المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الكفارة الكَفارَةُ: وَهِيَ مَأخُوْذَة مِنَ الكُفْرِ وَهُوَ الستْرُ، فَهيَ تَسْتُرُ - عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج - جـ ٣

[ابن الملقن]

الفصل: ‌ ‌كتاب الكفارة الكَفارَةُ: وَهِيَ مَأخُوْذَة مِنَ الكُفْرِ وَهُوَ الستْرُ، فَهيَ تَسْتُرُ

‌كتاب الكفارة

الكَفارَةُ: وَهِيَ مَأخُوْذَة مِنَ الكُفْرِ وَهُوَ الستْرُ، فَهيَ تَسْتُرُ الذنوْبَ وَتُغطيها؛ وَافتتحَهُ المُحَرر بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (68)، وبقوله:{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} (69).

يُشْتَرَطُ نِيتُها، لأنها عمل (70)، لَا تعيِيْنها، كما لا يجب تعيين المال المزكى عنه، فإن عين وأخطا أعاد، ولا يحتاج إلى نية الوجوب، ويشترط أن ينوي الكافر بالإعتاق والإطعام نية التمييز دون نية التقرب، جزم به في الروضة وذكره الرافعي بحثًا.

وَخِصَالُ كَفارَةِ الظهارِ: عِتْقُ رَقبة، للآية السالفة، مُؤْمِنة، حملًا للمطلق هنا على المقيد في آية كفارة القتل كحمل المطلق في قوله تعالى:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ} (71) على المقيد فِى قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (72)، بِلَا عَيْبِ يُخِل بِالعَمَلِ وَالكَسْبِ، لأن المقصود تكميل حاله ليتفرغ للعبادة وَوَظَائف الأحرار، وإنما يحصل ذلك إذا استقل وقام بكفايته، وإلا فيصير كَلا على نفسه وغيره، ويخالف عيوب البيع فإنه يعتبر فيها ما ينقص المالية، لأن القصد من الاعيان ثم المالية، فَيُجْزِئُ: صغِيْر، أي محكوم بإسلامه (73)، وَأَقْرَعُ أَعرَجُ يُمكِنُهُ اتبَاعُ مُشْي؛ وَأَعوَرُ،

(68) المجادلة / 3.

(69)

المائدة / 89.

(70)

لحديث: [إِنمَا الأعمَالُ بِالنيات]. تقدم في الجزء الأول: الرقم (125).

(71)

البقرة / 282.

(72)

الطلاق / 2.

(73)

عن الشريد بنِ سُوَيْدِ الثقَفي؛ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ الله! إِن أمي أوْصت إلي أن أعتِق عَنْها =

ص: 1412

أي إذا كان عوره لا يضعف العين الأخرى، وقوله (أَعْرَجُ) كذا رأيته بخط المصنف بلا (واو)، وَأصم؛ وَأَخْرَسُ؛ وَأَخشَمُ؛ وَفاقِدُ أنفِهِ؛ وَأُذُنَيْهِ وَأصَابِع رِجلَيهِ، لأن ذهاب هذه الأشياء لا يضر بالعمل إضرارًا بينا، لَا زَمِنٌ؛ وَفَاقِدُ رجلٍ، لأنه يضر بالعمل إضرارًا بينًا، أَوْ خِنْصَرٍ؛ أَوْ بِنْصَرٍ مِنْ يَدٍ، لأنه يذهب منفعة نصف الكف؛ وهو ضرر بين، فإن قطع إحداهما إجزاء لأنه لا يخل إخلالًا بيّنًا، وكذا لو قطعا من يدين، ولا يجزي مقطوعُ واحدة من الإبهام والسبابة والوسطى، أوْ أنمُلَتَينِ مِن غَيْرِهِمَا، لأن عدمهما مضر، قُلْتُ: أوْ أُنمُلَةِ إبهامٍ، وَالله أعلَمُ، لتعطيل منفعتها إذا؛ بخلاف الأنملة من سائر الأصابع، وَلا هرِم عَاجِز، أي عن العمل؛ لأنه يخل بالمقصود، وَمَنْ أَكْثَرُ وَقْتِهِ مَجْنُون، لعدم حصول المقصود منه، فإن كان أقل أجزأ؛ وكذا لو تساويا في الأصح. قال الماوردي: ولو كان زمن جنونه أقل لكنه لا يقدر على العمل إلا بعد حين، لم يجز، قال في الروضة: وهو حسن.

