الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يهمّك من ذمة ومحرم؛ فليكن اجتهادك في الضّبط والحماية، واحتراسك من الإهمال والإضاعة، بحسب ذلك، واكتب بأخبارك على سياقتها، وآثارك لأوقاتها: ليتّصل لك الإحماد «1» عليها، والمجازاة عنها، إن شاء الله تعالى.
النوع الثالث (مما كان يكتب لأرباب الوظائف من ديوان الخلافة ببغداد ما كان يكتب لأرباب الوظائف ببغداد من أصحاب الأقلام)
وهي على ضربين:
الضرب الأوّل (العهود)
ورسمها على نحو ما تقدّم في عهود أرباب السّيوف، تفتتح ب «هذا ما عهد» إلى آخر الترتيب المتقدّم ذكره.
وهذه نسخة عهد بولاية قضاء حاضرة بغداد وسائر الأعمال؛ كتب به المسترشد بالله لقاضي القضاة أبي القاسم عليّ بن الحسين الزينبي «2» ، وهي:
هذا ما عهد عبد الله أبو منصور الفضل، الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين، إلى قاضي القضاة عليّ بن الحسين الزينبي: لمّا تأمّل طريقته، وشحذ عقيدته، وأحمد مذاهبه، وارتضى ضرائبه، وتكاثرت دواعيه، وحسنت مساعيه، ووجده عند الاختبار، وفي مضمار الاعتبار، راجعا إلى عقل رصين، ودين متين، وأمانة مشكورة، ونزاهة مخبورة، وورع ثمر المشرع، عار من دنس المطمع، وعلم توفّر منه قسمه، وأصاب فيه سهمه، وحين راعى فيه موروث شرف
النّسب، إلى شرف العلم المكتسب، مع ما سلف لبيته من الحرمات المرعية المتأكّدة، والقربات المرضيّة المتمهّدة، والسوابق المحكمة المرائر «1» ، الحميدة المباديء والمصاير، فقلّده قضاء القضاة بمدينة السلام وسائر الأمصار، في الآفاق والأقطار، شرقا وغربا، وبعدا وقربا، إنافة به إلى ما أصبح له مستحقّا، واستمرّ استيجابه مسترقّا، وجذبا بضبعه إلى ما يتحقّق نهوضه بأعبائه، وحسن استقلاله به وغنائه، واقتفاء لآثار الأئمة الراشدين في إيداع الودائع عند مستحقّها، وتفويض الأمور إلى أكفائها وأهلها، لا سيّما أولياء دولتهم، وأغذياء نعمتهم، الذين كشفت عن سجف خبرتهم التّجارب، ووردوا من الخلال الرشيدة أعذب المشارب، وانتهجوا الجدد الواضح، وتقبّلوا الخلق الصالح؛ والله سبحانه يقرن عزائم أمير المؤمنين بالخيرة في كلّ رأي يرتئيه، وأمر يؤمّه وينتحيه، ويصدّق مخيلته في كلّ حال يأتيها، ويمضي عزمه فيها؛ وما توفيقه إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
أمره بتقوى الله التي لا يسعد أحد إلا بالتمسّك بسببها، ولا يشقى إلا مع إضاعتها؛ فإنّها الجناب المريع، والمعقل المنيع، والنّجاة يوم الفزع الأكبر، والعدّة النافعة في المعاد والمحشر، والعصمة الحامية من نزعات الشيطان ومخايله، المنقذة من أشراكه وحبائله؛ وبها تمحّص الأوزار، وتنال الأوطار، وتدرك المآرب، وتنجح المطالب؛ قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
«2» .
وأمره باستشعار خشية الله سبحانه في قوله وفعله؛ واختلاف أطواره وأحواله، وتذكّر ما هو قادم عليه، ووافد إليه: يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً
«3» ، فلا يقوده الهوى إلى اتّباع شهوة، أو إجابة
داعي هفوة أو صبوة، إلا كان الخوف قادعه «1» ، والحذار مانعه، وأن يجعل التواضع والوقار شيمته، والحلم دأبه وخليقته، فيكظم غيظه عند احتدام أواره، واضطرام ناره، مجتنبا عزّة الغضب الصائرة إلى ذلّة الاعتذار، ومتوخّيا في كل حال للمقاصد السليمة الإيراد والإصدار، وأن يتأمل أحوال غيره تأمّل من جعلها لنفسه مثالا، واتّخذها لنسجه منوالا؛ فما استحسنه منها فيأتيه، وما كرهه فيجتويه «2» ، غير ناه عمّا هو من أهله، ولا آمر بما هو مجانب لفعله؛ قال الله جلّت عظمته:
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ
«3» .
وأمره بتلاوة كتاب الله مواظبا، والإكثار من قراءته دائبا، وأن يجعله إماما يقتفيه، ودليلا يتّبعه فيهديه، ونورا يستضيء به في الظّلمات، وهاديا يسترشده عند اعتراض الشّبهات، وموئلا يستند إليه في سائر أحكامه، وحصنا يلجأ به في نقضه وإبرامه، عاملا بأوامره، ومزدجرا بزواجره، ومنعما نظره في محكم آياته، وصادع بيّناته، ومعملا فكره في خوض غماره، واستخراج غوامض أسراره؛ فإنّه الحقّ الذي لا يجور متّبعه، والمتجر الذي لا يبور مبتضعه، والمنار الذي به يقتدى، والمنهج الذي بأعلامه يهتدى، والمصدر الذي تغرى به الأمور في ملبس الإشكال، وتشرع معه الأحوال المستبهمة في ورود الوضوح السّلسال، وينبوع الحكمة الذي ضرب الله فيه الأمثال، وفرق فيه بين الحرام والحلال، والهداية والضّلال؛ قال الله سبحانه: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
«4» .
وأمره بدراسة السّنن النّبويّة صلوات الله على صاحبها، والاقتداء بما جاءت به من مكارم الأخلاق التي ندب إليها، وحضّ عليها، وتتبّع ما يتداخلها من
الأخبار الجريحة «1» ، والرّوايات غير الصّحيحة، والفحص عن طرقها وإسنادها، وتمييز قويمها وميّادها، والبحث عن رواتها، منحوزها «2» وثقاتها؛ فما ألفاه بريئا من الطعن، آمنا من القدح والوهن، عاريا من ملابس الشّكّ والارتياب، عاطلا عن حلى الشّبهة والاعتياب، اتّبعه واقتفاه، وتمثّله واحتذاه، وكان به حاكما، ولأدواء الباطل باتّباعه حاسما، وما كان مترجّحا «3» بين كفّتي الشكّ واليقين، ولم تبد فيه مخايل الحق المبين، جعل الوقف حكمه، وردع عن العمل به عزمه، إلى أن يضح الحقّ فيه، فيعتمد ما يوجبه ويقتضيه: فإنه عليه السلام الداعي إلى الهدى، والرحمة التي عصم الله بها من عوادي الرّدى، والهادي الذي لم يفصل بين العمل بفرائض كتابه وسننه في قوله تقدّست أسماؤه، وجلّت آلاؤه: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
«4» .
وأمره بإقامة الصّلوات الخمس المفروضة في أوقاتها، والمبادرة إليها قبل فواتها، والإتيان بشرائطها المحدودة وأركانها.
