المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع الثاني (مما كان يكتب في الدولة الفاطمية بالديار المصرية ما كان يكتب عن الوزير) - صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية - جـ ١٠

[القلقشندي]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء العاشر]

- ‌[تتمة الباب الثالث]

- ‌[تتمة النوع الثاني]

- ‌الوجه الخامس (فيما يكتب في ألقاب الملوك عن الخلفاء، وهو نمطان)

- ‌النمط الأوّل (ما كان يكتب في قديم الزمن)

- ‌النمط الثاني (ما يكتب به لملوك الزمان)

- ‌الوجه السادس (فيما يكتب في متن العهود، وفيه ثلاثة مذاهب)

- ‌المذهب الأوّل (وعليه عامّة الكتّاب من المتقدّمين وأكثر المتأخّرين)

- ‌الطريقة الأولى (طريقة المتقدّمين)

- ‌المذهب الثاني (أن يفتتح العهد بلفظ «من فلان» باسم الخليفة وكنيته ولقب الخلافة

- ‌المذهب الرابع

- ‌المذهب الخامس (أن يفتتح العهد ب «إنّ أولى ما كان كذا» ونحوه)

- ‌الوجه السابع (فيما يكتب في مستند عهد السلطان عن الخليفة، وما يكتبه الخليفة في بيت العلامة، وما يكتب في نسخة العهد من الشّهادة أو ما يقوم مقامها)

- ‌الوجه الثامن (في قطع الورق الذي تكتب فيه عهود الملوك عن الخلفاء، والقلم الذي يكتب به، وكيفيّة كتابتها، وصورة وضعها في الورق)

- ‌النوع الثالث (من العهود عهود الملوك لولاة العهد بالملك)

- ‌الوجه الأوّل (في بيان صحّة ذلك)

- ‌الوجه الثاني (فيما يكتب في الطرّة)

- ‌الوجه الثالث (في الألقاب التي تكتب في أثناء العهد)

- ‌الوجه الرابع (ما يكتب في المستند)

- ‌الوجه الخامس (ما يكتب في متن العهد)

- ‌الطريقة الأولى

- ‌الطريقة الثانية

- ‌الوجه السادس

- ‌الوجه السابع

- ‌النوع الرابع

- ‌الوجه الأوّل

- ‌الوجه الثاني

- ‌الضرب الأوّل

- ‌الوجه الثالث

- ‌الوجه الرابع

- ‌الباب الرابع من المقالة الخامسة

- ‌الفصل الأوّل (فيما كان يكتب من ذلك عن الخلفاء، وفيه خمسة أطراف)

- ‌الطرف الأوّل (فيما كان يكتب عن الخلفاء الراشدين من الصحابة رضوان الله عليهم)

- ‌الطرف الثاني (فيما كان يكتب عن خلفاء بني أميّة)

- ‌الطرف الثالث

- ‌النوع الأوّل

- ‌النوع الثاني

- ‌الضرب الأوّل

- ‌الضرب الثاني

- ‌النوع الثالث (مما كان يكتب لأرباب الوظائف من ديوان الخلافة ببغداد ما كان يكتب لأرباب الوظائف ببغداد من أصحاب الأقلام)

- ‌الضرب الأوّل (العهود)

- ‌الضرب الثاني

- ‌النوع الرابع

- ‌الطرف الرابع

- ‌الطرف الخامس

- ‌النوع الأوّل

- ‌المذهب الأوّل (أن يفتتح ما يكتب في الولاية بالتّصدير)

- ‌المرتبة الأولى (أن يقال بعد التصدير المقدّم «أما بعد فالحمد لله» )

- ‌الضرب الأوّل (سجلّات أرباب السيوف

- ‌المرتبة الثانية

- ‌المرتبة الثالثة (من المذهب الأول من سجلات ولايات الفاطميين أن تفتتح بالتّصدير أيضا

- ‌المذهب الثالث من مذاهب كتّاب الدولة الفاطميّة

- ‌المذهب الرابع (مما كان يكتب لأرباب الولايات بالدّولة الفاطمية مرتبة الأصاغر من أرباب السّيوف والأقلام)

- ‌النوع الثاني (مما كان يكتب في الدولة الفاطمية بالديار المصرية ما كان يكتب عن الوزير)

- ‌المصادر والمراجع المستعملة في حواشي الجزء العاشر من كتاب «صبح الأعشى»

- ‌فهرس الجزء العاشر من صبح الأعشى

الفصل: ‌النوع الثاني (مما كان يكتب في الدولة الفاطمية بالديار المصرية ما كان يكتب عن الوزير)

على أدراجه، فالقليل بالغفلة يستدعي كثرة الاهتمام، وربّما لم تصب فيه المرمى ولم ينجع المرام.

ومراكب الأسطول المنصورة فولّها من ترتضي نهوضه، ومن يقوم بشرائط الجهاد المفروضة؛ وإذا آنس فرصة لم يعترضها التفويت، وإذا نزل به القرن «1» ناداه بعزم المستميت، وإذا عرا المجتمع عرّض جمعه للتشتيت، واحتط على حواصل هذه المراكب فبها قوّة الإسلام على عدوّه، ومدد استظهاره وعلوّه، وأقم من الرؤساء من له حيلة في الأسفار، وخبرة بمكايد الغارات والحصار، ومثابرة يقتدر بها على فتح أبواب المنافع وسدّ أبواب المضارّ؛ ولك من البصيرة الجامعة، والألمعيّة اللّامعة، ما أنت به جدير أن تكون لك الذّكرى نافعة؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.

‌النوع الثاني (مما كان يكتب في الدولة الفاطمية بالديار المصرية ما كان يكتب عن الوزير)

وقد علمت في الكلام على «المسالك والممالك» أنّ الوزير إذ ذاك كان في منزلة السلطان الآن؛ وكان الشأن فيما يكتب فيه أن يفتتح بما يفتتح به المذهب الثالث «2» مما كان يكتب عن الخليفة، وهو أن يفتتح ما يكتب بلفظ:«إنّ أولى» أو «إنّ أحقّ» أو «إنّ أجدر» أو «إنّ أقمن» أو «من حسنت طريقته» أو «من كان متّصفا بكذا كان خليقا بكذا» و «بلمّا كان فلان» أو «لمّا كنت» على نحو ما تقدّم.

ثم ما يكتب عن الوزير: تارة يكتب بأمر الخليفة، وتارة يصدر عن الوزير استقلالا، فيبيّنه الكاتب في كتابته، وهي: إما لصاحب سيف، أو قلم.

