الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزَ
القَسْمُ: بِفَتْحِ الْقَافِ مَصْدَرٌ، وَالنُّشُوزُ: الِارْتِفَاعُ (1).
يَخْتَصُّ الْقَسْم بِزَوْجَاتٍ
، أي فلا قَسْمَ لمستولداتٍ وإماءٍ، بل هو من خصائص النِّكَاح، لقوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (2) أشْعَرَ ذلكَ بأنهُ لا يجبُ العدلُ في مِلْكِ اليمينِ، وَمَنْ بَاتَ عِنْدَ بَعْضِ نِسْوَتِهِ لَزِمَهُ عِندَ مَنْ بَقِيَ، تسويةً بينهُنَّ فلو لم يفعل ذلك عصَى (3)، وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْهُنَّ أَوْ عَنِ
(1) * الْقَسْمُ في اللغة من (قَسَمَهُ) يَقْسِمْهُ؛ وقَسَّمَهُ: أيْ جَزَّأهُ. وَقَاسَمَهُ الشَّيْءَ: أخَذَ كُلٌّ قِسْمَهُ. وَالْقَسْمُ: الْعَطَاءُ؛ وَلَا يُجْمَعُ. وَالرَّأْيُ. والشَّكُّ. وَالْغَيْثُ. وَالْمَاءُ. وَالْقَدَرُ. وَالْخُلُقُ. والمراد بالقسم عند أهل المصطلح: إفْرَازُ النَّصِيْبِ. أيْ إعطاءُ كُلِّ زوجةٍ نصبيَها من الحقِّ الَّذي لها عليهِ.
* النُّشُوزُ من (نَشَزَ)، وَالنِّشْزُ: الْمُرْتفِعُ مِنَ الأَرْضِ. وَنُشُوزُ الْمَرْأَةِ: بُغْضُهَا لِزَوْجِهَا، وَرَفْعُ نَفْسِهَا عَنْ طَاعَتِهِ وَعَيْنِهَا عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ. وبهذا النَّظَرِ؛ قال الشاعرُ:
إِذَا جَلَسَتْ عِنْدَ الإِمَامِ كَأنَّهَا
…
تَرَى رُفْقَةِّ مِنْ سَاعَةٍ تَسْتَحِيْلُهَا
(2)
النساء / 3.
(3)
* لحديث عائشة رضى الله عنها؛ قالت: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَاِئهِ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: [اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فيْمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيْمَا لَا أَمْلِكُ -يعني القلب-].
ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأتَانِ فَمَالَ إِلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ].
* أما حديث عائشة رضى الله عنها، رواه أبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب =
الْوَاحِدَةِ لَمْ يَأْثَمْ، لأنَّ المبيتَ حَقُّهُ فجازَ له تركُهُ، وَيُسْتَحَبُّ أنْ لَا يُعَطِّلَهُنَّ، للإضرار بهِنَّ، وَتَسْتَحِقُّ الْقَسْم مَرِيْضَةٌ وَرَتْقَاءُ وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ، أيْ وكذا مجنونةٌ لا يُخَافُ منها وَمُحْرِمَةٌ والتي آلَى مِنْهَا أو ظَاهَرَ مِنْهَا، قال الغزاليُّ: كُلُّ مَنْ بِهَا عُذْرٌ طَبْعِيٌّ وَشَرْعِيٌّ تَسْتَحِقُّ الْقَسْم لأنَّ المقصودَ الأُنْسُ لا الوَطْءُ، ولهذا لا يجبُ التسويةُ فيهِ، وفي التتمَّة: أنَّ المعتدَّةَ عن وطئٍ بشُبْهَةٍ لا قَسْمَ لها لحرمةِ الخلوةِ بها، وهذا فرعٌ مستثنًى من كلامِ الغزاليِّ، لَا نَاشِزَةٌ، أي فإنها لا تستحقُّ القَسْم كالنفقةِ.
فَرْعٌ: قد سَلَفَ قُبَيْلَ الصَّدَاقِ متَى تستحقُّ الأمَةُ النفقةَ؛ والْقَسْم دائرٌ عليهِ، وسيأتي أيضًا في الباب، ولم يذكُرِ المصنِّفُ من يستحقُّ عليهِ الْقَسْمُ؛ وقد ذكرتُهُ في الشرح فَرَاجِعْهُ مِنْهُ.
فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِمَسْكَنٍ دَارَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ، توفيةً لِحَقِّ الْقَسمِ، وَإنِ انْفَرَدَ؛ فَالأَفْضَلُ الْمُضِيُّ إِلَيهِنَّ، للاتباعِ، وَلَهُ دُعَاؤُهُنَّ، لأنَّ ذلك حقٌّ لهُ ومن امتنعَتْ فهي ناشزةٌ، قال الماورديُّ: اللهم إلَّا إذا كانت المراةُ ذاتُ حِشْمَةٍ وَمَنْصِبٍ، واستغربَهُ الرويانيُّ، وَالأصَحُّ تَحْرِيْمُ ذَهَابِهِ إِلَى بَعْضٍ وَدُعَاءِ بَعْضٍ، لما فيه من الْوَحْشَةِ وَالتَّنْفِيْرِ، والثاني: لا، كما تخصص بالمسافِرةِ، لكن للأَوَّلِ أنْ نقولَ: هذا يقعُ بالقُرْعَةِ فلا تخصيصَ، فإنْ أقرَعَ؟ ! هنا قال الرافعىُّ: وجبَ أن يجوِّزه، إِلَّا لِغَرَضٍ كَقُرْبِ مَسْكَنِ مَنْ مَضَى إِلَيْهَا أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهَا، أي فإنهُ لا يحرُمُ لِتُخَفَّفَ عنهُ مُؤْنَةُ السيرِ، وكذا لو كان تحتَهُ عجوزٌ وشابَّةٌ فحضرَ بيتَ الشابةِ لكراهةِ
= القسم بين النساء: الحديث (2134). والترمذى في الجامع: كتاب النِّكَاح: باب ما جاء في التسوية بين الضرائر: الحديث (1140). والنسائي في السنن الكبرى: كتاب عشرة النساء: باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض: الحديث (8891/ 2). أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه: رواه أبو داود في السنن: الحديث (2133). والترمذى في الجامع: الحديث (1141)، وقال: فيه همام بن يحيى وهو ثقة حافظ. والنسائي في السنن الكبرى: الحديث (8890/ 1). وابن ماجة في السنن: كتاب القسمة بين النساء: الحديث (1969).
خروجِها، ودعَى العجوزَ؛ فإنهُ يلزَمُها الإجابةُ؛ فإن أَبتْ بَطَلَ حقُّهَا.
وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيْمَ بِمَسْكَنِ وَاحِدَةٍ وَيَدْعُوهُنَّ إِلَيْهِ، لأنَّ إتيانَ بيتِ الضُّرَّةِ شاقٌّ عليهِنَّ ولا تجبُ مُسَاكَنَتُهَا، فلو وقعَتِ الإجابةُ فلصاحبَةِ البيتِ الامتناعُ من ذلكَ، وإنْ كانَ مِلْكَ الزوجِ؛ لأنَّ حقَّ السَّكَنِ فيهِ لها قاله ابن داود، وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ضُرَّتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ، أي إنْ لم تنفصِلْ مرافقُهُ؛ لأنهُ يُشَوِّشُ العِشْرَةَ بالمعروفِ، قال الرويانيُّ: والجمعُ بين الْحُرَّةِ وَالسُّرِّيَّةِ في مسكنٍ واحدٍ كالْحُرَّتَيْنِ، واحتَجَّ بقصة مَارِيَّةَ (4) فإنِ انفصلَتِ المرافقُ وَلَاقَ بالحالِ؛ فيجوزُ؛ لأنهُ كَالْمَسْكَنَيْنِ، إِلَاّ بِرِضَاهُمَا، لأنَّ الحقَّ لهما ولا يعدُوهُما، نَعَمْ يكرَهُ أنْ يطأَ إحداهُما بحضرةِ الأُخرى.
فَصْلٌ: وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَ الْقَسْم عَلَى لَيْلَةٍ وَيوْمٍ قَبْلَهَا، أي قبلَ الليلة، أَوْ بَعْدَهَا، والثاني: هو الذى عليه التواريخُ الشرعيةُ فإنَّ أوَّلَ الأشهُرِ اللَّيَالِي، قال الماورديُّ: الأَوْلى الاتفاقُ عليهِ، قال في المطلبِ: لكنَّ الخبرَ يدُلُّ على خلافهِ؛ والعُرْفُ في الْقَسْمِ عليهِ، والظاهرُ أنهُ لا يجبُ الدخولُ عند صاحبَةِ النَّوْبَةِ من الغروبِ والمرجِعُ فيه إلى العُرْفِ الغالِبِ كما نَبَّهَ عليه صاحبُ الْمَطْلَبِ، وَالأَصْلُ اللَّيْلُ، لأنَّ الله جعلَهُ سَكَنًا، كما جعلَ الزوجَ سَكَناً فمعنَى السَّكَنِ يَجْمَعُهُمَا، وَالنَّهَارُ تَبَعٌ، لأنهُ وقتُ التردُّدِ والانتشارِ، فَإِنْ عَمِلَ لَيْلاً وَسَكَنَ نَهَاراً كَحَارِسٍ، أيْ وأَتُونى (5) بتشديد التاء المثناة فوق، قال الجوهري: والعامَّةُ تُخَفِّفُهَا، فَعَكْسُهُ، أي فيكونُ النهارُ في حقِّهِ أصلٌ والليلُ تابِعٌ؛ لأنَّ نهارَهُ كَلَيْلِ غيرهِ.
