الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإذا أخذ بها فلج «1» بحجّته يوم يسأل عن الحجج؛ ولم يختلج دون رسول الله عن الحوض في جملة من يختلج، وقيل له: لا حرج عليك ولا إثم إذ نجوت من ورطات الإثم والحرج، والسلام.
المذهب الخامس (أن يفتتح العهد ب «إنّ أولى ما كان كذا» ونحوه)
وهي طريقة غريبة «2» ، كتب عليها عهد السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيوب» بالديار المصرية من ديوان الإنشاء ببغداد. وهو الذي عارضه الوزير ضياء الدين بن الأثير في العهد المتقدّم ذكره في المذهب [الرابع]«3» . وهذه نسخته.
إنّ أولى من جادت رباعه سحب الاصطناع، وخصّ من الاصطفاء والاجتباء بالصّفايا والمرباع «4» ، من ترسّم انتهاج «5» الجدد القويم، والطريق الواضح المستقيم، واعتلق من الولاء بأوثق عصمه وحباله، والفناء الذي يهتدي بأنواره في متصرّفاته وأعماله، والتحلّي بجميل الذكر في سيرته، وخلوص الاعتناء بأمور رعيّته «6» ؛ وكان راغبا في اقتناء حميد الخلال، مجتهدا في طاعة الله بما يرضيه «7»
من العدل الممتدّ الظّلال، عاملا فيما يناط به بما يتضوّع نشر خبره «1» ، ويجتنى بحسن صنعه يانع ثمره، باذلا وسعه في الصلاح، مؤذنة مساعيه بفوز القداح.
ولمّا كان الملك الأجلّ، السيد، صلاح الدين، ناصر الإسلام، عماد الدولة، جمال الملك «2» فخر الملة، صفيّ الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمرّدين، عزّ المجاهدين؛ ألب غازي بك ابن «3» يوسف بن أيّوب- أدام الله علوّه- على هذه السّجايا مقبلا، وبصفاتها الكاملة مشتملا، مؤثرا تضاعف المأثرات، مثابرا على ما تزكو به الأعمال الصالحات، متحلّيا بالمحامد الرائقة، مستبدّا بالمناقب التي هي لجميل أفعاله موافقة مطابقة، محصّلا من رضا الله تعالى ما يؤثره ويرومه من طاعة الدّار العزيزة- لا زالت مشيّدة البناء، سابغة النّعماء، دائمة الاستبشار، عزيزة الأنصار- من استمرار الظّفر ما يستديمه، اقتضت الآراء الشريفة- لا زال التوفيق قرينها، والتأييد مظافرها ومعينها- إمضاء تصرّفه وإنفاذ حكمه في بلاد مصر وأعمالها، والصعيد الأعلى، والإسكندرية، وما يفتحه من بلاد الغرب والساحل، وبلاد اليمن وما افتتحه منها ويستخلصه «4» بعد من ولايتها، والتعويل في هذه الولايات عليه، واستنقاذ «5» ما استولى عليه الكفّار من البلاد، وإعزاز كلّ من أذلّوه واضطهدوه من العباد: لتعود الثّغور بيمن نقيبته ضاحكة المباسم، وبإصابة رأيه قائمة المواسم.
أمره بادئا بتقوى الله التي هي الجنّة الواقية، والذّخيرة الباقية، والعصمة الكافية، والزاد إذا أنفض وفد الآخرة وأرملوا «6» ، والعتاد النافع إذا وجدوا شاهدا
لهم وعليهم ما عملوا: فإنّها العلم المنصوب للرّشد، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ
«1» .
(وأمره أن يتّخذ كتاب الله سبحانه العلم الذي به يقتدي، وبأنواره إلى حدود الصواب يهتدي، ويستمع لزواجره ومواعظه، ويعتبر بتخويفه وملاحظه، ويصغي إليه بسمعه وقلبه، وجوارحه ولبّه)«2» ، ويعمل بأوامره المحكمة، ويقف عند نواهيه المبرمة، ويتدبّر ما حوته آياته من الوعد والوعيد، والزّجر والتّهديد؛ قال الله عز وجل: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
«3» .