ص: 453

فمن المكتتب عن الوزير في الدولة الفاطمية لأصحاب السّيوف نسخة سجل بولاية الإسكندرية من إنشاء القاضي الفاضل رحمه الله، وهي:

من عدّ من الأولياء الأماثل، ووجد عند الانتقاد قليل المماثل، وتوسّل بالحسنات التي يقبل عنده منها تشفيع الوسائل، وتقبل السفارة له الشاملة الاستحقاق الذي يغني عن المسائل، ولطف فكره لاقتناء الشّيم الموجبة لارتقاء الدرجات الجلائل، وألقت الرّتب قناعها له عند الكفء الذي يقدّم لها أفضل مهور الحلائل، وأسفرت مواقف الغناء منه عن الهزبر الشهم واللّوذعيّ الحلاحل «1» ، وأفرج له الكفاة عن صدور المنازل الرفيعة فلم يكن بينه وبينها حائل، واستقلّ بعظيم ما يفوّض إليه فلم تحمل الأقوام ما هو حامل، واتّسع مجال كفايته في كلّ أمر يضيق بالمباشر ضيق كفّة الحابل «2» ، وتتبّع آثار الخلل بعزماته تتبّع الغيث آثار الدّيار المواحل- كانت الولايات الجليلات له من المعدّ المدّخر، وقرّبت عليه منازل الآثار التي يتجمّل بها ويفتخر.

ولمّا كان الأمير جامعا لما أفيض فيه من هذه الصّفة، وموصوفا بها من كلّ لسان صادق ونية منصفة، جارية على غيره مجرى النكرة ومستندة إليه استناد المعرفة، مشتملا على خلال كغرائب المكارم مستوفية متألّفة، كلفا بالشّيم الحميدة إذا افتضحت بها الشّيم المتكلّفة، قمنا أن يوفّي فيقرض سعيه إذا اقترضت المساعي المتسلّفة، نهّاضا بالمصاعب عند ما تختلف في إعطائها العزائم المتخلّفة، آويا من رجاحته إلى المعقل الحريز والحصن الحصين، حاويا لفضائل حسنة منها الفتك الجريّ والرأي الرّصين، مقدما على الأهوال إذا تغلّقت وجوهها غبرا، مصرّا على الخطرات حتى يظنّه الغمر غمرا، مصافحا للرماح، إذا

ص: 454

بدت أنامل الأسنّة، مباشرا للصّفاح، إذا ذعرت لها النفس المطمئنّة، جديرا أن يردّ الخيل المغيرة تدمى نحورها، وتمدحك وتذمّها الجراح التي اشتملت عليها ظهورها، وسما للأعداء سيوفك فعندك غمودها وفيهم صدورها- رأينا بما آتاه الله من رأي لا يستأخر أن يستخير، ونظر يستمرّ أن يمتاح من موارد الرّشاد ويستنير، ما خرج به أمرنا من ولايتك لثغر الإسكندرية بعد أن طالعنا مولانا صلوات الله عليه بما رأينا، واسترشدنا بميامن إمضائه ما أمضينا، وفاوضناه فيما فوّضناه إليك وأفضينا، وقضينا حقّ الخدمة فيما استمطرنا من صوب واقتضينا، إذ كان الله قد خصّ خلاله بمواتاة الأقدار، ووقف الميامن على ما يمضيه ويوقفه من أعنّة الإيراد والإصدار، وجعل الخيرة فيما يختار، والحقّ دائرا حيث دار، وأخلص للأولياء المستشعرين بولائه بخالصة ذكرى الدار، وجعل رأيه قطبا في سماء الخلافة عليه في مصالح خلق الله المدار، فصحّح ما عرضناه على مقام خلافته وصوّبه، وناجته بديهة الإلهام بما أغنته عمّا صعّد فيه المستشير وصوّبه، وخرج إلينا بأن يمضى لك هذا الأمر، ويفوّض إليك هذا الثغر؛ فلتقابل هذه النعمة بشكر يوجب استيفاء باقيها، واعتداد يمهّد درجات مراقيها، متنجّزا وعد الله لمستوفيه بإيلاء المزيد، الجدير بإحالته من حالة التقليد إلى حالة التّخليد، جاعلا تقوى الله حجته فيما يقطعه ويصله، وعمدته فيما يمنعه ويبذله، قال الله سبحانه في كتابه الذي فضّله على كل كتاب: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ

«1» ؛ ولا تجعل في حكمك بين الخصماء فرقا وإن عدل أحدهما، وليكن على الحق الذي لا مفاضلة فيه مقعدهما عندك وموردهما، وانتصف للمظلوم من الظالم، واعمل في ذلك عمل من لا تأخذه في الله لومة لائم، وأقم الحدود متحرّيا، وأمضها إمضاء من لا يزال بعين طاعة الله متحلّيا، ونفّذها غير مكثر ولا مقلّ، فإن المكثر متعدّ والمقلّ مخل. وقد علمت ما للقاضي من التّقدمة الشهيرة، والرّتبة الأثيرة، والمساعي التي هي بألسنة الحمد مأثورة، والأقوال التي هي في صحائف حسن

ص: 455

الذكر مسطورة، والحرمات التي شهدت بها الأيام والليالي، والمواتّ التي انتظمت في سلوك التصرّفات إنتظام اللآلي، والصّفات التي زهت بها أجياد المحامد الحوالي؛ وله الخبرة بقوانين هذا الثغر وأحكامه، والعادة التي لا خلاف أنها لمصالح ما يباشره وإحكامه، وأنت مقدّم أرباب السيوف في الثّغر وهو مقدّم أرباب أقلامه، فاعرف له منزلته في الخدم المنوطة بكفالته، والأمور المحوطة بإيالته، ووفّه من أثر الإكبار حقّه، ويسّر فيما اشتدّ عليه من معونتك طرقه، وأعن الداعي على ما هو بسبيله من الإرشاد، وقم في إعلاء مناره قيام المغرم الشاد.

والأموال أولى ما صرفت إليها همّك، ووقفت عليها عزمك، فاستنهض المستخدمين فيما يستادى، ولا تمكّنهم أن يحدثوا رسما ولا يسقطوا معتادا؛ ولا بدّ من المقام بظاهر البحر مدّة انفتاحه، وتفقّد الأسطول المقيم بالميناء تفقّدا يستوعب أسباب إصلاحه، وأذك العيون على سواحله فلم يخل أمر العدوّ من طارق ليل وخاطف نهار، وذدهم عن بغتات هجومهم بما يبلغهم عنك من دوام التيقّظ والاستظهار، واستنهض الرجال في نوائب الخدم وحوادثها، وصرّفهم على موجبات المتجدّدات وبواعثها.

وهذا الثغر ففيه من أرباب الزّوايا العاكفين على العبادات، والعلماء الداعين الناس إلى الإفادات، من لا يدّخر الإكرام إلا لأن يؤدّى إلى استحقاقهم، ولا يصان المال إلا لأن يبذل لاستحقاقهم «1» ؛ فأوصل إليهم ما هو مقرر لهم إيصالا هنيّا، وأعفهم من مؤونة الهزّ «2» وساقط عليهم رطبا جنيّا، واستنهض لنا دعواتهم فإنها أسهم الأسحار، واستخلص لنا نيّاتهم فهم لنا جند الليل وغيرهم لنا جند النهار؛ والسلام.