(4) عن عائشة رضى الله عنها؛ قالت: (مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأةٍ إِلَاّ دُوْنَ مَا غِرْتُ عَلَى مَارِيَّةَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ جَمِيْلَةً مِنَ النِّسَاءِ جَعْدَةً؛ وَأُعْجِبَ بِهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ أَنْزَلَهَا أَوَّلَ مَا قَدِمَ بِهَا فِي بَيْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ؛ فَكَانَتْ جَارَتَنَا، فَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَامَّةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عِنْدَهَا حَتَّى فَرَغْنَا لَهَا، فَجَزِعَتْ؛ فَحَوَّلَهَا إِلَى الْعَالِيَةِ، فَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا هُنَاكَ، فَكَانَ ذَلِكَ أشَدَّ عَليْنَا، ثُمَّ رُزِقَ مِنْهَا الوَلَدَ وَحُرِمْنَا مِنْهُ). ينظر: طبقات ابن سعد: ذكر مارية: ج 8 ص 212.
(5)
وهو الذى يوقد النار في الحمام.
فَرْعٌ: هذا كلُّهُ في الْمُقِيْمِ، أمَّا المسافرُ فعمادُ الْقَسْمِ في حقّهِ وقتُ النزولِ.
فَرْعٌ: لو أراد أنْ يبدِّلَ الأصلَ بالتابِعِ؛ فالأصحُّ في الروضة المنعُ.
وَلَيْسَ لِلأوَّلِ دُخُولٌ فِي نَوْبَةٍ، أي وهو الذى عمادُ الْقَسْم في حقّهِ الليلُ، دخولٌ في نوبةٍ، عَلَى أُخْرَى، أي وإن كان لحاجةٍ كعبادةٍ لما فيه من إبطالِ حقِّ صاحبةِ النَّوْبَةِ، واحترزَ بالأولِ عن الثانى الذي عمادُ الْقَسْم فِى حقِّهِ النهارُ، فإنه يجوزُ له أنْ يدخلَ، لَيْلاً، إلى غيرَ صاحبةِ النوبةِ لوضعِ متاعٍ ونحوِهِ كما يفعلهُ هذا نهاراً كما سيأتي؛ لأنَّ الليلَ في حقِّ الثاني كالنهارِ في حق الأوَّلِ، إِلَاّ لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا الْمُخَوِّفِ، أي ولو ظَنًّا دفعًا للضررِ، قال في الوسيط: والمرضُ الذى يمكن أنْ يكونَ مخوِّفًا يدخلُ لِيَتَبَيَّنَ الحالَ، وَحِيْنَئِذٍ إنْ طَالَ مُكْثُهُ قَضَى، لأنَّ السَّكَنَ يحصلُ بهِ، وَإِلَاّ فَلَا، لانتفائِهِ، وهذا إذا لم يجامع المدخولَ عليها، فإنْ جامَعَها لم يقضهِ على الأصحِّ، وَلَهُ الدُّخُولُ نَهَاراً لِوَضْعِ مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ، أي كتسليمِ نفقةٍ وتفريقٍ وتعرُّف خبرٍ لحديثِ عائشَةَ:[كَانَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيْعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيْسٍ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِى هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيْتُ عِنْدَهَا] رواه أبو داود، وقال الحاكم: صحيحُ الإسنادِ (6)، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَطُولَ مُكْثَهُ، أيْ ولا يعتادَ أيضًا الدخولَ على واحدةٍ في نَوْبَةِ الأُخرياتِ؛ ولا في نوبةِ واحدةٍ الدخولُ على غيرِها، كذا في الرافعيِّ، قال ابن الرفعة: ومقتضاهُ أنه إذا فعلَهُ لا إِثْمَ عليهِ فيهِ ولا قضاءَ، وفي المهذب: أنهُ يجبُ عليه القضاءُ إذا طالَ لأنه يزيلُ الإِيْوَاءَ المقصودَ ونصَّ عليه في الأُمِّ أيضًا، وَالصَّحِيْحُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي إِذَا دَخَلَ لِحَاجَةٍ، لأنهُ لم يُنْقَلْ، والثانى: يقضِي إنْ تعدَّى بالدخولِ، وَأَنَّ لَهُ مَا سِوَى وَطْءٍ مِنَ اسْتِمْتَاعٍ، لحديث
(6) رواه أبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب في القسم بين النساء: الحديث (2135). والحاكم في المستدرك: كتاب النكاح: الحديث (2135). والحاكم في المستدرك: كتاب النكاح: الحديث (2760/ 89)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي بقوله: صحيح.