وأمره بمجالسة العلماء، ومباحثة الفقهاء، ومناقشة ذوي البصيرة والفهم، والفطنة والحزم، ومشاورتهم في عوارض الأمور المشكلة، وسوانح الأحكام المستبهمة المعضلة، حتى يصرّح محض رأيه وآرائهم عن زبدة الصّواب، وتنتج أفكارهم باستجمامها نظرا شافيا بالجواب، رافعا عنه منسدل الحجاب؛ وإنّ في ذلك ثلجا للصّدور، واستظهارا في الأمور، واحترازا من دواعي الزّلل، واستمرار الخلل، وامنا من غوائل الانفراد، وحطّا للتعويل على الاستبداد؛ فلربّ ثقة أدّت إلى خجل، وأمن أفضى إلى وجل؛ وما زالت الشّورى مقرونة بالإصابة، محكمة عرى الحق وأسبابه، حارسة من عواقب النّدم، داعية إلى السلامة من زلّة القدم؛
وقد أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم، وأزلف محلّه لديه، بالاستظهار بالمشاورة مع عظم خطره، وشرف قدره؛ فقال: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
«1» .
وأمره أن يختار للحكم الأماكن الفسيحة الأرجاء، الواسعة الفضاء، وينظر في أمور المسلمين نظرا تفترّ ثغور العدل فيه، وتلوح خشية الله من مطاويه، فيوصّل إليه كافّة الخصوم، ويبرز لهم على العموم، غير مشدّد حجابه، ولا مرتج «2» دون المترافعين إليه بابه، وأن يولي كلّا من الإقبال عليه، وحسن الإصغاء إليه، ما يكون بينهم فيه مساويا، ولهم في مجمع الموازاة حاويا، ولا يعطي من التفاته [إلى]«3» الشريف لشرفه، وذي الشارة الحسنة من أجل ثوبه ومطرفه، ما يمنعه من تقحمه العيون، وتترجّم في خموله الظّنون: فإنّ ذلك مطمع لذي الرّواء في دفع الحقّ إذا وجب عليه، والتماس الباطل وإن ضعفت الدّواعي إليه؛ مؤيس لذي الخمول من الانتصار لحقّه، وإن أسفر صبح يقينه ونطقت ألسنة أدلته؛ فالناس وإن تباينوا في الأقدار والقيمة، وتفاوتوا في الأرزاق المقسومة، فالإسلام لهم مجتمع، والحقّ أحقّ أن يتّبع، وهم عند خالقهم سواء إلا من ميّزته التقوى، وتمسّك بسببها الأقوى؛ قال الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
«4» . وقال تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
» .
وأمره أن يتأمّل أحوال المترافعين إليه، والخصوم لديه، ويتطلّب ما وقع نزاعهم لأجله في نصّ الكتاب، ويعدل إلى السّنّة عند عدمه من هذا الباب؛ فإن
فقد من هذين الوجهين، فليرجع إلى ما اختاره السّلف المهتدون، وأجمع عليه الفقهاء المجتهدون؛ فإن لم يلف فيه قولا ولا إجماعا، ولا وجد إليه طريقا مستطاعا، أعمل رأيه واجتهاده، وامتطى ركاب وسعه وجياده، مستظهرا بمشورة الفقهاء في هذه الحال، ومستخلصا من آرائهم ما يقع عليه الاتّفاق الآمن الاعتلال: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«1» .
وأمره باستعمال الأناة عند الحكومات، واستماع الدّعاوى والبيّنات، من غير سرعة تحدث خطلا، ولا إفراط في التأنّي يورث مللا، فإنّ الحقّ بين ذينك على شفا خطر، وظهر غرر «2» ، ولا سيّما إذا كان أحد الخصمين منطيقا، ينمّق كلامه تنميقا، فإنه يخلب ببلاغة نطقه مستمعه، ويغطّي وجه الباطل بألفاظه الموشّعة «3» ، فإذا اتّفق لديه ما هذا سبيله، شحذ له غرب فطنته، وأرهف غرار فكره وبصيرته، ومنح كلّا من الإنصات ما يجتلي وجه النّصف منيرا، ويغدو لأشياع الجور مبيرا. وإن ذو اللّسن روّعه، وأو همه أنّ الحقّ معه، بما يلفّقه من كلام يقصر خصمه عن جوابه، ويحصر «4» عن جداله واستيفاء خطابه، مع عدم البينة المشهودة، وتعذّر الحجة الموجودة، استعاد كلامه واستنطقه، واستوضح مغزاه وتحقّقه، من غير إظهار إعجاب بما يذكره، ولا اغترار بما يطويه وينشره، ولا إصغاء يبدو أثر الرّغائب من فحواه، ولا اختصاص له بما يمنع صاحبه شرواه «5» :
لئلا يولّد ذلك له اشتطاطا، ويحدث له انطلاقا في الخصومة وانبساطا؛ حتّى إذا ابتسم الحقّ، وانتصر الصّدق، وفلج أحدهما بحجّته، ولحن ببيّنته، أقرّ الواجب في نصابه، وأداله من جنود الظّلم وأحزابه، وأمضى الحكم فيه باعتزام صادق، ورأي محصد الوثائق، غير ملتفت إلى مراجعة الخصوم وتشاجرهم، وشكواهم
وتنافرهم، اعتمادا للواجب، وانتهاجا لجدد العدل اللاحب «1» . قال الله تعالى:
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
«2» .
وأمره إذا انتدب للقضاء أن يفرّغ باله، ويقضي أمامه أو طاره وأشغاله، ويخلّي من أحوال الدنيا سرّه، ويشرح لما هو بصدده صدره؛ فلا تنزع نفسه إلى تحصيل مأرب، ولا تتطلّع إلى درك مطلب؛ فإن القلب إذا اكتنفته شجونه، وأحاطت به شؤونه، كان عرضة لتشعّب أفكاره، وحمله على مركب اضطراره الجاري بضدّ إيثاره واختياره، حريّا بالتقصير عن الفهم والإفهام، والضّجر عند مشتجر الخصام.
وأمره بالتثبّت في الحدود، والاستظهار عند إقامتها بمن يسكن إلى قوله من الشّهود، والاحتياط من عجل يحيل الحكم عن بيانه، أو ريث يرجيه عند وضوحه وتبيانه، وأن يتجافى عمّا لم يصرّح له بذكره وشرحه، ولا يسرع إلى تصديق ساع وإن تشبّه بالناصحين في نصحه، حتّى يستبين له الحقّ فيمضيه، عاملا بما يوجبه حكم الله فيه، وأن يدرأ من الحدود ما اعترضت الشّبهة دليله «3» ، وكانت شواهده مدخولة، ويقيم منها ما قامت شهوده، ولم يمكن إنكاره وجحوده؛ قال الله تعالى مكبرا لتجافيها، ومعظّما للتجوّز فيها: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«4» .