ص: 456

ومن ذلك نسخة سجلّ بحماية الرّباع «1» ، وهي:

من كان فيما يتولّاه مشكور السعي محمود الأثر، مستعملا من النصح وبذل الجهد ما يزيد الخبر فيه على طيّب الخبر، معتمدا ما يدلّ على دراية وخبرة ودربة، متوخّيا ما يجعل الخدم إذا ما ردّت إليه لم تحلّ في دار غربة- استحق أن يورى زنده، ويرهف حدّه، وتقوّى منّته «2» ، وتشحذ قريحته.

ولما كنت أيّها الأمير ممن عرف نفاذه وأحمدت خلاله، وشكرت طرائقه وارتضيت أفعاله، وظهر فيما يباشره غناؤه واستقلاله، وجمع إلى الكفاية نزاهة، وإلى الأمانة نباهة، وإلى اليقظة عفافا وسدادا، وإلى النهضة حزامة لا يجد الطالب عليها مستزادا، تقدّم فتى مولانا وسيدنا باستخدامك في حماية الرّباع السلطانية بالمعزّيّة القاهرة المحروسة: سكونا إلى جدّك وتشميرك، وتعويلا على تأتّيك وتدبيرك؛ فاستخر الله وباشر ما ردّ إليك من هذه الحماية بعزم لا يمازجه فتور، وحزم لا يصاحبه قصور، واكشف أحوال هذه الرّباع كشفا يعرف به حالها، ويعلم منه استقامتها واختلالها، وانتصب لاستخراج مالها من السّكّان، واستعمل في استيدائه غاية الاستطاعة والإمكان.

وملاك الأمر فيها أن تتعهّدها بالطّواف فيها، وأن تحافظ على حراسة غيرها، وتناول أجرها، ورمّ ما لعله يسترمّ منها ويتشعّث، والعكوف على ذلك بحيث لا يتوقّف فيه أمر ولا يتريّث، وحمل مال ارتفاعها إلى بيت المال المعمور بعد ما يصرف في مصالحها، ويطلق فيما يتثبّت به عليها؛ ولك من الأمير من يعينك

ص: 457

وينجدك، ويلبّي دعوتك ويعضّدك، ويظافرك على انتظام شؤونك ومقصدك: من الاشتمال بما يزيد على تأميلك؛ فاجعل عليه اعتمادك، وبه في الحلّ والعقد استرشادك؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.

ومن الوظائف المكتتبة عن الوزير لأرباب الوظائف الدينية نسخة سجل بالحكم بقوص «1» ومشارفة أعمال الصعيد، وهي:

من تقدّمت لأسلافه خدم ومناصحات، وكانوا مشهورين بأنّ طرائقهم في السّداد مستقيمات واضحات، وعرف جميعهم بالصّيانة والدّيانة، والثّقة والأمانة، والمحافظة على ما يحظيهم عند وليّ نعمتهم، والعمل بما يقضي بطيب ذكرهم وحسن سمعتهم، كان ذلك ذريعة له ووسيلة، وماتّة ينال بها المواهب الجزيلة.

ولما كنت أيها القاضي على القضيّة المرضيّة من ولاء الدولة وطاعتها، والحرص على الإخلاص لها ومشايعتها، والتحلّي بالعلم والتمييز في أربابه، والتعلّق بفعل الخير والتمسّك بأسبابه، والعمل بما ينفعك في عاجلتك وآجلتك، والاجتهاد فيما يبعث على وفور حظّك من الإنعام وزيادتك، وكانت لك دربة فيما تعانيه ودراية، وصولة في حسن التأتّي إلى أمد بعيد وغاية؛ وقد تقدّمت لأخيك القاضي الرشيد- رحمه الله خدمة أبانت عن حرصه ومناصحته، وأعربت عن وفور نصيبه من النّهى ورجاحته، فأدّى ذلك إلى بلوغه من رتب أمثاله أقصاها، وإلى أن استقرّت خدمه عليه وألقت عنده عصاها؛ وهذه نصيبك إذا اقتفيتها فقد عرفت مفضاها، وإذا عكفت عليها نالك من الإحسان على حسبها ومقتضاها- تقدّم فتى مولانا وسيدنا باستخدامك في النّيابة في الحكم بمدينة قوص والمشارفة بأعمال الصعيد الأعلى: تنويها بك وتكريما لك، وتمهيدا لمكان الاصطناع الذي رتّبك فيه وأحلّك؛ فاعرف قدر هذه النعمة، وقابلها ببذل الطاقة في النّصح في

ص: 458

الخدمة، وبالغ في الشكر الذي يثبّتها عندك ويديمها لك، واحرص على القيام بحقّها حرصا تبذّ به نظراءك وأمثالك، واعمل في ذلك بما تضمّنه التقليد المكتتب لك من مجلس القاضي الأعز الماجد أدام الله تمكينه، وما أودعه من وصايا مرشدة، وهدايات إلى الصواب مقرّبة وعن الخطإ مبعدة، وافعل في أمر المشارفة ما اشتملت عليه التذكرة المعمولة من الدّيوان فإنه يوضّح لك منهج الصّلاح، ويأتيك منه بما يزيد على البغية والاقتراح، وانتصب للعمارة والاستكثار من الزراعة بالمعدلة على المعاملين، والاستخراج لحقوق بيت المال على أحسن القوانين، وواصل من الحمول، ما يكون محقّقا للمظنون فيك والمأمول؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله عز وجل.

ومن ذلك نسخة سجل بالنيابة في الحكم والأحباس «1» والجوالي «2» بثغر دمياط «3» ، وهي:

أحقّ من كانت المواهب عنده مخلّدة، والمنائح إليه متواصلة متجدّدة، والعوارف تفد عليه فتخيّم في مغناه وتقيم، والفواضل تأتي نحوه فتستقرّ في مثواه ولا تريم، والنّعم الشّتّى لا تشكو في مواطنه استيحاشا ولا اغترابا، والمنن إذا حبي بها كان نيله لها استحقاقا منه لها واستيجابا- من كرمت أعراقه ومحاتده، وشهرت أوصافه ومحامده، وصفت في المخالصة مصادره وموارده، وكثرت في تقريظه غرائب الثّناء وشوارده، وشيّد منار أسلافه بالتخلّق بخلائقهم، وأبقى الحديث عنهم بانتهاج سبلهم وطرائقهم، وأحسن برّهم، في الاقتفاء لأثرهم والاقتداء بهديهم، وإحياء ذكرهم، بالعمل بما كانوا عليه في عودهم وبدئهم.