عائشةَ السالف، والثاني: لا يجوزُ ذلكَ، لأنه مما يحصلُ به السكنُ فأشبهَ الوطءَ، وأمَّا الوطءُ فَيَحْرُمُ وفيهِ وجهٌ شاذٌّ.
فَرْعٌ: هل يَتَّصِفُ الوطءُ بالتحريمِ في غير النوبةِ، ذكَرَ الإمامُ أنَّ اللائِقَ بالتحقيقِ القطعُ بالإباحَةِ وصرفُ التحريمِ إلى إيقاع المعصيةِ لا إلى ما وقعَتِ المعصيةُ به، وملخَّصُ هذا أنَّ تحريمَ الوطءِ ليسَ لعينِهِ بل لأمرٍ خارجٍ، وَأَنَّهُ يَقْضِي إِنْ دَخلَ بِلَا سَبَبٍ، لأنه تركَ الإيواءَ المقصودَ، والثاني: لا قضاءَ؛ لأنَّ النهارَ تابعٌ.
وَلَا تَجِبُ تَسْوِيَةٌ فِي الإِقَامَةِ نَهَارًا، لأنهُ وقتُ الانتشارِ والتردُّدِ قال تعالى:{وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} (7) أيْ وقتًا للمعاشِ.
فَصْلٌ: وَأَقَلُّ نُوَبِ الْقَسْمِ لَيْلَةٌ، أي ولا يجوزُ تبعيضُها لما فيه من تَنْغِيْصِ العيشِ وعُسْرِ الضبطِ، نَعَمْ في الأُمِّ ما يقتضِى جوازَهُ كما نَبَّهَ عليه في المطلبِ، وَهُوَ أَفْضَلُ، للاتباع، وَيَجُوزُ ثَلَاثًا، أي وإنْ لم يَرْضِيْنَ؛ لأنها مُّدَّةٌ قريبةٌ، لَا زِيَادَةً عَلَى الْمَذْهَبِ، لما في ذلك من الإيحاشِ والهجرانِ للباقياتِ، اللَّهُمَّ إلاّ أنْ يَرْضِيْنَ بذلك، والطريقُ الثاني حكايةُ قولين أو وجهينِ وادَّعَى سُليم أنَّ المذهبَ الجوازُ، وقال ابن الرفعةِ: الصحيحُ أنهُ لا يجوزُ، وقيل: يجوزُ إذا رَضِيْنَ، فإنْ جوَّزنا الزيادةَ؛ فوجهانِ؛ أحدُهما: لا تجوزُ الزيادةُ على سبعةٍ، قالهُ صاحبُ التقريبِ؛ لأنَّ هذه المدَّةَ تُستحقُّ في الْقَسْمِ لتحديدِ النكاح، والثانى: يجوزُ ما لم تبلُغْ أربعةَ أشهُرٍ مدَّةُ تَرَبُّصِ الْمُوَلِّي، قالهُ الجوينيُّ وغيرُه، وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ قُرْعَةٍ لِلاِبْتِدَاءِ، تحرُّزًا عن الترجيح فيبدأُ بالقارعةِ فإذا مَضَتْ نوبَتُها أقرعَ بين الباقياتِ ثم بينَ الأُخْرَتَيْنِ فإذا تَمَّتِ النوبةُ راعَى الترتيبَ ولا حاجةَ إلى إعادَةِ القُرعةِ، ولو بدأ بلا قُرْعَةٍ فقد ظَلَمَ، ويقرع بين الثلاثِ فإذا تَمَّتِ النوبةُ أقرعَ للابتداءِ، وَقِيْلَ: يتَخَيَّرُ، لأنَّ لهُ الإعراضُ عَنْهُنَّ، وقال في التتمة: إنهُ مكروهٌ.
وَلَا يُفَضِّلُ فِي قَدْرِ نَوْبَةٍ، لأنَّ الْقَسْمَ مشروعٌ للعدلِ والاجتنابِ عن التفضيلِ
(7) النبأ / 11.