وأمره بتصفّح أحوال الشّهود المعدّلين، المسموعة أقوالهم في أمور المسلمين وأحوال الدّين، ومواصلة البحث عن طرائقهم، واستشفاف خلائقهم،
مستخدما في ذلك سرّه وجهره، وواصلا بعوان دأبه فيه بكره؛ فمن علمه سليما في فعله، غير ظنين في أصله، متحرّيا في كسبه، مرضيّا في مذهبه، حافظا لكتاب الله سبحانه، متمسّكا من علم الشريعة بما يلوي عن مهاوي الخطإ عنانه، حاليا بالدّيانة المنيرة المطالع، حاميا نفسه عن الإسفاف إلى دنايا المطامع، حاويا من الظّلف والأمانة، والقدر والصيانة، والاحتراس والتحفّظ، والتحرّز والتيقّظ، ما تميّز به على أشكاله وأترابه، وطال مناكب أمثاله وأضرابه، فقد كملت صفاته، واقتضت تقديمه أدواته، ووجب أن يمضي كونه عدلا، ويجعله لقبول الشهادة أهلا؛ ومن رآه عن هذه الخلال مقصّرا، وببعضها مستظهرا، وكان موسوما بديانة مشكورة، ونزاهة مأثورة، رضي بذلك منه قانعا، وحكم بقوله سامعا. ومن كان عن هذين الفريقين نائيا، ولأحوالهم المبيّن ذكرها نافيا، ألغى قوله مطّرحا، وردّ شهادته مصرّحا؛ فإنّ هؤلاء الشهود أعوان الحق على انتصاره، وحرب الباطل على تتبيره وبواره، ومحجّة الحاكم إلى قضائه، ووزره «1» الذي يستند إليه في سائر أنحائه؛ فإذا أعذر في ارتيادهم، واستفرغ وسعه في انتقادهم، فقد خرج من عهدة الاجتهاد، واستحقّ من الله جزاء المجتهد يوم التّناد، ومتى غرّر في ذلك توجّهت اللائمة عليه، وكان قمنا «2» بنسبة التقصير في الاحتياط إليه؛ والله يتولّى السرائر، ويبلو خفيّات الضمائر، قال سبحانه: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ
«3» . وقال اجل ذكره: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ
«4» .
وأمره أن يكل أمور اليتامى في أملاكهم وأموالهم، ومراعاة شؤونهم وأحوالهم، إلى الثّقات الأعفّاء، والكفاة الأتقياء، الذين لا تستهويهم دواعي
الطّمع، ولا يوردهم الإسفاف موارد الطّبع «1» ، وأن يتتبّع أمورهم ويتصفّحها، ويشارفها بنفسه ويستوضحها، عالما أنه عمّا في أيديهم مسؤول، فإنّ عذره في إهمال يتخلّله غير مقبول؛ وهو سبحانه يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
«2» .
وأن يوعز إليهم بالإنفاق على أربابها بالمعروف: لينتهجوا فيها جدد القصد المألوف؛ حتّى إذا بلغوا الحلم، وأونس منهم الرّشد وعلم، وساغ لهم التصرّف في نفوسهم، ووثق منهم باستدرار معايشهم، دفع إليهم أموالهم محروسة، ووفّاهم إيّاها كاملة غير منقوصة، مستظهرا بالشّهادة عليهم، والبراءة منها بتسليمها إليهم، اتّباعا لقوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً
«3» .
وأمره بتزويج الأيامى اللّواتي فقدن الأولياء، واعتدى عليهنّ صرف الدّهر وأساء، وأضرّ بهنّ طول الإرمال، وبدت عليهنّ آثار الخلّة «4» في الحال، فينكحهنّ أكفاءهنّ من الرجال، ويتمّ عقد نكاحهنّ على مهور الأمثال.
وأمره بتفويض أمر الوقوف الجارية في نظره إلى من يأمنه ويختاره، وتقرن بإعلانه في ارتضائه أسراره: من أهل التّجربة والحياء، ذوي الاضطلاع والغناء؛ فإنهم أقلّ إلى المطامع تشوّفا، وأبعد في عواقب الأمور نظرا وتلطّفا؛ وأن يوسّع عليهم في الأرزاق، فيوصّلها إليهم مهنّأة عند الوجوب والاستحقاق، فبذلك يملك المرء نفسه ويستصلحها، ويتجنّب مواقف التّهم ويطرحها، وتجب عليه الحجّة إن
ثلم أمانة، أو قارف خيانة، مستظهرا بترتيب المشرفين الذين خبر أحوالهم، وسبر أفعالهم.
وأن يتقدّم إلى المستنابين قبله بالإنفاق عليها حسب الحاجة من محصولها، حافظا بما تعمّده من ذلك لأصولها، وجباية ارتفاعها من مظانّها، والتماس حقوقها في أوانها، وصرفها في وجوهها التي شرطها واقفوها، وعيّن عليها أربابها وأهلوها، غير مخلّ مع ذلك بالإشراف والتطلّع، ولا مهمل للفحص والتبلّغ؛ فمن ألفاه حميد الأثر، ورضيّ العيان والخبر، عوّل عليه، وفوّض مستنيما إليه، ومن وجده قد مدّ إلى خيانة يده استبدل به وعزله، جزاء بما فعله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
«1» .
وأمره أن يستخلف على مانأى عنه من البلاد من جمع [إلى الوقار]«2» الحلم، وإلى الدّراية الفهم، وإلى التيقّظ الاستبصار، وإلى الورع الاستظهار:
ممن لا يضيق بالأمور ذرعا، ولا تحدث له مراجعة الخصوم ضجرا ولا تبرّما، ولا يتمادى في أسباب الزّلّة، ولا يقصّر عن الرجوع إلى الحقّ إذا اتّضح له، ولا يكتفي بأدنى معدلة عن بلوغ أقصاها، ولا تتهافت نفسه على طاعة هواها، ولا يرجيء الأخذ بالحجة عند انكشافها، ولا يعجّل بحكم مع اعتراض الشّبهة واكتنافها، ولا يستميله إغراء، ولا يزدهيه مدح وإطراء، وأن يعهد بمثل ما عهد أمير المؤمنين إليه، ويعذر في الإجهاد بإيجاب الحجة عليه: ليبرأ من تبعة بادرة عساه يأتيها، أو مزلقة تناديه فيهبّ ملبّيا لداعيها؛ قال الله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
«3» .
وأمره أن يمضي ما أمضاه الحكّام قبله ولا يتعقّب أحكامهم بتأويل، مجتنبا
تتبّع عثراتهم، والبحث عن هفواتهم؛ ومهما رفع إليه من ذلك مما الإجماع عليه موافق، ولسان الكتاب والسّنّة به ناطق، أمضاه وحكم به، وإن كان مباينا لمذهبه:
فإنّ الحكومات كلّها ماضية على اختلاف جهاتها، مستمرّة على تنافي صفاتها، محميّة عن التأويل والتعليل، محروسة من التغيير والتبديل، ما كان لها مخرج في بعض الأقوال، أو وجد لها عند الفقهاء احتمال، إلّا أن يكون الإجماع منعقدا على ضدّها، آخذا بإلغائها وردّها، فيستفرغ في إيضاحها جهده، وينفق في تلافيها من الاستطاعة وجده «1» ، حتّى يعيدها إلى مقرّها من الواجب، ويمضيها على الحقّ اللّازب «2» ، قال الله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«3» .