ص: 459

ولما كنت أيّها القاضي لهذه الخلال جامعا، وإلى المراشد مصغيا سامعا، ولبلوغ ما ناله أسلافك بالمناصحات راجيا طامعا؛ ولك فيما يسند إليك نظر يدلّ على صواب آرائك، وفيما يردّ إلى تولّيك كفاية تميّزك على نظرائك؛ ولمّا ندبت للأحكام الشرعية، أبنت عن الديانة والألمعيّة، وحين باشرت الأعمال الدّيوانيّة، نصحت واجتهدت وأخلصت النّية؛ والذي بيدك يتمسّك بك، ويتعلّق بسببك، لأنك لما استكفيته نهضت وأحسنت، فلذلك يأبى أن يكلّفه غيرك وأن لا يتكفّله إلا أنت- تقدّم فتى مولانا وسيدنا بكتب هذا المنشور بتجديد نظرك فيما هو بيدك من النيابة في الحكم العزيز بثغر دمياط- حماه الله تعالى- والمشارفة على الأحباس به، وعلى مستخرج الجوالي فيه، تقوية لعزمك، وإمضاء لحكمك، وشدّا لأزرك، وتأكيدا لأمرك، وإنفاذا لقولك، وبسطا ليدك، وإيضاحا لميزتك، وإظهارا لتكرمتك، وإبانة عن حسن النّية وإعرابا عن جميل الرأي فيك؛ فاجر على رسمك وعادتك، واستغن بما أودعته تقاليدك من الوصايا، واستمرّ على نهجك الذي أفضى بك إلى أحمد الأفعال وأجمل القضايا، وارتبط النعمة عندك بتماديك على عادتك، وتوسّل بمشكور السعي إلى نموّ حظّك ووفور زيادتك؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله عز وجل.

ومن ذلك نسخة سجل بالحكم بالأعمال الغربية، وهي:

من كان بالعلوم الدينيّة قؤوما، وفي الأمور الشرعيّة ممّن يشار إليه ويومى، وظلّ من يجاريه من طبقته قليلا إذا لم يكن معدوما، وعلم نفاذه الذي سلم من المناقضة فيه والاختلاف، وعرف اعتماده الواجب من غير ميل عنه ولا انحراف، وكان لشمل الديانة والأمانة مؤلّفا جامعا، وغدا الوصف بجميل الخلال وحميد الأفعال عنه مسموعا ذائعا؛ وآثاره في كل ما يتولّاه مدّاحه وخطباؤه، وسفراؤه في الرّتب الجليلة نزاهته وظلف نفسه وإباؤه- صارت الأحكام بنظره مزهوّة، وأضحت الخدم الخطيرة تتوقّع بإسنادها إليه استظهارا وقوّة؛ فهي تتشوّف إلى أن يوليها حظّا

ص: 460

من محاسنه يكسبها نضرة وبهاء، وتتصدّى من نظره فيها لما يضمن لها إدراكا للإرادة وبلوغا إليها وانتهاء.

ولما كنت أيّها القاضي حائزا لهذه الصفات، محيطا بما اشتملت عليه من الأدوات، سالكا أعدل طريق في الأمور إذا أشكلت، عاملا بقضايا الواجب إذا اعتمدت الإقبال عليك واتّكلت؛ ولك الخدمة السنية، التي لا تطمح إليها كل أمنيّة، والرتب الرفيعة التي لا ينالها إلّا من كان عمله موافقا لصادق النيّة؛ وكلّ ما تباشره يغتبط بك ويأسى على فراقك، وكلّ ما حظر على غيرك مباح لك لاستيجابك له واستحقاقك؛ فمن العدل أن تكون كفايتك على الأعمال مقسّمة، وأن تكون آثارك في كل ما تعانيه من أمور المملكة علامة لك عليها وسمة؛ وكانت الخدمة في الحكم بالغربية من التصرفات الوافية المقدار، السامية الأخطار، التي لا يسمو كلّ آمل إليها، ولا يحدث كل أحد نفسه بتولّيها؛ وقد اشتهرت خبرتك بالأحكام، وحفظك فيها للنّظام، وبتّك للقصص المشكلة، ورفعك للنّوب المعضلة- فرأينا استخدامك نائبا عن القاضي الأعزّ الماجد في الصّلاة والخطابة والقضاء بالأعمال الغربية المقدّم ذكرها: إذ كنت تعدل في أحكامك، ولا تخرج عن قضايا الصواب في نقضك وإبرامك، ولا تحابي في الحق ذا منزلة، ولا تنفكّ معتمدا ما يقضي لك بالميزة المتأكّدة والرتبة المتأثّلة، وأمرنا بكتب هذا المسطور شدّا لأزرك، وتشييدا لأمرك، وإيراء «1» لزندك وتقوية لعزمك، وضمّنّاه ما تقدّم ذكره من وصفك وشكرك، وتقريظك وإجمال ذكرك، والثناء على علمك، والأبانة عن قضيّتك في قضائك وحكمك؛ فاعمل بما اشتمل عليه التقليد المكتتب لك من مجلس الحكم العزيز وانته إلى ما أودع من فصوله، وكن عاملا بمضمونه متّبعا لدليله؛ والله يوفّقك ويرشدك، ويعينك ويسدّدك؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله عز وجل.

ص: 461

ومن ذلك نسخة سجل بالحكم والمشارفة «1» بثغر عسقلان من سواحل الشام، وهي:

الذي منحنا الله من المفاخر الدالّة على محلّنا عنده، والمآثر التي أوصلنا بها من الشرف إلى أمد لا غاية بعده، والقضايا العادلة التي أبانت عما أجراه الله لنا من اللطائف، والسياسة الفاضلة التي تشهد لنا ببياض الصحائف، قد ضاعف حظّنا من التأييد فيما نراه ونمضيه، وضمن لنا الهداية في حق الله تعالى إلى ما يرضيه، وأجزل قسطنا من التوفيق في اجتباء من نجتبيه، وحبّب لنا إسناء المواهب لمن كان قليل النظير والشّبيه، ووقف اهتمامنا على التنبيه على كلّ مشكور المساعي، وصرف اعتزامنا إلى التفقّد للمقاصد التي هي على الاصطفاء من أقوى الدّواعي، ووفّر التفاتنا إلى تأمّل الإخلاص الذي صفت موارده، وصحّت سرائره، وأحكمت معاقده، وأحصدت مرائره، وتوكّل لصاحبه في بلوغ المطالب البعيدة المطارح، وتبتّل لمن وفّق له في سبوغ العوارف المخصبة المسارح، وجعلنا لا نغفل عمن بذل في الطاعة مهجته، وأظهر بدؤوبه وانتصابه دليله على الولاء المحض وحجّته، وأبان عن تقواه وحسن إيمانه، وتقرّب باستفراغ وسعه إلى الله تعالى وإلى سلطانه، وعمل فيما ائتمن عليه ما استوجب به جزيل الأجر، وكان له من رأيه في أعداء الملّة ما يقوم مقام العسكر الجرّ، وعلم أنّ تجارته في المخالصة نافقة مربحة، وأن مراميه في المناصحة صائبة منجحة، وتيقّن أنا بحمد الله لا نخيّب أملا، ولا نضيع أجر من أحسن عملا.

