الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(كَمُحَارَبَتِهِ) فِيهَا: حِرَابَةٌ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَحِرَابَةِ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ يُقْتَلُ لِأَنَّهَا نَقْضُ عَهْدٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: حُكْمُ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْحِرَابَةِ مَا وَصَفْنَا فِي الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَإِنْ ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وَحَارَبُوا فَكَالْمُرْتَدِّينَ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: إنْ مَنَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْجِزْيَةَ قُوتِلُوا وَسُبُوا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي حِصْنِ مُسْلِمِينَ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ وَيُقَاتَلُونَ وَأَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا نَسْبِي ذَرَارِيّهِمْ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: أَهْلُ الذِّمَّةِ وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا سَوَاءٌ لَا تُسْبَى ذَرَارِيّهِمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ وَيُقَرُّونَ عَلَى جِزْيَتِهِمْ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ أَيْ لَا تَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ الَّذِي قَاتَلَهُمْ لِأَنَّ حُكْمَ أَمْوَالِهِمْ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي قَوْلِهِ: إنَّ ذَرَارِيّهِمْ لَا يُسْبَوْنَ " حُكْمُ مَالِ الْمُرْتَدِّ إذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ يَكُونُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: تُسْبَى ذَرَارِيّهِمْ وَتُقْسَمُ أَمْوَالُهُمْ عَلَى حُكْمِ النَّاقِضِينَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهَذَا الَّذِي خَالَفَتْ فِيهِ سِيرَةُ عُمَرَ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ فِي الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنْ الْعَرَبِ سَارَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ سِيرَةَ النَّاقِضِينَ فَسَبَى النِّسَاءَ وَالصِّغَارَ وَجَرَتْ الْمَقَاسِمُ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بَعْدَهُ نَقَضَ ذَلِكَ وَسَارَ فِيهِمْ سِيرَةَ الْمُرْتَدِّينَ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ الرِّقِّ وَرَدَّهُمْ إلَى عَشَائِرِهِمْ وَإِلَى الْجِزْيَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: حَكَى هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالُوا: إنَّ الْقَاضِيَ لَا يَرُدُّ مَا قَضَى بِهِ غَيْرُهُ قَبْلَهُ بِاجْتِهَادِهِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُ أَشْهَبَ: " إنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَأَهْلَ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ " خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ، لِأَنَّ الْمُرْتَدِّينَ أَحْرَارٌ مِنْ أُصُولِهِمْ وَالْمُعَاهَدِينَ لَمْ تَتِمَّ حُرِّيَّتُهُمْ بِالْمُعَاهَدَةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ عِصْمَةً لَهُمْ مِنْ الْقِتَالِ فَإِذَا نَقَضُوهَا رَجَعُوا إلَى الْأَصْلِ فَحَلَّ دَمُهُمْ وَسَبَاؤُهُمْ. وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْمُتَنَصِّرِ يُصِيبُ دِمَاءَ النَّاسِ وَأَمْوَالَهُمْ ثُمَّ يُؤْسَرُ فَيَتَشَهَّدُ فَقَالَ: يَصْدُرُ عَنْهُ مَا أَصَابَ فِي ارْتِدَادِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ كَالْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَنَصُّرُهُ مُجُونًا وَفِسْقًا. ابْنُ عَرَفَةَ: تَلْقِينُ الشَّيْخِ وَابْنِ رُشْدٍ: مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ عُمَرَ بِالْقَبُولِ وَفِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظَرٌ لِمَا ذَكَرَهُ الرَّاوِيَةُ الْعَدْلُ أَبُو الرَّبِيعِ فِي اكْتِفَائِهِ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
