المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كِتَابُ الْنِّكَاحِ النِّكَاحُ: لهُ عدَّةُ أسماءٍ جمعَها أبو القاسم عليٌّ بن - عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج - جـ ٣

[ابن الملقن]

الفصل: ‌ ‌كِتَابُ الْنِّكَاحِ النِّكَاحُ: لهُ عدَّةُ أسماءٍ جمعَها أبو القاسم عليٌّ بن

‌كِتَابُ الْنِّكَاحِ

النِّكَاحُ: لهُ عدَّةُ أسماءٍ جمعَها أبو القاسم عليٌّ بن جعفرٍ اللُّغويُّ فبلغَتْ ألفَ اسمٍ وأربعينَ اسْمًا، وَأصْلُهُ في كَلَامِ الْعَرَبِ الْوَطْءُ، وسُمِّيَ بِهِ الْعَقْدُ؛ لأَنَّهُ سَبَبُهُ. والأصحُّ أنَّه حقيقةٌ في العقدِ مجازٌ في الوطءِ. والأصلُ فيه من الكتاب قوله تعالى:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (336) وقوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} (337) وغيرهما؛ والسُّنَّةُ الشهيرةُ والإجماعُ. وقيل: إن الآية الثَّانية ناسخةٌ لقوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً

} الآية (338). وهل النكاح عقدُ تمليكٍ أو عقدُ حلٍّ، فيه خلافُ حكاهُ المتولي وبنى عليه ما لو حلفَ أنَّه لا مِلْكَ لهُ وَلَهُ زوجةٌ.

هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهِ يَجِدُ أُهْبَتَهُ، تحصينًا للدِّيْنِ، ويستحبُّ أن ينوي به المقاصدَ الشرعيَّةَ كإقامةِ السُّنةِ وصيانَةِ دِيْنِهِ وغيرهما، وقال صاحبُ الخصال: لو كان له صبرٌ على النكاح ولو كان له لم يعجزْ عنهُ، فيستحبُّ له أن يتفرَّغ للعبادة،

ص: 1161

والمرادُ بالمحتاج التَّائِقُ. والأُهْبَةُ بضمِّ الهمزة المرادُ بها هنا مُؤَنُ النِّكَاحِ؛ وأُهْبَةُ كلِّ شيءٍ ما يُعْتَدُّ بِهِ لَهُ، وحكمُ المرأةِ كالرجُل، لكنها لا تحتاجُ أُهْبَةً. وقيَّد صاحبُ التنبيه الاستحبابَ في حقِّهما لمن هو جائزُ التصرف تبعًا للشافعيِّ رحمه الله في الأُمِّ ولم يقيدْهُ بذلك في المختصر وعليه جرى الجمهورُ.

فَإِنْ فَقَدَهَا اسْتُحِبَّ تَرْكُهُ، أي الأولى تركُهُ لفقدِ أُهْبَتِهِ، ولما في النكاح من التزام ما لا يقدُر عليه، وَيكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ، للأمر به في الصحيحين (339)؛ وهذا أمرُ إرشادٍ ولا يكسرها بالكافُورِ ونحوه، فَإِنْ لَم يَحْتَجْ كُرِهَ إِن فَقَدَ الأُهْبَةَ، لما فيه من التزام ما لا يقدُر على القيام بمقتضاهُ من غير حاجةٍ قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا

} الآية (340)، وعدمُ الحاجة، إما لانتفاءِ التَّوَقَانِ، وإما العجزُ كمرضٍ ونحوه كما سيأتي، وعبارةُ الشَّافِعِيِّ: الأَحَبُّ تركُهُ ولا يلزمُ منها الكَرَاهَةُ، وَإلَّا فَلَا، أي وإنْ وجدَ الأُهْبَةَ فلا يُكره له، لَكِنِ الْعِبَادَةُ أَفْضَلُ، أيِ التَّخَلِّي لها اهتمامًا بها وعدم حاجته إليه، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ؛ فَالنّكَاحُ أَفْضَلُ، فِي الأصَحِّ، لِئلَّا تفضى به البطالة والفراغُ إلما الفواحش، والثاني: تركُهُ أفضلُ لما فيه من الخطر بالقيام بواجبه وفي الصحيحين: [اتَّقُواْ الله وَاتَّقُواْ النّسَاءَ، فَإِن أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيْلَ كَانَتْ في النّسَاءِ](341).

(339) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: كنا مَعَ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: [مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ؛ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ. وَمَنْ لَم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنْهُ لَهُ وِجَاءٌ]. رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب الصوم: باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة: الحديث (1905). ومسلم في الصحيح: كتاب النكاح: باب استحباب النكاح: الحديث (1/ 1400).

(340)

النور / 32: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

(341)

عن أبي سعيد الخُدرِيّ رضي الله عنه؛ قَالَ: [إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنَّ الله مُسْتَخْلِفُكمْ=

ص: 1162

فَإِنْ وَجَدَ الأُهْبَةَ وَبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ دَائِمٍ أوْ تَعْنِينٍ كُرِهَ، وَالله أَعْلَمُ، لما سبق من التعليل عند عدم الحاجة؛ وفقدُ الأُهْبَةِ. وخالفَ الغزاليُّ في الإحياءِ فقال: يُستحبُّ لِلْعَنِيْنِ وَالْمَمْسُوْحِ اقتداءً بغيره وتشبيهًا بالصالحين. وقد يجمعُ بينهما بأنَّ كلام المصنِّفِ إذا لم تَتُقْ نفسُهُ إليه؛ وكلامُ الإحياءِ؛ إذا تَاقَتْ.

ويسْتَحَبُّ دَيِّنَةٌ بِكْرٌ، أي إن لم يكُنْ عذرٌ (342)، نَسِيْبَةٌ لَيسَتْ قَرَابَةَ قَرِيْبَةً،

= فِيهَا ليَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُوْنَ. فَاتَّقُوْا الدُّنْيَا وَاتَّقُوْا النِّسَاءَ، فإِنَّ أوَّلَ فِتنةِ بَنِي إِسْرَائِيْلَ كَانَتْ مَنَ النِّسَاءِ]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب الرقاق: باب أكثر أهل الجنة الفقراء: الحديث (99/ 2742). والتِّرمذيّ في الجامع: كتاب الفتن: باب ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: الحديث (2191)، وقال: حديث حسن صحيح.

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما؛ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ]. رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب النكاح: باب ما يتقى من شؤم المرأة: الحديث (5096). ومسلم في الصحيح: الحديث (97/ 2740). فلعله أراد هذا الحديث. لأن الأول لم أجده في صحيح البُخَارِيّ.

(342)

عن أبي هريرة رضي الله عنه عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [تُنْكَحُ الْمَرأَةُ لأَرْبَعٍ؛ لِمَالِهَا؛ وَلِحَسَبِهَا؛ وَلجَمَالِهَا؛ وَلدِيْنِهَا؛ فَاظْفَر بذَاتِ الدِّيْنِ تَرِبَتْ يَدَاكَ]. رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب النكاح: باب الأكفاءَ في الدين: الحديث (5090). ومسلم في الصحيح: كتاب الرضاع: الحديث (53/ 1466).

عن عبد الله بن عمرو؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [الدُّنْيَا مَتَاعٌ؛ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرأةُ الصَّالِحَةُ]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب الرضاع: باب خير متاع الدنيا: الحديث (59) من الباب. والنَّسائيّ في السنن: كتاب النكاح: باب المرأة الصالحة: ج 6 ص 69.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأة في عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَقِيتُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:[يَا جَابِرُ! ] قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: [بِكْرٌ أم ثَيِّبٌ؟ ] قُلْتُ: ثَيِّبٌ. فَقَالَ: [فَهَلَّا بِكرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ] قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَخَشِيْتُ أنْ تَدْخُلَ بَيْني وَبَينَهُنَّ. قَالَ:[فَذَاكَ إِذَنْ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ علَى دِينِهَا؛ وَمَالِهَا؛ وَجَمَالِهَا؛ فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب الرضاع: باب استحباب نكاح ذات الدين: الحديث (54/ 715).

ص: 1163

للحثِّ على ذلك (343)، نعم دليلُ الأخير لا يُعرف له أصلٌ معتمدٌ؛ ويُعَكِّرُ على الأصحاب في جَزْمِهِمْ بذلك تزويجُ فَاطِمَةَ لِعَلِيٍّ رضي الله عنهما وهي قرابةٌ قريبةٌ، لأنهُ ابنُ عَمِّ أَبِيْهَا، واعْلَمْ: أنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَ عَائِشَةَ (344)، وفي الحديث:[عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا وَأَنتقُ أَرْحَامًا وَأَغَرُّ غُرَّةً وَأَرْضَى بِالْيَسِيْرِ](345) رواهُ أبو نعيم في كتاب الطب من حديث عبد الرَّحْمَن بن سالم عن

(343) حديث: [لا تَنْكِحُوْا الْقَرَابَةَ الْقَريْبَةَ؛ فَإِنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ ضَاوِيًا] قال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير: الرقم (1910): غريب، قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلًا. ينظر: تلخيص الحبير لابن حجر العسقلانى: باب ما جاء في استحباب النكاح: الحديث (5) من الباب: ج 3 ص 167. قال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين: الحديث (1343): إنما يعرف من قول عمر لآل السائب. نقل الخطيب الشربيني في مغني المحتاج؛ قال السبكي: فينبعي أن لا يثبت هذا الحكم لعدم الدليل. قلتُ: ليس متعلقُ هذه المسألة الشَّرع، وإنما الطب؛ واستحبابُ التغريب في الزواج هنا، استحبابٌ ذوقيٌّ، والكراهةُ فيه ذوقيَّةٌ تنزيهيَّةٌ، قال الشافعيُّ رحمه الله: أَيَّما أهلَ بيتِ لم تخرُجْ نساؤُهُمْ إلى رجالِ غيرهم، كان في أولادهم حُمْقٌ. إنتهى. نقله ابن حجر لها التلخيص عن ابن يونس في تاريخ الغرباء في ترجمة الشَّافعيّ شيخ له عن المزني.

(344)

عن عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُوْلَ اللهِ، أرَأيْتَ لَوْ أَنَّكَ نَزَلْتَ وَادِيًا فِيْهِ شَجَرٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرَةَ لَم يُؤكَلْ مِنهَا، في أَيُّهَا كُنْتَ تَرعَى؟ قَالَ:[في الشَّجَرَةِ الْتِي لَم يُؤْكَل مِنْهَا] قَالَتْ: فَأَنَا هِيَ؛ تَعْنِي أن رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَم يَتَزَوَّجْ بِكرًا غَيْرَهَا. رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب النكاح: باب نكاح الأبكار: الحديث (5077).

(345)

رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب النكاح: باب استحباب التزويج بالأبكار: الحديث (13758). ورواه ابن ماجه في السنن: كتاب النكاح: باب تزويج الأبكار: الحديث (1861). والطبراني في المعجم الكبير: الحديث (350): ج 17 ص 132. وفي إسناده محمَّد بن طلحة: قال أبو حاتم: محله الصدق يكتب حديثه ولا يحتج به. وذكره ابن حبان في (الثقات) له ترجمة في تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانى: الرقم (6222). وفيه عبد الرَّحْمَن بن سالم بن عتبة. قال البُخَارِيّ: لم يصح حديثه. وله شواهد من حديث جابر وعبد الله بن مسعود وإسناده حسن والله أعلم.