وأمره أن يكون على صلاته محافظا ولنفسه عن الإخلال والتقصير في أداء فرضها واعظا، فيغتنم الاستعداد أمام أوقاتها للأداء، ويحترز من فواتها والحاجة إلى القضاء، موفّيا حقّها من الرّكوع والسّجود، على الوصف الواجب المحدود، مخلصا سرّه عند الدّخول فيها، وناهيا نفسه عمّا يصدّها بالأفكار ويلهيها، مجتهدا في نفي الفكر والوسواس عن قلبه، منتصبا في إخلاص العبادة لربّه: ليغدو بوصف الأبرار منعوتا، قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
«4» .
وأمره بقصد المساجد الجامعة في أيّام الجمع، امتثالا لأمر الله المتّبع، بعزيمة في الخير صادقة، ونيّة للعبادة موافقة، وفي الأعياد إلى المصلّيات المصحرة المجمّلة بالمنابر الحالية، التي هي عن الأدناس مطهّرة نائية «5» ، فإنّها من
مواضع العبادة ومواطنها، ومظانّ تلاوة القرآن المأمور بحفظ آدابها وسننها؛ فقد وصف الله تعالى من وفّقه [لتجميل بيوته بالعمارة]«1» ، بما أوضح فيه الإشارة، وشرّفه بوضع سمة الإيمان عليه بالإكرام الفاخر، فقال: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«2» : فيقيم الدعوة الهاديّة على المنابر على عادة من تقدّمه، ومنتهيا فيها إلى أحسن ما عهده وعلمه.
وأمره بلزوم نزاهة الحرمات، واجتناب المحرّمات، والتحلّي من العفاف والورع بأجمل القلائد الرائقة، والتقمّص بملابس التقوى التي هي بأمثاله لائقة، وسلوك مناهج الصّلاح الذي يجمل به فعله، ويصفو له علّه ونهله، وأن يمنع نفسه من الغضب، ويردّها عمّا تأمر به من سوء المكتسب، ويأخذها بآداب الله سبحانه في نهيها عن الهوى، وحملها على التّقوى، وردعها عن التورّط في المهاوي والشّبه، وكلّ أمر يلتبس فيه الحقّ ويشتبه، ويلزمها الأخذ بالعفو والصّفح، والتأمّل لمكان الأعمال فيه واللّمح؛ قال الله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
«3» .
وأمره بإحسان السّيرة في الرعايا بتلك البلاد، واختصاصهم بالصّون الرائح الغاد، ونشر جناح الرّعاية على البعيد منهم والقريب، وإحلال كلّ منهم محلّه على القاعدة والترتيب، وإشاعة المعدلة فيهم، وإسهام دانيهم من وافر ملاحظته وقاصيهم، وأن يحمي سرحهم من كلّ داعر، ويذود عنهم كلّ موارب بالفساد ومظاهر، حتّى تصفولهم من الأمن الشّرائع، وتصفو عليهم من بركة ولايته المدارع، وتستنير بضوء العدل منهم المطالع، ويحترم أكابرهم، ويحنو على أصاغرهم، ويشملهم بكنفه ودرعه، وينتهي في مصالحهم إلى غاية وسعه، ولا يألوهم في النّصح جهدا، ولا يخلف لهم في الخير وعدا، ويشاورهم في أمره فإنّ
المشورة داعية إلى الفلاح، ومفتاح باب الصّلاح؛ قال الله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
«1» .