فَرْعٌ: يجزي المغمى عليه، لأن زواله مرجو، قاله الماوردي.

وَمَرِيضٌ لَا يُرجَى، أي كمن به السلُّ لأنه يخل بالمقصود، فَإن بَرَأَ بَان الإِجْزَاءُ فِي الأصَح، لأن المنع بناءً على ظن؛ وقد بان خلافه، والثاني: لا، لأنه لم ينوِ كفارة صحيحة، وإنما هو كالمتلاعب، وَلَا يُجزِئ شِرَاءُ قَرِيب بِنِيةِ كَفارة، لاستحقاق عتقه عن جهة أخرى، وقبول إتهابِهِ ووصيته إذا اشترطنا القبول فيهما، وأرثُهُ ملحق بالشراء، وَلَا أم وَلَدٍ، لاستحقاقها العتق بالإيلاد، وَذِي كِتَابَةٍ صَحيحةٍ، لاستحقاقه العتق بالكتابة، واحترز بالصحيحة عن الفاسدة، فإنه يجزي على الأصح لكمال الرق.

ويجْزِئ مُدبر؛ وَمُعَلْق بِصِفة، لأن ملكه عليهما تَام بدليل نفوذ جميع تصرفاته،

= رقَبَة؛ وَإن عِنْدِي جَارِيَةَ سوداءَ نُوبيةً؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [ادعُ بها] فَقالَ: [مَن ربك؟ ] قَالَت: الله. قالَ: [فَمَنْ أنا؟ ] قالَت: رَسُولُ اللهِ. قالَ: [أعتِقها فَإنها مُؤْمِنَة]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الظهار: باب وصف الإسلام: الحديث (15669).

ص: 1413

وهذا إذا نجزه عن الكفارة أو علقه بما يوجد قبل الصفة الأولى، فإن علقه بالصفة الأولى، لم يَجْزِهِ وهذا معنى قوله، فإن أَرَادَ جَعلَ العِتقِ المُعلقِ كَفارَة لَم يَجُزْ، مثاله: قال: إن دخلتَ الدار فَأَنْتَ حُر، ثم قال: إن دخلتها فأنت حُر عن كَفارَتي، فإنه يعتق بالدخول ولا يجزيه عن الكفارة لأنه مستحق بالتعليق الأول. وَلَهُ تعلِيقُ عِتْقِ الكَفْارَةِ بِصِفةٍ، أي بأن يقول: إن دخلت الدار فأنت حر عن كفارتي كغيره، وَإعتَاقُ عَبْدَيْهِ عَن كفارَتَيْهِ عَن كُل نصفُ ذَا وَنصفُ ذَا، لتخليص الرقبتين عن الرق، وَلَوْ أعتَقَ معسر نصفَيْنِ عَن كَفارَةٍ فالأصَح الإِجزَاءُ إِن كَان بَاقِيهِمَا حُرا، لحصول المقصود وهو إفادة الاستقلال، والثاني: المنع مطلقا، كما لا يجزي شقصان في الأضحية، والثالث: مطلقًا تنزيلًا للاشقاص منزلة الأشخاص، ونقله في الشامل عن الأكثرين، وَلَوْ أعتَقَ بِعِوَضٍ لَم يُجْزِ عَنْ كَفْارَة (74)، لعدم تجرده لها.

