الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا لِأَنَّ الْمُقَامَ عَلَيْهِ بِبَلَدِ الْحَرْبِ حَرَامٌ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِيَ بِمَا وَعَدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: " وَلَا خُمُسَ فِيمَا خَرَجَ بِهِ " هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأُسَارَى يَغْنَمُونَ مِنْ أَسْرَاهُمْ.
[مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ تَرْكُ الْغُلُولِ]
(وَالْغُلُولُ) ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ تَرْكُ الْغُلُولِ (وَأَدَبُ) عَبْدَ الْوَهَّابِ: وَيُعَاقَبُ مَنْ غَلَّ وَلَا يَحْرُمُ سَهْمُهُ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّهُ بِحُصُولِ سَبَبِهِ مِنْ الْقِتَالِ وَالْحُضُورِ (وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ ظَهَرَ عَلَى الْغَالِّ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ أُدِّبَ وَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ إنْ افْتَرَقَ الْجَيْشُ وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقْ رُدَّ فِي الْمَغْنَمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ جَاءَ تَائِبًا لَمْ يُؤَدَّبْ. سَحْنُونَ: كَالزِّنْدِيقِ وَالرَّاجِعِ عَنْ شَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْثَرَ عَلَيْهِ (وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ فِعْلًا حَرَامًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِمَا يَأْخُذُونَ مِنْ جُلُودٍ يَعْمَلُونَهَا نِعَالًا وَخِفَاقًا أَوْ لِأَكُفِّهِمْ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِمْ. وَمَنْ نَحَتَ سَرْجًا أَوْ بَرَى سَهْمًا أَوْ صَنَعَ تَخْتًا بِبَلَدِ الْعَدُوِّ فَهُوَ لَهُ وَلَا يُخَمَّسُ. سَحْنُونَ: مَعْنَاهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا.
قَالَ مَكْحُولٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَصْنُوعًا فَيَدْخُلَ فِي الْمَغَانِمِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا. ابْنُ حَبِيبٍ: كُلُّ مَا صَنَعَهُ بِيَدِهِ مِنْ سَرْجٍ أَوْ سَهْمٍ أَوْ قَصْعَةٍ أَوْ قَدَحٍ
وَشَبَهِهِ فَلَهُ إخْرَاجُ ذَلِكَ كُلِّهِ لِمَنْفَعَةٍ أَوْ بَيْعٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ وَإِنْ كَثُرَ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ. أَبُو عُمَرَ: كُلُّ مَا كَانَ مُبَاحًا فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَأَخْذُهُ جَائِزٌ. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: جُلُودُ مَا ذَبَحَهُ الْغُزَاةُ بِأَرْضِ الْحَرْبِ تُطْرَحُ فِي الْمَغَانِمِ إنْ كَانَ لَهَا ثَمَنٌ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذُوهَا. ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ إنْ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهَا، فَأَمَّا إنْ اخْتَلَفُوا فَإِنْ احْتَاجُوا إلَيْهَا لِشَدِّ قَتَبٍ وَنَحْوِهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِمْ إيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ وَمِثْلُهُ فِي الْوَاضِحَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ (وَإِبْرَةً) . ابْنُ رُشْدٍ: الْإِبْرَةُ إذَا أَخَذَهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا مُغْتَالًا لَهَا فَلَيْسَتْ مِنْ الْغُلُولِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ أَنْ يَرُدَّهَا فِي الْمَغَانِمِ إذْ لَا قِيمَةَ لَهَا. وَحَدِيثُ:«أَدُّوا الْمَخِيطَ» كَلَامٌ خُرِّجَ عَلَى التَّحْذِيرِ عَلَى حَدِّ «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ» .
(وَطَعَامًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: سُنَّةُ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ أَنَّهُ يُؤْكَلُ وَيُعْلَفُ مِنْهُ الدَّوَابُّ وَلَا يُسْتَأْمَرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَلَا غَيْرُهُ وَلَوْ نَهَاهُمْ سُلْطَانٌ عَنْ إصَابَةِ ذَلِكَ ثُمَّ اضْطَرُّوا إلَيْهِ لَكَانَ لَهُمْ أَكْلُهُ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَلَا يُخْرِجُ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ فَعَلَ رَدَّهُ فِي الْمَغْنَمِ (وَإِنْ نَعَمًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ أَيْضًا لِمَنْ أَخَذَهَا مِثْلُ الطَّعَامِ يَأْكُلُ مِنْهَا وَيَنْتَفِعُ بِهَا. «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفَرٍ مِنْ الْعَسْكَرِ أَصَابُوا غَنَمًا كَثِيرَةً: لَوْ أَطْعَمْتُمْ إخْوَانَكُمْ مِنْهَا. قَالَ: فَرَمَيْنَاهُمْ بِشَاةٍ شَاةٍ حَتَّى كَانَ الَّذِي مَعَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَنَا» .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا ضَمَّ الْوَالِي مَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْمَغْنَمِ ثُمَّ احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ (وَعَلَفًا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا (كَثَوْبٍ وَسِلَاحٍ وَدَابَّةٍ لِتَرُدَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَغْنَمِ دَابَّةً يُقَاتِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْكَبُهَا إلَى بَلَدِهِ إنْ احْتَاجَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَى الْغَنِيمَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ قَدْ قُسِمَتْ بَاعَهَا وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا وَكَذَلِكَ إنْ احْتَاجَ إلَى سِلَاحٍ يُقَاتِلُ بِهِ أَوْ ثِيَابٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ يَلْبَسُهَا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّابَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ حَازَ الْإِمَامُ هَذِهِ الثِّيَابَ أَوْ هَذِهِ الْجُلُودَ ثُمَّ اُحْتِيجَ إلَيْهَا فَلَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهَا كَمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهَا الْإِمَامُ (وَرَدَّ الْفَضْلَ إنْ كَثُرَ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ) قَالَ مَالِكٌ: إذَا خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ وَمَعَهُ فَضْلَةُ طَعَامٍ أَكَلَهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا وَيَتَصَدَّقُ بِالْكَثِيرِ. اللَّخْمِيِّ وَالْبَاجِيُّ: إنَّمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ إنْ افْتَرَقَ الْجَيْشُ وَإِلَّا رَدَّهُ لِلْقِسْمِ وَنَحْوُ هَذَا لِأَبِي عُمَرَ.
(وَمَضَتْ الْمُبَادَلَةُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَخَذَ هَذَا عَسَلًا وَهَذَا لَحْمًا وَهَذَا طَعَامًا فَيُبْدِلُونَهُ وَيَمْنَعُ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ حَتَّى يُبَادِلَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَلِكَ الْعَلَفُ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ التَّفَاضُلَ بَيْنَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ فِي هَذَا، وَخَفَّفَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ خَفِيفٌ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ الْمُوَاسَاةَ فِيهِ بَيْنَهُمْ قَالَ: وَمَنْ جَهِلَ فَبَاعَ بِثَمَنٍ وَاشْتَرَى جِنْسًا آخَرَ مِنْ الطَّعَامِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ ثَمَنًا انْبَغَى أَنْ يَرْجِعَ مَغْنَمًا بِخِلَافِ الْمُبَادَلَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَخَذَ طَعَامًا فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ
اسْتَغْنَى عَنْهُ فَلْيُعْطِهِ إلَى أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ بَيْعٍ وَلَا قَرْضٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَقْرَضَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فَإِنْ جَهِلَ فَرَدَّهُ إلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ فَلْيَرْجِعْ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فَإِنْ جَهِلَ فَرَدَّهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ فَلْيَرْجِعْ بِمَا دَفَعَ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ أَفَاتَهُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَنْ عَوَّضَ عَنْ صَدَقَةٍ وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي عِوَضِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ فَاتَهُ لِي شَيْءٌ لَهُ لِأَنَّهُ هُوَ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ. وَصَوَّبَ ابْنُ يُونُسَ هَذَا الْقَوْلَ وَقَدْ ذَكَرُوا لِهَذَا نَظَائِرَ.