وأمره بإظهار العدل في الرعيّة التي تضمّها جميع الأكناف والأطراف، والتحلّي من النّصفة بأكمل الأوصاف، وحمل كافّتهم على أقوم جدد، وعصيان الهوى في تقويم كلّ أود، والمساواة بين الفاضل والمفضول في الحقّ إذا ظهر صدق دليله، والاشتمال عليهم بالأمن الذي يعذب لهم برد مقيله، وكشف ظلامة من انبسطت إلى تحيّفه الأيدي والأطماع، وأعجزته النّصرة لنفسه والدّفاع، وتصفّح أحوالهم بعين لا ترنو إلى هوى يميل بها عن الواجب، وسمع لا يصغى إلى مقالة مائن «2» ولا كاذب، ولا يغفل عن مصلحة تعود إليهم، ويرجع نفعها عليهم، ولا عن كشف ظلامات بعضهم من بعض، وردّهم إلى الحقّ في كلّ رفع من أحوالهم وخفض؛ فلا يرى إلّا بالحق عاملا، وللأمور على سنن الشريعة حاملا، مجتنبا إغفال مصالحهم وإهمالها، وحارسا نظامها على تتابع الأيّام واتّصالها: ليكون ذلك إلى وفور الأجر داعيا، وبحسن الأحدوثة قاضيا، مقتديا بما نطق به القرآن: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
«3» .
وأمره أن يأمر بالمعروف ويقيم مناره، وينهى عن المنكر ويمحو آثاره؛ فلا يترك ممكنا من إظهار الحقّ وإعلانه، وقمع الباطل وإخماد نيرانه، ويعتمد مساعدة كل مرشد إلى الطريق الأقصد، وناه عن التظاهر بالمحظور في كل مشهد؛ فإنه «4» تضحي معونته مشاركة في إحراز المثوبة ومساهمة، ومساومة في
اقتناء الأجر ومقاسمة، وأن يوعز بإزالة مظانّ الرّيب والفساد في الدّاني من الأعمال والقاصي، فإنّها مواطن الشيطان وأماكن المعاصي، وأن يشدّ على أيدي الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ويعينهم على ذلك بما يطيب ذكره في كل مشهد ومحضر، ويجتهد في إزالة كلّ محظور ومنكر، مقدّم في الباطل ومؤخّر؛ قال الله تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
«1» .
وأمره أن يقدّم الاحتياط في حفظ الثّغور ومجاوريها من الكفّار، ويستعمل غاية التيقّظ في ذلك والاستظهار: ليأمن عليها غوائل المكايد، ويفوز من التوفيق لذلك بأنواع المحامد، ويتجرّد لجهاد أعداء الدين، والانتقام من الكفرة المارقين، أخذا بقول رب العالمين: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
«2» . وأن يعمل فيما يحصل من الغنائم عند فلّ جموعهم، وافتتاح بلادهم وربوعهم، بقول الله وما أمر به في قسمتها، وإيفاء كلّ صاحب حصة حصته منها، سالكا سبل من غدا لآثار الصلاح مقتفيا، وللفرض في ذلك مؤدّيا، وبهدى ذوي الرشد مهتديا. قال الله تعالى في محكم التنزيل: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
«3» .
وأمره أن يجيب إلى الأمان من طلبه منه «4» ، ويكون وفاؤه مقترنا بما تضمّنه، غير مضمر خلاف ما يعطي به صفقة أمانه [ولا مخالف باطنه ما أظهره من مقاربته إلى عقد الهدن وإتيانه]«5» ويجتنب الغدر وما فيه من العار، وإسخاط الملك الجبّار؛ قال الله عز وجل: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ
تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
«1» .
وأمره بأن يأمر أصحاب المعاون بمساعدة القضاة والحكّام، ومعونتهم بما يقضي [بلمّ]«2» شمل الصلاح في تنفيذ القضايا والانتظام، وأخذ الخصوم بإجابة الداعي إذا استحضر [وا]«3» إلى أبوابهم للإنصاف، والمسارعة إلى الحقّ الواجب عليهم من غير خلاف؛ قال الله تعالى: وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
«4» .
