَدْيِ مِثْلُ مَنْ عَجَزَ فِي الطَّرِيقِ.
اُنْظُرْهُ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ وَأَهْدَى "(وَلَوْ مَشَى الْجَمِيعَ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ مَشَى الطَّرِيقَ كُلَّهُ فِي عَوْدَتِهِ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ مَشْيَهُ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
ابْنُ بَشِيرٍ: تَعَقَّبَ هَذَا الْأَشْيَاخُ وَقَالُوا: كَيْفَ يَسْقُطُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْهَدْيِ فِي ذِمَّتِهِ بِمَشْيٍ غَيْرِ وَاجِبٍ عَلَيْهِ؟ وَمَثَّلُوهُ بِمَنْ صَلَّى صَلَاةً فَسَهَا فِيهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودٌ فَأَعَادَهَا ثَانِيَةً وَلَمْ يَسْجُدْ، أَنَّ السُّجُودَ يَتَقَرَّرُ فِي ذِمَّتِهِ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَفِي الْمَذْهَبِ فِيمَنْ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ عَادَ سَاهِيًا قَوْلَانِ: هَلْ يَكُونُ سُجُودُهُ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ؟ وَمَسْأَلَةُ مَنْ مَشَى كُلَّ الطَّرِيقِ الثَّانِي تُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَمَنْ رَأَى تَرْتِيبَ السُّجُودِ فِي ذِمَّتِهِ جَعَلَ سُجُودَهُ قَبْلُ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا دَمٌ لِتَرَتُّبِهِ فِي ذِمَّتِهِ، فَانْظُرْ اخْتِصَارَ خَلِيلٍ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ مَعَ أَنَّ ابْنَ بَشِيرٍ إنَّمَا تَرَدَّدَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَرْتَهِنْ فِيهَا.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ تَعَقَّبَ تَخْرِيجَ ابْنِ بَشِيرٍ (وَلَوْ أَفْسَدَ أَتَمَّهُ وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَشْيٌ فَمَشَى فِي حَجِّهِ فَأَفْسَدَهَا بِوَطْءٍ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ حَجَّهُ وَيَقْضِي وَيُعِيدُ الْمَشْيَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَرْكَبُ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْمَشْيَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْوَطْءُ يُجْزِئُهُ وَلَا يُعِيدُهُ
وَعَلَيْهِ هَدْيٌ لِلْفَسَادِ وَهَدْيٌ لِتَبْعِيضِ الْمَشْيِ (وَإِنْ فَاتَهُ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ وَرَكِبَ فِي قَضَائِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ فَمَشَى فِي حَجٍّ فَفَاتَهُ أَجْزَأَهُ مَا مَشَى وَجَعَلَهَا عُمْرَةً وَمَشَى حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَقْضِي الْحَجَّ قَابِلًا رَاكِبًا وَيُهْدِي لِفَوَاتِ الْحَجِّ.
(وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَجْزَأَهُ عَنْ النَّذْرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَذَرَ مَشْيًا فَحَجَّ مَاشِيًا وَهُوَ صَرُورَةً يَنْوِي فِي ذَلِكَ فَرْدِيَّتَهُ وَنَذْرَهُ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ لِنَذْرِهِ وَلَا تُجْزِئُهُ لِفَرِيضَتِهِ وَعَلَيْهِ قَضَاءٌ لِفَرِيضَتِهِ قَابِلًا. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ لِنَذْرِهِ حِينَ نَذَرَ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَأَمَّا إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِحَجَّةٍ فَحَنِثَ فَمَشَى فِي حَجٍّ نَوَى بِهِ فَرْضَهُ وَنَذْرَهُ فَهَذَا لَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ابْنُ يُونُسَ: ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَنَصُّ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ لِنَذْرِهِ وَلِفَرْضِهِ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا الْخِلَافُ فِيهِمَا وَاحِدٌ (وَهَلْ إنْ لَمْ يَنْذِرْ حَجًّا تَأْوِيلَانِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ: هَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ لِنَذْرِهِ حِينَ نَذَرَ حَجًّا
