المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الزقاق بحر الزقاق وهو الداخل من البحر المحيط، والذي عليه سبتة، - صفة جزيرة الأندلس

[الحميري، ابن عبد المنعم]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة كتاب الروض المعطار

- ‌حرف الألف

- ‌الأندلس

- ‌أبال

- ‌أبذة

- ‌أبطير

- ‌أربونة

- ‌أرجونة

- ‌أرشذونة

- ‌أرغون

- ‌الأرك

- ‌إستجة

- ‌أركش

- ‌أرنيط

- ‌أشبونة

- ‌إشبيلية

- ‌أشتبين

- ‌أشكوني

- ‌أشونة

- ‌إصطبة

- ‌إغرناطة

- ‌إفراغة

- ‌إفرنجة

- ‌أقش

- ‌أقليش

- ‌أقيانس

- ‌إلبيرة

- ‌ألش

- ‌أندة

- ‌أندارة

- ‌أندرش

- ‌أنيشة أنيجة

- ‌أوريط

- ‌أوريولة

- ‌أولية السهلة

- ‌أونبة

- ‌حرف الباء

- ‌باجة

- ‌ببشتر

- ‌بجانة

- ‌بربشتر

- ‌برذال

- ‌برذيل

- ‌برشانة

- ‌برشلونة

- ‌برغش

- ‌بريانة

- ‌بزليانة

- ‌بسطة

- ‌بطروش

- ‌بطليوس

- ‌بلاطة

- ‌بلطش

- ‌بلنسية

- ‌بنبابش

- ‌بنبلونة

- ‌بنشكلة

- ‌البونت

- ‌بيارة

- ‌بيّاسة

- ‌بيانة

- ‌بيران

- ‌بيغو

- ‌بيونة

- ‌حرف التاء

- ‌تاجه

- ‌تاكرنا

- ‌تدمير

- ‌ترجاله

- ‌تطيلة

- ‌التوبة

- ‌حرف الجيم

- ‌جرف مواز

- ‌جليقية

- ‌جنجالة

- ‌جيان

- ‌حرف الخاء

- ‌الخضراء

- ‌حرف الدال

- ‌دانية

- ‌دروقة

- ‌دلاية

- ‌حرف الراء

- ‌رصافة

- ‌الرقيم

- ‌ركلة

- ‌رندة

- ‌ريةٍ

- ‌ريمية

- ‌حرف الزاي

- ‌الزاهرة

- ‌الزقاق

- ‌الزلاقة

- ‌الزهراء

- ‌حرف السين

- ‌سرقسطة

- ‌سمورة

- ‌حرف الشين

- ‌شجس

- ‌شذونة

- ‌الشرف

- ‌شريش

- ‌شقر

- ‌شقندة

- ‌شقوبية

- ‌شقورة

- ‌شلب

- ‌شلبطرة

- ‌شلطيش

- ‌شلوبينية

- ‌شلير

- ‌شنتجالة

- ‌شنترة

- ‌شنترلانة

- ‌شنترين

- ‌شنتمرية

- ‌شنت ياقوب

- ‌شنفيرة

- ‌شوذر

- ‌حرف الصاد

- ‌الصخور

- ‌صدينة

- ‌حرف الطاء

- ‌طارق

- ‌طالقة

- ‌طبيرة

- ‌طرسونة

- ‌طرطوشة

- ‌طركونة

- ‌طريانة

- ‌طلبيرة

- ‌طليطلة

- ‌طلمنكة

- ‌طلياطة

- ‌طيلاقة

- ‌حرف العين

- ‌عفص

- ‌العقاب

- ‌حرف الغين

- ‌غافق

- ‌حرف الفاء

- ‌فحص البلوط

- ‌الترجمة في حرف الباء

- ‌الترجمة في حرف الفاء

- ‌ فريش

- ‌فرنجولش

- ‌فنيانة

- ‌الفهمين

- ‌حرف القاف

- ‌قادس

- ‌قبتور

- ‌قبرة

- ‌القبطيل

- ‌قرباكة

- ‌قربليان

- ‌قرطاجنة

- ‌قرطاجنة الخلفاء

- ‌قرطبة

- ‌قرمونة

- ‌قرناطة

- ‌قسطلة دراج

- ‌قشتالة

- ‌القصر

- ‌قصر أبي دانس

- ‌قلب

- ‌قلسانة قلشانة

- ‌قلعة أيوب

- ‌قلعة رباح

- ‌قلمرية

- ‌ قورية

- ‌قنطرة السيف

- ‌قيجاطة

- ‌قيشاطة

- ‌حرف الكاف

- ‌حصن الكرس

- ‌حرف اللام

- ‌لاردة

- ‌لبلة

- ‌لكه

- ‌لماية

- ‌لقنت

- ‌لورقة

- ‌لوشة

- ‌ليون

- ‌حرف الميم

- ‌مارتلة

- ‌ماردة

- ‌مالقة

- ‌مدينة المائدة

- ‌مجريط

- ‌مربلة

- ‌مربيطر

- ‌مرج الأمير

- ‌مرسانة

- ‌المرية

- ‌مرسية

- ‌حصن المنار

- ‌مندوجر

- ‌منرقة