ص: 1164

أَبيه عن جده رفعه ولم يذكروا [أَغَرُّ غُرَّةً] وزادَ بعد [وَأَنْتَقُ أرْحَامًا وَأَسْمَنُ إِقْبَالًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيْرِ مِنَ الْعَمَلِ] وفي بعض نسخه [وَأَسْخَنُ إِقْبَالًا] رواه البغويُّ بسنده ولم يقل [وَأَسْمَنُ إِقْبَالًا] وقال: عبد الرَّحْمَن بن سالم بن عبد الرَّحْمَن بن عُوَيْم بن ساعدةَ وعبد الرَّحْمَن بن عُوَيْمٍ ليست له صحبة، قُلْتُ: فيكون الحديث مرسلًا (346)، قال الماورديُّ:[أَنتقُ أَرْحَامًا] أي أكثرُ أولادًا، وفي قوله [وَأَغَرُّ غُرَّةً] روايتان إحداهما: بالكسر أي أبعدُ عَنْ مَعْرِفَةِ الشَّرِّ وَأَقَلُّ فِطْنَةً لَهُ، والثانية: بالضم وفيه تأويلان أحدهما: أنَّه أراد غرة البياض، والثاني: أنَّه أراد حُسن الخُلق والمعاشرة (347). وقد أشارَ الله تعالى في كتابه إلى التَّرْغِيْبِ في العفيفةِ واجتناب غيرها بقوله تعالى: {وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا

} الآية (348). والقرابةُ غير القريبة أَوْلى من الأجنبيَّةِ كما يُفهمهُ كلامُ المصنِّفِ، وأهملَ أوصافًا أخرى للمنكوحة ذكرتُها في الأصل فراجعها فإنَّه المهمُّ الأصلُ، وأورد القاضي والماورديُّ حديثًا أنَّه عليه الصلاة والسلام قال لزيدٍ بن حارثَةَ:[لا تَزَوَّجْ خَمْسًا: شَهْبَرَةً وَلَا لَهْبَرَةً وَلَا نَهْبَرَةً وَلَا هَبْدَرَةً وَلَا لَفُوْتًا] فالأولى: الزَّرْقَاءُ البَذيَّةِ، والثانية: الطَّوِيْلَةُ الْمَهْزُوْلَةُ، والثالثة: الْعَجُوْزُ المدبِرَةُ، والرابعة: الْقَصيْرَةُ الذميْمَةُ، والخامسة: ذَاتُ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِكَ (349).

(346) رواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (13759)، قال: عبد الرَّحْمَن بن عويم له صحبة.

(347)

ينظر الحاوي الكبير للماورديّ: كتاب الصداق: باب تفسر مهرُ مِثْلِهَا: ج 9 ص 489.

وفيه: قال معاذ بن جبل: (عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ فَإِنهُنَّ أَكْثَرُ حُبًّا وَأقَلُّ خُبًّا).

(348)

النور / 3: {وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} .

(349)

قال الماورديُّ: وقد رُوِيَ أنَّ النْبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ: [أتَزَوَّجْتَ يَا زَيْدُ؟ ] قَالَ: لا. قَالَ: [تَزَوَّجْ؛ فَتَسْتَعِفَّ مَعَ عِفَّتِكَ، وَلَا تَزَوَّجْ مِنَ النِّسَاء خَمْسًا] قَالَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: [لا تَزَوَّجْ شَهْبَرَةً؛ وَلَا لَهْبَرَةً؛ وَلَا نَهْبَرَةً؛ وَلَا هَبْدَرَةً؛ وَلَا لَفُوْتًا] قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، لا أَعْرِفُ مِمَّا قُلْتَ شَيْئًا. فَقَالَ: [

]. ينظر: الحاوي الكبير للماوردي: كتاب النكاح: باب اجتماع الولاة: فصل: الشرط السابع السلامة من العيوب: ج 9 ص 107.

ص: 1165

فَصْلٌ: وَإِذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا؛ سُنَّ نَظَرُهُ إِلَيْهَا، للأحاديث الصحيحة الشهيرة في ذلك (350)، وقد رأى عليه الصلاة والسلام عائشة في نومه وفعلُهُ في المنام كاليقظةِ وبه أستدلَّ البخاريُّ وغيرُهُ (351)، قَبْلَ الْخِطْبَةِ، أي وبعد عزمِهِ على النكاح، لأنه قَبْلَ العزمِ لا حاجة إليه وبعد الخِطْبَةِ قد يقتضي الحالُ التركَ فيشقُّ عليها، وَإن لَمْ تَأْذَن، أي ويكفي إذنُ الشَّارع في ذلك للأحاديث الصحيحة (352)، وَلَهُ تَكْرِيْرُ نَظَرِهِ، أي إذا احتاج إلى ذلك لِيَتَبَيَّنَ هَيْأَتَهَا فلا يندمَ بعد النكاح، وَلَا يَنظُرُ غَيرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، أي ظهرًا وبطنًا؛ لأنها مواضعُ ما يظهرُ من الزينة المشارِ إليها في قوله تعالى:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (353) وهذا يُفهم أنها إذا كانت المخطوبةُ حُرَّةً، لأنه ليس بعورةٍ، فإن كانت أمَةً فيجوزُ أن ينظر إلى ما ليسَ بعورةٍ منها، وقد نقلَهُ في المطلبِ عن مفهوم كلامهم أَيضًا لكن ظاهرُ إطلاق الشَّافعيّ في الإملاء يقتضي التسوية كما نقلَهُ البيهقيُّ في مبسوطه عنهُ.

فَرْعٌ: إذا لم يتيسَّرْ له النَّظَرُ؛ بعثَ امرأةً تتأملها وتصفها له، ووصفُ المرأةِ المرأةَ حرامٌ إلَّا في هذا الموضع، وحكى في البيان عن الصَّيْمَرِيِّ: أنَّ ذلك خلافُ السُّنَّةِ

(350) عن المغيرة بن شعبة؛ أنَّهُ خَطَبَ امْرَأةَ، فَقَالَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم:[أُنْظُر إِلَيْهَا. فَإِنَّهُ أحْرَى أن يُؤْدَمَ بَينَكُمَا]. رواه التِّرْمِذِيّ في الجامع: كتاب النكاح: باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة: الحديث (1087)، وقال: هذا حديث حسن. والنَّسائيّ في السنن: كتاب النكاح: باب إباحة النظر قبل التزويج: ج 6 ص 69 - 70.

(351)

عن عائشة قالت: قَالَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم: [أُرِيْتُكِ في الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ، إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرقَةِ حَرِيرٍ، فَيَقُوْلُ: هَذِهِ امْرَأتُكَ، فَأَكْشَفُهَا فَإِذَا هِيَ أنتِ. فَأَقُوْلُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ يُمْضِهِ]. رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب النكاح: الحديث (5078).

(352)

عن أبي حميد أو أبي حميدة قال؛ وَقَد رَأى رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [إِذَا خَطَبَ أحَدُكُمُ امْرَأةً؛ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ لِخِطْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمْ]. رواه الإِمام أَحْمد في المسند: ج 5 ص 424. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ج 4 ص 276: رجال أَحْمد رجال الصحيح.

(353)

النور / 31.

ص: 1166

وردَّهُ عليهِ وما أَقْصَرَ فِيْهِ.

فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إِلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبيرَةٍ أَجْنَبيَّةٍ، لأنه إذا حَرُمَ نظرُ المرأة إلى عورة المرأة كما جاء به الخبر في الصحيح (354) فهو أولى، والعجوزُ كالشَّابَّةِ على الأصح، كما يُفْهِمُهُ عمومُ الكبيرة في كلام المصنِّفِ، لأن لكلِّ ساقطةٍ لاقطة، وقال القاضي حُسين: يجوزُ النظرُ إلى وجهها وكفَّيْها بناءً على قوله في أنَّه يجوزُ ذلك من الشَّابَّةِ، قال: ومع ذلك لا يجوزُ اللَّمْسُ لأن حكمَ النظرِ أخفُّ من حكم اللَّمْسِ، وذكرَ البيهقيُّ عن ابن عباسٍ: أنَّه تعالى استثنى القواعِدَ أن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غير متبرجات: الْخَلِيَّاتُ؛ وأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ بلبسِ جلابيبِهِنَّ خيرٌ لَهُنَّ (355)، وذهبَ أنسٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أُمِّ أيمن وبعدَهُ انطلقَ إليها أبو بكرٍ، ولعلَّ من هذا دخول سفيان على رابعة رَحِمَهُمَا الله تَعَالَى (356).

(354) عن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد عن أَبيه رضي الله عنه؛ أن رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عُريةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عُرْيَةِ الْمَرأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ في ثَوْبٍ وَاحدٍ، وَلَا تُفضِي الْمَرأةُ إِلَى الْمَرأَةِ في ثَوْبِ وَاحِدِ]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب الحيض: باب تحريم النظر إلى العورات: الحديث (74/ 338). وأبو داود في السنن: كتاب الحمام: الحديث (4018). والترمذى في الجامع: كتاب الأدب: باب في كراهية مباشرة الرجال الرجال: الحديث (2793)، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.

(355)

عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور / 31] الآية؛ فَنُسِخَ وَاسْتُثْنِي مِنْ ذَلِكَ {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا} الآية. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب النكاح: باب ما جاء في القواعد: الأثر (13818).

وعنه قال: هِيَ الْمَرْأةُ لا جُنَاحَ عَلَيهَا أنْ تَجْلِسَ في بَيْتِهَا بِدِرْعٍ وَخِمَارٍ، وَتَضَعَ عَنْهَا الْجِلْبَابَ مَا لَم تَتَبَرَّجْ، لِمَا يَكْرَهُهُ الله. رواه البيهقي في السنن الكبرى: الأثر (13819).

وعنه؛ أنَّهُ كَانَ يَقْرَأ -أَيْ يُفَسِّرُ- {أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} قال: الْجِلْبَابُ. السنن الكبرى للبيهقي: الأثر (13820).

(356)

عن أنسٍ رضي الله عنه؛ قَالَ: ذَهَبَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلَى أمِّ أّيْمَنَ زَائِرًا، وَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَقَرَّبَتْ=

ص: 1167

وَكَذَا وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ، لقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

} الآية (357)، ونقلَ الإمامُ الإجماع عليه، والمرادُ بخوف الفتنة ما يدعُو إلى الْجِمَاع وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَكَذَا عِنْدَ الأَمْنِ عَلَى الصَّحِيْح، للاتفاقِ على مَنْع النساءِ أنْ يخرُجْنَ سافراتٍ لوجوهِهِنَّ ولو حَلَّ النظرُ لَمُكِّن كالأَمْرَدُ، قال في الْمُحَرَّرِ: وهذا أَولى الوجهين، والثاني: لا يحرُمُ، وبه قال الجمهورُ كما قال الإمامُ ومعظمُ الأصحابِ، كما عبَّر به الرافعي في شرحَيْهِ؛ لا سِيَّما المتقدمونَ لقوله تعالى:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} وهو مُفَسَّرٌ بِالْوَجْهِ وَالْكَفيْنِ (358)، نعم يُكره ذلك، وهؤلاء قد يمنعونَ الاتفاقَ على مَنْعِهِنَّ من الخروج سافراتٍ، وقد نَقل القاضي عياضُ

= إِلَيهِ شَرَابًا، فَإمَّا كَانَ صَائِمًا، وَإمَّا كَانَ لا يُرِيْدُهُ؛ فَرَدَّهُ. فَأَقْبَلَتْ عَلَى رَسُوْل اللهِ صلى الله عليه وسلم تُصَاحِبُهُ -أَيْ تَرْفَعُ صَوْتَهَا إِنْكَارًا لإِمْسَاكِهِ عَنْ شُرْبِ الشَّرَابِ، وَكَانتْ تَدَلُّ (هو من الدَّلَالِ) عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم لِكَوْنِهَا حَضَنَتْهُ وَرَبَّتْهُ- فَقَالَ أَبو بَكْرٍ رضي الله عنه بَعْدَ وَفَاةِ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ رضي الله عنه: إِنْطَلِق بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُوْرُهَا، فَلَمَّا انتهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، قَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيْكِ، مَا عِنْدَ اللهِ خَيرٌ لِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَت: وَاللهِ لا أَبْكِي، إِلَّا أَكُونُ أَعْلَمُ مَا عِنْدَ الله خَيرٌ لِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنْ أَبْكِي أنَّ الْوَحْيَ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ. فَهيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ. رواه مسلم في الصحيح: فضائل أُمِّ أيمن: الحديث (102/ 2453).

(357)

النور / 30.