وَحِكَايَةُ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَعَلَى الصَّرُورَةِ جَعْلُهُ فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْفَوْرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ جَعَلَ مَشْيَهُ فِي عُمْرَةٍ فَحَلَّ مِنْهَا فَلَهُ أَنْ يَحُجَّ الْفَرِيضَةَ مِنْ مَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا إنْ كَانَتْ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (وَعَجَّلَ الْإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ، فَإِنْ حَنِثَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ نَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا حَتَّى تَأْتِيَ أَشْهُرُ الْحَجِّ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ يَوْمِ حَنِثَ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
(أَوْ أَحْرَمَ إنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا) . ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا عَيَّنَ النَّاذِرُ أَوْ الْحَالِفُ وَقْتًا لِإِحْرَامِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ وَقَبْلَ مِيقَاتِهِ لَكِنْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ، فَكَذَلِكَ هَذَا إنْ عَيَّنَ مَكَانًا
أَوْ زَمَانًا لَزِمَهُ. وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ قَالَ أَنَا مُحْرِمٌ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَإِنَّهُ يَوْمَ يُكَلِّمُهُ مُحْرِمٌ. (كَالْعُمْرَةِ مُطْلَقًا إنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ لَهَا وَقْتَ حِنْثِهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ صَحَابَةً وَيَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فَلْيُؤَخِّرْ حَتَّى يَجِدَ فَيُحْرِمَ حِينَئِذٍ (لَا الْحَجِّ
وَالْمَشْيِ فَلِأَشْهُرِهِ إنْ وَصَلَ وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ يَصِلُ عَلَى الْأَظْهَرِ) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْعُمْرَةُ لَا وَقْتَ لَهَا فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ لَهَا وَقْتَ حِنْثِهِ، وَالْحَجُّ لَهُ زَمَانٌ وَهِيَ الْأَشْهُرُ فَمَتَى حَنِثَ قَبْلَهَا لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ حَتَّى تَدْخُلَ الْأَشْهُرُ. وَهَذَا إذَا كَانَ يَصِلُ مِنْ بَلَدِهِ إلَى مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَصِلُ مِنْ بَلَدِهِ إلَى مَكَّةَ حَتَّى تَخْرُجَ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَإِنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْ وَقْتٍ يَصِلُ فِيهِ إلَى مَكَّةَ وَيُدْرِكُ الْحَجَّ.
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: بَلْ يَخْرُجُ مِنْ بَلَدِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْهُ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَحْرَمَ. ابْنُ يُونُسَ: وَقَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ أَوْلَى لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ أَيْ إذَا جَاءَ وَقْتُ خُرُوجِ النَّاسِ خَرَجْتُ أَنَا
مُحْرِمًا بِخِلَافِ مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ فَهَذَا يُحْرِمُ مِنْ مِيقَاتِهِ جَعَلَ مَشْيَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
(وَلَا يَلْزَمُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فَفِيهَا مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ رِتَاجِهَا أَوْ حَطِيمِهَا لَغْوٌ. وَالْحَطِيمُ مَا بَيْنَ الْبَابِ إلَى الْمَقَامِ، وَقِيلَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إلَى الْبَابِ إلَى الْمَقَامِ عَلَيْهِ يَنْحَطِمُ النَّاسُ (أَوْ كُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ) ابْنُ رُشْدٍ:
حَلِفُهُ بِصَدَقَةِ مَا يُفِيدُ أَوْ يُكْتَسَبُ أَبَدًا لَغْوٌ اتِّفَاقًا وَإِلَى مُدَّةٍ أَوْ فِي بَلَدٍ فِي لَغْوِهِ وَلُزُومِهِ قَوْلَانِ وَالصَّوَابُ اللُّزُومُ كَالْعِتْقِ.
(أَوْ هَدْيٌ لِغَيْرِ مَكَّةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ بَدَنَةً أَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ فَلْيَنْحَرْ ذَلِكَ بِمَكَّةَ وَبِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ جَزُورٌ أَوْ أَنْحَرَ جَزُورًا فَلْيَنْحَرْهَا بِمَوْضِعِهِ.