المولِّدِ للوحشَةِ فلا يفضِّلُ امرأةً على امرأةٍ، وإنِ اختصَّتْ بخصالٍ شريفةٍ حتى يسوِّي بين المسلمةٍ والكافرةٍ، لَكِنْ لِحُرَّةٍ مِثْلَا أَمَةٍ، لحديثٍ فيه مرسلٍ يؤكّدُهُ قولُ عليٍّ مثلَهُ (8)، قال الماوردىُّ: ولا يعرفُ له مخالفٌ فكانَ إجماعًا، وخالفَ حقَّ الزَّفَافِ، فإنَّ الغرضَ به زوالُ الْحِشْمَةِ، وهذا إذا استحقَّتِ الأَمَةُ النفقةَ إمَّا بأنْ يسلِّمَها السيِّدُ ليلاً ونهاراً أو ليلاً وقلنا باستحقاقِها، أمَّا إذا قلنا بعدَمِهِ فلا، واجتماعُ الْحُرَّةِ والأَمَةِ في نكاحٍ واحدٍ يتصورُ في العبدِ فإنَّ لهُ أنْ يجمَعَ بينهُما كيفَ شاءَ، وقد يعتقُ وتحتَهُ حُرَّةٌ وأَمَةٌ فينكِحُ عليهِما حُرَّتَيْنِ، ويتصورُ في الْحُرِّ بأنْ ينكِحَ الأمَةَ أوَّلاً لوجودِ شرطِها ثم الْحُرَّةَ بعدَها.
فَرْعٌ: المدبَّرة وأمُّ الولدِ والْمُكَاتَبَةُ ومَنْ بعضُها رقيقٌ وباقيها حُرٌّ كالقِنَّةِ، قاله الماورديُّ.
فَرْعٌ: لو لم تعلَمِ الأَمةُ بالعتقِ حتى مَرَّتْ عليها أدوارٌ وهو يَقْسِمُ عليها قَسْمَ الإماءِ، قال الماورديُّ: تَسْتَقِلُّ بالتسويَةِ من حين العِلْمِ، ولا يقضِي لها ما مَضَى، قال في المطلبِ: والقياسُ أنْ يقضِيَ لها.
وتُخَصُّ، أي وُجُوباً، بِكْرٌ جَدِيْدَةٌ، أيْ ولو أَمَةٌ، عِنْدَ زَفَافٍ بِسَبْعٍ بِلَا قَضَاءٍ، وَثَيِّبٌ، أي بنكاحٍ أو زنًا أو وطئِ شبهةٍ لا بمرضٍ ووثبَةٍ في الأصحِّ، بِثَلَاثِ، أي متواليَةٍ كالسبعةِ لقوله صلى الله عليه وسلم [سَبْعٌ لِلْبِكْرِ وَثَلَاثٌ لِلثَّيِّبِ] رواه ابنُ حبان في صحيحه (9) وهو مؤيّدٌ لرواية الصحيحين ذلك عن أنسٍ من قوله (10)، والمقصودُ منه
(8) عن سليمان بن يَسَارٍ، قال:(مِنَ السُّنَّةِ أَنَّ الْحُرَّةَ إِذَا أقَامَتْ عَلَى ضِرَارٍ، فَلَهَا يَوْمَانِ، وَللأَمَةِ يَوْمٌ). رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب القسم والنشوز: الأثر (15119). عن علي رضي الله عنه؛ قال: (إِذَا نُكِحَتِ الْحُرَّةُ عَلَى أَمَةٍ، فَلِهَذِهِ الثُّلُثَانِ وَلهَذِهِ الثُّلُثُ). رواه البيهقي السنن الكبرى: الأثر (15117).
(9)
رواه ابن حبان في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: باب القسم: الحديث (4195).
(10)
عن أبى قِلَابَةِ عن أنسٍ، قال:(مِنَ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعاً وَقَسَمَ، وَإذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبَكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ). رواه البخاري في =
أنْ تُرْفَعَ الحشمةُ ويحصل الأُنْسُ، وخُصَّتِ البِكرُ بزيادةٍ، لأنَّ حياءَها أكثرُ.
ويُسَنُّ تَخْيِيْرُهَا، أي الثيبِ، بَيْنَ ثَلَاثٍ بِلَا قَضَاءٍ، وَسَبْعٍ بِقَضَاءِ، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهُ فعلَ ذلك بأُمِّ سَلَمَةَ (11)، فإنِ اختارَتِ السَّبْعَ فأجابَها قضَى السبعَ للباقيَاتِ، وإنْ أقامَ بغيرِ اختيارِها لم يقْضِ إلَاّ الأربَعَ الزائدةَ.