- ‌المنكب

- ‌منية نصر

- ‌مورور

- ‌ميورقة

- ‌ميرتلة

- ‌حرف الواو

- ‌وادي آش

- ‌وادي الحجارة

- ‌وادي لكه

- ‌عين والغر

- ‌والمو

- ‌وبذة

- ‌وشقة

- ‌وشكة

- ‌وقش

- ‌وقعة الحمار

- ‌حرف الياء

- ‌يابرة

- ‌يابسة

- ‌يبورة

- ‌ينشتة

- ‌انتهى

الفصل: ‌ ‌الزقاق بحر الزقاق وهو الداخل من البحر المحيط، والذي عليه سبتة،

‌الزقاق

بحر الزقاق وهو الداخل من البحر المحيط، والذي عليه سبتة، والذي يضيق من المشرق إلى المغرب حتى يكون عرضه ثمانية عشر ميلاً، وهو بساحل الأندلس الغربي بمكان يقال له الخضراء، ما بين طنجة من أرض المغرب وبين الأندلس، ثم يتسع الزقاق كلما امتد حتى يصير إلى ما الا ذرع له ولا نهاية، وهو مخرج بحر الروم المتصاعد إلى الشأم، وسنذكر ذلك إن شاء الله عند ذكر سبتة.

وفي بعض الأخبار أنه قبل افتتاح المسلمين البلاد المصرية بمائة سنة، طغى ماء البحر وزاد، فأغرق القنطرة التي كانت بين بلاد الأندلس وبين ساحل طنجة من أرض المغرب، وكانت قنطرة عظيمة لا يعلم لها في المعمور نظير؛ يقال إنها من بناء ذي القرنين مبنية بالحجارة، يمر عليها الإبل والدواب من ساحل المغرب إلى الأندلس، وكان طولها أثنى عشر ميلاً، في عرضٍ واسعٍ وسموٍ كبير؛ وربما بدت هذه القنطرة لأهل المراكب تحت الماء فعرفوها، والناس يقولون: لا بد من ظهورها قبل فناء الدنيا.

‌الزلاقة

بطحاء الزلافة من إقليم بطليوس من غرب الأندلس، فيها كانت الوقيعة الشهيرة للمسلمين على الطاغية عظيم الجلالقة إذ فونش بن فرذلند عهيد المعتمد محمد بن عباد، وكان ذلك في الثاني عشر من رجب سنة 479.

ص: 83

وكان السبب في ذلك فساد الصلح المنقعد بين الطاغية وبين المعتمد؛ فإن المعتمد اشتغل عن أداء الضريبة في الوقت الذي صارت عادته يؤديها فيه، بغزو ابن صمادح صاحب المرية، واستنفاده ما في يديه بسبب ذلك، فتأخر لأجل ذلك أداء الإتاوة عن وقتها، فاستشاط الطاغية غضباً، وتشطط فطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة، وأمعن في التجنى، فسأل في دخول امرأته القمطيجة إلى جامع قرطبة لتلد فيه من حملٍ كان بها، حيث أشار إليه بذلك القسيسون والأساقفة، لمكان كنيسةٍ كانت في الجانب الغربي منه، ومعظمةٍ عندهم، عمل المسلمون عليها الجامع الأعظم؛ وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بمدينة الزهراء غربي مدينة قرطبة، تنزل بها فتختلف منها إلى الجامع المذكور، حتى تكون تلك الولادة بين طيب نسيم الزهراء، وفضيلة ذلك الموضع الموصوف من الجامع، وزعم أن الأطباء، أشاروا عليه بالولادة في الزهراء، كما أشار عليه القسيسون بالجامع، وسفر بذلك بينهما يهودى، وكان وزيراً لابن فرذلند، فتكلم بين يدي المعتمد ببعض ما جاء به من عند صاحبه، فأيأسه ابن عباد من جميع ذلك، فأغلظ له اليهودى في القول، وشافهه بما لم يحتمله، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه، فأنزلها على رأس اليهودى، فألقى دماغه في حلقه، وأمر به فصلب منكوساً بقرطبة.