(358)

عن عائشة رضي الله عنها؛ أَن أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْر رضي الله عنها دَخَلَتْ عَلَيْهَا، وَعِندَهَا النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في ثِيَابٍ شَامِيَّةٍ رِقَاقٍ. فَضَرَبَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الأَرْضِ بِبَصَرِهِ، وَقَالَ:[مَا هَذَا يَا أسْمَاءُ؛ إِنَّ الْمَرأةَ إِذَا بَلَغَتِ المَحِيْضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا] وَأشَارَ إِلَى كَفِّهِ وَوَجْهِهِ. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب النكاح: باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر: الحديث (13782).

عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: الكُحْلُ وَالْخَاتَمُ. السنن الكبرى للبيهقي: الأثر (13780) قال: ورُوِيَ ذلك أَيضًا عن أنس بن مالك.

قال الشافِعِي رحمه الله: إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا. ينظر: مختصر المزني من الحاوي الكبير للماوردي: كتاب النكاح: باب الترغيب في النكاح: ج 9 ص 33.

ص: 1168

المالكيُّ عن العلماء مطلقًا: أنَّه لا يجبُ على المرأة سَتْرُ وَجْهِهَا في طريقها، وإنما ذلك سُنَّة، وعلى الرجال غضُّ البَصَرِ عنهُنَّ للآية السالفة، وحكاه عنه المصنّفُ في شرح مسلم في باب نظر الفجاءة وأقرَّهُ عليه (359)؛ لكنه حكى الأول في أصلِ الروضة عن حكايته الإمامِ وأقرَّهُ أَيضًا، واعْلَمْ: أن المصنِّفَ وغيره فرضوا الخلاف عند الأمْنِ، والإمامُ فرضه فيما إذا لم يظهرْ خوف فتنةٍ؛ وهو حسنٌ فالأمنُ عزيزٌ إلاّ ممن عُصِمَ.

فَرْعٌ: صوتُها ليس بعورةٍ على الأصحِّ كما مضى في الصلاة، لكن يحرُمُ الإصغاءُ إليه خوفَ الفتنةِ، وقال القاضي حُسين في تعليقه: فأما إذا كان لها نَغْمَةٌ حسنةٌ فلا خلاف أنَّهُ عورةٌ، ويحرُمُ على الرَّجُلِ استماعُهَا، وقد يوافق ما نقله صاحب عوارفِ المعارفِ عن أصحابنا من اتفاقهم على تحريم سماع الغِنَاءِ من الأجنبيَّةِ مُطلقًا.

وَلَا يَنْظُرُ مِن مَحْرَمِهِ، أي بالنسبِ والرَّضَاع والمصاهَرَةِ، بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، لأنه عورة، وَيحِلُّ مَا سِوَاهُ، لقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا

} الآية (360)، وَقِيْلَ: مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ فَقَطْ، لأن غيره لا ضرورة إلى النظر إليه؛ فاقتصر على موضع

(359) في المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: كتاب الآداب: باب نظر الفجأة: شرح الحديث (45/ 2159)، قال النووي رحمه الله:(قال القاضي عياض: قال العلماء: وفي هذا حجة على أنَّه لا يجب على المرأة أن تَسْتُرَ وَجْهَهَا في طريقِها، وإنما ذلك سُنَّةٌ مُسْتَحبَّةٌ لها، ويجبُ على الرجال غضُّ البصر عنها في جميع الأحوال إلَّا لغرضٍ صحيح شرعي، وهو حالة الشهادة والمداواة وإرادة خِطبتها أو شراء الجارية أو المعاملة بالبيع والشراء وغيرهما ونحو ذلك، وإنما يُباح ذلك في جميع هذا على قدر الحاجة دون ما زاد والله أعلم). إنتهى.

(360)

النور / 31: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)} .

ص: 1169

الضرورة، ويُعلم من هذا أنَّ نظرَهُ إلى ما يبدو في حال الْمِهنَةِ جائزٌ قطعًا وإلى ما بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ حرامٌ قطعًا والخلافُ فيما بَيْنَ ذلك.

فَرْعٌ: يجوزُ للمَحْرَمِ الخلوةُ والمسافرةُ بها.

فَائِدَةٌ: الْمِهْنَةُ بفتح الميم وكسرها: الْخِدْمَةُ. وأنكَرَ بعضهم كسرها.

وَالأصَحُّ حِلُّ النَّظَرِ بِلَا شَهْوَةٍ إِلَى الأمَةِ، أي قنةٍ كانت أو أُمّ ولدٍ، إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، لأن رأسها ليس بعورةٍ فلا يكون ما عدا ما بينَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كالرَّجل، نعم: يُكره، والثاني: يحرُم ما لا يبدو في حال الْمِهْنَةِ، إذ لا حاجة إليه دون غيره، والثالث: أنها كالْحُرَّةِ لاشتراكهما في الأُنُوثَةِ وخوف الفتنة، ففي الإِمَاءِ التُّرْكِيَّاتِ ونحوهِنَّ من خوف الفتنة أشدُّ من كثيرٍ منَ الْحَرَائِرِ، وصحَّحَهُ المصنِّفُ هنا وفي غيره كما سيأتي وهو الْحَقُّ، وِإلَى صَغِيْرَةٍ، أي التي لا تُشتهى، لأنها ليست في مظنَّةِ الشهوة، والثاني: لا يحلُّ لأنها من جنس الإناث، وهذا وجهٌ واهٍ لا كما اقتضاهُ إيراد المصنِّفِ من كونه قويًّا، وكيف يُتصوَّرُ أن يُقال به وما زال النَّاس في جميع الأعصار ينظرون إلى الصغار، والنبي صلى الله عليه وسلم يحمل أُمَامَةَ في الصَّلاة بين النَّاس وهم ينظرون إليها (361)، ولعلَّ قائل هذا الوجه لا يطلقه هذا الإطلاق على أن هذا الوجه لم يحكِهِ إلَّا الغزاليُّ فمن بعده، قال ابن الصلاح: لم أجدْ حكاية الخلاف في وجهها يعني وجه الصغيرة التي لا تُشتهى لغير الغزاليّ ويكادُ أن يكون خرقًا للإجماع، قال: وهذا التعليلُ باطلٌ بذوات المحارم، فإنَّه لا خلاف في جواز النظر إلى وجهها وهذه أَوْلى بذلك لخروجها عن مظنةِ الشَّهْوَةِ في حقّ جميع النَّاس وذواتُ المحارم إنما خرجت

(361) عن أبي قَتَادَة الأنصَارِي؛ (أنَّ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم ولأبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا). رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب الصلاة: باب إذا حمل جارية: الحديث (516). ومسلم في الصحيح: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب جواز حمل الصبيان: الحديث (41 و 42/ 543).

ص: 1170

عن الشهوة في حقِّ مَحْرَمِهَا، إِلَّا الفَرْجَ، أي بالاتفاق كما ادَّعاهُ صاحب العُدَّةِ والفورانيُّ وجزَمَ به الرافعيُّ في كتبه والمصنِّفُ، لكن ردَّ عليه في الروضة: بأنَّ القاضي جزَمَ بجوازه في الصغر أَيضًا، وقطع المرْوَزِيُّ بجوازه في الصغير، وصحَّحَهُ المتوليّ لتسامح النَّاس بذلك قديمًا وحديثًا، قال: وإباحةُ ذلك يبقى إلى بلوغِهِ سنَّ التَّمييزِ ومصيره بحيث يمكن سترُ عورته عن النَّاس، ومتى قاربتِ الصَّبِيَّةُ البلوغَ بحيث يحتملُ بلوغُها قال ابنُ الرِّفْعَةِ: لا شَك أنها كالبالغة، قُلْتُ: وبه صرَّحَ الْجَاجُرْمِيُّ في كِفَايَتِهِ، فقال: والمراهقةُ كالبالغةِ.

وَأَنَّ نَظَرَ الْعَبدِ، أي سواء كان فحلًا أو خصِيًّا أو مجبُوبًا أو ممسُوحًا، إِلَى سَيِّدَتِهِ وَنَظَرَ مَمْسُوحٍ، أي سواء كان عبدًا لغيرِها أمْ حُرًّا، كَالنَّظَرِ إِلَى مَحْرَمٍ، أما الأوَّلُ: فلقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} (362) وهو ما رجَّحَهُ الأكثرون كما قاله الرافعي، قال في الروضة: وهو المنصوصُ وظاهرُ الكتاب والسُّنَّةِ (26)، وإن كان فيه نظر من حيث المعنى، وقال البيهقي بعد أن حكى خلاف من خالَفَ: ظاهرُ الكتابِ أوْلى بالاتباع مع ما فيه من السُّنَّةِ (363)، وأما الثاني: فعليه حُمل قوله تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} ، والثاني: لا فيهما، أما الأول: فلأنه لو ثبتت المحرميَّةُ لاستمرَّتْ كالرضاع والمرادُ بما ملكت أيمانُهُنَّ الإماءُ المشركات كما سيأتي، وإن سلَّمنا أنَّهم المرادون في الآية فمَنْ ذكرَهُ قيَّد بما إذا كانا عفيفين كالواحديِّ وهو

(362) النور / 31.

(363)

في السنن الكبرى: كتاب النكاح: الأثر (13839)، قال البيهقي: عن القاسم بن محمَّد أنَّه قال: كانت أمهات المُؤمنين يكون لبعضهن المكاتب فتكشف له الحجاب ما بقي عليه درهم، فإذا قضى أرخته دونه. وكان الحسن والشعبي وطاووس ومجاهد يكرهون أن ينظر العبد إلى شعر سيدته، وكأنهم عَدُّوا الشعر من الزينة إلى لا تبديها لعبدها، كما عده ابن عباس رضي الله عنهما من الزينة إلى لا تبديها لمحارمها. وعن إبراهيم الصائغ قال: قلت لنافع: يحرجها عبدها؟ قال: لا، لأنهم يرون العبد صنيعة. وظاهر الكتاب والسنة أولى بالاتباع مع ما فيه من السُّنَّة. إنتهى.

ص: 1171

شافعيٌّ فينبغى تقييدُ الجواز بذلك وصحَّحَهُ الشيخُ أبو حامد وقال: إنه الصحيح عند أصحابنا، والقاضي أبو الطيبِ وابن أبي عصرونَ والمصنفُ في مسودةٍ لهُ على المذهب وهو قولُ سعيدٍ ابن المسيِب والحسنِ وطاووسَ ومجاهدٍ والشعبي وهو مذهبُ أبى حنيفة، وأما الثاني: فلأنَّهُ يَحِلُّ لهُ نكاحها فهو كالفحل مع الأجنبية، وصحَّحَهُ الشيخُ أبو حامد وقال الفارقيُّ: إنهُ القياسُ وهو قويٌّ، أما غيرُ أُولي الأربةِ فاختارَ المصنِّفُ أنَّهُ الْمُغَفلُ في عَقْلِهِ الذي لا يَشتَهِى النِّسَاءَ، ونقلهُ عن ابن عبَّاس وغيره (364) وذكَرَ القاضي حُسين فيه ثلاثة أوجهٍ أَصَحّها أنهُمُ الشيُوخُ، ثانيها: الصِّبيانُ، وثالثها: الْخصيَانُ، وخرج بالمسوح المجبوبُ والخصى والمسلولُ فإنهم كالفحل بل ضررُ الأخِيْرَيْنَ أكثرُ من ضرر الفحلِ، وقال القاضي بعد حكاية الخلاف في الممسوح: لا خلف أنه يجوزُ له الدخُولُ عليهِنَّ بغير حجابٍ. واقتضى كلامُهُ أنه يجوز النظرُ إلى الوجه والكفين قطعاً، وأن الخلاف في نظر ما يبدُو عند الْمِهْنَةِ، قال في البيان: الخلافُ جارٍ في خلوة العبد بسيدته أيضاً كالنظر، وجزَمَ المرعشى في الأقسام في كتاب الحج بجواز الخلوة وجواز نظره إلى شعرها دُون سائر بَدَنها وصرَّحَ الْجُرجَانِى في شَافِيْهِ يحوازِ مسافرته.