فَصْلٌ: ومَنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِغَيرِ إِذْنِهِ فَنَاشِزَةٌ، أي سواءٌ كان في حاجَتِها أو حاجتِهِ فلا قَسْمَ لها كما لا نفقةَ، ويستثنَى من ذلكَ ما إذا كانَتِ الزوجةُ أمَةً فسافرَ بها السَّيِّدُ بعدَ أنْ بَاتَ عندَ الْحُرَّةِ ليلتَينِ؛ فإنهُ لا يسقطُ حقُّ الأمةِ من الْقَسْمِ بل على الزوجِ قضاءُ ما فَاتَ عند التمكينِ؛ لأنَّ الفواتَ حصلَ بغيرِ اختيارِها، كذا حكاهُ في التّتِمَّةِ، وَبِإِذْنِهِ لِغَرَضِهِ، أيْ كما إذا أرسَلَها في شغلهِ، يَقْضِي لَهَا، لوجودِ الإذنِ وغرضِهِ، وَلِغَرَضِهَا، أي كحَجٍّ وعُمْرَةٍ وتجارَةٍ، لَا فِي الْجَدِيْدِ، لأنّ ذلك في مقابلَةِ الاستمتاعِ وقد تعذَّرَ، نَعَمْ؛ لا إثْمَ عليها لوجودِ الإذنِ، والقديمُ: نَعَمْ، لأنها سافرَتْ بإذنِهِ فصارَتْ كما لو سافرَتْ بإذنهِ لحاجتهِ أو معهُ.
فَرْعٌ: حكمُ النفقةِ حكمُ الْقسْمِ كما ذكرَهُ المصنِّفُ في بابهِ.
وَمَنْ سَافَرَ لِنُقْلَةٍ؛ حَرُمَ أَن يَسْتَصْحِبَ بَعْضَهُنَّ، أيْ بِقُرْعَةٍ ودونَها لما فيه من التخصيصِ، ويحرمُ عليه أنْ يخلفهنَّ أيضاً، بل إمَّا أن ينقلهُنَّ بنفسهِ أو بوكيلهِ أو يطلِّقهنَّ لما في تخلفهِنَّ من الإضرارِ؛ قالهُ الغزاليُّ في وسيطِهِ، وصرَّحَ صاحبُ التتمَّةِ
= الصحيح: كتاب النكاح: باب إذا تزوج الثيب على البكر: الحديث (5214). ومسلم في الصحيح: كتاب الرضاع: باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج: الحديث (44/ 1460).
(11)
عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها؛ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ [إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي]. وفي لفظ [إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتٌ عِنْدَكِ وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ثُمَّ دُرْتُ]. رواهما مسلم في الصحيح: كتاب الرضاع: الحديث (41 و 42/ 1460).
بالجوازِ، فلو استصحَبَ بعضهُنَّ قضَى للمتخلفاتِ، وقيل: لا يقضى مدَّةَ السفرِ إنْ أَقْرَعَ.
وَفِي سَائِرِ الأَسْفَارِ الطَّوِيْلَةِ، وَكَذَا الْقَصِيْرَةِ فِي الأَصَحِّ يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ، أمَّا الطويلةُ فللنصِّ (12)، وأمَّا القصيرةُ فبالقياسِ وهو عمومُ وقوعهِ وغلبَةُ الحاجةِ إلى استصحابِ بعضِهِنَّ فيهِ، ووجهُ مقابلهِ: وهو أنه لا يجوزُ أن يستصحِبَ بعضَهُنَّ فيه بقرعةٍ ولو فعل قضَى لأنها في حُكمِ الإقامةِ، وليس للمقيمِ أنْ يخصِّصَ بعضَهُنَّ بالقرعةِ، وَلَا يَقْضِي مُدِّةَ سَفَرِهِ، لأنه لم يُنقل، فَإنْ وَصَلَ الْمَقْصِدَ، أي بكسر الصاد، وَصَارَ مُقِيْماً قَضَى مُدَّةَ الإِقَامَةِ، لَا الرُّجُوعِ فِي الأَصَحِّ، لأنه خرجَ بالقرعةِ فصارَ كمدَّةِ الذهابِ، والثاني: يقضِيها؛ لأنَّ السفرَ قد انقطعَ بالإقامةِ وهذا سفرٌ بغيرِ قرعةٍ.
فَرْعٌ: قال الغزاليُّ: شرطُ عدم القضاءِ أنْ يكونَ السفرُ طويلاً مرخصاً، قال الرافعيُّ: هذا يقتضي وجوبَ القضاءِ في سفرِ المعصيةِ، وفي الماورديِّ: أنهُ لا فرقَ في وجوبِ الإجابةِ على الزوجةِ عند أَمْنِ السفرِ بين أنْ يكونَ سفرُهُ في معصيةٍ أمْ لا! لأن حقَّهُ لا يسقطُ بالسفرِ بالمعصيةِ.
فَرْعٌ: هل يَلْزَمُهُنَّ ركوبُ البحرِ إذا كان الغالبُ فيهِ السلامةُ؟ قال صاحبُ المطلب: لم أرَ فيه نقلاً، ويشبِهُ أن يُخْرَّجَ على الخلافِ في ركوبهِ للحَجِّ إذا تعيَّنَ طريقاً إلَاّ أنْ يقالَ حَقُّ الله مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَاهلَةِ وَحَقُّ الآدَمِيِّ مَبْنيٌّ عَلَى الْمُضَايَقَةِ.