وَلَوْ نَوَى مَوْضِعًا فَلَا يُخْرِجُهَا إلَيْهِ وَيَنْحَرُهَا بِمَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَهَا لِمَسَاكِينِ الْبَصْرَةِ أَوْ مِصْرَ وَهُوَ بِغَيْرِهَا فَلْيَنْحَرْهَا بِمَوْضِعِهِ وَلْيَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَى مَسَاكِينِ مَنْ عِنْدَهُ،
كَانَتْ الْجَزُورُ بِعَيْنِهَا أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا، وَسَوْقُ الْبُدْنِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ.
(أَوْ مَالُ غَيْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ عَبْدُ فُلَانٍ أَوْ دَارُهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ هَدْيٌ إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْحَدِيثِ (إنْ لَمْ يُرِدْ إنْ مَلَكَهُ) ابْنُ بَشِيرٍ: إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْتِزَامَ ذَلِكَ إنْ مَلَكَهُ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْعِتْقِ قَبْلَ الْمِلْكِ وَالطَّلَاقِ وَقَبْلَ النِّكَاحِ وَالْمَشْهُورُ لُزُومُهُ (أَوْ عَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ وَلَوْ قَرِيبًا إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْيِ
أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إذَا نَذَرَ مُعَيَّنًا هَدْيًا وَجَبَ.
ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَالْمَنْصُوصُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ إنْ مَلَكْته، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْلَكُ كَالْحُرِّ فَالْمَشْهُورُ عَلَيْهِ هَدْيٌ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْهَدْيَ وَالْتَزَمَ نَحْرَ حُرٍّ، فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَالْمَشْهُورُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا وَذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ أَوْ مَكَّةَ أَوْ مِنًى وَنَحْوَهَا لَزِمَهُ هَدْيٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَمِنْ ابْنِ عَرَفَةَ: نَذْرُ هَدْيِ الْحُرِّ فِي الْيَمِينِ هَدْيٌ قِيَاسًا عَلَى قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي قَوْلِهِ لِابْنِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ أُهْدِيهِ لِبَيْتِ اللَّهِ نَذْرًا أَوْ يَمِينًا هَدْيٌ وَإِحْجَاجُهُ فَإِنْ أَبَى سَقَطَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَنْحَرُ وَلَدِي فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ وَقَالَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرَهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ وَجْهَ الْهَدْيِ أَنْ يُهْدِيَ ابْنَهُ لِلَّهِ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الَّذِي سَمِعْت مِنْهُ، وَاَلَّذِي سَمِعْت مِنْهُ إنْ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ
يَمِينٍ، وَإِنْ قَالَ: عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَلْيُهْدِ هَدْيًا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَلْزَمُهُ فِي نَحْرِ أَبَوَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ فِي نَحْرِ وَلَدِهِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ: أَنَا أَنَحْرُك عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَلْيُهْدِ عَنْهُ هَدْيًا وَابْنُهُ وَأَجْنَبِيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. (وَالْأَحَبُّ حِينَئِذٍ كَنَذْرِ الْهَدْيِ بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ) الرِّسَالَةُ: وَأَمَّا فِي الْهَدَايَا فَالْإِبِلُ أَفْضَلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الضَّأْنُ ثُمَّ الْمَعْزُ.
(كَنَذْرِ الْحَفَاءِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ
عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيًا رَاجِلًا فَلْيَنْتَعِلْ وَإِنْ أَهْدَى فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يُهْدِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، «وَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ حَافِيًا إلَى الْكَعْبَةِ الْقَهْقَرَى قَالَ: مُرُوهُ أَنْ يَمْشِيَ بِوَجْهِهِ» .