فَصْلٌ: وَهُوَ دَخِيْلٌ في الباب كما قال في المُحرَرِ، وَالإِعتَاقُ بِمَال كَطَلَاقٍ بِهِ، أي فيكون من جانب المالك معاوضة فيها شائبة التعليق ومن جهة المستدعي معاوضة نازعة إلى الجعالة كما علم في الخلع، فَلو قَالَ: أَعتِق أمَّ وَلَدِكَ عَلَى ألف فَأعتَقَ، أي متصلًا، نَفَذَ وَلَزِمَهُ العِوَضُ، أي وكان ذلك افتداء من المستدعي نازلا منزلة اختلاع الأجنبي، وَكذا لَوْ قَالَ: أَعتِقْ عَبدَكَ عَلَى كَذَا فَأعتَقَ فِي الأصَح، كما لو قال أعتق مستولدتك على كذا، والثاني: لا يستحق، والفرق أن ذلك جوز افتداء ضرورة، لأنه لا يمكن انتقال الملك فيها وهنا يمكن، وَإِن قَالَ: أَعتِقهُ عَني عَلَى كَذَا فَفَعَلَ عَتَقَ عَنِ الطْالِبِ وَعَلَيهِ العِوَضُ، عملًا بالتزامه، وَالأصح أنهُ يَملِكُهُ عَقِبَ لَفْظِ الإعتَاقِ ثُمَّ يعتَقُ عَلَيْهِ، أي بعده بلحظة لطيفة، والثاني: يملكه بالاستدعاء ويعتق بالإعتاق.

فَصْلٌ: وَمَن مَلَكَ عَبدًا أَوْ ثَمَنَهُ فَاضِلًا عَنْ كفَايَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ نَفَقَةً وَكِسوَةً

(74) تقدير العبارة: وَلَو أعتَقَ (عبدهُ) بِعِوَضٍ (يَأخُذُهُ) لَم يُجْزِ (ذَلِكَ الإعتَاقُ) عَنْ كَفارةٍ (لِعَدَمِ تَجَرُّدها لَهُ).

ص: 1414

وَسُكنَى وَأثَاثًا لَابُدَّ مِنْهُ لَزِمَهُ العِتْقُ، لقوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا. . . فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ} الآية (75)، قال في الروضة: والصواب تقدر النفقة والكسوة بِسَنةٍ لا بكفاية العمر، وَلَا يَجِبُ بَيْعُ ضَيْعَةٍ وَرأسِ مَالٍ لَا يَفضلُ دَخْلُهُمَا عَنْ كِفَايَتهِ، لأن المصير إلى حالة المسكنة شديد، وَلَا مَسكَنٍ وَعَبدٍ نَفِيسَينِ ألِفَهما في الأصَح، لعسر مفارقة المألوف، والثاني: يلزمه البيع والإعتاق كما لو كان له ثوب نفيس يجد بثمنه ثوبًا يليق به وعبدًا يعتقه، وبه قطع العراقيون أو جمهورهم في العبد النفيس كما نقله عنهم في الروضة، ونقله صاحب الشامل عن الأصحاب، وصححه المتولي، أما إذا لم يكونا مألوفين فيلزمه البيع والإعتاق، وَلَا شِرَاءَ بِغَبْنٍ، كالماء في التيمم، وَأَظهرُ الأقْوَالِ اعتِبَارُ وَقْتِ اليَسَارِ بِوَقتِ الأدَاءِ، أي حتى لو كان معسرًا عند الوجوب، وموسرًا عند الأداء، يلزمه الإعتاق، لأنها عبادة لها بدل من غير جنسها فأشبهت الوضوء والتيمم والقيام والقعود في الصلاة، والثاني: الاعتبار بوقت الوجوب؛ لأن الكفارة طهرة كالحد، والثالث: وهو مخرج أنه يعتبر أغلظ الحالين، لأنه حق يجب في الذمة بوجود المال، فأشبه الحج فإنه يجب متى ما تحقق اليسار.