فَصْلٌ: وَمَنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا لَمْ يَلْزَمِ الزَّوْجُ الرِّضَى، لأنها لا تملِكُ إسقاطَ حقِّهِ، فَإنْ رَضِيَ وَوَهَبَتْ لِمُعَيَّنَةٍ بَاتَ عِنْدَهَا لَيلَتَيْهِمَا، وَقِيْلَ: يُوَالِيْهِمَا، أي إذا رَضِي
(12) لحديث عائشة رضي الله عنها؛ قالت: (إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَراً أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ). رواه البخارى في الصحيح: كتاب النكاح: باب القرعة بين النساء إذا أراد سفراً: الحديث (5211). ومسلم في الصحيح: كتاب فضائل الصحابة: باب في فضل عائشة رضي الله عنها: الحديث (188/ 2445).
بالهبةِ وكانت لِمُعَيَّنَةٍ، فإنْ كانت نوبَةُ الواهبةِ تَلِى نوبةَ الموهُوبَةِ باتَ عندَها ليلتينِ متواليتينِ، وإنْ لم تكن تليها فوجهانِ؛ أحدُهما كذلك، ولا يفرِّقُ لأنهُ أسهلُ عليهِ، والمقدارُ لا يختلفُ، وهذا هو الْمُشَارُ إليهِ بقولهِ:(وَقِيْلَ: يُوَالِيْهِمَا)، وأصحُّهما: لا تجوزُ الموالاةُ، بل يبيتُ الليلتينِ المنفصلتينِ كما كان يبيتُ قبلَ الهبةِ، قال في الكفاية: وهذا إنما يَتَّجِهُ إذا كانَت ليلةُ الواهبَةِ متأخِّرةً، أما إذا كانت متقدِّمَةً وأرادَ أنْ يوخّرَها ليجمَعَ بينَ ليلتين فيتجِهُ القطعُ بالجوازِ.
فَرْعٌ: لا يشترط في الهبة رضَى الموهوبةِ على الصحيح بل يكفي رضاهُ.
أَوْ لَهُنَّ سَوَّى، لأنهُ ليسَتْ واحدةً بالتخصيصِ أَوْلى من غيرِها، أَوْ لَهُ فَلَهُ التَّخْصِيْصُ، لأنها جعلَتِ الحقَّ لهُ فيضعهُ حيثُ شاءَ، وَقِيْلَ: يُسَوِّيَ، لإفضاءِ تخصيصهِ الأوَّل إلى الوحشةِ، قال في الشرح الصغير: وهو الأشبهُ.
فَصْلٌ: ظَهَرَتْ أمَارَاتُ نُشُوزِهَا، أي فِعْلاً أو قَوْلاً، وَعَظَهَا بِلَا هَجْرٍ، لقوله تعالى:{وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} (13)، فَإِنْ تُحُقّقَ نُشُوْزٌ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ وَعَظَ وَهَجَرَ فِي الْمَضْجَعِ، أي بفتح الجيم، وَلَا يَضْرِبُ فِي الأَظْهَرِ، لأنَّ الجنايةَ لم تتأكَّدْ وقد يكون ما اتَّفَقَ لها لعارضٍ قريبِ الزوالِ لا يحتاجُ إلى التأديبِ بالإيلامِ. قُلْتُ: الأظهَرُ يَضْرِبُ، وَالله أَعْلَمُ، كما لو أصرَّتْ عليه وهو الموافقُ لظاهر الآيةِ السالفةِ، والخوفُ في الآية بمعنَى العِلْمِ لقوله تعالى:{فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} (14) ولا حاجةَ إلى الإضمارِ، ومن قال بالأوَّلِ جعلَ في الآيةِ احتمالَيْنِ، وقالَ: المعنَىْ واللَاّتِي تخافونَ نشُوزهنَّ فعظوهُنَّ فإنْ نشزْنَ فاهجروهُن فإنْ أصرَرْنَ فاضربوهُنَّ كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ. . .} الآية (15)، فَإِنْ
(13) النساء / 34.
(14)
البقرة / 182: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
(15)
المائدة / 33: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ =
تَكَرَّرَ ضَرَبَ، أي ضَرْباً غيرَ مُبَرِّحٍ أي غيرُ شَاقٍّ وشديدِ الألَمِ إنْ كانَ يحصلُ به الإقلاعُ مع الوعْظِ والهجرانِ في الفراشِ دونَ الكلامِ بلا خلافٍ للآيةِ السالفةِ، في عددِ الضربِ وجهانِ، أحدُهما: دون الأربعين، والثاني: دون العشرين.