(وَحَمْلِ فُلَانٍ إنْ نَوَى التَّعَبَ وَإِلَّا رَكِبَ وَحَجَّ بِهِ بِلَا هَدْيٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا أَحْمِلُ فُلَانًا إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَحَنِثَ فَإِنَّهُ يَنْوِي، فَإِنْ أَرَادَ التَّعَبَ بِحَمْلِهِ عَلَى عُنُقِهِ حَجَّ مَاشِيًا وَأَهْدَى وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِالرَّجُلِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ حَجَّ رَاكِبًا بِالرَّجُلِ مَعَهُ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ حَجَّ الْحَالِفُ وَحْدَهُ رَاكِبًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الرَّجُلِ (وَأَلْغَى عَلَيَّ الْمَسِيرُ وَالذَّهَابُ وَالرُّكُوبُ لِمَكَّةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ أَنْ أَسِيرَ أَوْ أَذْهَبَ أَوْ أَنْطَلِقَ أَوْ آتِيَ أَوْ أَرْكَبَ إلَى مَكَّةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَأْتِيَهَا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَيَأْتِيَهَا رَاكِبًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَاشِيًا (وَمُطْلَقُ الْمَشْيِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ وَلَمْ يَقُلْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَإِنْ نَوَى مَكَّةَ مَشَى إلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ أَوْ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَأُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَلْيُصَلِّ فِي مَوْضِعِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَلَا يَأْتِيهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» فَذَكَرَ مَسْجِدَهُ وَمَسْجِدَ إيلِيَاءَ وَالْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (وَإِنْ لِاعْتِكَافٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: نَذْرُ عُكُوفٍ بِمَسْجِدٍ كَنَذْرِ الصَّلَاةِ فِيهِ إلَّا أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ فِي الْبُيُوتِ (إلَّا الْقَرِيبِ جِدًّا فَقَوْلَانِ) الْبَاجِيُّ: لَا خِلَافَ فِي كَوْنِ الْمَشْيِ إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ قُرْبَةً لِمَنْ قَرُبَ
مِنْهُ. فَمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَنَذَرَ مَشْيًا إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى مَسْجِدٍ هُوَ مَعَهُ بِالْبَلَدِ فَإِنَّهُ يَمْشِي إلَيْهِ وَيُصَلِّي فِيهِ. وَقَدْ أَوْجَبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ.
قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَمَنْ كَانَ عَلَى بُعْدٍ مِمَّا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ إعْمَالِ الْمَطِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ هُوَ مِنْهَا عَلَى سَفَرٍ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ لِحَدِيثِ:«لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» وَالْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ لِمَنْ قَرُبَ لَيْسَ مِنْ إعْمَالِ الْمَطِيِّ. عِيَاضٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنَّمَا يُمْنَعُ إعْمَالُ الْمَطِيِّ لِلنَّاذِرِ وَأَمَّا لِغَيْرِ النَّاذِرِ مِمَّنْ يَرْغَبُ فِي فَضْلِ مَشَاهِدِ الصَّالِحِينَ فَلَا (تَحْتَمِلُهُمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ وَيُصَلِّيَ فِي مَوْضِعِهِ. ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ كَمَسْجِدِ جُمُعَتِهِ فَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
(وَمَشْيٌ لِلْمَدِينَةِ أَوْ إيلِيَاءَ إنْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا أَوْ يُسَمِّيهِمَا فَيَرْكَبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ آتِيَ الْمَدِينَةِ أَوْ
بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَا يَأْتِيهِمَا حَتَّى يَنْوِيَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدَيْهِمَا أَوْ يُسَمِّيهِمَا فَيَقُولَ: إلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أَوْ إلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ فِيهِمَا فَلْيَأْتِهِمَا رَاكِبًا وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا سَمَّاهُمَا قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِمَا (وَهَلْ وَإِنْ كَانَ بِبَعْضِهَا أَوْ إلَّا لِكَوْنِهِ بِأَفْضَلِ خِلَافٌ وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ) ابْنُ بَشِيرٍ: حَمَلَ اللَّخْمِيِّ الْمَذْهَبَ عَلَى أَنَّ مَنْ الْتَزَمَ الْمَشْيَ إلَى أَحَدِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَأْتِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا وَالْتَزَمَ الْمَشْيَ إلَى الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الْمُلْتَزَمُ فِيهِ أَفْضَلَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ بِهِ لَزِمَهُ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَالْمَدِينَةُ عِنْدَ مَالِكٍ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ ثُمَّ بَيْتُ الْمَقْدِسِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَى أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَفْضَلَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي الْتَزَمَ الْمَشْيَ إلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ لَا شَكَّ أَفْضَلُ. ابْنُ شَاسٍ.