ولما كنت أيّها القاضي المكين المرتضى ثقة الإمام جلال الملك وعماده ذو المعالي صفي أمير المؤمنين، مستوليا على هذه الخلال، التي تكفّلت لك بإعلاء القدر، ومحتويا على هذه الخصال، التي رتّبتك على نظرائك في الصّدر، ولك من الحرمات سوابق لا يطمع فيها بلحاقك، ومن المواتّ شوافع تجعل جسائم النعم

ص: 462

وقفا لاستحقاقك؛ وقد عرفت بالجدّ والتشمير، واشتهرت بصادق العزم وصائب التدبير، وجعلت مؤهّلا لكل أمر خطير ومهمّ كبير، واستقرّ أنك إذا استكفيت جسيما فقد وكل منك إلى الأمين الخبير: لأنّ لك الرياسة التي لا تجارى فيها ولا تبارى، والكفاية التي لا يختلف فيها ولا يتمارى، والفضائل التي تشهد بها أعداؤك وحسّادك اضطرارا؛ وما زالت أفعالك في كل ما تتولّاه من الخدم الجليلة دالة على كرم طباعك، وآثارك معربة عن سعة ذرعك في الخير وامتداد باعك، وأخبارك ناطقة بإبائك عن الباطل واقتفائك للحقّ واتّباعك؛ ولما نظرت في القضاء تهلّل بنظرك وجه الشرع، وأبنت عن اضطلاعك من علمه بالأصل والفرع، وعدلت في أحكامك، ولم تعدل عن الواجب في نقضك وإبرامك، وفعلت ما أقرّ عين الملّة، وأربيت على من تقدّمك من القضاة الجلّة، واعتمدت من الإنصاف ما برّدت به الغلّة وأزحت به كلّ علّة، ووفّيت هذه الخدمة جميع شروطها، وفسّحت في تولّيك أمانيّ المظلومين بعد ضيقها وقنوطها، وقمت في ذلك المقام الذي يقضي بثبوت النعمة عندك وخلودها، وبالغت في ارتباطها بالشّكر لعلمك أن شرودها بكنودها.

فأما الإشراف فإنك أتيت فيه ما دلّ على حسن المعرفة، واستقبلت في وجهه كل صفة، وأوضح أنّ كلّ من باشره لم يبلغ مداك، ولا جرى مجراك، ولا وصل إلى غايتك، بل ما طمع بمداناتك ولا مقاربتك؛ وكلّ ما عدق بكفايتك فقد أتيت بحمد الله فيه على الأغراض، لا جرم أنه مستدع لزيادتك ومطالب ومتقاض؛ فحين اجتمعت لك هذه الأسباب استوجبت من إنعامنا ما يتنزّه كرمنا عن تعويقه، ومن جزيل إحساننا ما يكون تعجيله حقّا من حقوقه؛ فشرّ فناك بتجديد ما هو بيدك من الحكم العزيز والمشارفة بثغر عسقلان حماه الله تعالى، وجعلنا النيابة في الحكم عنا تنويها بك ورفعا لشانك، وتبيينا لموضعك عندنا ومكين مكانك؛ فاعمل بتقوى الله التي أمر بها في كتابه الذي به يهتدي المؤمنون فقال عزّ من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ

«1» ، واجر على عادتك فيما حسّن أثرك، وأطاب خبرك،

ص: 463

معتمدا على ما تضمّنته عهودك، واشتملت عليه تقاليدك: من المساواة بين القويّ والضعيف في الحقّ، وإجراء الشريف والمشروف في المحاكمة مجرى واحدا من غير فرق، والنظر فيمن قبلك من الشّهود، وحملهم على القانون المألوف المعهود: من إقرار من ترتضيه، والمطالعة بحال من تأباه لما توجبه طريقته وتقتضيه، والمحافظة على أن لا يتعلّق بشيء من أمور الحكم إلا من أحمد فعله، وحصل له من التزكية ما يزكّى به مثله، إلى غير ذلك مما أودع فيها، وأحاطت بها الوصايا التي لم يزل يستوعبها ويستوفيها. واستقم على سبيلك في ضبط المال وحفظه وصونه، واستعن على بلوغ المراد في ذلك بتأييد الله وتوفيقه وعونه، وتماد على سنّتك في النظر في أحوال الثغر المحروس والانتصاب لمصالحه، والتوفّر على منافعه، والاجتهاد في الجهاد بآرائك، والاستمرار في ذلك على سديد أنحائك؛ والله وليّ عونك وإرشادك، والمانّ بتبليغك فيما أنت فيه أقصى مرادك؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.

ومن ذلك نسخة سجل بتدريس، وهي:

أمير المؤمنين لما منحه الله من الخصائص التي جعلته لدينه حافظا، ولمصالح أمور المسلمين ملاحظا، ولما عاد بشمول المنافع لهم مواترا، وبما أحظاهم عنده تبارك وتعالى معينا وعليه مثابرا، لا يزال يوليهم إحسانا وفضلا ومنّا، ويسبغ عليهم إنعاما لم يزل تسم «1» هممهم إلى أن تتمنّى؛ وقد يسّر الله تعالى لخلافته ودولته، ووهب لإمامته ومملكته، من السيد الأجل الأفضل، أكرم وليّ ضاعف تقواه وإيمانه، وأكمل صفيّ وقف اهتمامه واعتزامه على ما يرضيه سبحانه، وأعدل وزير لم يرض في تدبير الكافّة بدون الرتبة العليا، وأفضل ظهير ابتغى فيما أتاه الله الدار الآخرة ولم ينس نصيبه من الدّنيا؛ فهو يظافر أمير المؤمنين

ص: 464

على ما عمّ صلاحه عموم الهواء، ويفاوض حضرته فيما يستخلص الضمائر بما يرفع فيه من صالح الدعاء.