وأمره بالتعويل في المظالم وأسواق الرقيق ودور الضّرب والحسبة على من يأوي إلى عفاف ودين، وعلم بأحكام الشريعة وصحّة يقين، لا يخفى عليه ما حرّمه الله تعالى وأحلّه، ولا يلتبس على علمه ما أوضح إلى الحقّ الواضح سبله، وإلى من يتولّى المظالم بإيصال الخصوم إليه، وإنصافهم كما أوجبه الله تعالى عليه، واستماع ظلاماتهم، وإحسان النظر في مشاجراتهم؛ فإن أسفر للحق ضياء تبعه، أو اشتبه الأمر ردّه إلى الحكّام ورفعه. و [إلى]«5» الناظر في أسواق الرقيق بالاحتراز والاستظهار، وتعرية الأحوال من الشّبه في امتزاج العبيد بالأحرار: لتضحى الأنساب مصونة مرعيّة، والأموال عن الثّلم محروسة محميّة. وإلى من ينظر في الحسبة بتصفّح أحوال العامّة في متاجرهم وأموالهم، وتتبّع آثار صحّتهم في المعاملة واعتلالهم؛ واعتبار الموازين والمكاييل، وإلزام أربابها الصّحّة والتعديل؛ قال الله سبحانه وتعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ*
«6» .
وأن يعمل الجفن في تطهير البلاد، من كلّ مدخول الاعتقاد، معروف بالشّبه في دينه والإلحاد، ومن يسعى منهم في الفساد، ويأمر المرتّبين في المراكز والأطراف باقتناصهم، وكفّ فسادهم وإجلائهم عن عراصهم، وأن يجري عليهم في السّياسة ما يجب على أمثالهم من الزّنادقة والذين توبتهم لا تقبل، وأمرهم على
حكم المخاطبين لا يحمل. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
«1» .
وأمره أن يتلقّى النعمة التي أفرغت عليه، وانساقت إليه، بشكر ينطق به لسانه، ويترجم عنه بيانه: ليستديم بذلك الإكرام، ويقترن الإحسان عنده بالالتئام، وأن يوفّيها حقّها من دوام الحمد، والقصد إلى شكرها والعمد؛ قال الله تعالى: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ
«2» .
وليعلم أن أمير المؤمنين «3» قد بيّن له من الصلاح ما اتّضحت أعلامه، وأثبتت في المرامي سهامه، وأرشد إلى ما أودع هذا المنشور من جدد الفوز بمرضاة الله تعالى وشكر عباده، عاملا في ذلك بمقتضى جدّه واجتهاده: ليحرز السّبق في دنياه وعقباه، ويتوفّر عنده ما منح به مما أرهف عزمه وحباه، وغدا بمكانه رافلا في ملابس الفخر والبهاء، نائلا مني «4» ما طال به مناكب القرناء، واختصّ بما أعلى درجته فتقاعست عنه آمال حاسديه، وتفرّد بالمكانة عن مقام من يباريه ويناويه، وأولي من الإنعام ما أمّن به سرب النعمة عنده، وأصفى من مناهل الإحسان ورده، وأهدى إليه من المواعظ ما يجب أن يودعه واعية الأسماع، ويأخذ بالعمل به كلّ راع، فينهج- أدام الله علوّه- محاجّ الولاء الذي عهده من أمثاله من الأولياء، متنزّها عن تقصير منه في عامّة الأوقات، ومراعيا أفعاله في جميع التصرّفات، ويعلم أنّه مسؤول عن كل ما تلفظ «5» به لسانه ناطقا، ونظر طرفه إليه رامقا، قبل أن يجانب هواه، ويبقى رهينا بما اكتسبت يداه، ولا يغترّ من الدنيا وزخرفها بغرّار ليس الوفاء من طباعه، ومعير ما أقصر مدّة ارتجاعه!؛ وسبيل كافّة القضاة والأعيان