فَصل: فَإن عَجَزَ عَن عِتقٍ صَامَ شهرَينِ متتابِعَيْنِ، للآية السالفة، بِالهلَالِ، لأنه الأشهرُ شرعًا، بِنِيَّةِ كَفْارة، كما تقدم، وتجب ليلًا كل ليلة. وَلَا يشتَرَطُ نيةُ تتَابُع فِي الأصَح، اكتفاء بالتتابع فعلًا، والثاني: نعم للتمييز، فَإِن بَدَأَ فِي أثْنَاءِ شهرٍ حُسِبَ الشهرُ بَعدَهُ بالهِلَالِ وَأَتَم الأولَ مِنَ الثْالِثِ ثَلاثِينَ، لتعذر الرجوع فيه إلى الهلال، وَيَزُولُ التتَابُعُ بِفَوَاتِ يَوْمِ بِلَا عذرٍ، أي كما إذا أفسد صومه أو نسي

ص: 1415

النية في بعض الليالي، وَكَذَا بِمَرض، أي يسوغ الفطر، فِي الجَدِيدِ، لأن المرض لا ينافي الصوم وقد أفطر باختياره فأشبه ما لو أجهده الصوم فأفطر، والقديم لا ينقطع به، لأن التتابع لا يزيد على أصل وجوب رمضان؛ وهو يسقط بالمرض، لَا بِحَيْض، لأن ذوات الإقراء لا تخلو عن الحيض في الشهر غالبًا، والتأخير إلى سن اليأس خطر.

فَرعٌ: الأصح أن النفاس كالحيض، وَكَذَا جُنُون عَلَى المذهبِ، لعدم الاختيار، والطريق الثاني: طرد القولين في المرض.

فَرع: الأشبه أن الإغماء كالجنون.

فَصل: فإن عَجَزَ عَن صَوْم بِهرَمٍ أؤ مَرَض، قَالَ الأكثَرُون: لَا يُرجى زَوَالُهُ أَوْ لَحِقَهُ بِالصومِ مَشَقةٌ شَدِيدَة أَوْ خَافَ زِيَادَةَ مَرَض كَفرَ بإِطعَامِ ستينَ مسكينًا، للآية (76)، وصحح في الروضة في المرض اعتبار دوامه شهرين في غالب الظن؛ المستفادُ من الأطباء أو من العرف.

فَرع: العجز عن التتابع كالعجز عن أصل الصوم قاله الماوردي، أَوْ فَقِيرًا، لأنه أشد حالًا من المسكين، لَا كَافِرًا، كالزكاة بجامع التطهير، وَلَا هاشميًا وَمُطلِبِيًا، لاستغنائهما بخمس الخمس.

تَنْبِيه: لا يجوز صرفها إلى من تلزمه نففته كزوجة وقريبٍ، ولا إلى عبد ومكاتب، سِتِّيْنَ مُدًّا، للاتباع كما رواه البيهقي (77)، وما خالفه يحمل على الجواز

(76) المجادلة / 4: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

(77)

رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الظهار: باب لا يجزي أن يطعم أقل من ستين مسكينًا كل مسكين مدًا من طعام بلده: الحديث (15679) وفيه: قال: [إِذهبْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيق فَلْيَدفَع إِلَيكَ وِسقَا مِنْ تَمرِ، فَأطعم سِتيْنَ مسكينًا وَكُل بَقِيتَهُ أنتَ وَأهلُكَ].

ص: 1416

جمعًا بينهما، ولو فاوت بينهم فملك واحدًا مُدين وآخر نصف مُد، فإنه لا يجزئ وإن كانت عبارة المصنف تشمله، مِما يَكُون فِطرَةَ، أي جنس الطعام المخرج هنا؛ جنس المخرج في الفطرة، فلا يجزي الدقيق والسويق والخبز، ولا التغذية والتعشية.

ص: 1417