فَرعٌ: الْعَنِيْنُ وَالْمُخَنثُ وهُو الْمُتَشَبِّهُ بِالنسَاءِ كالفَحلِ، وقيل: في المخنثِ والخصىِّ وجهان.

فَرع: المكاتَبُ ليس مَحرَماً لها كما نقلهُ في الروضة من زوائده عن القاضي حُسين وأقرَّهُ وسبقهُ إليه ابنُ الصَّلاح فنقله عنه في مُشْكِلِهِ وجزَمَ ابنُ الْقُشَيْرِيّ في تفسيرِهِ بأنه مَحرم لَها ونقل بعضُ المتأخرين بعد السبعمائة أَنَّ الشَّافِعِىَّ نَصَّ فِى

(364) عن ابن عباس رضى الله عنهما، أنهُ قَالَ:(هوَ الرجُلُ يَتْبَعُ الْقَومَ؛ وَهُوَ مُغَفْلٌ فِى عَقلِهِ، لَا يَكْتَرِثُ النسَاءَ وَلَا يَشْتَهِيْهِنَّ). السنن الكبرى للبيهقى: كتاب النكاح: باب ما جاء في إبداء زينتها: الأثر (13841).

عن الحسن قال: (هُوَ الْذِي لَا عَقْلَ لَهُ، وَلَا يَشْتَهِى النسَاءَ، وَلَا تَشتَهِيْهِ النسَاءُ). السنن الكبرى للبيهقى: الأثر (13845).

ص: 1172

كُتبِهِ على أنهُ مَحْرَم لَها وأن ما نُقل عن القاضي حسين الموجود في تعليقه خلافُه، قُلْتُ: وحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ: [إِذَا كَانَ إحدَاكُنَّ مُكَاتب وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلتحتَجِبْ مِنْه]، رواهُ الأربعة وصحَّحَهُ الترمذىّ (365). قال البيهقىُّ: قال الشافعيُّ: قد يجوزُ أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَها بالحجاب من مُكَاتَبِها إذا كان عندهُ ما يُودي، على ما عَظمَ الله به أزواج نَبِيِّهِ أمّهاتُ المؤمنين وخَصهُم بِهِ (366).

فَرعٌ: المبعَّضُ هل يلحق بالْحُرِّ؟ فيه نظر، ثم ظفرتُ بعد ذلك أنهُ كالأجنبىِّ مَعَها.

وَأَن الْمُرَاهِقَ كَالْبَالِغ، لظهوره على العورات، والثاني: له النظَرُ كما له الدخول بلا استئذان إلاّ في الأوقات الثلاثة المذكورة في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ

} [النور: 58] الآية (367)، وعلى هذا هو كالْمَحرَمِ وصحَّحَهُ الفارقيُّ، ومعنى جعله كالبالغ أنه يلزم المنظورَ إليها الاحتجابُ، أو يمنعَهُ الولي من النظر كما يمنعه من سائر المحرماتِ، أما الصبيُّ فلا احتجاب منه لقوله تعالى: {أَوِ الطفْلُ

} الآية، وقال ابنُ الصَّلاح: الذي فهمته من كلام الإمام والغزاليِّ أن الذي بلغ حدَّ الحكاية والتشوُف إن أظهرَ التَّشَوِّفَ فهو كالرجل قطعًا وإلاّ فالخلافُ.

(365) رواه أبو داود في السنن: كتاب الفتن: باب في المكاتَبِ يؤدى بعض كتابته: الحديث (3926). والترمذى في الجامع: كتاب البيوع: الحديث (1261). وابن ماجه في السنن: كتاب العتق: الحديث (2520). والنسائي في السنن الكبرى: كتاب عشرة النساء: باب دخول العبد على سيدته: الحديث (1/ 9227 و 2/ 9227). والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب المكاتَب: باب الحديث الذي روى في الاحتجاب عن المكاتَب: الحديث (22282).

(366)

السنن الكبرى للبيهقى: كتاب المكاتَب: التعليق على الحديث (22284): ج 15 ص 541. مع اختلاف يسير بالألفاظ.

(367)

النور / 58: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)} .

ص: 1173

فرعٌ: يجب على المرأةِ الاحتجابُ من المجنون قطعاً؛ لأنه بالغ ذو شهوةٍ. وقد يكون الخوفُ منه أكثرَ.

فرع: استئذانُ العبد والطفلِ في الأوقات الثلاثة لا بُدَّ منه حين يخلُو الرَّجُلُ بأهله حتى الابن يستأذِنُ أُمَّهُ في الأوقات الثلاثة مُطلقًا، وفي كُل الأوقات بعد بلوغِهِ وإن لم يتعرَّضْ له الأصحابُ، قال ابنُ مسعودٍ: عَلَيْكُم إذْن عَلَى أمهاتِكم (368).

ويحِلُّ نَظَرُ رَجُلِ إِلَى رَجُلٍ، بالاتفاق وذلك عند أَمنِ الفتنة وعدمِ الشَّهْوَةِ، إِلَّا مَا بَينَ سُره وَرُكْبةٍ، لأنه عورة ولا فرق عندنا بين الحمَّام وغيره، ونقل القاضى حُسين عن على رضي الله عنه:(أَنَّ الْفَخِذَ فِي الحمامِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ)(369).

وَيَحرُمُ نَظَرُ أَمرَدَ بِشَهْوَةٍ، كالمَحرَمِ بل أولى لأن الإِنَاثَ محلَّ ذلك فِى الجملة بخلاف الذكور، ولا يختصُّ ذلك بالأمرد بل النظر إلى الرجل وإلى المحارم وإلى كُل من جَوَّزنَا النظرَ إِلَيهِ بِشَهْوَةٍ حَرَامْ.

قلتُ: وَكَذَا بِغَيْرها فِي الأصَحِّ الْمَنْصُوصِ، لأنه مظنةُ الفتنة فهو كالمرأة بل أعظمُ وقد نَفرَ منهم السَّلَفُ؛ وسموهم الأنتَانِ، لأنهم مستقذرون شرعاً، وقد ذَكَرَ عن أبي عبيد الله الْخَلال مال: كنتُ أمشى يوماً مع أستاذي فرأيت حَدَثا جميلاً فقلت: يا أستاذي أَتُرى يعذّبُ الله هذه الصُّورَةَ؟ فقال: أوَنَظَرتَ سَتَرَى غبَّها، قال: فنسيتُ القُرآنَ بعد ذلك بعشرين سنة. واعلَم: أن الذي ذكرَهُ الرافعي في شرحَيْهِ أنه إذا لم يكن بشهوةٍ، فإن خاف الافتِتَان حَرُمَ في الأصحِّ تحرزًا عن الفتنة، والثانى: هو اختيارُ الإمام أنه لا يحرمُ وإلاّ أُمر بالاحتجابِ كالنِّسوَةِ، وإن لم يُخَفْ لا يَحرُمُ

(368) رواه البيهقى في السنن الكبرى: كتاب النكاح: باب استئذان المملوك والطفل: الأثر (13853).

(369)

وحكاه عنه الشربيني في مغني المحتاج: ج 3 ص 130.

في التهذيب: كتاب النكاح: ج 5 ص 235؛ قال البغوي: وقال مالك: (الْفَخِذُ لَيسَ بِعَوْرَةٍ).

ص: 1174

قطعاً، وردَّ عليه المصنِّفُ في الروضة بأن قال الذي أطلقَهُ الأصحاب وصاحب المهذب وغيره: أنه يحرُمُ النظرُ إلى الأمرد لغير حاجةٍ ونقله الدَارِكِي عن نصٍّ الشافعىِّ رحمه الله، قُلْتُ: والمحامليُّ حكاهُ عن رواية الشيخ أبي حامد عنه أيضاً، لكنه قال: ولا أعرفه للشافعي كما نبَّه عليه صاحبُ المطلب ولم يذكرهُ البيهقىُّ في معرفته ولا سُنَنِهِ ولا مبسوطه أيضاً، فهذا نصّ مستغرب، وأجاب ابنُ الصَّلاح عما ألزموا به في الأمر بالاحتجابِ بالمشقةِ في تركهم الأسبابَ ووجبَ الغضُّ على من يخاف الافتتان به رعاية للجانبين وهو ظاهر، أما الصعبُ إيجابُ الغضِّ مُطلقاً كما يقولُهُ المصنِّفُ يرده أحوال الناس ومخالطتهم الصبيان من عصرِ الصحابة إلى الآن، مع العِلْمِ بأنهم لم يُؤمروا بغضِّ البصر عنهم في كل حالٍ كالنساء بل عند توقع الفتنةِ وذلك نادرٌ لغالب الناس، وغالبُ المردَان ليسوا ممن يقع في قلوبهم شهوة بنظرهم ولا يُخشى منهم فتنة، وعبارة القاضي حُسين: عورَةُ الرَّجُلِ مِنَ الرَّجُلِ مِنَ السرة إِلَى الرُّكبَةِ وهكذا عندنا حكمُ الأمرد والغلام والمراهق وغيره إلاّ إذا كان حسنَ الوجهِ نَقِى البَدَنِ يُخشى منه حينئذٍ الافتتانُ، يحرُمُ النَّظرُ إليه، وكذا عبارة المتولي: الغلامُ إذا كان وضيء الوجه ناعم البدن؛ فإن كان يخاف من النظر الفتنة لا يجوزُ؛ وإن كان لا يخاف فالأولى أنْ لَا ينظرَ، وكذا قيَّده الفوراني في الإِبَانَةِ بكونه حسنَ الوجهِ، وقال: إن خاف الفتنة فلا يجوزُ، وإلاّ فيجوزُ من غير تأمُّلٍ، وعبارة ابن أبى عصرون: أن الْمُردَ الْحِسَانَ يخاف منهم الفتنة ولم يؤمرُوا بالتنقيب، وهذا التقييدَ أهملَهُ المصنفُ هنا وفي الروضة تبعاً للمُهذب والرافعيِّ، نعم ذكرَهُ في تبويب رياضِهِ وهو حسن، وعبارةُ الْجَاجَرمِى في الكفاية: إلى ما بين وراءِ الإزارِ من الأمرَدِ بالشهوةِ حرامٌ وبغيرها حلالٌ، والغزاليُّ في كتبِهِ الفقهِيَّةِ ذكَرَ مثلَ ما أسلفناهُ عن الرافعيِّ، قال ابنُ الصَّلاح: ولهُ في الإحياءِ كلامٌ خير من كلامِهِ هُنا. قال: كل من يَتَأثرُ قَلْبُهُ بجمالِ صورة الأمرد بحيث يُدرِكُ من نفسه الفَرق بينَهُ وبينَ الملتَحِي يعني من حيث الشَّهوة فلا يحِلُّ لهُ النَّظَرُ؛ ومقتضى هذا الكلام تحريم النظر إلى الأمرد على كل مَن يخاف الفتنة، وعلى بعضِ من لا يخاف الفتنة، ولا فَرقَ عند الشَّهوة بين

ص: 1175

أن يكون معها خوفُ فتنةٍ أو لا، والمرادُ من النظر بشهوةٍ أن يكونَ النظرُ لقصدِ قضاءِ وطرٍ في الشَّهوةِ؛ يعنى أن الشخصَ يحِبُّ النظرَ إلى الوجْهِ الجميلِ ويلتَذُّ به، فإذا نظرَ لِيَلتذ بذلك الجمال فهو النظرُ بشهوةٍ، وليس المراد أن يشتهي زيادة على ذلك؛ مثل الوقاع ومقدماته؛ فذلك ليس بشرط وهو زيادةٌ في الفسق، فمن لم يفعل فاحشة واقتصر على ذلك فهو أثِمٌ لا محالة، قال ابن الصلاح: وليس المعنى بخوفِ الفتنةِ غلبَةُ الطن بِوقُوعِها، وتكفِى أن لا يكون ذلك نادراً فيكون النظر إليه بشهوة على ثلاثة مراتب إِحدَاها: أنْ يأمَنَ الفتنة فيجوزُ، وثانيها: أنْ يغلِبَ على ظَنِّهِ وقوعها فلا مجوزُ، وثالثها: أنْ يخافَ من غير ظهور وغلبة وقوع؛ فهو مَحِلُّ الْخِلَافِ. وعبارةُ الوسيط: الوجهُ الإباحةُ إلا في حقِّ من أَحَسَّ من نفسه الفتنةَ فعند ذلك يحرُم عليه فيما بينَهُ وبينَ الله تعالى إعادةُ النظر، قال ابن الرفعة؛ قوله: إِعَادَةُ النظرِ أشار به إلى أنَّ وقوعَ النظرِ إليه اتفاقاً لا يحرُمُ، أي وهو نظرُ الفُجَاءَةِ كما في الأجنبيةِ، وإنما الكلام في إعادة النظر إليه قَصداً واقتضى كلامُ الإمامِ جَرَيَانَ الخلافِ عند خوف الفتنة في نظر الرَّجُل إلى الرَّجُلِ وتَبِعَهُ ابن أبى عصرون.

وَالأصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِيْنَ أنّ الأمَةَ كَالْحُرةِ، وَالله أعلَمُ، لما سلف، وقال ابن أبي عصرون: إنه المذهبُ؛ واستغرابُ الرافعي لَهُ غريب، وَالْمرأةُ مَعَ امرَأةٍ كَرَجُل وَرَجُلِ، أي فتنظرُ منها ما عدا ما بين السُّرَّةِ وَالركْبَةِ، ورأيتُ في أحد تعليقَيْ القاضي أنَّهُ يُكْرَهُ للمرأةِ إذا كانت تميلُ إلى النساء النظَرَ إلى وجهِ النسَاءِ وَأبْدَانِهِنَّ وأَنْ تُضَاجِعهُنَّ بلا حائل كما في الرجال.

وَالأصَحُّ تَحْرِيْمُ نَظَرِ ذِميةٍ إِلَى مُسْلِمةٍ، لقوله تعالى: {أَوْ نِسَائِهِنَّ

} وهي ليست كان نسائنا فلا تدخُل مَعَهُنَّ الْحَمَّامَ، قال المصنفُ في فتاويه: إلا أن تكون مملوكةً لها، قُلْتُ: يؤيّدُ أنَّ ابن جرير ذكَرَ عن ابن جُرَيح أنَّ المراد بِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ في الآية الإِمَاءُ الْمُشْرِكَاتُ إذا لم يدخلن في نسائِهِنَّ، والثانى؛ هو كنظر المسلمة إلى مسلمة لأن الجنسَ واحدٌ؛ وبالقياس على الرِّجَالِ فإنا لم نُفَرِّقْ فيهم بين نظر المسلم منهم إلى المسلم أو نظر الذمىِّ إليه، وصحَّحَهُ الغزاليُّ، فعلى هذا لا ترى

ص: 1176

منها إلا ما يبدو في الْمِهْنَةِ على الأشبَهِ، وقيل: هي كَالرَّجُلِ الأجْنَبِى. وَاعلم: أنَّ ظاهر إيراد المصنف يقتضى التحريم على الذِّمِّيَّةِ وهو صحيح إذا قلنا الكفارُ مخاطبون بالفروع، وإذا كان حراماً على الذِّمِّيَّةِ حَرُمَ على المسلمة التمكينُ منه، ويحتمل أنه أرادَ التَّحرِيْمَ على الْمُسْلِمَةِ؛ وهو ظاهرُ كتاب عُمَرَ إلى أبى عُبيدة يأمُرُهُ أن يمنعَ المسلماتِ مِن أنْ يدخُلْنَ الْحَمَامَاتِ مَعَ الْمُشْرِكَاتِ (370).

فَزع: سَائِرُ الكافراتِ في هذا كَالذِّمِّيَّةِ.

وَجَوَازُ نَظَرِ الْمَرأَةِ إِلَى بَدَنِ أَجْنَبِيٍّ سِوَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ إِن لَمْ تَخَفْ فِتْنَةَ، أي وليس كنظر الرجل إليها، لأن بدنها عورةٌ في نفسه، ولذلك يجبُ سترُهُ في الصلاة، ولأنهما لو استويا لأمِرَ الرجالُ بالاحتجاب كالنساء وهذا ما صحَّحَهُ الغزاليُّ، قال المتوليّ: ويكرهُ لها النظر إلى وجهه وبدنه، قُلْتُ: الأصَح التحرِيْمُ كهُوَ إِلَيْها، وَالله أَعلمُ، لقوله تعالى {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} (371) ولقوله عليه الصلاة والسلام [أَفَعَفيَاوَانِ أَنتمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصرَانِهِ؟ ] حديث صحيح كما قاله الترمذيُّ وغيره (372)، ولا عبرة. ممن طَعَنَ فيه وتسوية بينهما وهذا ما

(370) عن الحارث بن قيس، قال: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطابِ رضي الله عنه إِلَى أبِى عُبَيْدَةَ رضي الله عنه: (أمَا بَعدُ؛ فَإِنهُ بَلَغَنِى أن نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ المُسْلِمِيْنَ يدخُلْنَ الْحَمَاماتِ مَعَ نِسَاء أهلِ الشركِ، فَإنَّه مَنْ قِبَلَكَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِل لامرأة تُؤمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخِر أنْ يَنْظُرَ إِلَى عَوْرَتِها إِلَّا أهلُ ملَّتِها). رواه البيهقى في السنن الكبرىَ: كتاب النكاح: باب ما جاء في إبداء المسلمة زينتها لنسائها: الأثر (13835).

(371)

النور / 31.

(372)

عن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَت: كُنْتُ عِنْدَ رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ، فأقبَلَ ابنُ أمِّ مَكتومٍ، وَذَلِكَ بَعدَ أنْ أمرنَا بِالْحِجَابِ. فَقَالَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم:[احتَجبَا مِنهُ] فَقُلْنَا: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ ألَيسَ أَعمَى لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يعرِفُنَا؟ فَقَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم: [أفَعمياوَانِ أَنتمَا؟ ألَسْتُمَا تُبْصِرَانِه؟ ]. رواه أبو داود في السنن: كتاب اللباس: الحديث (4112)، وقال: هذَا لأزْوَاج النبي صلى الله عليه وسلم خَاصةَ؛ ألَا تَرَى إِلَى اعتِدَادِ فَاطِمَةَ بنتِ قَيْس عِنْدَ ابنِ أمِّ مَكتوم، قد قَالَ النبِى صلى الله عليه وسلم لِفَاطِمَةَ:[اعتَدي عِنْدَ ابن مَكتومٍ، فَإنَّهُ رَجُلٌ أعمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ]. ورواه

ص: 1177

صحَّحَهُ جماعة، وقطع به صاحب المهذب وغيره، وقال المصنّفُ في شرح مسلم في باب المطلقة البائن لا نفقة لها: وإنَّهُ الصَّحِيْحُ الذي عليه جمهورُ العلماءِ وأكثرُ أصحابنا (373)، وقال الشيخ تقي الدين القُشَيرِيُّ في كتاب الطلاق من شرح العمدة: في دلالة الآية المذكورة نظر؛ لأن مِن للتبعيضِ فيحمل على ما إذا خافت الفتنة فلا دلالةَ حينئذِ على وُجوب الغَضِّ مُطلقاً كما اختارَهُ بعضُ المتأخرينَ ولعلهُ عنى به النووي فينه استدلَّ بها في روضته، وحديثُ عائشة [رَأَيْت رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُم يَلْعبوْنَ وَأَنَا جَارِيَة] (374) لعلهُ كان قبل نُزول الحجاب أو كانت عائشة لم تبلغ مبلغ النساء؛ إذ ذاك. وفي المسألة وجه ثالث: أن لها النظرُ لما يبدو منه عند المِهْنَةِ دون غيره إذ لا حاجةَ إليه، أما إذا خافتْ فتنةً فلا يجوزُ قطعاً، وحديث [أَفَعمياوَانِ أَنتمَا؟ ] يُحمل على هذا أو على الاحتياط.

= الترمذي في الجامع: كتاب الأدب: باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال: الحديث (2778)، وقال: حسن صحيح.

(373)

المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي: كتاب الطلاق: باب المُطَلَّقَةُ البَائنُ لا نفقة لها: الحديث (36/ 1480) وما بعده: ج 10 ص 348.

(374)

رواه البخاري في الصحيح: كتاب العيدين: باب إذا فاته العيد يصلى ركعتين:

الحديث (988)، وكتاب المناقب: باب قصة الحبش: الحديث (3530). وليس [وَأنَا جَارِيَةٌ].

رواه البيهقى في السنن الكبرى: كتاب النكاح: باب مساواة المرأة الرجل: الحديث (13814) واللفظ له.

قال البيهقى: ففى قوله في هذه الزيادة: وأنا جارية، دليل على أنها كانت صغيرة لم تَبلُغْ.

عن أنس رضي الله عنه قال: [لما قَدِمَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ لَعِبَتِ الحَبَشَهُ بِحِرَابِهم فَرَحًا بِمَقدَمِهِ]. رواه البيهقى في السنن الكبرى: الحديث (13815)، وقال: فإنْ كَانَثْ هذِهِ القصةُ وما رَوَتْهُ عائِشَةُ واحدةَ؛ ففيها ما دَلَّ على أنها كانتْ غَيْرَ بَالِغةٍ في ذلكَ الوقتِ. فرسولُ اللهِ بَنَى بها حينَ قدِمَ المدينةَ وهى ابنة تِسْع سِنِيْنَ، ويحتملُ أن ذلكَ كانَ قبلَ أن يُضربَ علَيهِن الحجَابُ.

ص: 1178

وَنَظَرُها إِلَى محرَمها كَعَكْسِهِ، أي كنظر الرَّجل إلى المرأة المَحرَمِ فلا يحرمُ إلَّا ما بينَ السُّرَّةِ وَالركبَةِ، وَمَتَى حَرُمَ النْظَرُ حَرُمَ المَسُّ؛ لأنه أبلغُ في اللذةِ وأغلظُ؛ بدليل: أنه لو لَمَسَ فأنزلَ بَطَلَ صومُهُ، ولو نظرَ فأنزلَ لم يبطُل، فيحرُمُ على الرجلِ دَلْكُ فَخِذِ الرَّجُلِ بلا حائل، وإن كان فوق إِزَارٍ جازَ إن لم يخف فتنة، وعبارةُ القاضي حُسين: لا يجوزُ لِلدَّلَّاكِ أنْ يُدخل يدَهُ تحت إزارِهِ، وعبارةُ القفال في فتاويه؛ ومنها نقلتُ: لا يجوزُ للدَّلَّاكِ في الْحمَامِ أنْ يُدخل يدَهُ تحتَ إزارهِ ليغمز فخذَهُ ولا يمكِّنْهُ الرَّجُلُ، ومقتضى هذه العبارة التحرِيمُ، وإن كان في اليَدِ مِفْرَكَةَ ونحوها مما يحولُ بينها وبين مسِّ البشرة.

تَنْبِيْهانِ: الأوَّلُ: عبارةُ الْمُحَرر والروضَةِ هي: وحيثُ حَرُمَ النظَرُ حَرُمَ الْمَسُّ، وهي أحسنُ من عبارة المصنِّفي هنا، لأنَّ حَيْثُ اسمُ مكان وهذا هو المقصودُ أنَّ المكان الذي يحرُمُ نظرهُ يحرُمُ مَسُّهُ، وَمَتَى اسمُ زمانٍ ولا يلزم منها المكانُ، الثانِى: قد يحرُمُ النظر على وجه ويجوزُ الْمَسُّ قطعاً وهو نظرُ الرجلِ إلى فرج أمَتِهِ وَزَوْجَتِهِ كما ستعلمهُ، أو يُحمل كلام المصنِّف على الأجْنَبِياتِ.