واستفتى ابن عباد الفقهاء لما سكت عنه الغضب، عن حكم ما فعله باليهودى، فبادره الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك، لتعدى الرسول حدود الرسالة إلى ما يستوجب له القتل، إذ ليس له أن يفعل ما فعل؛ وقال للفقهاء حين خرجوا: إنما بادرت بالفتوى خوفاً أن يكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدو، وعسى الله أن يجعل في عمزيمته للمسلمين فرجاً!

ص: 84

بلغ الفنش ما صنع ابن عباد، فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية، ويحصره في قصره؛ فجرد جيشين جعل على أحدهما كلباً من مساعير كلابه وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس، ويغير على تلك التخوم والجهات، ثم يمر على لبلة إلى إشبيلية، وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع معه؛ ثم زحف ابن فرذلند بنفسه في جيش آخر عرمرم، فسلك طريقاً غير طريق صاحبه، وكلاهما عاث في بلاد المسلمين وخرب ودمر، حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم، قبالة قصر ابن عباد، وفي أيام مقامه هناك كتب إلى ابن عباد زارياً عليه: كثر بطول مقامي في مجلس الذبان، واشتد على الحر، فألقني من قصرك بمروحةٍ أروح بها على نفسى، وأطرد بها الذباب عنى! فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة: قرأت كتابك، وفهمت خيلاءك وإعجابك، وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية، في أيدي الجيوش المرابطية، تروح منك لا تروح عليك، إن شاء الله! فلما ترجم لا بن فرذلند توقيع ابن عباد في الجواب، أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببالٍ.

وفشا في بلاد الأندلس خبر توقيع ابن عباد، وما أظهر من العزيمة على إجازة الصحراويين والاستظهار بهم على ابن فرذلند، فاستبشر الناس، وفتحت لهم أبواب الآمال، وانفرد ابن عباد بتدبير ما عزم عليه من مداخلة يوسف بن تاشفين، ورأت ملوك الطوائف بالأندلس ما عزم عليه من ذلك، فمنهم من كتب إليه، ومنهم من شافهه. كلهم يحذره سوء عاقبة ذلك، وقالوا له: الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمدٍ واحدٍ! فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعى الجمال خير من رعى الخنازير! أي أن كونه مأكولاً لابن تاشفين أسيراً يرعى جماله في الصحراء، خير من كونه ممزقاً لابن فرذلند، أسيراً يرعى خنازيره في قشتالة؛ وكان

ص: 85

مشهوراً برزانة الاعتقاد. وقال لعذاله ولوامه: يا قوم أنا من أمري على حالتين، حالة يقين وحالة شكٍ، ولا بد لي من إحداهما؛ أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى ابن فرذلند ففي الممكن أن يفيالي ويبقيا على، ويمكن ألا يفعلا؛ فهذه حالة الشك. وأما حالة اليقين، فهي أني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى ابن فرذلند أسخطت الله، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضى الله وآتي ما يسخطه! وحينئذ أقصر أصحابه عن لومه.

فلما عزم خاطب جاريه المتوكل عمر بن محمد صاحب بطليوس، وعبد الله بن حبوس ابن ماكسن الصنهاجي صاحب إغرناطة، يأمرهما أن يبعث إليه كل واحدٍ منهما قاضي حضرته، ففعلا؛ ثم استحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد الله بن أدهم، وكان أعقل أهل زمانه؛ فلما اجتمع القضاة عنده بإشبيلية، أضاف إليهم وزيره أبا بكر ابن زيدون، وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين، وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف، وترغيبه في الجهاد؛ وأسند إلى ابن زيدون ما لا بد منه في تلك السفارة، من إبرام العقود السلطانية. وكان يوسف بن تاشفين لا تزال تفد عليه وفود ثغور الأندلس، مستعطفين، مجهشين بالبكاء، ناشدين الله والإسلام، مستنجدين بفقهاء حضرته، ووزراء دولته، فيستمع إليهم، ويصغى لقولهم، وترق نفسه لهم؛ فما عبرت رسل ابن عباد البحر إلا ورسل يوسف بالمرصاد؛ وقد آذن صاحب سبتة بقصده الغزو، وتشوقه إلى نصرة أهل الإسلام بالأندلس، وسأله أن يخلى الجيوش تجوز في المجاز؛ فتعذر عليه، فشكاه يوسف إلى الفقهاء، فأفتوا أجمعين بما لا يسر صاحب سبتة.

ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم، وأكرم مثواهم، وجددوا الفتوى

ص: 86

في حق صاحب سبتة، واتصل ذلك بابن عباد، فوجه من إشبيلية أسطولاً نحو صاحب سبتة، فانتظمت في سلك يوسف، ثم جرت بينه وبين الرسل مراوضات، ثم انصرفت الىمرسلها.

ثم عبر يوسف البحر عبوراً هنيئاً، حتى أتى الجزيرة الخضراء ففتحوا له، وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات، وجعلوا سماطاً أقاموا فيه سوقاً، جلبوا عليه من عندهم من سائر المرافق، وأذنوا للغزاة في دخول البلد، والتصرف فيها، فامتلأت المساجد والرحبات بضعفاء المطوعين وتواصوا بهم خيراً.

فلما عبر يوسف وجميع الجيوش، انزعج إلى إشبيلية على أحسن الهيئات، جيشاً بعد جيش، وأميراً بعد أمير، وقبيلاً بعد قبيل؛ وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف، وأمر عمار البلاد بجلب الأقوات والضيافات، ورأى يوسف من ذلك ما سره ونشطه، وتواردت الجيوش مع أمرائها في إشبيلية، وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من إشبيلية في مائة فارسٍ ووجوه أصحابه، فأتى محلة يوسف فركض نحو القوم وركضوا نحوه، فبرز إليه يوسف وحده، والتقيا منفردين، وتصافحا وتعانقا، وأظهر كل واحدٍ منهما المودة والخلوص، فشكرا نعم الله، وتواصيا بالصبر والرحمة، وبشرا نفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر، وتضرعا إلى الله تعالى في أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه، مقرباً إليه وافترقا؛ فعاد يوسف لمحلته، ورجع ابن عباد إلى جهته، ولحق بابن عباد ما كان أعده من هدايا وتحفٍ وألطافٍ، وأوسع بها محلة ابن تاشفين. وباتوا تلك الليلة. فلما صلوا الصبح ركب الجميع؛ وأشار ابن عباد على يوسف بالتقدم إلى إشبيلية، ففعل، ورأى الناس من عزة سلطانه ما سرهم؛ ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من

ص: 87

بادر وأعان وخرج وأخرج؛ وكذلك فعل الصحراويون مع يوسف بكل صقع من أصقاعه، رابطوا وصابروا.

ولما تحققق ابن فرذلند جواز يوسف، استنفر جميع أهل بلاده وما يليها، وما وراءها، ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم، ونشروا أناجيلهم، فاجتمع له من الجلالقة والإفرنجة وما يليهم مالا يحصى عدده؛ وجعل يصغى على أبناء المسلمين متغيظا على ابن عباد جافياً ذلك عليه، متوعداً له. وجواسيس كل فريقٍ مترددون بين الجميع، وبعث ابن فرذلند إلى ابن عباد: إن صاحبكم يوسف قد تعنى من بلاده، وخاض البحور، وأنا أكفيه العناء فيما بقى، ولا أكلفكم تعباً، أمضى إليكم، وألقاكم في بلادكم، رفقاً بكم، وتوفيراً عليكم. وقال لأهل وده ووزرائه: إني رأيت إن أمكنتهم من الدخول إلى بلادي، فناجزوني بين جدرها، وربما كانت الدائرة على، فيكتسحون البلاد، ويحصدون من فيها في غداةٍ؛ لكن أجعل يومهم معي في حوز بلادهم، فإن كانت على اكتفوا بما نالوه، ولم يجعلوا الدروب وراءهم إلا بعد أهبةٍ أخرى، فيكون في ذلك صون لبلادي، وجبر لمكاسرى! وإن كانت الدائرة عليهم كان مني فيهم وفي بلادهم ما خفت أنا أن يكون منهم في وفي بلادي إذا ناجزوني في وسطها! ثم برز بالمختار من أنجاد جموعه على باب دربه، وترك بقية جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما اختاره من جموعه: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء، فالمقلل يقول: كان هؤلاء المختارون من أجناده أربعين ألف دراع، ولا بد لمن هذه صفته أن يتبعه واحد أو اثنان، وأما النصارى فيتعجبون ممن يزعم ذلك ويقوله. واتفق الكل أن عدة المسلمين كانت أقل من عدة المشركين. ورأى ابن فرذلند في نومه كأنه