(وَبِبَلَدِهِمْ إقَامَةُ الْحَدِّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ سَرَقَ مُسْلِمٌ مِنْ حَرْبِيٍّ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ الْحَرْبِيُّ وَقَدْ دَخَلَ بِأَمَانٍ قُطِعَ. وَيُقِيمُ أَمِيرُ الْجَيْشِ الْحُدُودَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ عَلَى أَهْلِ الْجَيْشِ فِي السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ أَقْوَى عَلَى الْحَقِّ.
(وَتَخْرِيبٌ وَقَطْعُ نَخْلٍ وَحَرْقٌ إنْ أَنْكَى أَوْ لَمْ تُرْجَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ كَعَكْسِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِقَطْعِ نَخْلِ بَنِي النَّضِيرِ.
وَرُوِيَ إنَّهُمْ لَمَّا قَطَعُوا بَعْضًا وَتَرَكُوا بَعْضًا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هَلْ لَهُمْ أَجْرٌ فِيمَا قَطَعُوا وَهَلْ عَلَيْهِمْ وِزْرٌ فِيمَا تَرَكُوا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا} [الحشر: 5] . فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى إبَاحَةِ الْقَطْعِ وَأَنْ لَا حَرَجَ فِي التَّرْكِ. وَتَوَقَّفَ مَالِكٌ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَطْعَ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْكِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إذْلَالِ الْعَدُوِّ وَإِصْغَارِهِمْ وَنِكَايَتِهِمْ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ:{وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا} [التوبة: 120] إلَّا أَنْ يَكُونَ بَلَدًا يُرْجَى أَنْ يَصِيرَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ التَّوَقُّفُ عَنْ الْقَطْعِ وَالتَّحْرِيقِ وَالتَّخْرِيبِ أَفْضَلَ بِدَلِيلِ نَهْيِ أَبِي بَكْرٍ أُمَرَاءَ جُيُوشِهِ إلَى الشَّامِ عَنْ ذَلِكَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفْتِحُونَهَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «وَتُفْتَحُ الشَّامُ» إلَى قَوْلِهِ: «وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» ، وَلِحَضِّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الصَّلَاةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
(وَوَطْءُ أَسِيرٍ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً سَبْيًا) . ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْأَسِيرِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ الْمَأْسُورَتَيْنِ مَعَهُ إنْ أَمِنَ مِنْ وَطْئِهِمَا الْعَدُوَّ، وَإِنَّمَا أَكْرَهَهُ خَوْفُ بَقَاءِ ذُرِّيَّتِهِ بِأَرْضِ الْحَرْبِ. وَلَوْ تَرَكَ وَطْءَ الْأَمَةِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ لِأَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ مَلَكَهَا مِلْكًا لَوْ أَسْلَمَ عَلَيْهَا لَمْ تُنْزَعْ مِنْهُ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ. ابْنُ رُشْدٍ: الْأَمْرُ فِي وَطْءِ الْحُرَّةِ عَلَى مَا قَالَ بِاتِّفَاقٍ.