فَرْعٌ: هِجْرَانُهَا في الكلامِ فوقَ الثلاثِ مُحَرَّمٌ على الأصحِّ، وهو يخرجُ بقولهِ قبله فيما مضى:(وَهَجَرَ فِى الْمَضْجَع)، ويستثنَى من تحريمِ الهجرِ ما إذا رأَى فيهِ إصلاحاً للمهجورِ وما إذا رأى لنفسِهِ سلامةً فيه، ذكرهُما الغزاليُّ.
فَلَوْ مَنَعَهَا حَقًّا كَقَسْمٍ وَنَفَقَةٍ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي تَوْفِيَتَهُ، لأنهُ الأعدلُ (•)، فَاِنْ أَسَاءَ خُلُقَهُ وَآذَاهَا بِلَا سَبَبٍ نَهَاهُ، فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ، لتعدِّيْهِ علَيْهَا ولم يتعرَّضْ أكثرُهم للحيلولَةِ، بل صرَّحَ الرويانىُّ بالمنعِ منها واعتبرَها الغزاليُّ، قُلْتُ: وَشَيْخُهُ وتبعَهُ الحاوِى الصغير، وَإِنْ قَالَ كُلٌّ: إِنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَدٍّ، تَعَرَّفَ الْقَاضِي الْحَالَ بِثِقَةٍ يَخْبُرُهُمَا وَمَنَعَ الظَّالِمَ، أي من الظلمِ، قال الرافعيُّ: كذا أطلقوهُ وظاهرهُ الاكفتاءُ بقولِ عدلٍ ولا يخلو عن احتمالٍ، فَإِنِ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ، أيِ الخلافُ والعداوَةُ، بَعَثَ حَكَماً مِنْ أهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا، أي وُجُوباً لقوله تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} . . . الآية (16)، وَهُمَا وَكِيْلَانِ لَهُمَا، لأنَّ البُضْعَ حقُّ الزوجةِ والمالَ حقُّ الزوجِ وهما رشيدانِ فلا يُوَلَّى عليهِما، وَفِي قَوْلٍ: مُوَلَّيَانِ مِنَ الْحَاكِمِ، لأنَّ اللَه تعالى سمَّاهُما حَكَمَيْنِ، وَالْحَكَمُ مَنْ يَتَحَكَّمُ ولا امتناعَ أنْ يثبتَ على الرشيدِ الولايةُ عند الامتناعِ من أداءِ الحقوقِ كَالْمُفْلِسِ والمُولَّى عليهِ، فَعَلَى الأَوَّلِ يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا، فَيُوَكِّلُ حَكَمَهُ بِطَلَاقٍ وَقَبُولِ عِوَضِ خُلْعٍ، وَتُوَكِّلُ حَكَمَهَا بِبَذْلِ عِوَضٍ وَقَبُولِ طَلَاقٍ بِهِ، أيْ وعلى الثانى: لا يشترطُ رضاهُما في بعثهِ (17).
= خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
(•) في النسخة (1): العدلُ.
(16)
(17)
عن محمد بن سيرين عن عبيدة أَنَّهُ قَالَ فِى هَذِهِ الآيةِ {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا. . .} =
تَنْبِيْهٌ: يشترطُ في المبعوثَيْنِ البلوغُ والعقلُ وكذا العدالَةُ والحريَّةُ والإسلامُ والاهتداءُ إلى التصرُّفِ لا كونَهُما من أهلِهِما على الأصحِّ في الكُلِّ، ويشترطُ الفقهُ لا تعدُّدهما على الأصحِّ فيهِما.
= قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إِلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه؛ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَأمَرَهُمْ عَلِيٌّ رضي الله عنه فَبَعَثُواْ حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ:(تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا، عَلَيْكُمَا إِنْ رَأيْتُمَا أنْ تجْمَعَا أَنْ تَجْمَعَا؛ وَإِنْ رَأَيْتُمَا أنْ تُفَرِّقَا أَنْ تُفَرِّقَا)؛ قَالَتَ الْمَرْأَةُ: رَضِيْتُ بِكِتَابِ الله بِمَا عَلَيَّ فِيْهِ وَلِي. وقَالَ الرَّجُلُ: أمَّا الْفِرْقَةُ فَلَا! فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: (كَذَبْتَ والله حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْلِ مَا أقَرَّتْ بِهِ). رواه الدارقطني في السنن: كتاب النكاح: باب المهر: الأثر (188): ج 3 ص 295. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب القسم والنشوز: باب الحكمين في الشقاق: الأثر (115149).