فَرع: قد يحرم المسُّ دون النظر فلا يجوزُ للرجُل مسَّ وجهِ الأجنبيَّةِ وإن حازَ النظرُ، ولَا مسَ كل ما يجوزُ النظر إليه من المحارمِ والإِماء بل لا يجوزُ للرجُل مَسُّ بطنِ أمِّهِ ولا ظهرها ولا أن يغمز سَاقها ولا رِجْلَها ولا أن يُقبلَ وجهها، حكاهُ الرافعى عن العبادي عن القفال، قال: وكذا لا يجوزُ للرجلِ أن يأمُرَ ابنتَهُ ولا أختَهُ بغمز رجْلِهِ أي من كيرِ حائلٍ وأجازَهُ بعضهم إذا لم تكن شهوةً حكاهُ في المطلب، وعن القاضي حسين: أنه كان يقول للعجائز اللائي يُكَحِّلْنَ الرجالَ يوم عاشوراء: مرتكباتْ للحَرَامِ، وفي شرح مسلم للمصنِّف: في باب فضل الغزو في البحر: أجماعُ العلماء على جواز مسِّ الْمحرَمِ في الرأس وغيره مما ليس بعورة (375)، وفيه مخالفةٌ لما

(375) عن أنس بن مالك؛ أنَّ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدخُلُ عَلَى أم حَرَام بِنْتِ مَلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أم حَرَام تَحتَ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْها رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم =

ص: 1179

أسلفناهُ عن القفال فإنه نقله عنه في الروضة تبعاً للرافعي وأقرَّهُ، ومس الرَّجُلِ بطنَ أُمِّهِ وظَهْرَها ينبغى جوازُهُ إذا كان لشفقة وحُنُوّ وكذا غَمزُ السَّاقِ وَالرِّجْلِ وَالتَّقْبِيْلِ.

ويبَاحَانِ، يعنى النظرُ والْمَسُّ، لِفَصَدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلَاج، للحاجة الملجِئَة إلى ذلك، وليكُنْ بحضورِ مَحْرَمٍ أو زوجٍ، قُلْتُ: وينبغي الاكتفاءُ بحضور امرأةٍ أخرى معها، لأن الحكاية عن الأصحاب جوازُ خُلُوَّةِ رجل بامرأتين، ويشترطُ أيضاً عدمُ المعالج من كلِّ صِنْفِ، ولا يكشفُ إلا قدرَ الحاجةِ كما قاله القفال في فتاويه، قال القاضى حُسين والمتولي: ولا يكون ذِمِّيًّا مع وُجود مُسْلِمٍ، وفي معنى الفصد والحجامة نظرُ الخاتِنِ إلى فرج الصبىِّ الذي يَخْتِنُهُ، ونظر القابلة (•) إلى فرج التي تولدها، قُلْتُ: ويبَاحُ النظَرُ لِمُعَامَلَةٍ، أي كبيع وشراءٍ وإجارةٍ ونحوها، لأنه يُحتاج إلى معرفتها فيقتصرُ على الوجه فقطْ، وَشَهادَةٍ، ليغرِفها عند الحاجة وكذا عند الأداءِ، فإن امتنعت أمَرَ امرأةً بكشفِ وجهها، وكذا عند العقدِ عليها لابُدَّ أن تكون معروفةً عند الشاهِدَيْنِ بالنسَبِ أو يُكشف عن وجهها، لأن التجمل عند النكاح منزل منزلة الأداء، وَتَعلِيْمٍ، هذه المسألةُ من زياداته على الروضة بل وعلى تعليق الشيخ أبى حامد والقاضى حُسين والتتمة والإبانة والمهذب والحاوي والبيان والنهاية والشامل والمطلب، وهو ظاهر فيما يجبُ تعليمهُ وتعلُّمه كقراءة الفاتحة، وما يتعيَّنُ بعلمه من الصنائع المحتاج إليها بشرط أن لا يمكن التعليم من وراء حجابٍ، أما غير ذلك

= يَوْماً فَأَطعَمَتْهُ، ثُم جَلَسَتْ تُفَلِّى رَأسهُ، فَنَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ استَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَت: مَا يُضحِكُكَ يَا رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: [نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوْا عَلَىَّ غُزَاةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَركَبُونَ ثج هذَا البَحرِ مُلُوكًا عَلَى الأسِرَّةِ -أو مِثْلَ الْمُلُوْكِ عَلَى الأَسِرة-] فَقُلتُ: يَا رسول اللهِ ادعُ اللهَ أَن يَجعَلَنِى فِيهم فَدَعَا. رواه مسلم في الصحيح: كتاب الإمارة: باب فضل الغزو في البحر: الحديث (160/ 1912).

قال النووي رحمه الله: وفيه جوازُ ملامسَةِ المَحرَمِ في الرأسِ وغيره مما ليس بعورةِ، وجوازُ الخلوةِ بالمَحرَمِ والنوم عندها وهذا كله مجمَعٌ عليه.

(•) في النسخة (2): الداية. وأشار أنه في نسخة أخرى: القابلة. فأثبتناه.

ص: 1180

فكلامهم يقتضى المنعَ، ومنهم المصنِّفُ حيث قال في الصداق: وَلَوْ أَصدَقَ تَعلِيْمَ قُرآنٍ وَطَلقَ قَبْلَهُ فَالأصَحُّ تَعَذُّرُ تعلِيْمِهِ، وعلَّلَهُ الرافعي: بأنها صارت مُحَرَّمَةً عليه، ولا يؤمَنُ الوقوعُ في التُّهْمَةِ. والخلوةُ الْمُحَرَّمَةُ لو جَوَّزنا التعليم فالوجهان متفقان على تحريم النظرة، وَنَحوِها، أيْ كالنظرِ إلى فرج الزَّانِيَيْنِ للشهادة على الزِّنَا وإلى فرج المرأةِ للشهادة على الأولاد وإلى ثديها للشهادة على الرضاع لظهور الحاجة، وكذا النظرُ لجاريةٍ أو عبدٍ يريدُ شراءَهُمَا فينظرُ ما عدا ما بين السُّرَّةِ والركبَةِ، وكلُّ ما ذكرنا أنه يجوزُ للرجُل نظره من المرأة للحاجة يجوزُ لها منه أيضاً إذا تحقَّقَتْ حاجتها، كما إذا باعتْ أو اشترتْ منهُ أو استأجرتْ منهُ أو آجرتهُ، لأنها تحتاج إلى معرفتِهِ لمطالبَتِهِ وغير ذلك، بِقَدرِ الْحَاجَةِ، وَالله أَعْلَمُ، أي فينظرُ عند الشهادة أداء وتحملاً، وكذا عند الْمُبَايَعَةِ إلى الوجْهِ فقط، قال في البحر: والذي ذهبَ إليه الجمهور أنه يستوعبَ جملةَ الوجهِ، لأن جميعَهُ ليس بعورةٍ، وقال الماورديُّ: الصحيحُ أنه ينظرُ إلى ما يعرفها به، فإن كان لا يعرفها إلا بالنظر إلى جميع وجهها جازَ لَهُ النظَرُ إلى جميعِهِ، وإن كان يعرفها بالنظر إلى بعضه لم يكن له أن يتجاوز إلى غيره، قال: ولا يزيدُ على النظرة الواحدة إلا أن يحتاجَ إلى ثانيةٍ للتحققِ فيجوزُ، وقال الحسنُ البصرِيُّ والشعبىُّ في المرأةِ بها الجرحُ ونحوه: تخرق الثوب على الجرح ثم ينظرُ الطبيب إليه.

وَللزَّوْج النَّظَرُ إِلَى كُلِّ بَدَنِها، لأنه مَحِلُّ اسْتِمتَاعِهِ والنظرُ فيما يُستمتع به حتى الفَزجَ ظاهراً وباطناً على الأصحّ لكن يُكره. وباطن الفرج أشدُّ كراهةً قالت عائشة:[مَا رَأَيْتُهُ مِنْهُ وَلَا رآهُ مِنّي](376) وقيل: يَحرُمُ وصحَّحَهُ الْجُرجَانِىُّ في شافيه

(376) عن مولى أو مولاة لعائشة؛ عن عائشة رضى الله عنها؛ قالت: (مَا رَأْيْتُ؛ أَوْ مَا نَظَرت فَرجَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَط). رواه ابن ماجه في السنن: كتاب الطهارة: باب النهي أن يرى عورة أخيه: الحديث (662). وفي كتاب النكاح: الحديث (1922). والإمام أحمد في المسند: ج 6 ص 63. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب النكاح: باب ما تبدى المرأة من زينتها: الحديث (13830) وإسناده ضعيف.

ص: 1181

لحديث جيِّدٍ كما قال ابنُ الصَّلاح أخرجه البيهقيُّ وغيره [إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ فَلَا يَنْظُر إِلَى فَرْجِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُوْرِثُ الْعَمَى](377) وأكثرُ طُرقه مقيَّد بحالة الجِماع واختلفوا في قوله [يُوْرِثُ الْعَمَى] فقيل: في النَّاظِرِ، وقيل: في الولدِ، وقيل: في القلبِ، فحيث لا وطءَ ولا ولدَ قد يقال بالتخصيص فيه، ورأيتُ في الْمُعِيْنِ لبعضِ فقهاء اليمن عن الشيباني أن مَحِلَّ الخلاف في غير حالةِ الاستمتاعِ، وأما فيه فيجوزُ قطعاً، ورأيتُ في كلام الْقَمُوْليِّ أنَّ بعضهم حكاهُ عن النَّصِّ وهو مصادِمٌ للحديث المذكور، وأما حلَقَةُ الدُّبُرِ فلا يجوزُ النظرُ إليها قطعاً، لأنها ليستْ مَحِلَّ استمتاعِهِ كما نقل عن الدَّارِمِىُّ في استذكاره، ثم رأيتُهُ منهُ بعد ذلك فيهِ، لكن في النهاية في باب إتيانِ النساء في أدبارهن ما نصُّهُ: والتلذُّذُ بالدُّبُرِ من غيرِ إيلاجٍ حائزٌ، فإنَّ جملةَ أجزاءِ المرأةِ محِل استمتاعِ الرجُلِ إلا ما حرَّمَ الله من الإيلاجِ، وقال في أثناء ما جاء في الترغيب في النكاح: فإن كانت المرأةُ مستباحةً لهُ فلهُ النظر إلى جميع متجردها وإلى ما وراء الإزار، ثم حكى الخلاف في الفرج. وقول المصنفِ (وَلِلزَّوْجِ النَّظرُ إِلَى كُلِّ بَدَنِهَا) يُستثنى ما إذا كان بها مانعٌ بأن كانت معتدَّةً عن وطءِ أجنبيٍّ بشبهةٍ؛ فإنه يحرُمُ عليه أن ينظُرَ إلى ما بين السُّرَّةِ والرُّكُبَةِ ولا يحرُمُ ما زاد على الصحيحِ كما ذكرَهُ في الروضة تبعاً للرافعى.

فَرْعٌ: نظرُ السَّيِّد إلى أَمَتِهِ التي يجوزُ استمتاعُهُ بها كنظرِ الزَّوجِ إلى زوجَتِهِ؛ فإن كانت مرتدَّةً أو مجوسيَّةً أو وثنيةً أو مزوَّجَةً أو مكاتَبَةً أو مشتركة بينه وبين الغير؛ فكما أسلفناه في المعتدة عن وطء أجنبيٍّ بشبهةٍ.

فَرْعٌ: نظرُ الزوجة إلى زوجها كنظرِهِ إليها، وقيل: يجوز نظرها إلى فرجه قطعاً، لأنَّ الخبر وردَ في الفرجِ وهو الشَّقُّ، وممن صرَّح بالخلاف فيها الجرجاني في شافيه؛

(377) رواه البيهقى في السنن الكبرى: الحديث (13831). قال ابن حجر في تلخيص الحبير: باب ما جاء في استحباب النكاح: الحديث (13) منه: (قال أبو حاتم في العلل: موضوع؛ وبَقِيَةُ مدلسٌ. وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وخالف ابن الصلاح ففال: إنه جيد الإسناد. كذا قال وفيه نظر) إنتهى.

ص: 1182

ونظرها إلى سيّدِها كنظرِهِ إليها.