ولمّا انتهى إلى أمير المؤمنين ميزة ثغر الإسكندرية- حماه الله تعالى- على غيره من الثّغور، فإنه خليق بعناية تامة لا تزال تنجد عنده وتغور: لأنه من أوقى الحصون والمعاقل، والحديث عن فضله وخطير محلّه لا تهمة فيه للراوي والناقل، وهو يشتمل على القرّاء والفقهاء، والمرابطين والصّلحاء، وأن طالبي العلم من أهله ومن الواردين إليه، والطارئين عليه، متشتّتو الشّمل، متفرّقو الجمع- أبى أمير المؤمنين أن يكونوا حائرين متلدّدين «1» ، ولم يرض لهم أن يبقوا مذبذبين متبدّدين؛ وخرجت أوامره بإنشاء المدرسة الحافظيّة بهذا الثغر المحروس بشارع المحجّة منّا عليهم وإنعاما، ومستقرّا لهم ومقاما، ومثوى لجميعهم ووطنا، ومحلّا لكافّتهم وسكنا؛ فجدّد السيد الأجل الأفضل أدام الله قدرته الرغبة إلى أمير المؤمنين في أن يكون ما ينصرف إلى مؤونة كل منهم والقيام بأوده، وإعانته على ما هو بسبيله وبصدده: من عين وغلة، مطلقا من ديوانه، واسترفد أمير المؤمنين المثوبة في ذلك فأجابه جريا على عادة إحسانه، واستقرّت التقدمة في هذه المدرسة لك أيها الفقيه الرشيد جمال الفقهاء أبو الطاهر: لنفاذك واطلاعك، وقوّتك في الفقه واستضلاعك، ولأنك الصدر في علوم الشريعة، والحالّ منها في المنزلة الرفيعة، والمشتغل الذي اجتمع له الأصول والفروع، ومن إذا اختلف في المسائل والنوازل كان إليه فيها الرّجوع؛ هذا مع ما أنت عليه من الورع والتّقى، وأنّ مجاريك لا يكون إلا ناكصا على عقبه مخفقا؛ وأمر أمير المؤمنين أن تدرّس علوم الشريعة للراغبين، وتعلّم ما علّمك الله إيّاه لمن يريد ذلك من المؤثرين والطالبين؛ وخرج أمره بكتب هذا المنشور بذلك شدّا لأزرك، وتقوية لأمرك ورفعا لذكرك؛ فأخلص في طاعة الله سرّا وجهرا، فإنه تعالى يقول في كتابه: وَمَنْ يَتَّقِ

ص: 465

اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً

«1» ، واعتمد توزيع المطلق عليهم، وتقسيمه فيهم على حسب ما يؤدّي اجتهادك إليه، ويوقفك نظرك عليه، وقرّب من ارتضيت طريقته، وأبعد من أنكرت قضيّته؛ فقد وكل ذلك إليك، وعدق بك من غير اعتراض فيه عليك؛ فمن قرأه أو قريء عليه من الأمير المظفّر والقاضي المكين- أدام الله تأييدهما- وكافّة الحماة والمتصرفين، والعمّال والمستخدمين، فليعتمد رعاية المدرسة المذكورة ومن احتوت عليه من الطلبة وإعزازهم، والاشتمال عليهم، والاهتمام بمصالحهم، والتوخي على منافعهم، وليتل هذا المنشور على الكافّة بالمسجد الجامع، وليخلّد بهذه المدرسة حجّة بما تضمّنه، إن شاء الله عز وجل.

ومن ذلك سجل بولاية الحسبة من إنشاء القاضي الفاضل، وهي:

من شكرت خلائقه، وتهذّبت طرائقه، وأمنت فيما يتولاه بوائقه، ونيطت بعرى الصواب علائقه، وفرجت بسداده مسالك الإشكال ومضايقه، واستحوى من الأمانة قرينا في التصرّفات يرافقه ولا يفارقه، ونهض إلى الاستحقاق ولم تعقه دونه عوائقه، وأثنى عليه لسان الاختبار وهو صحيح القول صادقه- استوجب أن يخصّ من كل قول بأجمله، وأن يعان على نيل رجائه وبلوغ أمله، وأن يقتدح زند نيّته ليرى نور عمله، وتيسّر إلى النجاح متوعّرات طرقه ومشكلات سبله، وأن يقابل جريانه في الولاية قبله فيظهر عليه أثر الإحسان فيكون الشكر من قبل الإحسان لا من قبله، ويورد من موارد النجح ما يتكفّل له بالريّ من غلله، ويوسم من مياسم الاصطناع ما يكون حلية أوصاله ويشفع سداد خلاله في سدّ خلله.

ولما كنت أيها الشيخ المشتمل على ما تقدّم ذكره، المستكمل من الوصف ما يجب شكره، الآوي إلى حرز من الصيانة حريز، المستغني بغنائه عن

ص: 466

الاستظهار بعزوة «1» العزيز، المستوجب إلى أن يعدّ من أهل التمييز لأنه من أهل التمييز، المستوعب من الخلال الجميلة ما لا يقتضيه القول الوجيز، المخرج من قضايا الدّنايا فما يستبيح محرّمها ولا يستجيز، الممدّح في خدم كلّها أخلصته خلاص الذهب الإبريز، وكانت له مضمارا تشهد له أفعاله [فيها]«2» بالسبق والتبريز، المتوسل بأمانة عزّبها جنابه عن الشّبهة ووجدانها في الناس عزيز- تقدّم فتى مولانا السيد الأجل باستخدامك على الحسبة بمدينة كذا: فباشر أمرها مباشرة من يبذل في التقوى جهدا، فلا يرى غيرها على ظمإوردا، ولا يراه الله حيث نهاه، ولا يأمره أبدا وينهاه إلا نهاه، ولا يرى ما كشفته إلا وهو عالم أنّ الله يراه، وانته فيها إلى ما ينتهي إليه من بذل غاية وسعه، ومن لا يرتدّ عن جرركيه «3» من عموم نفعه، ومن يدلّ بتهذيب طباع الناس على طهارة طبعه، ومن يستجزل حسن صنيع الله لديه بحسن صنعه، ومن يستدعي منه بذل فضله بحظر ما أمر بحظره ومنعه، واسلك فيما تستعمله من أمرها المذهب القصد والمنهج الأقوم، واجتهد فيها اجتهاد معتصم بحبل التقوى المتين وسببها المبرم، وامنع أن يخلو رجل بامرأة ليست بذات محرم، واستوضح أحوال المطاعم والمشارب، وقوّم كلّ من يخرج في شيء منها عن السّنن الواجب، وعيّر المكاييل والموازين فهي آلات معاملات الناس، واجتهد في سلامتك من الآثام بسلامتها من الإلباس والأدناس، وحذّر أن تحمّل دابة ما لا تطيق حمله، وأدّب من يجري إلى ذلك يتوخّى فعله، وأوعز بتنظيف الجوامع والمساجد لتنير بالنّظافة مسالكها، كما تنير بالإضاءة حوالكها؛ ففي ذلك إظهار لبهجتها وجمالها، وإيثار لصيانتها عن إخلاق نضرتها وابتذالها؛ ولا تمكّن أحدا أن يحضرها إلا لصلاة أو ذكر، قاطعا للسان الخصام وموقظا لعين الفكر؛ فأما من يجعلها سوقا للتّجارة، فقد حصل بهذه الجسارة على الخسارة،

ص: 467

فهي ميادين الضّمّر، وموازين الرّجح في الظاهر من أعمالهم والمضمر، وما أحقّ لياليها أن تقوم بها الهجّد «1» لا السّمّر، وهل أذن الله أن ترفع لغير اسمه أو تعمّر؛ واحظر أن يحضر الطّرقات ما يمنع السلوك أو يوعره، وافعل في هذا الأمر ما يردع العابث ويزجره، وخذ النصارى واليهود والمخالفين بلبس الغيار «2» وشدّ الزّنّار، ففي ذلك إظهار لما في الإسلام من العزّة وفي المخالفة من الصّغار، وإبانة بالشدّ للتأهّب للمسير إلى النار، وتفريق بين المؤمنين والكفّار، وأدّب من يكيل مطفّفا، أو يزن متحيّفا، أدبا يكون لمعاملته مزيّفا «3» ، وله من معاودة على فعله زاجرا ومخوّفا؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.