ص: 88

راكب على فيلٍ، فضرب نقيرة طبلٍ فهالته روياه، وسأل عنها القسوس والرهبان فلم يجبه أحد! ودس يهودياً إلى من يعلم تأويلها من المسلمين، فدل على عابر فقصها عليه، ونسبها إلى نفسه، فقال له العابر: كذبت! ما هذه الرويا لك، ولا بد أن تخبرني من صاحبها وإلا لم أعبرها لك! فقال له: اكتم، ذلك هو الفنش بن فرذلند! فقال العابر: قد علمت أنها رؤياه ولا ينبغي أن تكون لغيره، وهي تدل على بلاء عظيمٍ، ومصيبةٍ فادحة، تؤذن بصلبه عما قريب، أما الفيل فقد قال الله تعالى: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل السورة، وأما ضرب النقيرة فقد قال الله تعالى: فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذٍ يوم عسير الآية؛ فانصرف اليهودى إلى ابن فرذلند وجمجم له وذكر له ما وافق خاطره ولم يفسرها له.

ثم خرج ابن فرذلند ووفق على الدروب، ومال بجيوشه إلى الجهة الغربية من بلاد الأندلس، فتقدم يوسف فقصده، وتأخر ابن عباد لبعض الأمر، ثم انزعج يقفو إثره بجيش فيه حماة الثغور، ورؤساء الأندلس، وجعل ابنه عبد الله على مقدمته، وسار وهو يتفاءل لنفسه، مكملاً البيت المشهور كامل:

لا بد من فرج قريب

يأتيك بالعجب العجيب

غزو عليك مبارك

سيعود بالفتح القريب

لله سعدك إنه

نكس على دين الصليب

لا بد من يوم يكو

ن أخاً له يوم القليب

ورافت الجيوش كلها بطليوس، فأناموا بظاهرها، وخرج إليهم صاحبها

ص: 89

المتوكل عمر بن محمد فلقيهم بما يجب من الأقوات والضيافات، وبذلك مجهوده، ثم جاءهم الخبر بشخوص ابن فرذلند إليهم، ولما ازدلف بعضهم إلى بعضٍ، أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفاً عليهم من مكايد ابن فرذلند، إذ هم غرباء لا علم لهم بالبلاد، وجعل يتولى ذلك بنفسه حتى قيل إن الرجل من الصحراويين كان يخرج عن طرق محلاتهم لبعض شأنه، أو لقضاء حاجته، فيجد ابن عباد بنفسه مطيفاً بالمحلة بعد ترتيب الكراديس من خيلٍ على أفواه طرق محلاتهم؛ فلا يكاد الخارج منهم من المحلة يخطئ إذ ذاك من لقاء ابن عباد لكثرة تطوافه عليهم.

ثم كتب يوسف إلى ابن فرذلند يدعوه إلى الإسلام أو الجزية أو يأذن بحربه فامتلأ غيظاً وعتا وطغا وراجعه بما يدل على شقائه، وقامت الأساقفة والرهبان فرفعوا صلبهم، ونشروا أناجيلهم، وخرجوا يتبايعون على الموت؛ ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما، وقام الفقهاء والعباد يعظون الناس ويحضونهم على الصبر، ويحذرونهم الفرار؛ وجاءهم الطلائع بخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم، وهو يوم الأربعاء فأصبح المسلمون قد أخذوا مصافهم، فكع ابن فرذلند ورجع إلى إعمال الخديعة، ورجع الناس إلى محلاتهم، وباتوا ليلتهم، ثم أصبح يوم الخميس فأخذ ابن فرذلند في إعمال الحيلة، فبعث لابن عباد يقول: غداً يوم الجمعة وهو عيدكم، وبعده الأحد وهو عيدنا فليكن لقاؤنا بينهما وهو يوم السبت! فعرف المعتمد بذلك يوسف، فقال: نعم! فقال له المعتمد: هذه خديعة من ابن فرذلند! إنما يريد غدر المسلمين! فلا تطمئن إليه، وليكن الناس على استعدادٍ له طول يوم الجمعة كل النهار! وبات الناس ليلتهم على أهبةٍ واحتراسٍ بجميع المحلات، خائفين من كيد العدو، وبعد مضي جزءٍ من الليل انتبه