فَرْعٌ: الخلافُ الذي في النظر إلى الفرج لا يجري في مَسِّهِ لانتفاءِ العلَّة؛ هذا هو الظاهرُ، وإن لم يصرِّحوا به، وسَأل أبو يوسف أبا حنيفة عن مسِّ الرجُلِ فرج امرأتِهِ وعكسِهِ؛ فقال: لَا بَأْسَ بِهِ وَأَرْجُو أَنْ يُعَظِّمَ الله أَجْرَهُمَا.

فَرْعٌ: ما لا يجوزُ النظر إليه متَّصلاً كالذكرِ؛ وساعدِ الحُرَّةِ؛ وشعرِ رأسها؛ وشعر عانَةِ الرَّجُل؛ وما أشبهها، يحرمُ النظر إليه بعد الانفصال على الأصحِّ، وبه أجابَ أبو علي الشَّبُويُّ والقاضى حُسين وزاد فقال: وكذلك دَمُ الفَصْدِ والحجامَةِ، وقيل: لا يحرم، لأنه لا يخافُ من النظر إليها فتنة وهو قويٌّ، وقال الإمامُ: احتمالاً لنفسه إن لم يتميِّز أن الْمُبَانَ من المرأة بصورتِهِ وشكله عمَّا للرَّجُلِ كالقُلَامَةِ والشَّعر والجلدِ لم يَحْرُمْ، وإن تميَّز حَرُمَ، وضعَّفَهُ في الروضة إذ لا أثَرَ للتمييز مع العلم بأنه جزءٌ ممن يحرُم نظره، قال: وعلى الأصحِّ يحرُمُ النظرُ إلى قُلَامَةِ رِجْلِهَا دون قُلَامَةِ يَدِها، ويَدِهِ وَرِجْلِهِ، قُلْتُ: هذا التفصيل مَبْنِيٌّ على أنَّ يَدَهَا ليست بعورةٍ، وهو قد صحَّح فيما مضى أنه عورةٌ، فهذا يخالفُ، وهذا التفصيلُ نَقَلَتْهُ بنتُ أبي عليٍّ الشَّبُويِّ عن والدها للخضريِّ لما سُئل عن ذلك ففرح به؛ وقال: لو لم أستفدْ من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة كانت كافيةً. ونقلَ البغويُّ في فتاويه هذا التفصيل عن أصحابنا، وفي البحر وجهٌ حكاه في كتاب الصَّلاة: أنه يجبُ دفنُ شعرُ المرأة وظُفرِها، وفي طبقات العباديِّ عن عبدان من قدماءِ أصحابنا: أنَّ الْحُرَّةَ إذا وَصَلَتْ شعرها بشعر حُرَّةٍ يجبُ ستُرهُ، أو أَمَةٍ فلا، ونقلَ الإمامُ عن نصِّ الشافعيِّ رحمه الله تحريمَ النظرِ إلى شعرِ الأجنبيَّةِ إذا وَصَلَتْهُ الزوجَةُ بشعرِ نفسها، فيحتملُ أن يكون لأجل وجوب الدَّفْنِ كما سلفَ، ويحتمل أن يكون لأجل الوصْلِ فإنه حَرَامٌ، وينبغي لمن حَلَقَ عانَتَهُ أن يُوَارِىَ الشَّعْرَ لِئلا ينظر إليه أحدٌ، وفي فتاوي البغويِّ: أنه لو أُبِيْنَ شعرُ الأَمة وظُفُرها ثم عَتَقَتْ ينبغي أن يجوزَ النظرُ إليه، وإن قلنا: إنَّ الْمُبَانَ كالمتَّصِلِ لأنه حين انفصلَ لم يكُنْ عورةً؛ والعتق لا يتعدى إلى المنفصل.

فَرْعَانِ نَخْتِمُ بِهِمَا الْكَلَامَ فِي النَّظَرِ:

ص: 1183

الأَوَّلُ: قال في الروضة تبعاً للرافعىِّ: لا يجوزُ أن يُضَاجِعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ولا الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وإن كان كلُّ واحدٍ في جانبٍ من الفِرَاشِ، واستدلَّ لهُ الرافعيُّ بقوله عليه الصلاة والسلام:[لَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ]، وهو حديث صحيحٌ أخرجهُ مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (378)، ومرادُهما ما إذا كانا مجرَّدَيْنِ، ولفظُ الإفضاء يقتضيه فإنه بغير حائلٍ ورواه أحمد والحاكم من حديث جابر وقال: صحيح على شرط مسلم بلفظ [لَا يُبَاشِرُ](379) وهو مثله. وقوله في الثوب الواحد يقتضيه أيضًا، وقد صرَّح بذلك القاضى حُسين حيث قال: لا يجوزُ للرجلين أن يتجرَّدَا في ثوبٍ واحدٍ، والخوارزمىُّ في كافِيْهِ حيث قال: لا يجوزُ مُضَاجَعَةُ الرَّجُلَيْنِ العَارِيَيْنِ وإن كان أحدُهما من جانبٍ والآخر من جانبٍ وكذا في حقِّ الْمَرْأَتَيْنِ وإن كانتا لابِسَتَيْنِ أو إحداهما فلا بَأْسَ، وفي هذه الأخيرة نظرٌ وينبغي أن يستثنى من التحريم الإفضاءُ بين الوالدِ وولدِهِ ووالدةٍ وولدِهَا لإنتفاء المحذور وقد صحَّ ذلك من حديث أبي هريرة أخرجه ابن حبان والحاكم وقال: على شرط البخاري ولفظهما: [لَا تُبَاشِرِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا الرَّجُلُ الرَّجُلَ إِلَاّ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ](380) وأخرجه أبو داود بلفظ [إِلَاّ

(378) رواه مسلم في الصحيح: كتاب الحيض: باب تحريم النظر إلى العورات: الحديث (74/ 338). والبيهقى في السنن الكبرى: الحديث (1386).

(379)

عن جابر رضي الله عنه؛ قَالَ: (سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى أَنْ يُبَاشِرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَالْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ). رواه الحاكم في المستدرك: كتاب الأدب: الحديث (7775/ 98)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وذكر الإسناد.

عن ابن عباس رضى الله عنهما؛ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [لَا يُبَاشِرِ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَلَا الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ]. رواه الحاكم في المستدرك: الحديث (7777/ 99)، وقال: على شرط البخاري. ووافقه الذهبي. والإمام أحمد في المسند: ج 1 ص 304 وص 314 مرسلاً.

(380)

رواه الإِمام أحمد في المسند: ج 2 ص 447. وابن حبان في الإحسان بترتيب الصحيح: =

ص: 1184

وَلَداً وَوَالِداً] (381) فهذه زيادة مخصِّصَةٌ لحديث أبي سعيد السالف. الثاني: قالَا أيضاً وسبقهما القاضي حُسين: إذا بلَغَ الصَّبيُّ والصَّبِيَّةُ عشرَ سنين وجَبَ التَّفرِيْقُ بينَهُ وبينَ أُمِّهِ وأبِيْهِ وأُخْتِهِ وأَخِيْهِ في المضجَعِ واستدلَّ لهُ الرافعى بقوله صلى الله عليه وسلم: [مُرُواْ أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ، وَاضْرِبُوْهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْر وَفَرِّقُواْ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ] وهو حديث حسنٌ رواه أبو داود (382) ولكنه ليس مطابقاً للدلالة، لأن مقتضاهُ التفريقُ بين الصبيان لا بينهم وبين آبائهم وأُمهاتهم؛ فإن أخذَ ذلك من القياس، فالفرقُ ظاهرٌ. وتحصلُ التفرقةُ بكون كلِّ واحدٍ منهم في فِرَاشٍ ويكونُ اثنين فصاعداً في فِرَاشٍ متفرِّقَين غيرَ مُتَلَاصِقَيْنِ وحكمهما في التجرُّدِ ما سلفَ في الفرع قبله.

فَصْلٌ: تَحِلٌّ خِطْبَةُ خَلِيَّةٍ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ، أيْ وموانعُ النكاحِ تعريضاً وتصريحاً وهو إجماعٌ، وقال الغزالي: إنها مستحبَّةٌ ويحتجُّ له بالإتباع، والخِطْبة بكسر الخاء. أما المنكوحَةُ فيحرم خطتها مُطلقاً، لَا تَصْرِيْحَ لِمُعْتَدَّةٍ، أي سواءٌ كانت رجعيَّةً أو بائِناً لمفهوم قوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ

} الآية (383)، وحكى ابنُ عطية الإجماع على ذلك، والمواعَدَةُ سِرًّا في الآية الخطبة على الصحيح، قال الشافعيُّ: ولم يُرِدْ بالسّرِّ ضِدَّ الْجَهْرِ وإنَّمَا أَرَادَ الْجِمَاعَ، ومن قال من الظاهرية أنه تجوزُ الخطبةُ علانِيَةً لا سِرًّا فقد جاوزَ الحدَّ، وَلَا تَعْرِيْضَ لِرَجْعِيَّةٍ، لأنها زوجةٌ أو في معنى الزَّوْجَةِ.

ص: 1185

وَيَحِلُّ تَعْرِيْضٌ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، أي لو كانت بالحمل للآيةِ السَّالفة، والفرقُ بينه وبين التصريح أن التصريح تتحقق به الرغبةُ بخلافه، وضابطُ التصريح ما يقطع بهِ الرَّغْبَةَ في النِّكَاحِ كقوله أُريد نِكَاحَكِ إذا انقضتْ عدتُكِ نكحتُكِ؛ والتعريضُ ما احتمل الرغبَةَ وعدمَها قالهُ الرافعىُّ، وقال ابنُ الْقُشَيْرِيِّ في تفسيره: هو إبهامُ المعنى بالشيء المحتَمَلِ لَهُ ولغيرهِ لقوله: رُبَّ راغبٍ فيكِ إذا حَلَلْتِ فآذِنِيني ونحوهما، وَكَذَا لِبَائِنٍ فِي الأَظْهَرِ، لانقطاعِ سلطَنَةِ الزَّوج عنها. والثاني: المنعُ، لأن لصاحب العدَّةِ أن ينكحها فأشبهتِ الرجعيَّةَ، وسواءٌ حصلتِ الْبَيْنُونَةُ بالطلاقِ أو الفسخِ، وسواءٌ كانت الْعِدَّةُ بالأقراءِ أو بالأشهر على الأصحِّ. وقيل: إن كان بالأقراء حَرُمَ قطعاً؛ لأنها قد تكذب في انقضاء العدَّةِ لرغبتها في الخاطب.

فَرْعٌ: التي لا تحلُّ لمن منهُ العِدَّةُ بلعانٍ أو رضاع أو طلاقِ الثلاثِ كالمعتدَّةِ عن الوفاة، وقيل: كالفسخِ.

فَرْعٌ: في المعتدَّةِ عن وطءِ شُبْهَةٍ طريقان؛ أصحُّهما: القطعُ بالجواز لأنَّ مَنْ منهُ العِدَّةُ ليس له عليها حقُّ نِكاحٍ، الثاني: طردُ الخلاف.

تَنْبِيْهٌ: رُبَّما بُنِيَ الخلافُ في هذه الصورة وِفَاقاً وخِلافاً كما قال الرافعيُّ: على أن المقتضى للتحريم في الرجعيَّةِ ما إذا قالت طائفةٌ إنها بِصَدَدِ أن تراجَعَ فقد تكذبُ في انقضاءِ العِدَّة دفعاً لها، وقال آخرون: إنها مجفوةٌ بالطلاق فقد تكذبُ انتقاماً، والمعنَيَانِ مفقودانِ في المتوفَّى عنها زوجُها فجازَ. وفي البَائِنِ وُجِدَ الثاني دُون الأول فكانَ على الخلافِ.

فَائِدَةٌ: جَمِيْعُ ما ذكرَهُ المصنِّفُ فيما إذا خطَبَها غيرُ صاحب العدَّةِ، فأما صاحبُها الذى يحِلُّ له نكاحها، فله التصريحُ بخِطبتها، وحكمُ جواب المرأة في الصورة المذكورة تصريحاً وتعريضاً حكم الخطة فيما تقدم.