ومن المكتتب عن الوزير لأرباب الوظائف الديوانية سجلّ بمشارفة الجوالي بالصعيد الأدنى والأشمونين «4» ، وهي:

من حسنت آثاره فيما يتولّاه، واستعمل من الاجتهاد ما يدلّ على معرفته بقدر ما تولّاه، كان اعتماده بما يؤكّد سببه وينجح قصده ويبسط يده، ويرهف حدّه فيما يضمن مصالح خدمته، وينظم أمرها في سلك إيثاره وبغيته.

ولما كنت [أيها الأمير]«5» لمّا ندبت إلى مشارفة الجوالي بالصعيد الأدنى والأشمونين قد أبنت عن الخبرة والدّراية، والأمانة والكفاية، والانتصاب

ص: 468

للاستخراج والجباية، والاجتهاد في الوفاء بما كتبت به خطّك، والحرص على ما يجزل نصيبك من جميل الرأي وقسطك- تقدّم فتى مولانا وسيدنا بكتب هذا المنشور مضمّنا شكرك وإحمادك؛ ومودعا ما يبلّغك في الخدمة بغيتك ومرادك، وتجديد نظرك وتقوية يدك، وإعزاز جانبك، وتوخّيك بما يشرح صدرك، ويشدّ أزرك، ويرفع موضعك ويزيح عللك، ويقيم هيبتك ويفسح مجالك، ويبلّغك آمالك؛ فاجر على رسمك في هذه المشارفة واستمرّ على عادة دؤ وبك، واجعل التقرّب بالنصيحة غاية مطلوبك، وواصل الانتصاب لاستخراج مال هذه الجوالي واستنضاضه «1» واستيفائه واستنظافه، وتماد في ذلك على سنّتك الحميدة، وطريقتك السّديدة، وثق بأن ذلك يسفر لك عن بلوغ أراجيك، ويضاعف سهمك من حسن الرأي فيك؛ فليعتمد الأميران معاضدة المذكور ومؤازرته، وإعانته ومظافرته، وإجابة ندائه، وتلبية دعائه، والشدّ منه في استخراج البواقي مع المال الحاضر:

ليجد السبيل إلى الوفاء بما شرطه على نفسه، وكتب خطّه به؛ والمبالغة في ذلك مبالغة يعود نفعها على الديوان، ويشهد لهما ببذل الطاقة والإمكان؛ فليعلم ذلك وليعمل به، إن شاء الله عز وجل.

ومن ذلك سجل باستيفاء الأعمال القبلية، وهو:

من كرم أصله ومحتده، وحسن في الولاء ظاهره ومعتقده، ولقّن المخالصة عن الماضين من أسلافه، ولزم في المناصحة منهجا لم يعدل عنه إلى خلافه، وتنقّل في جلائل الخدم بكثرة الثناء عليه والتعديد لأوصافه، وكان في كلّ ما يباشره على قضية تشهد بفضله، وتدلّ من محاسن الخلال على ما لا يجتمع إلا في مثله؛ على أنه قليل النظراء والأكفاء، كلف بالاقتداء بمكارم الأفعال والاتباع لها والاقتفاء- استوجب أن يرفع مكانه ومحلّه، واستحق أن يحمّل من أعباء المهمّات

ص: 469

ما لا ينهض به [إلا]«1» مثله، وصلح أن يجعل لما يراعي أمره سهما من نظره فيه، وأن يبرز من توليته إيّاه في ملبس جمال يسبغه حسن التدبير عليه ويضفيه.

ولما كنت أيها الشريف، تاج الخلافة، عضد الملك، صنيعة أمير المؤمنين، من جلّة آل أبي طالب، والموفوري الحظّ من المآثر والمناقب، ولك مع نسبك الشريف ميزة بيتك في الدولة العلوية- خلد الله ملكها- وتقدّمه، واستقرارك بنجوة «2» من السناء لا يضايقه أحد من طبقتك فيها ولا يزحمه؛ وقد توليت أمورا جليلة فكنت عليها القويّ الأمين، وأهّلت لمنازل سنيّة فأوضحت لك الأثر الحسن وأظهرت منك الجوهر الثمين؛ ولم تنتقل قطّ من شيء تتولّاه، إلى غيره مما تستحفظه وتستكفاه، إلا كان الأوّل عليك يتلهّف، والثاني إليك يتطلّع ونحوك يتشوّف؛ وما برحت ملتمسا من الرتب الخطيرة مخطوبا: لأن الأسباب التي غدت في غيرك متشتّتة متفرّقة، قد ألفيت عندك مجتمعة متألّفة متّسقة؛ فلك النزاهة السابقة بك كلّ من يجاريك، والوجاهة الرافعة قدرك على من يناويك؛ والأمانة التي يشهد لك بها من لا يحابيك، والديانة التي حزتها عن الشريف عضد الدولة أبيك- تقدّم فتى مولانا وسيدنا بالتعويل عليك في تولّي ديوان الاستيفاء «3» على الأعمال القبلية وما جمع إليه، الذي هو من أجلّ الدّواوين قدرا، وأنبهها ذكرا، وأرفعها شانا، وأشمخها مكانا؛ وخرج أمره بكتب هذا التقليد لك؛ فباشر ذلك متقيا لله تعالى فيه، جاريا على مراقبة عادتك التي تزلف فاعلها وتحظيه؛ فالله تعالى يقول إرشادا لعباده وتفهيما: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً

«4» .

ص: 470

وتبتّل إلى عمارة الأعمال، وتزجية الارتفاع واستخراج الأموال، واعتمد مواصلة الجدّ والتشمير، واعكف على الاجتهاد الذي يشهد لك بقلّة الشبيه وعدم النظير، واستنظف البواقي من كل الجهات والأماكن، وكن على ضبط ما تستخرج وصونه أحفظ له من الخزائن، وانظر في أمر الكتّاب نظر من يكشف عن جميع أسبابهم، ويعلم أنه المخاطب على خطئهم وصوابهم، وخذهم بملازمة الاشغال، والمواظبة على التنفيذ وعلى استيفاء الأعمال، ولا تسوّغ لضامن ولا عامل أن يضجّع «1» في العمارة، ولا أن يماطل بها من ساعة إلى ساعة فإن فائت ذلك لا يلحق، وفارطه لا يدرك؛ وقد أزيحت علّتك ببسط يدك وإنفاذ قولك وإمضاء حكمك؛ فتماد على سنّتك واستمرّ على رسمك، واعلم هذا واعمل به، وطالع بما تحتاج إلى المطالعة بمثله، إن شاء الله تعالى.