وأمره أن يتّخذ كاتبا بالظّلف موسوما، وبأدقّ ما يناط به قؤوما، خبيرا بما يسطره، عالما بما يذكره، عارفا بالشّروط والسّجلّات، وما يتوجّه نحوها من التأويلات، ويتداخلها من الشّبه والتلبيسات، مطّلعا على أسرارها وعللها، وتصاريف حيلها، متحرّزا في كل حال، متنزّها عن مذموم الفعال، متّخذا خشية الله شعارا، مسبلا دون عصيانه من التّقى أستارا: فإنها نظاماته التي يرجع إليها، ويده التي يبطش بها ويعوّل عليها؛ ومتى لم يكن له من نفسه وازع، ولا من عقله ودينه رادع، لم يؤمن أن تدبّ عقاربه ليلا، ويسحب على الغوائل والموبقات ذيلا، فيعمّ الضرر بمكانه، ويشرع أذاه إلى المسلمين حدّ سنانه. وأن يتخيّر حاجبا طاويا كشحه دون الأشرار، جامعا لأدب الأخيار، مدّرعا جلباب الحياء، طلق الوجه عند اللّقاء، سهل الجانب ليّنه، مستشعر الخير متيقّنه، غير متجهّم للناس، ولا معاملهم بغير البشاشة والإيناس، فإنه الباب إليه، والمعتمد في لقائه عليه؛ فلينتخبه انتخاب من علم أنّ حسن الثناء خير زاد، وأنفس ذخر وعتاد، ورأى طيّب
المحمدة أجمل كسب مراد، وحظّ مجسّد مستفاد. ومتى كان عن هذه الخلال متخلّيا، وبخلافها متحلّيا، اعتاض عنه بمن هو أسلم غيبا، وآمن ريبا، وأنقى جيبا، وأقلّ عيبا، قال الله سبحانه: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
«1» .
وأمره أن يتسلّم ديوان القضاء وما فيه من الحجج والسّجلّات، والوثائق والكفالات، والمحاضر والوكالات، بمحضر من العدول ليكونوا له مشاهدين، وعليه شاهدين، وأن يجعل خزّانها من يرتضيه، باجتماع أدوات الخير فيه، عاملا في حفظها بما تقتضيه الأمانة التي أشفقت السموات والأرض والجبال منها، وأقررن بالعجز عنها، متحرّيا من أمر يبوء معه بالأثام، في دار المقام؛ قال الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
«2» .
وأمره بمراعاة أمر الحسبة «3» فإنها أكبر المصالح وأهمّها، وأجمعها لنفع الناس وأعمّها، وأدعاها إلى تحصين أموالهم، وانتظام أحوالهم؛ وحسم موادّ الفساد، وكفّ يده عن الامتداد، وأن يتقدّم إلى المستناب فيها بمداومة الاطّلاع على كمّيّة الأسعار، والفحص عن مادّة المخلوقات في الانقطاع والاستمرار، ومواصلة الجلوس في أماكن الأقوات ومظانّها: ليكون تسعيرها بمقتضى زيادتها ونقصانها، غير خارج في ذلك عن حدّ الاعتدال، ولا مائل إلى ما يجحف بالفريقين من إكثار وإقلال، وأن يراعي عيار المكاييل والموازين، ليميّز ذوي الصّحّة من المطفّفين، فيقول لمن حسن اعتباره [مر]«4» حى ويقابل من ساء اختباره بما يجعله لأمثاله رادعا، حتّى يزنوا بالقسطاس المستقيم، ويتجنّبوا التطفيف بقلب من إضمار
المعاودة سليم؛ قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
«1» .
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عند الله تعالى عليك؛ وقفك [فيه]«2» على منهج الصّلاح، وأعلقك منه إن اتّبعته بأسباب النّجاح، وأدرّ به عليك خلف السّعادة إن أمريته «3» بيد القبول، وجمع لك مع احتذائه «4» بدائد المأمول، وعطف لديك متى تمثّلته شوارد السّول، وأو جدك ضالّة متاعك إن أصغيت إليه سامعا مطيعا، وأعاد إن ائتمرت بأوامره شمل أقوالك جميعا، وأرادك مرعى النجاة إن نهضت بأعبائه مريعا، لم يدّخرك فيه شفيفا، ولا حقرك إرشادا وتعريفا، خلع به ربقة الأمانة عن عنق اجتهاده، وأوضح لك ما يسأل غدا عن فعله واعتماده.
فبادر إلى العمل به مسرعا، وقم بالمحدود فيه مضطلعا، واعلم أنّ لكل عالم هفوة، ولكلّ جواد كبوة؛ فاغضض عن مطامح الهوى طرفك، واثن عن أضاليل الدّنيا الغرّارة عطفك، واخش موقفا تشخص فيه الأبصار، وتعدم الأعوان والأنصار، يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه، وتنقطع الوسائل إلا ممّن أطاع الله واتّقاه، ينعم عوفك»
، ويأمن يوم القيامة خوفك؛ ومهما عرض لك من شبهة لم تلف مخرجا منها، ولا صدرا عنها، ولا وجدت لسقبها هناء، ولدائها شفاء، فطالع حضرة أمير المؤمنين بحالها مستعلما، وأنهها إليه مستفتحا باستدعاء الجواب عما أصبح لديك مستغلقا مبهما، يمددك منه بما يريك صبح الحق منبلجا، وضيق الشّكّ منفرجا، عن علم عنده البحر كالقياس، إلى أوشال «6» الناس؛ والله تعالى
يعضّد آراء أمير المؤمنين بالصواب، ويمدّه بالتوفيق في سائر الآراب، ويقود لمراده أزمّة جوامحها الصّعاب، ما أنجم سحاب، وأثجم رباب «1» ، بمنّه وسعة فضله.