[عَقْدِ الْمُهَادَنَة وَشُرُوطهَا]
(وَلِلْإِمَامِ الْمُهَادَنَةُ لِمَصْلَحَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُهَادَنَةُ وَهِيَ الصُّلْحُ عَقْدُ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْمُسَالَمَةِ مُدَّةً لَيْسَ هُوَ فِيهَا تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ. فَخَرَجَ الْأَمَانُ وَالِاسْتِئْمَانُ وَشَرْطُهَا أَنْ يَتَوَلَّاهَا الْإِمَامُ لَا غَيْرُهُ سَحْنُونَ: تُكْرَهُ مِنْ السَّرَايَا وَالْإِمَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَوْهِينِ الْجِهَادِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِنْ نَزَلَ بِغَيْرِهَا مَضَى (إنْ خَلَا عَنْ كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شَرْطِ الْمُهَادَنَةِ الْخُلُوُّ مِنْ شَرْطٍ فَاسِدٍ كَشَرْطِ تَرْكِ مُسْلِمٍ فِي أَيْدِيهِمْ. الْمَازِرِيُّ: وَلَوْ تَضَمَّنَتْ الْمُهَادَنَةُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ مُسْلِمًا وَفِي لَهُمْ بِذَلِكَ فِي الرِّجَالِ لِرَدِّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَا جَنْدَلٍ وَأَبَا بَصِيرٍ، وَلَا يُوَفِّي بِذَلِكَ بِرَدِّ النِّسَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10] ابْنُ شَاسٍ: لَا يَحِلُّ شَرْطُ ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَحُسْنِ الْعَافِيَةِ. وَانْظُرْ اسْتِدْلَالَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بِقَضِيَّةِ أَبِي جَنْدَلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا: " وَإِنْ رَسُولًا " وَانْظُرْ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ " (وَإِنْ بِمَالٍ إلَّا
لِخَوْفٍ) اُنْظُرْ هَذَا الْعِبَارَةَ. الْمَازِرِيُّ: لَا يُهَادَنُ الْعَدُوُّ بِإِعْطَائِهِ مَالًا لِأَنَّهُ عَكْسُ مَصْلَحَةِ شَرْعِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ إلَّا لِضَرُورَةِ التَّخَلُّصِ مِنْهُ خَوْفَ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا مَا شَاوَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي إعْطَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي قَضِيَّةِ الْأَحْزَابِ لَمَّا أَحَاطُوا بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ مَرْوَانَ (وَلَا حَدَّ) الْمَازِرِيُّ: مُدَّةُ الْمُهَادَنَةِ عَلَى حَسَبِ نَظَرِ الْإِمَامِ (وَنُدِبَ أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) ابْنُ شَاسٍ: اسْتَحَبَّ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ أَنْ لَا تَكُونَ الْمُدَّةُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا مَعَ الْعَجْزِ (وَإِنْ اسْتَشْعَرَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأَنْذَرَهُمْ وَوَجَبَ الْوَفَاءُ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ لِلْمُهَادَنَةِ ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشُّرُوطِ إلَى آخِرِ الْمُدَّةِ إلَّا أَنْ يَسْتَشْعِرَ خِيَانَةً مِنْهُمْ فَلَهُ أَنْ يَنْبِذَ الْعَهْدَ إلَيْهِمْ وَيُنْذِرَهُمْ.
(وَإِنْ بِرَدِّ رَهَائِنَ وَلَوْ أَسْلَمُوا) ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ اشْتِرَاءَ أَوْلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ آبَائِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هُدْنَةٌ، وَإِذَا جَازَ اشْتِرَاؤُهُمْ مِنْهُمْ جَازَ ارْتِهَانُهُمْ مِنْهُمْ وَبَيْعُهُمْ فِيمَا رُهِنُوا فِيهِ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ عَنْ أَشْهَبَ.