ص: 90

الفقيه الناسك أبو العباس أحمد بن رميلة القرطبي وكان في محلة ابن عباد فرحاً مسروراً، يقول إنه رأى النبي " صلى الله عليه وسلم " فبشره بالفتح والشهادة له في صبيحة غدٍ وتأهب ودعا ودهن رأسه وتطيب، وانتهى ذلك إلى ابن عباد، فبعث إلى يوسف فخبره بها تحقيقاً لما توقعه من غدر ابن فرذلند، فحذروا أجمعين، ولم ينفع ابن فرذلند ما حاوله من الغدر.

ثم جاء في الليل فارسان من طلائع المعتمد، يخبران أنهما أشرفا على محلة ابن فرذلند وسمعا ضوضاء الجيوش، واضطراب الأسلحة. ثم تلاحق بقية الطلائع محققين بتحرك ابن فرذلند، ثم جاءت الجواسيس من داخل محلة ابن فرذلند يقولون: استرقنا السمع الساعة فسمعنا ابن فرذلند يقول لأصحابه: ابن عباد مسعر هذه الحروب، وهؤلاء الصحراويون، وإن كانوا أهل حفاظٍ وذوي بصائر في الجهاد، فهم غير عارفين بهذه البلاد، وإنما قادهم ابن عباد، فاقصدوه واهجموا عليه، واصبروا، فإن انكشف لكم هان عليكم الصحراويون بعده، ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن صدقتموه الحملة! وعند ذلك بعث ابن عبد كاتبه أبا بكر بن القصيرة إلى يوسف يعرفه بإقبال ابن فرذلند، ويستحث نصرته، فمضى ابن القصيرة يطوي المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين، فعرفه بجلية الأمر، فقال له: قل له إني سأقرب منك إن شاء الله تعالى. وأمر يوسف بعض قواده أن يمضي بكتيبةٍ رسمها له حتى يدخل محلة النصارى فيضرمها ناراً، ما دام ابن فرذلند مشتغلاً مع ابن عباد.

وانصرف ابن القصيرة إلى المعتمد، فلم يصله إلا وقد غشيته جنود ابن فرذلند، فصدمها ابن عباد صدمةً قطعت آماله، ولم ينكشف له، فحميت الحرب بينهما، ومال ابن فرذلند على المعتمد بجموعه، وأحاطوا به من كل جهةٍ فاستحر القتل فيهم،

ص: 91

وصبر ابن عبادٍ صبراً لم يعهد مثله لأحد، واستبطأ يوسف وهو يلاحظ طريقه، وعضته الحرب، واشتد البلاء، وأبطأ عليه الصحراويون، وساءت ظنون أصحابه، وانكشف بعضهم، وفيهم ابنه عبد الله، وأثخن ابن عباد جراحات، وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته، حتى وصلت إلى صدغيه، وجرحت يمنى يديه، وطعن في أحد جانبيه، وعقرت تحته ثلاثة أفراس، كلما هلك واحد قدم له آخر، وهو يقاسي حياض الموت، ويضرب يميناً وشمالاً، وتذكر في تلك الحالة ابناً له صغيراً، كان مغرماً به، تركه بأشبيلية عليلاً، إسمه العلاء، وكنيته أبو هاشم، فقال " متقارب ":

أبا هاشم هشمتني الشفار

ولله صبري لذاك الأوار

ذكرت شخيصك تحت العجاج

فلم يثننى ذكره للفرار

ثم كان أول من وافى ابن عباد، من قواد ابن تاشفين، داود بن عائشة، وكان بطلاً شهماً، فنفس بمجيئه عن ابن عباد؛ ثم أقبل يوسف بعد ذلك، وطبولة تصدع الجو، فلما أبصره ابن فرذلند وجه أشكولته إليه، وقصده بمعظم جنوده، وقد كان عمل حساب ذلك من أول النهار، وأعد له هذه الأشكولة، وهي معظم جنوده، فبادر إليه يوسف وصدمهم بجمعه فردهم إلى مركزهم، وانتظم به شمل ابن عباد، ووجد ريح الظفر، وتباشر بالنصر، ثم صدقوا جميعاً الحملة، فتزلزلت الأرض بحوافر خيلهم، وأظلم النهار بالعجاج والغبار، وخاضت الخيل في الدماء، وصبر الفريقان صبراً عظيماً؛ ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف وحمل معه حملةً نزل معها النصر، وتراجع المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا بالتحام الفئتين، فصدقوا الحملة، فانكشف الطاغية، ومر هارباً منهزماً، وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنةً بقي أثرها بقية عمره، فكان