وهذه نسخة عهد بولاية القضاء بسرّ من رأى «2» ، كتب بها أبو إسحاق الصابي، عن الطائع لله، للقاضي أبي الحسين محمد ابن قاضي القضاة أبي محمد عبيد الله، بن أحمد بن معروف، حين ولّاه القضاء بسرّ من رأى وغيرها، وما أضيف إلى ذلك من أعمال الجزيرة، وهي:
هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم، الإمام الطائع لله أمير المؤمنين، إلى محمد ابن قاضي القضاة عبيد الله بن أحمد، حين عرفت الفضيلة فيه، وتقيّل «3» مذاهب أبيه، ونشأ من حصنه في المنشإ الأمين، وتبوّأ من سببه ونسبه المتبوّأ المصون، ووجده أمير المؤمنين مستحقّا لأن يوسم بالصّنيعة، والمنزلة الرّفيعة، على الحداثة من سنّه، والغضاضة من عوده، ساميا به في ذلك إلى مراتب أعيان الرّجال، التي لا تدرك إلّا مع الكمال والاكتهال: لما آنس من رشده ونجابته، واستوضح من عقله ولبابته، واسترجح من وقاره وحلمه، واستغزر من درايته وعلمه، وللّذي عليه شيخه قاضي القضاة عبيد الله بن أحمد من حصافة الدّين، وخلوص اليقين، والتقدّم على المتحلّين بحليته، والمنتحلين لصناعته، والاستبداد عليهم بالعلم الجمّ، والمعنى الفخم، والافتنان في المساعي الصالحة التي يسود أحدهم بأحدها، ويستحقّ التّجاوز لهم من استوعبها بأسرها، وبالثّقة والأمانة، والعفّة والنّزاهة، التي صار بها علما فردا، وواحدا فذّا، حتّى تكلّفها من
أجله من ليست من طبعه ولا سنخه، فهو المحمود بأفعاله التي اختص بها وبأفعال غيره ممن حذاه فيها، وبما نفق من بضائع الخير بعد كسادها، وبالسابقة التي له في خدمة المطيع لله أوّلا ثم خدمة أمير المؤمنين ثانيا، فإنّها [سابقة]«1» شائع خبرها، وجميل أثرها، قويّة دواعيها، متمكّنة أواخيها، وللمكانة التي خصّ بها من أمير المؤمنين [ومن عزّ الدولة أبي منصور مولى أمير المؤمنين أيده الله]«2» ومن نصير الدولة الناصح أبي طاهر رعاه الله، ومن عظماء أهل حوزتهم، وأفاريق «3» عوامّهم ورعيّتهم؛ فلما صدق محمد فراسة أمير المؤمنين ومخايله، واحتذى سجايا أبيه وشمائله، وحصل له ما حصل من الحرمات المتأثّلة، والمواتّ المتأصّلة، أحرز من الأثرة على قرب المدى، ما لا يحرزه غيره على بعد المرمى، واستغنى أمير المؤمنين فيه عن طول التّجربة والاختبار، وتكرّر الامتحان والاعتبار، فقلّده الحكم بين أهل سرّ من رأى، وتكريت، والطبرهان «4» ، والسّنّ، والبوازيج، ودقوقا «5» ، وخانيجار، والبندنيجين، وبوحسابور، والرّاذانين «6» ، [ومسكن]«7» وقطربّل، ونهر بوق، والدبين، وجميع الأعمال المضافة إلى ذلك والمنسوبة إليه، وشرّفه بالخلع والحملان، وضروب الإنعام والإحسان، وكان فيما أعطاه من هذا الصّيت والمجد، ونحله إيّاه من المفخر العدّ، مبتغيا ما كسبه من الله الرّضا والزّلفى، والسلامة في الفاتحة والعقبى، وراعيا لما يوجبه لقاضي قضاته عبيد الله بن أحمد من الحقوق التي أخفى منها أكثر مما أبدى، وأمسك عن أضعاف ما أحصى، وذاهبا على آثار الأئمة المهديّين، والولاة المجتهدين، في إقرار ودائعهم عند المرشّحين لحفظها، المضطلعين بحملها، من أولاد أوليائهم، وذريّة نصحائهم: إذ كان لا بدّ للأسلاف أن تمضي، وللأخلاف أن تنمي،
كالشجر الذي يغرس لدنا فيصير عظيما، والنبات الذي ينجم رطبا فيصير هشيما؛ فالمصيب من تخيّر الغرس من حيث استنجب الشجر، واستحلى الثّمر، وتعمّد بالعرف من طاب منه الخبر، وحسن منه الأثر؛ وأمير المؤمنين يسأل الله تعالى تسديدا تحمد عائدته، وتدرّ عليه مادّته، ويتولّاه في العزائم التي يعزمها، والأمور التي يبرمها، والعقود التي يعقدها، والأغراض التي يعتمدها؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
أمره باعتماد التّقوى، فإنّها شعار أهل الهدى، وأن يراقب الله مراقبة المتحرّز من وعيده، والمتنجّز لمواعيده، ويطهّر قلبه من موبقات الوساوس، ويهذّبه من مرديات الهواجس، ويأخذ نفسه بمآخذ أهل الدّين، ويكلّفها كلف الأبرار المؤمنين، ويمنعها من أباطيل الهوى، وأضاليل المنى؛ فإنها أمّارة بالسّوء، صبّة «1» إلى الغيّ، صادّة عن الخير، صادفة عن الرّشد، لا ترجع عن مضارّها إلّا بالشّكائم، ولا تنقاد إلى منافعها إلا بالخزائم؛ فمن كبحها وثناها نجّاها، ومن أطلقها وأمرجها «2» أرداها. وأولى من جعل تقوى الله دأبه وديدنه، والخيفة منه منهاجه وسننه، من ارتدى رداء الحكّام، وأمر ونهى في الأحكام، وتصدّى لكفّ الظالم، وردّ المظالم، وإيجاب الحدود ودرئها، وتحليل الفروج وحظرها، وأخذ الحقوق وإعطائها، وتنفيذ القضايا وإمضائها: إذ ليس له أن يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا يزدجر، ويأتي مثل ما ينهى عنه، وينهى عمّا يأتي مثله، بل هو محقوق بأن يصلح ما بين جنبيه، قبل أن يصلح ما ردّ أمره إليه، وأن يهذّب من نيّته، ما يحاول أن يهذّب من رعيّته، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
«3» : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
«1» .
وأمره بالإكثار من تلاوة القرآن الواضح سبيله، الراشد دليله، الذي من استضاء بمصابيحه أبصر ونجا، ومن أعرض عنها زلّ وغوى، وأن يتخذه إماما يهتدي بآياته، ويقتدي ببيّناته، ومثالا يحذو عليه، ويردّ الأصول والفروع إليه؛ فقد جعله الله حجّته الثابتة الواجبة، ومحجّته المستبينة اللّاحبة، ونوره الغالب الساطع، وبرهانه الباهر الناصع؛ وإذا ورد عليه معضل، أو غمّ عليه مشكل، اعتصم به عائذا، وعطف عليه لائذا؛ فبه يكشف الخطب، ويذلّل الصّعب، وينال الأرب، ويدرك المطلب، وهو أحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم فينا، ونصبهما معلما بعده لنا، قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
«2» . وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
«3» .
وأمره بالمحافظة على الصّلوات، وإقامتها في حقائق الأوقات، وأن يدخل فيها أوان حلولها بإخلاص من قلبه، وحضور من لبّه، وجمع بين لفظه ونيّته، ومطابقة بين قوله وعمله، مرتّلا للقراءة فيها، مفصحا بالإبانة لها، متثبّتا في ركوعها وسجودها، مستوفيا لحدودها وشروطها، متجنّبا فيها جرائر الخطإ والسّهو، وعوارض الخطل واللّغو: فإنه واقف بين يدي جبّار السماء والأرض، ومالك البسط والقبض، والمطّلع على خائنة كلّ عين وخافية كلّ صدر، الذي لا تحتجب دونه طويّة، ولا تستعجم عليه خبيّة، ولا يضيع أجر محسن، ولا يصلح عمل مفسد؛ وهو القائل عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
«4» .
وأمره بالجلوس للخصوم، وفتح بابه لهم على العموم، وأن يوازي بين الفريقين إذا تقدّما إليه، ويحاذي بينهما في الجلوس بين يديه، ويقسم لهما أقساما متماثلة من نظره، وأقساطا متعادلة من كلمه: فإنه مقام توازن الأقدام، وتكافؤ الخواصّ والعوامّ، لا يقبل على ذي هيئة لهيئته، ولا يعرض عن دميم لدمامته، ولا يزيد شريفا على مشروف، ولا قويّا على مضعوف، ولا قريبا على أجنبيّ، ولا مسلما على ذمّي، ما جمعهما التخاصم، وضمّهما التحاكم. ومن أحسّ منه بنقصان بيان، أو عجز عن برهان، أو قصور في علم، أو تأخّر في فهم، صبر عليه حتّى يستنبط ما عنده، ويستشقّ ضميره، وينقع بالإقناع غلّته، ويزيح بالإيضاح علّته.