ابْنُ شَاسٍ: وَهَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رَهَائِنِهِمْ؟ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إلَيْهِمْ. أَبُو عُمَرَ وَغَيْرُ مَالِكٍ يَأْبَى ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا. اُنْظُرْ الْأَسِيرَ الْكَافِرَ يَأْبِقُ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ ثُمَّ يَأْتِي تَاجِرًا. اُنْظُرْ النَّوَادِرَ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعِلْجِ يَرْهَنُ ابْنَهُ أَوْ بِنْتَهُ فِي فِدَائِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ لِيَأْتِيَ بِهِ فَيُقِيمَ بِبَلَدِهِ: فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا اُسْتُرِقَّ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أُطْلِقَ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ لِلْأَبِ عُذْرًا وَلَمْ يَنْكُثْ حِينَ مَضَى لَزِمَ السَّيِّدَ إطْلَاقُ الْوَلَدِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسِيرِ وَالْحَرْبِيِّ، أَنَّ الْحَرْبِيَّ حَاكِمٌ عَلَى وَلَدِهِ الْبَاقِي فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي بَلَدِهِ فَجَازَ بَيْعُ الْوَلَدِ فِيمَا رُهِنَ فِيهِ، وَالْأَسِيرُ لَا حُكْمَ فِيهِ عَلَى وَلَدِهِ الْبَاقِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِأَهْلِهِ مُسْتَأْمَنًا فَلَنَا شِرَاءُ بَنِيهِ وَرَقِيقِهِمْ إلَّا أَنْ تَرْضَى بِذَلِكَ زَوْجَتُهُ وَابْنُهُ الْكَبِيرُ وَابْنَتُهُ الَّتِي وَلِيَتْ نَفْسَهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ هَادَنَ الْمُسْلِمُونَ لِأَخْذٍ وَلَنَا شِرَاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ أَرْضِهِمْ لِأَنَّهُمْ بِأَرْضِهِمْ بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ بِأَمَانٍ (كَمَنْ أَسْلَمَ) ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرُهُ: لَا يُوَفِّي لَهُمْ بِذَلِكَ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: مَالِكٌ يَرَى أَنْ يَرُدَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرَّهْنِ وَالرُّسُلِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يُرَدُّونَ (وَإِنْ رَسُولًا) ابْنُ عَرَفَةَ: سَمِعَ سَحْنُونَ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ أَسْلَمَ رَسُولُ أَهْلِ الْحَرْبِ رُدَّ إلَيْهِمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ وَلَوْ شَرَطُوهُ، وَثَالِثُهَا إنْ لَمْ يَشْتَرِطُوهُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَبِي جَنْدَلٍ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا حُجَّةَ فِي هَذَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا رَدَّ أَبَا جَنْدَلٍ بِالشَّرْطِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْحُجَّةَ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يَرُدُّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ «أَبِي رَافِعٍ قَالَ: أَقْبَلْت بِكِتَابٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا رَأَيْته أُلْقِيَ فِي قَلْبِي حُبُّ الْإِسْلَامِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا أَرْجِعُ إلَيْهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنِّي لَا أَخْفِرُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرْدَ وَلَكِنْ ارْجِعْ إلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِك بَعْدَ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ الَّذِي فِي قَلْبِك الْآنَ فَارْجِعْ. قَالَ: فَرَجَعْت إلَيْهِمْ ثُمَّ أَقْبَلْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ مَنْ عَزَا لِمَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ إلَّا مَا تَقَدَّمَ لِأَبِي عُمَرَ، وَانْظُرْ مَنْ يَسْتَشْكِلُ قَوْلَ مَالِكٍ كَأَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إلَى الْكُفْرِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ بِالْأَصَالَةِ وَأُسِرُوا وَقَدِمَ بِهِمْ الْحَرْبِيُّونَ بِأَمَانٍ؟ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ لَهُمْ الرُّجُوعَ بِهِمْ إنْ أَحَبُّوا. وَانْظُرْ قَضِيَّةَ نُعَيْمٍ سَمَحَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي إخْفَاءِ إسْلَامِهِ عَنْ قَوْمِهِ أَنْ يُخَذِّلَ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِلرَّهْنِ حَتَّى يَكُونَ إسْلَامُهُ تَطْمَئِنُّ نُفُوسُنَا إلَيْهِ.
وَإِنَّمَا انْبَسَطْتُ فِي تَرْسِيخِ هَذَا لِكَثْرَةِ مَنْ غَرَّنَا فَانْخَدَعْنَا لَهُ بِالْأُسْوَةِ بِمَالِكٍ وَبِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: ارْجِعْ إلَى قَوْمِك فَإِنْ بَقِيَ فِي قَلْبِك مَا بِقَلْبِك الْآنَ فَارْجِعْ أَوْ كَمَا قَالَ:
فَسَلِي ثِيَابَك مِنْ ثِيَابِي تَنْسَلِ
…
لَا خَيْرَ فِي وُدٍّ يَكُونُ تَكَلُّفَا
(إنْ كَانَ ذَكَرًا) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " إنْ خَلَا عَنْ كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ " وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيِّ، وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ:" أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ ".