ص: 92

يخمع منها، فلجأ إلى تلٍ كان يلي محلته في نحو الخمسمائة فارس كلهم مكلوم، وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم، وعمل المسلمون بعد ذلك من رؤوسهم صوامع يؤذنون عليها، وابن فرذلند ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة، فلا يرى إلا نكالاً محيطاً به وبأصحابه.

وأقبل ابن عباد على يوسف فصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه، وشكر يوسف مقامه، وحسن بلائه وجميل صبره، وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه فقال: هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك! ولما أنحاز الطاغية بشرذمته، جعل ابن عبادٍ يحرض على اتباع الطاغية، وقطع دابره، فأتى ابن تاشفين واعتذر بأن قال: لو اتبعناه اليوم لقي في طريقه أصحابنا المنهزمين راجعين إلينا منصرفين، فيهلكهم؛ بل نصبر بقية يومنا حتى يرجع إلينا اصحابنا، ويجتمعوا بنا، ثم نرجع إليه فنحسم داءه.

وابن عباد يرغب في استعجال إهلاكه ويقول: إن فر أمامنا لقيه أصحابنا المنهزمون فلا يعجزون عنه! ويوسف مصر على الامتناع من ذلك. ولما جاء الليل تسلل ابن فرذلند وهو لا يلوى على شيء، وأصحابه يتساقطون في الطريق واحداً بعد واحدٍ من أثر جراحهم، فلم يدخل طليطلة إلا في دون المائة.

وتكلم الناس في اختلاف ابن عباد وابن تاشفين، فقال شيع ابن عباد: لم يخف على يوسف أن ابن عباد أصاب وجه الصواب والرأي في معالجته، لكن خاف أن يهلك العدو الذي من أجله استدعاه فيقع الاستغناء عنه! وقالت شيع يوسف: إنما أراد ابن عباد قطع حبال يوسف من العود إلى جزيرة الأندلس! وقال آخرون: كلا الرجلين أسر حسوا في ارتغاءٍ، وإن كان ابن عباد أحرى بالصواب.

ص: 93

وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية: كتابي هذا من المحلة يوم الجمعة الموفى عشرين من رجب وقد أعز الله الدين، ونصر المسلمي، وفتح لهم الفتح المبين؛ وأذاق المشركين العذاب الأليم، والخطب الجسيم؛ فالحمد لله على ما يسره وسناه من هذه الهزيمة العظيمة، والمسرة الكبيرة، هزيمة إذ فونش أصلاه الله نكال الجحيم، ولا أعدمه الوبال العظيم. بعد إتيان النهب على نحلاته، واستئصال القتل في جميع أبطاله وأجناده، وحماته وقواده. حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها، فالله الحمد على جميل صنعه، ولم يصبني بحمد الله تعالى إلا جراحات يسيرة ألمت، لكنها قرحت بعد ذلك، وغنمت وظفرت.

ولما فرغ يوسف من وقيعة يوم الجمعة، تواردت عليه أبناء من قبل السفن، فلم يجد معها بداً من سرعة الكرة، فانصرف إلى إشبيلية، فأراح بظاهر ثلاثة أيام، ونهض نحو بلاده، ومشرى ابن عباد معه يوماً وليلةً. فعزم عليه يوسف في الرجوع، وكانت جراحاته تثعب وتورم كلم رأسه، فرجع وأمر ابنه بالمسير بين يديه إلى فرضه المجاز حتى يعبر البحر إلى بلده.

ولما دخل ابن عباد إشبيلية جلس للناس وهنى بالفتح، وقرأت القراء، وقامت على رأسه الشعراء فأنشدوه. قال عبد الجليل بن وهبون: حضرت ذلك اليوم، وأعددت قصيدة أنشده إياها، فقرأ القارئ:" إلا تنصروه فقد نصره الله " فقلت: بعداً لي ولشعري! والله ما أبقت لي هذه الآية معنىً أحضره إليه، وأقوم به.

واستشهد في ذلك اليوم جماعة من أعيان الناس، كابن رميلة المتقدم الذكر،

ص: 94