ومن أحسّ منه بلسن وعبارة وفضل من بلاغة، أعمل فيما يسمعه منه فكره، وأحضره ذهنه، وقابله بسدّ خلّة خصمه، والإبانة لكل منهما عن صاحبه، ثم سلّط على أقوالهما ودعاويهما تأمّله، وأوقع على بيّناتهما وحججهما تدبّره، وأنفذ حينئذ الحكومة إنفاذا يعلمان به أنّ الحقّ مستقرّ مقرّه، وأن الحكم موضوع موضعه؛ فلا يبقى للمحكوم عليه استرابة ولا للمحكوم له استزادة، وأن يأخذ نفسه مع ذلك بأطهر الخلائق وأحمدها، وأهدى السّجايا وأرشدها، وأن يقصد في مشيه، ويغضّ من صوته، ويحذف الفضول من [لفظه و]«1» لحظه، ويخفّف من حركاته ولفتاته، ويتوقّر من سائر جنباته [وجهاته]«2» ، ويتجنّب الخرق والحدّة، ويتوقّى الفظاظة والشّدّة، ويلين كنفه من غير مهانة، ويربّ هيببته في غير غلظة، ويتوخّى في ذلك وقوفا بين غايتيه، وتوسّطا بين طرفيه، فإنه يخاطب أخلاطا من الناس مختلفين، وضروبا غير متّفقين، ولا يخلو فيهم من الجاهل الأهوج، والمظلوم المحرج، والشيخ الهمّ «3» ، والناشيء الغرّ، والمرأة الرّكيكة، والرجل الضعيف النّحيزة؛ وواجب عليه أن يغمرهم بعقله، ويشملهم بعدله، ويقيمهم على الاستقامة بسياسته، ويعطف عليهم بحلمه ورياسته، وأن يجلس وقد نال من
المطعم والمشرب طرفا يقف به عند أوّل الكفاية، ولا يبلغ منه إلى آخر النهاية، وأن يعرض نفسه على أسباب الحاجة كلّها، وعوارض البشريّة بأسرها: لئلا يلمّ به من ذلك ملمّ أو يطيف به طائف فيحيلانه عن جلده، ويحولان بينه وبين سدده، وليكن همّه إلى ما يقول ويقال له مصروفا، وخاطره على ما يرد عليه ويصدر عنه موقوفا؛ قال الله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
«1» .
وأمره إذا ثبت عنده حقّ من الحقوق لأحد من الخصوم، أن يكتب له متى التمس ذلك صاحب المعونة في عمله بأن يمكّنه منه، ويحسم المعارضات فيه عنه، ويقبض كلّ يد تمتدّ إلى منازعته، أو تتعدّى إلى مجاذبته؛ فقد ندب الله الناس إلى معاونة المحق على المبطل، والمظلوم على الظالم؛ إذ يقول عز وجل: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
«2» .
وأمره أن يستصحب كاتبا دربا بالمحاضر والسّجلّات، ماهرا في القضايا والحكومات، عالما بالشّروط والحدود، عارفا بما يجوز وما لا يجوز، غير مقصّر عن القضاة المستورين، والشّهود المقبولين، في طهارة ذيله، ونقاء جيبه، وتصوّنه عن خبث المآكل والمطاعم، ومقارفة الرّيب والتّهم؛ فإن الكاتب زمام الحاكم الذي إليه مرجعه، وعليه معوّله، وبه يحترس من دواهي الحيل، وكوامن الغيل، وحاجبا سديدا رشيدا، أديبا لبيبا، لا يسفّ إلى دنيّة ولا يلم بمنكرة، ولا يقبل رشوة، ولا يلتمس جعالة «3» ، ولا يحجب عنه أحدا يحاول لقاءه في وقته،
والوصول إليه في حينه، وخلفاء يردّ إليهم ما بعد من العمل عن مقرّه، وأعجزه أن يتولّى النظر فيه بنفسه، ينتخبهم من الأماثل، ويتخيّرهم من الأفاضل، ويعهد إليهم في كلّ ما عهد فيه إليه، ويأخذهم بمثل ما أخذ به، ويجعل لكلّ من هذه الطوائف رزقا يكفّه ويكفيه، وقوتا يحجزه ويغنيه؛ فليس تلزمهم الحجّة إلا مع إعطائهم الحاجة، ولا تؤخذ عليهم الوثيقة إلا مع إزاحة العلّة؛ فقد قال الله تعالى:
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
«1» .
وأمره بإقرار الشهود الموسومين بالعدالة على تعديلهم، وإمضاء القضاء بأقوالهم، وحملهم على ظاهر السّلامة، وشعار الاستقامة، وأن يعتمد مع هذا البحث عن أديانهم، والفحص عن أماناتهم، والإصغاء إلى الأحاديث عنهم: من ثناء يتكرر، أو قدح يتردّد؛ فإذا تواتر عنده أحد الأمرين، ركن إلى المزكيّ الأمين، ونبا عن المتّهم الظّنين: فإنه إذا فعل ذلك اغتبط أهل الأمانة بأماناتهم، ونزع أهل الخيانة عن خياناتهم، وتقرّبوا إليه بما تنفق سوقه، ويستحقّ به التوجّه عنده، واستمرّ شهوده وأمناؤه، وأتباعه وخلفاؤه، على المنهج الأوضح، والمسلك الأنجح، وتحصّنت الأموال والحقوق، وصينت الحرمات والفروج؛ ومتى وقف لأحد منهم على هفوة لا تغفر، وعثرة لا تقال، أسقطه من عددهم، وأخرجه عن جملتهم، واعتاض منه من يحمد دينه، ويرتضي أمانته؛ قال الله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ
«2» . وقال في الشهادة: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ
«3» .
وأمره بالضّبط لما يجري في عمله من الوقوف الثابتة في ديوان حكمه،
والتعويل فيها على الأمناء الثّقات، والحصفاء الكفاة، المعروفين بالظّلف والورع، المتنزّهين عن النّطف والجشع، والتقدّم إليهم في حفظ أصولها، وتوفير فروعها، وتثمير غلالها وارتفاعها، وصرفها إلى أهلها ومستحقّها وفي وجوهها وسبلها، ومطالبتهم بحساب ما يجري على أيديهم، والاستقراء لآثارهم فيه وأفعالهم، وأن يحمد منهم من كفى وكفّ، ويذم من أضاع وأسفّ، وينزل كلّا منهم منزلته التي استحقّها بعمله، واستوجبها بأثره، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
«1» .
وأمره بالاحتياط على أموال الأيتام، وإسنادها إلى أعفّ وأوثق القوّام، والتقدّم إلى كل طائفة بأن يجريهم مجرى ولده، ويقيمهم مقام سلالته، في الشفقة عليهم، والإصلاح لشؤونهم، والإشراف على تأديبهم، وتلقينهم ما لا يسع المسلم جهله من الفرائض المفترضة، والسّنن المؤكّدة، وتخريجهم في أبواب معايشهم، وأسباب مصالحهم، والإنفاق عليهم من عرض أموالهم بالمعروف الذي لا شطط فيه ولا تبذير، ولا تضييق ولا تقتير؛ فإذا بلغوا مبالغ كمالهم، وأونس منهم الرّشد في متصرّفاتهم، أطلق لهم أموالهم، وأشهد بذلك عليهم؛ فقد جعله الله بما تقلّده من الحكم، خلفا من الآباء لذوي اليتم، وصار بهذه الولاية عليهم مسؤولا عنهم، ومجزيّا عما سار به فيهم، وأوصله من خير أو شرّ إليهم؛ قال الله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
«2» .