(وَفُدِيَ بِالْفَيْءِ ثُمَّ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ بِمَالِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِدَاءُ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ فِيهِ طُرُقٌ وَالْأَكْثَرُ وَاجِبٌ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: اسْتِنْقَاذُهُمْ بِالْقِتَالِ وَاجِبٌ فَكَيْفَ بِالْمَالِ؟ زَادَ اللَّخْمِيِّ فِي رِوَايَتِهِ مَعَ رِوَايَةِ أَشْهَبَ: وَلَوْ بِجَمِيعِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا لَمْ يَخْشَ اسْتِيلَاءَ الْعَدُوِّ بِذَلِكَ وَفِي الْمَبْدَأِ بِالْفِدَاءِ مِنْهُ طُرُقٌ. ابْنُ بَشِيرٍ: بَيْتُ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْأَسِيرُ كَأَحَدِهِمْ، فَإِنْ ضَيَّعَ الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْأَسِيرِ مِنْ مَالِهِ. وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: مَنْ رَهَنَهُ أَبُوهُ فَمَاتَ فَفَدَاهُ مُسْلِمٌ يَرْجِعُ بِفِدَائِهِ فِي قَدْرِ إرْثِهِ مِنْ أَبِيهِ أَوْ عَلَى التَّرِكَةِ قَالَ: لَوْ فَدَاهُ الْإِمَامُ. ابْنُ بَشِيرٍ: يُرِيدُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ فَإِنْ لَمْ يَفْدِهِ وَلَا أَحَدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالْوَاجِبُ كَوْنُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِ أَبِيهِ، فَإِنْ قَصَّرَ فَعَلَى الِابْنِ وَيُتْبَعُ بِهِ فِي عَدَمِهِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ. سَحْنُونَ: إنْ رَهَنَهُ أَبُوهُ فِي تِجَارَتِهِ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ وَيُؤَدَّبُ، فَإِنْ مَاتَ فَمِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ رَهَنَهُ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَى الْإِمَامِ فِدَاؤُهُ. ابْنُ يُونُسَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُفْدَى مَنْ هَرَبَ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ. ابْنُ رُشْدٍ: وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْتَكَّ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ فَمَا قَصُرَ عَنْهُ بَيْتُ الْمَالِ تَعَيَّنَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ عَلَى مَقَادِيرِهَا وَيَكُونُ هُوَ كَأَحَدِهِمْ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ مِنْ فَكِّ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، فَإِذَا ضَيَّعَ الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذَا فَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ الْأَسْرَى أَنْ يَفُكَّ نَفْسَهُ مِنْ مَالِهِ. اُنْظُرْ طَرِيقَةَ سَحْنُونٍ وَطَرِيقَةَ اللَّخْمِيِّ فِي ابْنِ عَرَفَةَ.
(وَرَجَعَ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ اشْتَرَيْتَ حُرًّا مُسْلِمًا مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلْتَرْجِعْ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَرَيْتَهُ بِهِ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ لِأَنَّهُ فِدَاءٌ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: يُؤْخَذُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَثُرَ وَإِنْ كَانَ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ شَاءَ أَوْ أَبَى.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اُتُّبِعَ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاَلَّذِي فَدَاهُ وَاشْتَرَاهُ مِنْ
الْعَدُوِّ وَأَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ إلَى مَا يَبْلُغُ مَا أَدَّى فِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِدَاءٌ لَهُ وَلِمَالِهِ كَمَا لَوْ فَدَيْت مَالَهُ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ فَدَيْت دَابَّتَهُ مِنْ مُلْتَقِطِهَا أَوْ مَتَاعًا لَهُ أَوْ اكْتَرَيْت عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ وَلَا لِغُرَمَائِهِ حَتَّى يَأْخُذَ هَذَا مَا أَدَّى فِيهِ.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا حُبِسَ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ " وَانْظُرْ تَرْجَمَةَ الْقَضَاءِ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ أَوْ ظَالِمٍ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنَّمَا كَانَ الَّذِي فَدَاهُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ يَفْدِيهِ وَهُوَ كَارِهٌ بِأَضْعَافِ ثَمَنِهِ وَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ طَوْعِهِ، فَلِهَذَا صَارَ أَوْلَى مِنْ دَيْنِهِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ بِطَوْعِهِ.
