الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومحيط دوره عشرون شبراً، وكان يدور على حرفه، وكان دورانه قائماً، ومكانه إلى الآن باقٍ؛ ويقال إنما صنعته ماردة لتحاكى به مرآة ذي القرنين التي وضعها في منارة الإسكندرية.
وقال هاشم بن عبد العزيز، وقد تذاكروا شرف ماردة وفضل ما فيها من الرخام؛ قال: كنت كلفاً بالرخام، فلما وليت ماردة تتبعته لأنتقل منه كل ما استحسنته، فبينا أطوف في بعض الأيام بالمدينة إذ نظرت إلى لوح رخامٍ في سورها، شديد الصفاء، كثيراً ما يخيل للناظر أنه الجوهر، فأمرت باقتلاعه، فقلع بعد معاناةٍ، فلما أنزل وجد فيه كتاب أعجمي، فجمعت عليه من كان بماردة من النصارى، فزعموا أنه لا يقدر على ترجمته إلا أعجمي ذكروه يعظمونه، فأنفذت فيه رسولاً، فأتيت بشيخ هرمٍ كبير، فلما وضع اللوح بين يديه أجهش بالبكاء، واستعبر مليا، ثم قال لترجمته: براءة لأهل إيلياء من عمل في سورها خمس عشرة ذراعاً، فقد كان في افتتاح الأندلس وجد في كنائس ماردة ما وقع إليها من ذخائر بيت المقدس عند انتهاب بخت نصر لإيلياء، وكان ممن حضره في جنوده إشبان ملك الأندلس، ووقع ذلك وغيره في سهامه.
وقصر ماردة بناه عبد الملك بن كليب بن ثعلبة، وهو منيع، طول كل شقة من سوره ثلاثمائة ذراع، وعرض البناء اثنا عشر ذراعاً؛ وقنطرة ماردة عجيبة البنيان، طولها ميل بأبدع ما يكون من البنيان. ومن ماردة إلى بطليوس عشرون ميلاً.
مالقة
بالأندلس، مدينة على شاطئ البحر، عليها سور صخرٍ والبحر في قبلتها، وهي
حسنة عامرة آهلة، كثيرة الديار، وفيما استدار بها من جميع جهاتها شجر التين المنسوب إليها، وهي تحمل إلى مصر والشأم والعراق، وربما وصل إلى الهند، وهو من أحسن التين طيباً وعذوبةً، ولها ربضان كبيران، وشرب أهلها من الآبار، ولها وادٍ يجري في زمان الشتاء، وليس بدائم الجرى.
وهي من تأسيس الأول، وأكثر المدينة على جسرٍ من بناء الأول، والجسر داخل في البحيرتين هناك، قد بنى بصخرٍ كأنوف الجبال؛ وقصبتها في شرقي مدينتها، عليها سور صخرٍ، وهي في غاية الحصانة والمنعة. وفي هذه القصبة مسجد بناه الفقيه المحدث معاوية بن صالح الحمصى، وكان ممن حضر وقعة مروان بن محمد ليلة بوصير، فأنجاه الفرار، ولجأ إلى الأندلس فرقاً من المسودة، ومات بها، وله روايات وتقدم في السنة والعلم؛ وجامع مدينة مالقة بالمدينة، وهو خمس بلاطات، ولها خمسة أبواب، بابان منها إلى البحر، وباب شرقي يعرف بباب الوادي، وباب جوفي يعرف بباب الخوخة، وبها مبانٍ فخمة، وحمامات حسنة، وأسواق جامعة كثيرة في الربض والمدينة؛ وذكرها الأول في كتبهم فقالوا: مدينة مالقة لا بأس عليها، ولا فرق، آمنة من جوعٍ وسبيٍ ودمٍ، مكتوب ذلك في العلم الذي يكتب؛ وقد قيل إن هذه الكلمات وجدت في بعض حجارتها نقشاً بالقلم الإغريقي.
قال: وجميع هذه الآثار التي أمنها منها، وبقاؤها عنها، قد لحقت بها، وجمعت لها سنة 459، بمحاصرة عباد بن عباد لها، واستطالة برابر قصبتها على أهلها، فشملهم الضر، وعمهم الفقر؛ ثم استحلت حرماتهم وسفت مهجاتهم؛ فما نجا في البحر إلا