(وَذَبْحُ حَيَوَانٍ وَعَرْقَبَتُهُ) قَالَ مَالِكٌ: مَا ضَعُفَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ النُّفُوذِ بِهِ مِنْ بِلَادِهِمْ مِنْ مَاشِيَةٍ وَدَوَابَّ وَمَتَاعٍ مِمَّا غَنِمُوا أَوْ كَانَ مَتَاعُهُمْ أَوْ قَامَ عَلَيْهِمْ مِنْ دَوَابِّهِمْ فَلْيُعَرْقِبُوا الدَّوَابَّ وَيَذْبَحُونَهَا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْمَاشِيَةِ وَلَا تُتْرَكُ لِلْعَدُوِّ لِيَنْتَفِعَ بِهَا وَأَمَّا الْمَتَاعُ وَالسِّلَاحُ فَإِنَّهَا تُحَرَّقُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الدَّوَابِّ أَنَّهَا تُحْرَقُ بَعْدَمَا عُرْقِبَتْ. اللَّخْمِيِّ: إلَّا أَنْ يَخْشَى إدْرَاكَهَا الْعَدُوُّ قَبْلَ فَسَادِهَا. الْبَاجِيُّ إنْ كَانُوا يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ فَالصَّوَابُ حَرْقُهَا (وَأَجْهَزَ عَلَيْهِمْ) ابْنُ الْقَاسِمِ: تُعْقَرُ بَقَرُهُمْ وَغَنَمُهُمْ إنْ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهَا. ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ أَنَّهَا تُعْقَرُ بِالْإِجْهَازِ عَلَيْهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ تُحْرَقُ إنْ خَشَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا الْعَدُوُّ بَعْدَ عَقْرِهَا وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهَا يَتَقَوَّوْنَ بِهَا.
(وَفِي النَّحْلِ إنْ كَثُرَتْ وَلَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا رِوَايَتَانِ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: يُكْرَهُ
تَحْرِيقُ النَّحْلِ وَتَغْرِيقُهَا لِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ إلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَلِأَنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى دِيَارِنَا كَحَمَامِ الْأَبْرِجَةِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يَكْثُرُ نَفْعُهُمْ بِهَا وَيُؤْذِيهِمْ تَلَفُهَا جَازَ ذَلِكَ فِيهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ الْخَيْلِ وَالْأَنْعَامِ. انْتَهَى نَقْلُهُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ لِطَالِبِ عَسَلِهَا تَغْرِيقُهَا لِخَوْفِ لَدْغِهَا (وَحُرِقَ إنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ بِهَذَا (كَمَتَاعٍ عَجَزَ عَنْ حَمْلِهِ) ابْنُ حَبِيبٍ: مَا عَجَزَ الْإِمَامُ عَنْ حَمْلِهِ مِنْ الْأَثَاثِ وَالْمَتَاعِ وَلَمْ يَجِدْ بِهِ ثَمَنًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِمَنْ شَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَأْخُذُهُ فَلْيُحْرِقْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْرُقْهُ ثُمَّ حَمَلَهُ أَحَدٌ فَلَا خُمُسَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا قَسْمَ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْطَاهُ لَهُ الْإِمَامُ. اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ:" وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ ".
(وَجُعْلُ الدِّيوَانِ) اللَّخْمِيِّ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ أَنْ لَا يَأْخُذَ عَلَيْهِ أَجْرًا، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْتُبَ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ وَالْعَطَاءِ لَمْ يُمْنَعْ إذَا كَانَ الْعَطَاءُ مِنْ حَيْثُ يَجُوزُ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: أَوْقَفَ عُمَرُ رضي الله عنه الْفَيْءَ وَخَرَاجَ الْأَرَضِينَ لِلْمُجَاهِدِينَ، فَفَرَضَ مِنْهُ لِلْمُقَاتِلَةِ وَالْعِيَالِ وَالذُّرِّيَّةِ فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ، فَمَنْ افْتَرَضَ فِيهِ وَنِيَّتُهُ الْجِهَادُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: أَصْحَابُ الْعَطَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ لِمَا يُرَوَّعُونَ.
قَالَ مَكْحُولٌ: رَوْعَاتُ الْبُعُوثِ تَقِي رَوْعَاتِ الْقِيَامَةِ (وَجُعْلٌ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ إنْ كَانَا بِدِيوَانٍ) ابْنُ شَاسٍ: الْجَعَالَةُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْجِهَادِ جَائِزَةٌ يَجْعَلُ الْقَاعِدُ لِلْخَارِجِ إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْعَبِيدِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: أُرِيدُ الْغَزْوَ فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ أُعِينَكَ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِي قُلْت: قَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيَّ قَالَ: إنَّ
غِنَاك لَك وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِي فِي هَذَا الْوَجْهِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: «مَنْ قَتَلَ فَلَهُ السَّلَبُ» .
(وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ وَكُرِهَ التَّطْرِيبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالتَّكْبِيرِ فِي الرِّبَاطِ وَالْحَرَسِ عَلَى الْبَحْرِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنْكَرَ التَّطْرِيبَ.
(وَقَتْلُ عَيْنٍ وَإِنْ أُمِّنَ) سَحْنُونَ: إنْ أُمِّنَ حَرْبِيٌّ بَانَ أَنَّهُ عَيْنٌ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ أَوْ اسْتِرْقَاقُهُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَلَا خُمُسَ فِيهِ. اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ عَلِمَ مِنْ ذِمِّيٍّ عِنْدَنَا أَنَّهُ عَيْنٌ لَهُمْ يُكَاتِبُهُمْ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا عَهْدَ لَهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: يُقْتَلُ نَكَالًا يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ اسْتِرْقَاقَهُ (وَالْمُسْلِمُ كَالزِّنْدِيقِ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْجَاسُوسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُؤْخَذُ وَقَدْ كَاتِب الرُّومَ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: مَا سَمِعْت فِيهِ بِشَيْءٍ وَأَرَى فِيهِ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ. اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَحْسَنُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ أَضَرُّ مِنْ الْمُحَارِبِ.
(وَقَبُولُ الْإِمَامِ هَدِيَّتَهُمْ) سَحْنُونَ: لَا بَأْسَ بِقَبُولِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَهْدَى إلَيْهِ أَمِيرُ الرُّومِ وَتَكُونُ لَهُ خَاصَّةً (وَهِيَ لَهُ إنْ كَانَتْ مِنْ بَعْضٍ لِكَقَرَابَتِهِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ عَلِمَ أَنَّ الْهَدِيَّةَ لِلْإِمَامِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ إنَّمَا هِيَ لِقَرَابَةٍ أَوْ مُكَافَأَةٍ كُوفِئَ فَأَرَاهَا لَهُ خَاصَّةً (وَفَيْءٌ إنْ كَانَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ) ابْنُ رُشْدٍ: الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ أَنَّهُ إذَا أَتَتْ الْأَمِيرَ الْهَدِيَّةُ مِنْ الطَّاغِيَةِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَدُوِّ وَقَبْلَ أَنْ يُدَرَّبَ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ أَنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّ الْأَمِيرَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَمَّا إذَا أَتَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ وَهُوَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ لَهُ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ تَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ أَوْ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهَا تَكُونُ لِلْجَيْشِ يُرِيدُ غَنِيمَةً لَهُمْ وَتَخْمِيسٌ. وَقِيلَ: إنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ كَالْجِزْيَةِ.
وَأَمَّا الرَّجُلُ مِنْ الْجَيْشِ تَأْتِيهِ الْهَدِيَّةُ فَقَالَ: هِيَ لَهُ خَاصَّةً لَا شَكَّ فِيهِ. سَحْنُونَ: وَأَمِيرُ الطَّائِفَةِ فِي قَبُولِ
الْهَدِيَّةِ وَاخْتِصَاصِهِ بِهَا كَأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ الرُّومُ فِي مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ وَإِلَّا فَهِيَ رِشْوَةٌ لَا يَحِلُّ قَبُولُهَا (وَقِتَالُ رُومٍ وَتُرْكٍ) اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْفَرَازِنَةِ: وَهُمْ جِنْسٌ مِنْ الْحَبَشَةِ لَا يُقَاتَلُوا حَتَّى يُدْعَوْا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي التُّرْكِ مِثْلُ ذَلِكَ فَأَبَاحَا قِتَالَهُمْ إذَا دُعُوا فَأَبَوْا. وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ: لَا يُقَاتَلُ الْحَبَشَةُ إلَّا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ وَكَذَلِكَ التُّرْكُ.
قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَغْزُونَ الرُّومَ وَغَيْرَهُمْ وَتَرَكُوا الْحَبَشَةَ وَمَا أَرَاهُمْ تَرَكُوا قِتَالَهُمْ إلَّا لِأَمْرٍ (وَاحْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ بِقُرْآنٍ) تَقَدَّمَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ (وَبَعْثُ كِتَابٍ فِيهِ كَالْآيَةِ) تَقَدَّمَ نَقْلُ عِيَاضٍ هَذَا عَنْ الْفُقَهَاءِ (وَإِقْدَامُ رَجُلٍ عَلَى كَثِيرٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لِيُظْهِرَ شَجَاعَةً عَلَى الْأَظْهَرِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: حَمَلَ رَجُلٌ أَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ عَلَى جَيْشِهِ خَوْفَ الْأَسْرِ خَفِيفٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْسِرَ اتِّفَاقًا وَحَمْلُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ مِنْ الْجَيْشِ الْكَثِيفِ عَلَى جَيْشِ الْعَدُوِّ لِلسُّمْعَةِ وَالشَّجَاعَةِ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا. ابْنُ عَرَفَةَ: الصَّوَابُ حُرْمَتُهُ وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَحَمْلُهُ مُحْتَسِبًا بِنَفْسِهِ لِيُقَوِّيَ نُفُوسَ الْمُسْلِمِينَ وَيُلْقِيَ بِهِ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ، فَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ كَرِهَهُ وَمِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَاسْتَحَبَّهُ لِمَنْ كَانَتْ بِهِ قُوَّةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَعَلَ ذَلِكَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأُمَرَاءِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَلَا أَنْكَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.
وَلِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ
وَرَوَى أَشْهَبُ فِي الرَّجُلِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَدْعُو لِلْمُبَارَزَةِ: لَا بَأْسَ بِهِ إنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ. وَرَوَى عَلِيٌّ: إنْ لَقِيَتْ سَرِيَّةٌ أَضْعَافَهُمْ فَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يَنْكَوْا الْعَدُوَّ فَلَا يَلْقَوْهُ لِئَلَّا يَسْتَأْسِرَ بِقَتْلِهِمْ.
(وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لِآخَرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَحْرَقَ الْعَدُوُّ سَفِينَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْ مَوْتٍ إلَى مَوْتٍ. ابْنُ رُشْدٍ: الصَّوَابُ أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ أَفْضَلُ وَفِعْلَهُ جَائِزٌ (وَوَجَبَ إنْ رَجَا حَيَاةً) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا حَصَلَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي صُورَةٍ يَخَافُ فِيهَا مِنْ الْقَتْلِ فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهَا، فَإِنْ رَجَا السَّلَامَةَ فَالِانْتِقَالُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَجَا السَّلَامَةَ بِالْبَقَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ. وَلِمَا نَقَلَ اللَّخْمِيِّ أَنَّ لَهُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَوْتِ وَلَا يَفِرَّ لِلْأَسْرِ قَالَ: هَذَا غَيْرُ بَيِّنٍ اُنْظُرْهُ فِيهِ (أَوْ طُولَهَا) اُنْظُرْ ابْنَ بَشِيرٍ.