ابْنُ يُونُسَ: هَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ مُشْتَرِيَهُ مِنْ الْعَدُوِّ مَا يَكُونُ أَحَقَّ إلَّا فِي مَالِهِ الَّذِي أَخَذَهُ الْعَدُوُّ مَعَ رَقَبَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ وَهَبَهُ الْعَدُوُّ هَذَا الْحُرَّ الْمُسْلِمَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يُكَافِئَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا كَافَأَهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَالْحُرُّ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ (بِمِثْلِ الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةِ غَيْرِهِ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِذَا أَوْجَبْنَا الرُّجُوعَ رَجَعَ بِمِثْلِ مَا فَدَاهُ بِهِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ. (وَعَلَى الْمَلِيءِ وَالْمُعْدِمِ) تَقَدَّمَ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اُتُّبِعَ فِي ذِمَّتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الصَّحِيحُ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ وَالْقِيَاسُ أَنَّ فِدَاءَ أَسِيرٍ لَا مَالَ لَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا فَدَاهُ بِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ خِلَافُ ذَلِكَ وَهُوَ بَعِيدٌ. اللَّخْمِيِّ: إنْ اشْتَرَى مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ حُرًّا كَانَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِالثَّمَنِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَأْخُذَ مَا افْتَدَاهُ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ لِأَنَّ فِدَاءَهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْتَدُوهُ.
قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَلَوْ بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ أَبَدًا وَهُوَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ كَانَ لِمَنْ أَتَى بِهِ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ الْفِدَاءِ عَلَى مَنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يُفْتَدَى.
(إنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً) . ابْنُ بَشِيرٍ: مَنْ افْتَدَى مُسْلِمًا وَلَا مَالَ لَهُ إنْ قَصَدَ الْفَادِي الصَّدَقَةَ أَوْ كَانَ الْفِدَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَافْتَدَاهُ مَنْ يُرِيدُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ نُصُوصُ الْمَذْهَبِ لَهُ الرُّجُوعُ. اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ بَشِيرٍ لَا مَالَ، مَعَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَرَجَعَ (وَلَمْ يُمْكِنْ الْخَلَاصُ بِدُونِهِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: وَقَدْ نَزَّلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الرُّجُوعَ وَنَفْيَهُ عَلَى أَحْوَالٍ.
فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ لَا يُرْجَى خَلَاصُهُ إلَّا بِمَا بَذَلَ فِيهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ بِالْفِدَاءِ وَلَوْ كَانَ الْمَبْذُولُ أَضْعَافَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجُو الْخَلَاصَ بِالْهُرُوبِ أَوْ بِالتَّرْكِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجُو الْخَلَاصَ بِدُونِ مَا بَذَلَ فِيهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ بِالْقَدْرِ الَّذِي يُرْجَى بِهِ الْخَلَاصُ وَيَسْقُطُ الزَّائِدُ (إلَّا مُحْرِمًا أَوْ زَوْجًا إنْ عَرَفَهُ أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ إذَا كَانَ الْفَادِي أَجْنَبِيًّا الْبَاجِيُّ: وَالْقَرِيبُ غَيْرُ ذِي مَحْرَمٍ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي اتِّبَاعِهِ بِفِدَائِهِ. ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ فَدَى مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ يُرِيدُ أَوْ ابْتَاعَهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ أَوْ يَفْدِيهِ وَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ فَلْيَتْبَعْهُ بِذَلِكَ فِي عَدَمِهِ وَمَلَائِهِ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَالِكٌ. وَسَبِيلُ فِدَاءِ الْقَرِيبِ لِقَرِيبِهِ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ
أَوْ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ سَبِيلُ الزَّوْجِيَّةِ إذَا فَدَاهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ فَدَاهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إنْ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ: فَصَارَ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ فَدَاهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَإِنْ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَإِنْ فَدَاهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى الزَّوْجَيْنِ (أَوْ يَلْتَزِمُهُ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ أَشْهَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ يَفْتَدِي صَاحِبَهُ إنَّ ذَلِكَ لَيَرْجِعُ عَلَيْهِ رَجَعَ بِذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَ سَحْنُونَ: كُلُّ مَنْ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي هَذَا إذَا كَانَ عَالِمًا يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ يَفْدِيهِ لِيَرْجِعَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَبًا أَوْ ابْنًا لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهِ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا قَصَدَ الِافْتِدَاءَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْهِبَةَ لَمَّا شَرَطَ الرُّجُوعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ فَقِيرًا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى أَنْ يَفْتَدِيَهُ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الِافْتِدَاءِ آكَدُ (وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ فَدَاهُ وَمَالَهُ فَالْفَادِي أَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ (وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدِهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِنْ كَانَ لِلْمَفْدِيِّ مَالٌ لَمْ يَفْدِ مَعَهُ فَفِي اخْتِصَاصِ الْفَادِي بِهِ نَقَلَا اللَّخْمِيِّ وَالصَّقَلِّيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالشَّيْخُ عَنْ سَحْنُونٍ وَاللَّخْمِيِّ مَعَ ظَاهِرِ الصَّقَلِّيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ. اُنْظُرْ مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى. عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ " فَهُوَ مُوَافِقٌ لِخَلِيلٍ.