وأمره بحفظ ما في ديوانه من الوثائق والسّجلّات، والحجج والبيّنات،
والوصايا والإقرارات: فإنها ودائع الرعيّة عنده، وواجب أن يحرسها جهده، وأن يكلها إلى الخزّان المأمونين، والحفظة المتيقّظين، ويوعز إليهم بأن لا يخرجوا شيئا منها عن موضعه ولا يضيفوا إليها ما لم يكن بعلمه، وأن يتّخذ لها بيتا يحصرها به، ويجعله بحيث يأمن عليه: ليرجع متى احتاج الرجوع إليه؛ فقد قال الله تعالى:
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ*
«1» .
وأمره إن ورد عليه أمر يعييه فصله، ويشتبه عليه وجه الحكم فيه، أن يردّه إلى كتاب الله، ويطلب به سبيل المخلص منه، فإن وجده وإلا ففي الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أدركه وإلا استفتى فيه من يليه من ذوي الفقه والفهم، والهداية والعلم؛ فما زالت الأئمة والحكّام من السّلف الصالح، وطرّاق السّنن الواضح، يستفتي واحد منهم واحدا، ويسترشد بعض بعضا، لزوما للاجتهاد، وطلبا للصواب، وتحرّزا من الغلط، وتوقّيا من العثار؛ قال الله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
«2» .
وأمره أن لا ينقض حكما حكم به من كان قبله ولا يفسخه، وأن يعمل عليه ولا يعدل عنه، ما كان داخلا في إجماع المسلمين، وسائغا في أوضاع الدّين؛ فإن خرج عن الإجماع، أوضح الحال فيه لمن بحضرته من الفقهاء والعلماء حتّى يصيروا مثله في إنكاره، ويجتمعوا معه على إيجاب ردّه، ثم ينقضه حينئذ نقضا يشيع ويذيع، ويعود به الأمر إلى واجبه، ويستقرّ معه الحقّ في نصابه؛ قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
» .
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عليك؛ قد شرح به صدرك، وأوضح به سبلك وأقام أعلام الهداية لك، ولم يألك تبصيرا وتذكيرا، ولم يدّخرك تعريفا
وتوقيفا، ولم يجعلك في شيء من أمرك على شبهة تعترضك، ولا حيرة تعتاقك؛ والله شاهد له بخروجه من الحق فيما وصّى وعهد، وعليك بقبولك ما قبلت مما ولّى وقلّد؛ فإن عدلت واعتدلت- وذلك خليق بك- فقد فاز وفزت معه، وإن تجانفت «1» وزللت- وذلك بعيد منك- فقد ربح وخسرت دونه؛ فلتكن التقوى زادك، والاحتراس شعارك، واستعن بالله يعنك، واستهده يهدك، واعتضد به يعضّدك، واستمدّ من توفيقه يمددك؛ إن شاء الله تعالى.
[وكتب نصير الدولة الناصح أبو طاهر يوم كذا من رجب سنة ست وستين وثلاثمائة]«2» .
وهذه نسخة عهد بقضاء القضاة [بحاضرة بغداد وسائر الأعمال]«3» شرقا وغربا كتب به عن الإمام الناصر لدين الله أحمد «4» ، للقاضي محيي الدين أبي عبد الله محمد بن فضلان، من إنشاء أستاد الدار عضد الدين بن الضحّاك، وهي:
هذا ما عهد عبد الله وخليفته في العالمين، المفترض الطاعة على الخلق أجمعين، أبو العبّاس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن يحيى ابن فضلان: حين سبر خلاله واستقراها، واعتبر طرائقه واستبراها، فألفاه رشيدا في مذاهبه، سديدا في أفعاله وضرائبه، موسوما بالرّصانة، حاليا بالورع والدّيانة، مبرّزا من العلوم في فنونها، عالما بمفروض الشريعة المطهّرة ومسنونها، مدّرعا ملابس العفاف، قد أناف على أمثاله في بوارع الأوصاف، فقلّده قضاء القضاة في مدينة السلام وجميع البلاد والأعمال، والنواحي والأمصار: شرقا وغربا، وبعدا
وقربا، سكونا إلى ما علم من حاله، واضطلاعه بالنهضة المنوطة به واستقلاله، وركونا إلى قيامه بالواجب فيما أسند إليه، ونهوضه بعبء ما يعوّل في حفظ قوانينه عليه، واستنامة إلى حلول الاصطناع عنده، ومصادفته منه مكانا تبوّاه بالاستحقاق وحده؛ والله تعالى يعضّد آراء أمير المؤمنين بمزيد التوفيق في جميع الأمور، ويحسن له الخيرة فيما يؤمّه من مناظم الدّين وصلاح الجمهور؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
أمره بتقوى الله تعالى في إعلانه وإسراره، وتقمّص شعارها في إظهار أمره وإضماره؛ فإنها العروة الوثقى، والذّخر الأبقى، والسعادة التي ما دونها فوز ولا فوقها مرقى، وهي حلية الأبرار، وسيما الأخيار، والمنهج الواضح، والمتجر الرابح، والسبيل المؤدّي إلى النجاة والخلاص، يوم لا وزر ولات حين مناص، وأنفع العدد والذّخائر، وخير العتاد يوم تنشر الصّحف وتبلى السّرائر، يوم تشخص الأبصار، وتعدم الأنصار: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
«1» ، ولا ينجو من عذاب الله يومئذ إلا من كان زاده التقوى، وتمسّك منها بالسبب الأقوى؛ قال الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
«2» .
وأمره أن يجعل كتاب الله إماما يهتدي بمناره، ويستصبح ببواهر أنواره، ويستضيء في ظلم المشكلات بمنير مصباحه، ويقف عند حدود محظوره ومباحه، ويتّخذه مثالا يحتذيه، ودليلا يتّبع أثره فيهديه، ويعمل به في قضاياه وأحكامه، ويقتدي بأوامره في نقضه وإبرامه: فإنه دليل الهدى ورائده، وسائق النّجح وقائده، ومعدن العلم ومنبعه، ومنجم الرّشاد ومطلعه، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما «3» رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمّة، والذّكر الذي جعله الله تعالى تبيانا لكل شيء
وهدى ورحمة، فقال عزّ من قائل: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
«1» .
وأمره بانتزاع «2» الآثار النبوية صلوات الله على صاحبها وسلامه، والاهتداء بشموسها التي تنجلي بها دجنّة كلّ مشكل وظلامه، والاقتداء بسنّة الشريعة المتبوعة، وتصفّح الأخبار المسموعة؛ والعمل منها بما قامت أدلّة صحّته من جميع جهاته، واستحكمت الثّقة بنقلته عنه عليه السلام ورواته؛ وسلمت أسانيده من قدح، ورجاله من ظنّة وجرح، فإنّها التالية للقرآن المجيد في وجوب العمل بأوامره، والانتهاء بروادعه وزواجره؛ وهو عليه الصلاة والسلام الصادق الأمين الذي ما ضلّ وما غوى، وما ينطق عن الهوى؛ وقد قرن الله سبحانه طاعته بطاعته، والعمل بكتابه والأخذ بسنّته؛ فقال عز من قائل: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
«3» .