(كَالنَّظَرِ فِي الْأَسْرَى بِقَتْلٍ أَوْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ أَوْ جِزْيَةٍ أَوْ اسْتِرْقَاقٍ) ابْنُ رُشْدٍ: ذَهَبَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: فَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْسِرَ وَيَسْتَعْبِدَ، وَإِمَّا أَنْ يُعْتِقَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ الْفِدَاءَ، وَإِمَّا أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِ الذِّمَّةَ وَيَضْرِبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ لَيْسَ عَلَى الْحُكْمِ فِيهِمْ بِالْهَوَى وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى
جِهَةِ الِاجْتِهَادِ فِي النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ كَالتَّخْيِيرِ فِي الْحُكْمِ فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ. فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ وَالنِّكَايَةِ لِلْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْتَحْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُ وَلَهُ قِيمَةٌ اسْتَرَقَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ قَبِلَ فِيهِ الْفِدَاءَ إنْ بُذِلَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ وَلَا فِيهِ مَحْمَلٌ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ أَعْتَقَهُ كَالضُّمَنَاءِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا قِتَالَ عِنْدَهُمْ وَلَا رَأْيَ لَهُمْ وَلَا تَدْبِيرَ. فَمِنْ الضُّمَنَاءِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا يُقْتَلُونَ الْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ وَالْيَابِسُ الشَّقَّ بِاتِّفَاقٍ. وَالْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ عَلَى اخْتِلَافٍ. وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ السَّهْمُ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَفِي جَوَازِ إعْطَائِهِمْ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يُجْعَلُ فِي السَّبِيلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ وَفِيهِ مَحْمَلٌ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَقَدَ لَهُ الذِّمَّةَ وَضَرَبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ مُخَالَفَةَ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، مِثْلَ أَنْ يَبْذُلَ الْفَارِسُ الْمَعْرُوفُ بِالنَّجْدَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ فِي نَفْسِهِ الْمَالَ الْوَاسِعَ الْكَثِيرَ فَيَرَى الْإِمَامُ أَخْذَهُ أَوْلَى مِنْ قَتْلِهِ.
(وَلَا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ مِنْ مُسْلِمٍ وَرُقَّ إنْ حَمَلَتْ بِهِ بِكُفْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ كِتَابِيٌّ أَوْ بَعْدَ قُدُومِهِ إلَيْنَا لَمْ تَزُلْ عِصْمَتُهُ عَنْ نِسَائِهِ وَهُوَ عَلَى نِكَاحِهِ وَيَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهِمْ وَافْتِرَاقُ الدَّارَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَمِنْ اللَّخْمِيِّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْحَرْبِيِّ: ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُ فَغَنِمُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَالَهُ: أَنَّهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَسَأَلْت مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمَ ثُمَّ غَزَا الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الدَّارَ فَأَصَابُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ قَالَ مَالِكٌ: فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ هَاهُنَا أَنَّهُمْ فَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ إلَيْنَا ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَالْقَوْلُ أَنَّ مَالَهُ وَوَلَدَهُ لَهُ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ مَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَإِنْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنْ وَطْءٍ كَانَ بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ يُسْتَرَقَّ قَوْلًا وَاحِدًا. وَكَذَلِكَ لَوْ سُبِيَتْ زَوْجَتُهُ بِحَمْلٍ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَهُوَ إذَنْ وَلَدُهُ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا زَوْجَتُهُ فَفَيْءٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا أَوْ أَقَامَ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْكُفْرُ وَالرِّقُّ وَالزَّوْجِيَّةُ إلَّا إنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ عَتَقَتْ فَإِنَّهَا تَبْقَى زَوْجَةً.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ كَوْنُ الْمَرْأَةِ حَامِلًا مِنْ مُسْلِمٍ لَكِنْ لَا يُرَقَّ الْوَلَدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ بِهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ ثُمَّ سُبِيَتْ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَالْحَمْلُ فَيْءٌ. وَانْظُرْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ حُكْمَ أَمْوَالِ الْمُدْجِنِينَ. هَلْ هِيَ كَمَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَبَقِيَ بِدَارِ الْحَرْبِ؟ وَانْظُرْ هُنَاكَ أَيْضًا الْحُرَّةَ يَأْسِرُهَا الْعَدُوُّ فَتَلِدُ عِنْدَهُمْ ثُمَّ يَغْنَمُهَا الْمُسْلِمُونَ وَأَوْلَادَهَا، وَانْظُرْ مَالَ مَنْ مَاتَ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ وَغَاصِبُ مَتْرُوكِهِ مُدْجِنٌ بِأَرْضِ