(عَلَى الْعَدَد إنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ) . ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ: مَنْ فَدَى خَمْسِينَ أَسِيرًا بِبَلَدِ الْحَرْبِ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَفِيهِمْ ذُو الْقَدْرِ غَيْرُهُ وَالْمَلِيءُ وَالْمُعْدِمُ، فَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ وَقَدْ عَرَفَ ذَا الْقَدْرِ مِنْهُمْ وَشَحُّوا عَلَيْهِ فَيُقْسَمُ عَلَيْهِمْ الْفِدَاءُ عَلَى تَقَارُبِ أَقْدَارِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ جَهِلَ ذَلِكَ فَذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْهُمْ عَبِيدٌ فَهُمْ سَوَاءٌ، وَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُمْ أَوْ يَفْدِيَهُمْ.
(وَالْقَوْلُ لِلْأَسِيرِ فِي الْفِدَاءِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ فَدَى أَسِيرًا مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ وَقَدِمَ بِهِ فَقَالَ الْأَسِيرُ: مَا فَدَانِي بِشَيْءٍ أَوْ قَالَ: بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَقَالَ الْآخَرُ: بِكَثِيرٍ، فَالْأَسِيرُ مُصَدَّقٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، كَانَ مِمَّا يُشْبِهُ مَا قَالَ الْأَسِيرُ أَوْ لَا يُشْبِهُ، يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ قَالَ: لَمْ يَفْدِنِي أَصْلًا لَصُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْآخَرُ بِبَيِّنَةٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ هُوَ أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ. انْتَهَى.
نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَسِيرِ أَشْبَهَ قَوْلَهُ أَوْ لَمْ يُشْبِهْ لَيْسَ عَلَى أُصُولِهِمْ، وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى أُصُولِهِمْ إذَا اخْتَلَفَا فِي مَبْلَغِ الْفِدْيَةِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَفْدِيِّ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْفَادِي إنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ أَيْضًا حَلَفَا جَمِيعًا وَكَانَ لِلْفَادِي مَا يَفْدِي بِهِ مِثْلُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَكَذَلِكَ إنْ نَكَلَا، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا وَحَلَفَ الْآخَرُ كَانَ لَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ أَمْكَنَهُ مِنْ دَعْوَاهُ بِنُكُولِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْفَادِي إذَا كَانَ الْأَسِيرُ بِيَدِهِ.
(وَجَازَ بِالْأَسْرَى الْمُقَاتِلَةِ) ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَحْنُونٍ وَالْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ: يُفْدَى الْأَسْرَى بِأَسْرَى الْكُفَّارِ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِتَالِ لِمَا لَمْ يَرْضَوْا إلَّا بِهِ. اللَّخْمِيِّ عَنْ أَصْبَغَ: مَا لَمْ يَخْشَ بِفِدَائِهِ ظُهُورَهُمْ
عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُفْدَى بِصِغَارِ أَطْفَالِهِمْ إذَا لَمْ يُسْلِمُوا بِالذِّمِّيِّ إذَا رَضِيَ الذِّمِّيُّ وَكَانُوا لَا يَسْتَرِقُّونَهُ.
(وَبِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْأَحْسَنِ) ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ سَحْنُونَ أَنْ يُفْدَى مِنْهُمْ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ قَالَ: وَيَأْمُرُ الْإِمَامُ أَهْلَ الذِّمَّةِ أَنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وَيُحَاسِبُهُمْ بِقِيمَتِهِ فِي الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُجْبَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ بَأْسٌ بِابْتِيَاعِ ذَلِكَ لَهُمْ. قَالَ: وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُفَادَاةَ بِالْخَمْرِ أَخَفُّ مِنْهَا بِالْخَيْلِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُفَادَاةِ مِنْهُمْ بِالْخَمْرِ وَعَلَيْهِمْ الضَّرَرُ فِي الْمُفَادَاةِ مِنْهُمْ بِالْخَيْلِ. اُنْظُرْ فِي ابْنِ عَرَفَةَ خِلَافَ أَشْهَبَ فِي هَذَا.
(وَلَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ فَدَى مُسْلِمًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعْطَى ذِمِّيًّا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ إنْ كَانَتْ مِمَّا يَمْلِكُونَهَا.
قَالَهُ سَحْنُونَ. وَمَعْنَاهُ إنْ فَدَاهُ بِذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَمَّا إنْ ابْتَاعَهُ لِيَفْدِيَهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ (وَفِي الْخَيْلِ وَآلَةِ الْحَرْبِ قَوْلَانِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْمُفَادَاةُ بِالْخَمْرِ أَخَفُّ مِنْهَا بِالْخَيْلِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُفْدَى بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُفْدَى بِالْخَمْرِ إذْ لَا يَدْخُلُ فِي نَافِلَةٍ بِمَعْصِيَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا التَّفْرِيقُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ إذَا ائْتَمَنَ الْعَدُوُّ وَالْأَسِيرَ طَائِعًا عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يَخُونَهُمْ مُخْتَارُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يَهْرُبُ وَلَا يَخُونُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَأَمَّا إنْ ائْتَمَنُوهُ مُكْرَهًا أَوْ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ عَاهَدُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ فَلِيُوَفِّ بِالْعَهْدِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْعَهْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ، يَرَى الْعَدُوُّ أَنَّ الْأُسَارَى لَا يُوَفُّونَ بِعَهْدٍ. وَإِنْ حَلَّفُوهُ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْهُرُوبُ لِأَنَّ الْعَدُوَّ يَرَاهُ آثَرَ الطَّلَاقَ عَلَى الْمُقَامِ وَلَمْ يَرَ أَنَّهُ خَفَرَ بِعَهْدٍ، ثُمَّ إنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَيْضًا.
وَعِبَارَةُ ابْنِ عَلَاقٍ: وَالْفَرْعُ الثَّالِثُ إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَيْمَانٍ حَلَفَهَا لَهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَيْمَانُ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَيْمَانٍ فَأَمَّا مِثْلُ الْعَهْدِ وَالْمَوْعِدِ فَذَلِكَ لَهُ لَازِمٌ، وَأَمَّا أَيْمَانٌ بِطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ فَلَا تَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ بِعِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَهَذَا مُكْرَهٌ. وَانْظُرْ فِي الْعِتْقِ قَبْلَ قَوْلِهِ:" أَوْ دَفْعُ مَكْسٍ ".
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْأَسِيرِ أَنْ يَسْرِقَ مَا بِبَلَدِ الْعَدُوِّ وَقَالَ: وَلَا يُعَامِلُهُمْ بِالرِّبَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ دَفَعُوا لَهُ ثَوْبًا يَخِيطُهُ لَهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْرِقَ مِنْهُ.
وَمِنْ النَّوَادِرِ: وَلَوْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنْ لَا يُجَاهِدَهُمْ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَغْزُوَهُمْ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ تَنْزِلُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِفِدَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِدَاءً فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَلَاقٍ فِي هَذَا خِلَافًا وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ وَطْؤُهُ زَوْجَتَهُ وَأَمَتَهُ.
وَانْظُرْ هَلْ لِلْأُسَارَى أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَ الْعَدُوِّ وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ؟ أَجَازَ ذَلِكَ