سجل بمباشرة الأغنام والمطابخ.

لما كانت الأمانة كافلة بالتنويه لأربابها، والكفاية سافرة في التمييز لمن يتعلق بأسبابها، والخبرة خلّة لا يليق التصرّف ولا يحسن إلا بها؛ وكنت أيها القاضي مشهور النّفاذ والمعرفة، خليقا إذا ذكر المرشّحون للمهمات بأجمل صفة؛ وقد علمت نباهتك، واستقرّت نزاهتك، وحسن فيما تتولاه أثرك، وطاب فيما تباشره خبرك. وحين عدقت بك الخدم فيما يستدعى ويبتاع من الأغنام برسم المطابخ السعيدة وما ينفق ويطلق منها، متصرّفا في ذلك بين يدي المخلص السديد صفيّ الملك مأمون الدولة أبي الحسن: فرج الحافظي أدام الله تأييده، فشكر سعيك، وأحمد قصدك، ورضي اجتهادك، واستوفق اعتمادك- تقدّم فتى مولانا وسيدنا فلان بكتب هذا المنشور لك، مضمّنا ما يقضي بشدّ أزرك، وشرح صدرك، وتقوية منّتك، وإرهاف عزمك في خدمتك، واعتمادك بما يؤدّي إلى

ص: 471

استقامة الأمر فيما عدق بك، ومساعدتك ومعاضدتك ومعونتك في أسبابك، وتبليغك أقصى طلابك؛ والأميران يعتمدان رعايتك، والشدّ منك وإعانتك، والمحافظة على مصالح أمرك والتلبية لدعوتك، وتوفير حظك من الملاحظة لشؤونك. فلتعلم هذا ولتعمل به، إن شاء الله تعالى.

ومن ذلك نسخة منشور بمشارفة المواريث الحشرية «1» ، والفروض الحكمية «2» ، وهي:

منشور تقدّم بكتبه فتى مولانا وسيدنا السيد الأجل الأفضل لك أيها القاضي الرشيد، سديد الدولة، أبو الفتوح محمد بن القاضي السعيد عين الدولة أبي محمد عبد الله بن أبي عقيل- أدام الله عزك- لما اشتهرت كفايتك اشتهار الشمس، وأمنت أمانتك دخول الشبهة واللبس، وسلكت مذهب أسلافك في العفاف والنزاهة وظلف النفس، وظلّت آثارك فيما تتولاه شاهدة بديانتك، وأفعالك فيما تستكفاه معربة عن نباهتك، وسيرتك فيما تتكلّفه منتهية بك إلى أقصى أمد الاحتياط مفضية، وقد أضحى سبيل تقديمك معبّدا مذلّلا، وغدوت لما يناسب كريم بيتك مرشّحا مؤهّلا؛ وإنما إبقاؤك على ما بيدك لتكمّل إصلاحه وتهذيبه، وتتمّم تثقيفه وترتيبه؛ ولذلك كتب هذا المنشور مقصورا على إقرارك على ما أنت متولّيه من الخدمة في مشارفة المواريث الحشرية، وتقرير الفروض الحكمية؛ فاجر على رسمك وعادتك، واستمرّ على منهجك في بذل استطاعتك، والزم

ص: 472

المعهود منك فإنه مغن عن الاستزادة، وتماد على ما أتيت فيه على البغية والإرادة، واكتف بما تضمّنته التذكرة الديوانية المعمولة لهذه الخدمة، وحافظ من الاجتهاد على ما يجدّد لك كلّ وقت ملبس نعمة؛ فاعلم هذا واعمل به، ولينسخ هذا المنشور بحيث ينسخ مثله، إن شاء الله تعالى.

ومن ذلك نسخة منشور بعمالة، وهي:

عند ما وصفت به من اجتهاد ومناصحة، وأمانة ليس فيها مساهلة ولا مسامحة، ومخالصة استمررت فيها القضية المستقيمة الواضحة، وكفاية تمسّكت منها بالسبب الوثيق وحصلت على الصّفقة الرابحة، ومعاملة تحرّيت فيها نهج من حبّب إليه الأعمال الصالحة، وكفاية إذا باشرت الدّهمة الكالحة أبدلتها بالغرّة الواضحة، وسمعة ما برحت الألسن لذخائر ثنائها مبيحة ولسرائر أسبابها بائحة؛ وإنك إذا أهّلت لخدمة جعلتها لشكرك لسانا، ولكتاب كفايتك عنوانا؛ ومن كان بها ملما «1» إذا رأتك دواءه كان مستعارا بك أحيانا؛ فاعتمد في هذه الخدمة ما يحقّق بك ظنّا، ويقيم لك وزنا، ويشدّ بك ركنا، ويضاعف لديك منّا، وينيلك من الإحسان ما تتمنّى، ويسني لك من الزيادة والحسنى، ويتوكّل في اقتضاء الحظّ الجزيل الأسنى، واسترفع (؟) الحسبانات التي ما يلزم رفعها، ويحفظ به شرط الكفاية ووضعها، واكشف ولا تبق ممكنا حتى تكشفه ثم استنطقه، وحاصل به أصله ثم تجمله، وحاقق الجهابذ على ما خرجت به البراآت، ورفعت به الختمات، ولا تخل وصولا، من أن تكون بخطّك موصولا، واستخرج حقوق الديوان على ما مضت به مواضي سننه، وخذ من كل شيء في خدمتك بأحسنه، وأنزل نفسك من شؤون السنة بأمنع ظل وأحصنه، واحمل التّجّار والسّفّار على عوائد العدل وشرائطه، وقضايا الصون وحوائطه، وشواهد الدّيوان وضرائبه، ولا

ص: 473

تتعدّ فيهم مألوف مطالبه، وانظر في الأملاك السلطانية نظرا يصلح معتلّها، ويصحّح مختلّها، ويوفّر أجرها، ويزجي غيرها؛ وكذلك الأحباس والأحكار والمواريث: فحافظ على حفظ استغلالها، وكفّ كفّ من يرى باستباحة أمر الحرمة واستحلالها؛ وقد وردت لك من الديوان تذكرة فاهتد بمنظومها، واقتد بمرسومها؛ ولك من الآراء ما يشحذ عزمك، وينفّذ حكمك، ويسني موردك، ويعلي يدك، ويمثّل الرعاية فيك، ويقيم على أن تكفي الديوان بما يكفيك؛ والسلام.

تم الجزء العاشر. يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي عشر وأوّله الفصل الثالث «1» (من الباب الرابع من المقالة الخامسة) والحمد لله ربّ العالمين. وصلاته على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه والتابعين، وسلامه وحسبنا الله ونعم الوكيل

ص: 474