وأمره بمجالسة العلماء، ومباحثة الفقهاء، ومشاركتهم في الأمور المشكلة، وعوارض الحكومات المعضلة: لتستبين سبيل الصواب، ويعرى الحكم من ملابس الشّبه والارتياب، ويخلص من خطأ الانفراد، وغوائل الاستبداد، فالمشورة باليمن مقرونة، والسلامة في مطاويها مضمونة؛ وقد أمر الله تعالى بها نبيّه صلى الله عليه وسلم مع شرف منزلته وكمال عصمته، وتأييده بوحيه «4» وملائكته فقال سبحانه:
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
«5» .
وأمره بفتح بابه، ورفع حجابه، وأن يجلس للخصوم جلوسا عامّا، وينظر في
أمورهم نظرا حسنا تامّا، مساويا بينهم في نظره ولحظه، وإصغائه ولفظه، محترزا من ذي اللّسن وجرأة جنانه، متأنّيا بذي الحصر عند إقامة برهانه، فربّما كان أحد الخصمين ألحن بحجّته، والآخر ضعيفا عن مقاومته، هذا مقام الفحص والاستفهام، والتثبّت «1» وإمضاء الأحكام: ليسلم من خديعة محتال، وكيد مغتال، مائلا في جميع ذلك مع الواجب، سالكا طريق العدل اللّاحب، غير فارق في إمضاء الحكم بين القويّ والضعيف، والمشروف والشريف، والمالك والمملوك، والغنيّ والصّعلوك، قال الله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا
«2» . وقال سبحانه وتعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
«3» .
وأمره أن يتصفّح أحوال الشهود، المسموعة أقوالهم في الحقوق والحدود، المرجوع إلى أمانتهم، المعمول بشهادتهم، الذين بهم تقام الحجج وتدحض، وتبرم الأحكام وتنقض، وتثبت الدّعاوى وتبطل، وتمضى القضايا وتسجّل، مجتهدا في البحث عن طرائقهم وأحوالهم، وانتقاد تصاريفهم وأفعالهم، واستشفاف سجاياهم، وعرفان مزاياهم، مخصّصا بالتمييز من كان حميد الخلال، مرضيّ الفعال، راجعا إلى ورع ودين، متمسّكا من الأمانة والنّزاهة بالسبب المتين؛ قال الله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
«4» .
وأمره بالنظر في أمور اليتامى وأموالهم، ومراعاة شؤونهم وأحوالهم، وأن يرتّب بسبب اتّساق مصالحهم الثّقات الأعفّاء، والأمناء الأتقياء، ممن ظهرت ديانته، وحسنت سريرته، واشتهر بالظّلف والعفاف، والتنزّه عن الطمع والإسفاف، ويأمرهم بحفظها من خلل يتخلّلها، ويد خائنة تدخلها؛ وليكن عليهم
حدبا، وفي فرط الحنوّ أبا؛ وخلفا من آبائهم في الإشفاق عليهم، وحسن الالتفات إليهم: فإنّه عنهم مسؤول، والعذر عند الله تعالى في إهمالهم غير مقبول، وأن يأذن لهم في الإنفاق عليهم بالمعروف من غير إسراف ولا تقتير، ولا تضييق ولا تبذير؛ فإذا بلغ أحدهم النّكاح، وآنس منه أمارات الرّشد والصّلاح، دفع ماله إليه، وأشهد بقبضه عليه، على الوجه المنصوص، غير منقوص ولا منغوص، ممتثلا أمر الله تعالى في قوله سبحانه: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً
«1» .
وأمره بتزويج الأيامى اللّواتي لا أولياء لهنّ من أكفائهنّ، بمهور أمثالهنّ، وأن يشمل ذوات الغنى والفقر منهنّ بعدله، ويتحرّى لهنّ المصلحة في عقده وحلّه.
وأمره أن يستنيب فيما بعد عنه من البلاد ودنا، وقرب منه ونأى، كلّ ذي علم واستبصار، وتيقّظ في الحكم واستظهار، ونزاهة شائعة، وأوصاف لأدوات الاستحقاق جامعة، ممن يتحقّق نهوضه بذلك واضطلاعه، ويأمن استزلاله «2» وانخداعه، وأن يعهد إليهم في ذلك بمثل ما عهد إليه ولا يألوهم تنبيها وتذكيرا، وإرشادا وتبصيرا؛ قال الله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
«3» .
وأمره بإمضاء ما أمضاه قبله الحكّام، من القضايا والأحكام، غير متعقّب أحكامهم بنقض ولا تبديل، ولا تغيير ولا تأويل، إذا كانت جائزة في بعض الأقوال، ممضاة على وجه من وجوه الاحتمال، غير خارقة للإجماع، عارية من ملابس الابتداع، وإن كان ذلك منافيا لمذهبه، فقد سبق حكم الحاكم به «4» ؛ قال
الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«1» .
وأمره أن يتخذ كاتبا قيّما بشروط القضايا والسّجلّات، عارفا بما يتطرّق نحوها من الشّبه والتأويلات، ويتداخلها من النّقص والتلبيسات، متحرّزا في كلّ حال، متنزّها عن ذميم الأفعال، وأن يتخيّر حاجبا نقيّ الجيب، مأمون المشهد والغيب، مستشعرا للتقوى، في السّر والنجوى، سالكا للطريقة المثلى، غير متجهّم للناس، ولا معتمد ما ينافي بسط الوجه لهم والإيناس: فإنه وصلتهم إليه، ووجهه المشهود قبل الدخول عليه؛ فلينتخبه من بين أصحابه، وممن يرتضيه من أمثاله وأضرابه.
وأمره بتسلّم ديوان القضاء والحكم، والاستظهار على ما في خزائنه بالإثبات والختم، والاحتياط على ما به من المال والسّجلّات، والحجج والمحاضر والوكالات «2» ، والقبوض والوثائق والأثبات والكفالات، بمحضر من العدول الأمناء الثّقات، وأن يرتّب لذلك خازنا يؤدّي الأمانة فيه، ويتوخّى ما توجبه الديانة وتقتضيه.
وأمره بمراعاة أمر الحسبة: فإنها من أكبر المصالح وأهمّها، وأجمعها لمنافع الخلق وأعمّها، وأدعاها إلى تحصين أموالهم، وانتظام أحوالهم، وأن يأمر المستناب فيها باعتبار سائر المبيعات فيها: من الأقوات «3» وغيرها في عامّة الأوقات، وتحقيق أسباب الزيادة والنّقصان في الأسعار، والتصدّي لذلك على الدّوام والاستمرار، وأن يجري الأمر فيها بحسب ما تقتضيه الحال الحاضرة، والموجبات الشائعة الظاهرة، واعتبار الموازين والمكاييل، وإعادة الزائد والناقص منها إلى التّسوية والتعديل؛ فإن اطّلع لأحد من المتعاملين على خيانة في