فَرْعٌ: لو خالفَ الخاطبُ، فصرَّحَ أو عرَّضَ حيثُ لم يُبَحْ لهُ ثم أوقعَ العقدَ صحَّ، نصَّ عليهِ.

ص: 1186

فَرْعٌ: يُكره التَّعريضُ بالجِمَاع للمخطوبَةِ ولا يُكره التعريضُ ولا التصريحُ به لزوجتِهِ وأَمَتِهِ نقلَهُ في الروضة من زوائدِهِ عن الأصحابِ.

فَصْلٌ: وَتَحْرُمُ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةِ مَنْ صُرِّحَ بِإِجَابَتِهِ إِلَاّ بِإِذْنِهِ، لقوله صلى الله عليه وسلم:[لَا يَخْطِبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيْهِ إِلَاّ بِإِذْنِهِ] متفق عليه من حديث ابن عمر (384)، والتركُ كالإذنِ كما جاء فِى رواية البخاري. ويشترطُ أن يكون عالماً بالنهي عنهُ قالَهُ القاضي حُسين في تعليقه.

فَرْعٌ: لو خالَفَ وتَزَوَّجَهَا صحَّ العقدُ لأنَّ الْمُحَرَّمَ الْخِطْبَةُ لا العقدُ.

فَإِنْ لَمْ يُجَبْ وَلَمْ يُرَدَّ لَمْ تَحْرُمْ فِي الأَظْهَرِ، لأنه ليس فيه إبطالُ شيءٍ تقرَّرَ بينهما، ومنهُمْ من قطعَ بِهِ، والثاني: يحرُمُ لإطلاق الحديث؛ قال الرافعيُّ: وأقَامَ مقيمونَ كلام الفريقين؛ يعني من قطعَ، ومن أثبتَ؛ قولين طريقين؛ قالَ: ويمكنُ أن لا يُجعل خلافاً محقَّقاً، ويحملُ الأول؛ يعني القطعُ بالجوازِ على سكوتٍ لم يقترِنْ به ما يُشعِرُ بالرِّضَى، وإجراءُ الخلافِ على سكوتٍ اقترنَ به ما يُشعِرُ بالرِّضَى، وقال الرافعي في كتاب البيع: هل السكوتُ من أدلة الرِّضَا إذا لم يقترنْ به ما يُشعر به بالإنكار. أما في الخِطبة فنَعَمْ، وأما في السَّوْمِ فقال الأكثرون: لا، بل هو كالتصريح بالرَّدِّ، وعن بعضهم أنهُ كما في الخِطبة حتى يخرج على الخلاف وقول المصنف (لَمْ يُحَبْ وَلَمْ يُرَدْ) لكَ أن تجعلَهُ على إطلاقِهِ، أىْ لم يُجَبْ تصريحاً ولا تعريضاً بل سكتَ عنهُ، قال الرافعيُّ: والسَّابقُ إلى الفَهْمِ من إطلاقِ الأكثرين أنَّ سكوتَ الوليِّ عن الجوابِ على الخلاف، وخصَّصَ بعضُهم الخلافَ بسكوتِها، وقال: سكوتُ الوليِّ

(384) عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ كان يَقُوْلُ: [نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَبيْعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيْهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطبُ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب النكاح: باب لا يخطب على خطبة أخيه: الحديث (5142). ومسلم في الصحيح: كتاب النكاح: باب تحريم الخطة على خطبة: الحديث (49/ 1412).

ص: 1187

لا يمنعُ قطعاً، لأنها مَجْبُولَةٌ على الحَيَاءِ، فلولا الرضا عند السكوتِ لبادَرَتْ إلى الرَّدِّ، وعن الدَّارِكِىِّ: أنَّ الخلافَ في سكوتِ البكرِ، ولا يُمنع سكوتُ الثيِّبِ؛ بحالٍ ولكَ أنْ تجعلَهُ خاصًّا بالصريحِ؛ أي إن لم تُجِبْ صريحاً، لكن وُجد ما أشعر به كلا رغبة عنك، والجديدُ فيه أيضاً عدمُ التحريم، والقديمُ التحريمُ، وقوله (وَلَمْ يُرَدْ) يخرجُ به ما إذا رُدَّ فإنه لا يحرُمُ قطعاً.

فَرْعٌ: صريحُ الإجابة أن تقولَ أَجَبْتُكَ إلى ذلكَ، أو تأذَنَ لوليِّهَا في أن يُزوجها إيَّاهُ، وهي معتبرةُ الإذنِ.

فَرْعٌ: المعتبرُ ردُّ الوليِّ وإجابتُهُ إن كانت مُجْبَرَةً وإلا فردُّها وإجابتُها، وفي الأَمة رَدُّ السَّيِّدِ وإجابتُهُ، وفي المجنونَةِ رَدُّ السلطانِ وإجابتُهُ، وقال ابنُ الرفعة: والمكاتَبَةُ إن جوَّزنا تزويجَها ينبغي أن يُعتبر إذنها وإذنُ السَّيِّدِ معها.

فَرْعٌ: يجوزُ الهجومُ على الخِطبة لمنْ لَمْ يَدْرِ أَخُطِبَتْ أَمْ لَا؟ ولمنْ لم يَدْرِ أُجِيْبَ خَاطِبُهَا أَمْ رُدَّ؟ لأنَّ الأصلَ الإباحةُ.

فَرْعٌ: سواءٌ فيما ذكرناهُ الخاطبُ المسلمُ والذِّمِّيُّ إذا كانت كتابِيَّةً، وقيل: يختصُّ المنعُ بالخِطبة على خطبة الْمُسْلِمِ، ونقلَ ابنُ عبد البر الإجماعَ على كراهَةِ سَوْمِ الذّمِّيِّ على سَوْمِ المسلِمِ وعلى سَوْمِ الذّمِّيِّ إذا ترافعوا إلينا، وقياسُهُ أن تكونَ الخِطبة كذلك.

فَصْلٌ: وَمَنِ اسْتُشِيْرَ فِي خَاطِبٍ ذَكَرَ مَسَاوِيهُ بِصِدْقٍ، أي إذا لم يَندَفِعْ بدون ذلك بذلاً للنصيحة، فإن اندفَعَ بدون تعيينها، كقوله لا خَيْرَ لَكَ فِيْهِ ونحوه؛ فإنَّهُ لا يَحِلُّ تعيينُها. قاله في الأذكار. وليسِ هذا من الْغِيْبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وهي تباحُ لستة أسبابٍ جمعها بعضُ الطلَبَةِ في هذا البيت:

لَقَبٌ وَمُسْتَفْتٍ وَفِسْقٌ ظَاهِرٌ

وَالظُّلْمُ تَحْذِيْرُ مُزِيْلَ الْمُنْكَرِ

وقوله (ذَكَرَ مَسَاوِيَهُ) محتملٌ للجوازِ والإيجابِ؛ وظاهرُ إيراد الْمُحَرَّرِ الأولُ فإنهُ قال: فَلَهُ ذَلِكَ، وعبارتُهُ في الروضة تبعاً للشرح نحو ذلك، لِيَحْذَرَ قَالاً. وكذا مَنْ أرادَ نصيحةَ غيره ليحترِزَ عن مشاركته ونحوها، وقال القفال في فتاويه: عليهِ أَنْ

ص: 1188

يُبَيِّنَ، وصرَّحَ المصنِّفُ في أذكارِهِ ورياضِهِ: بِوُجُوبِ النُّصْحِ على الْمُسْتَشَارِ، وأَوجبَ في البيعِ على الأجنبي إذا علمَ بالمبيع عَيْباً، وأن يُخبر به المشتري، ولم يتعرَّضْ لهُ هنا. والظاهرُ أنه مثلُهُ، لأنَّ كتمانَهُ غِشٌّ، وبيانُهُ من النُّصْحِ الواجبِ لأئِمَّةِ المسلمينَ وعَامَّتِهِمْ؛ إلا إذا عَلِمَ أن ذلك لا يفيدُ، فقد ترخص له في التركِ في بعض الأحوال بحسب قدْرِ المفسدَةِ وما يترتَّبُ عليها.

ويُسْتَحَبُّ تَقْدِيْمُ خُطْبَةٍ، أي بضم الخاء، قَبْلَ الْخِطْبَةِ، أي بكسرها لحديث ابنِ مسعودٍ الشهيرِ في ذلك حسَّنَهُ الترمذيُّ وقد ذكرتُهُ بطولهِ في التُّحْفَةِ فراجِعْهُ منها (385)، ويصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم ويُوصي بتقوى الله تعالى ثم يقول: جئتكُمْ رَاغِباً في كَرِيْمَتِكُمْ ويخْطُب الوليُّ كذلك ثم يقولُ: لَسْتَ بِمَرْغُوبٍ عَنْكَ أو نَحْوَ ذلكَ، وهذه إنما تكون مِن الزُّوْج أو مِن القائِمِ مقامَهُ، وَقَبْلَ الْعَقْدِ، لحديث ابن مسعود السالف، ويحصلُ الاستحبابُ سواءٌ خَطَبَ الوليُّ أو الزَّوْجُ أو الأجنبيُّ.

وَلَوْ خَطَبَ الْوَلِيُّ فَقَالَ الزَّوْجُ: الْحَمْدُ للهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبِلْتُ، صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأن المتخللَ من مصالح العقدِ ومقدماتِ الصِّيْغَةِ فلا يقطعُ الموالاةَ كالإِقَامَةِ بينَ صَلَاتي الجَمْعِ، والثانى: لا يصحُّ، لأنه تخلَّلَ بينهما ما ليسَ من العقدِ؛ وهذا ما صحَّحَهُ الماورديُّ وقال: إن الظاهرَ من

(385) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قالَ: عَلَّمَنَا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ؛ وَالتَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ. قَالَ: [التَّشَهُّدُ فِى الْحَاجَةِ: إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتغْفِرُهُ. وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. فَمَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضلَّ لَهُ. وَمَنْ يُضلِلِ الله فَلَا هَادِىَ لَهُ. وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ] وَيَقْرَأ ثَلَاثَ آيَاتٍ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران / 102]{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء / 1]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب / 70 - 71]. رواه الترمذي في الجامع: كتاب النكاح: باب ما جاء في خُطبة النكاح: الحديث (1155). وينظر: تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج لابن الملقن: الحديث (1422).

ص: 1189

قول أصحابنا كلهم؛ ونُسِبَ الأَول إلى الشيخ أبي حامد فقط، وخطَّأَهُ فيه، وأما الرافعىُّ فنقل الأَول عن معظم الأصحابِ من العراقيين وغيرهم؛ والله أعلم، بَلْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، قالَهُ العراقيونَ كما نقلَهُ الرافعيُّ عنهم، وقالوا: للنِّكَاحِ خُطْبَتَانِ مَسْنُوْنَتَانِ أحداهُما تتقدُّمُ العقدَ والأُخرى تتخلَّلُهُ.

قُلْتُ: الصَّحِيْحُ لَا يُسْتَحَبُّ، وَالله أَعْلَمُ، كذا صحُّحَهُ هُنا، ووافق في الروضة الرافعى وذكر الماورديُّ [أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم زَوُّجَ فَاطِمَةَ بِعَلِيٍّ وَخَطَبَا جَمِيْعاً](386)، قال ابنُ الرفعةِ: وإذا كان لذلكَ؛ فالحجَّةُ فيه ظاهرةٌ على الاستحبابِ، لأنها إنما تكونُ من كلٍّ منهُما في مقدِّمةِ كلامِهِ، فَإِنْ طَالَ الذِّكْرُ الْفَاصِلُ لَمْ يَصِحَّ، لأنه يُشعر بالإعراضِ؛ وفيه بحثٌ للرافعيِّ.

فَرْعٌ: يُستحب الدُّعَاءُ للزوجينِ بعد العقدِ فيقالُ بَارَكَ الله لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ. ويُكْرَهُ أنْ يُقال لهُ بِالرَّفَاءِ وَالْبَنِيْنِ، لِلنَّهْيِّ عَنْهُ، ولأنه من ألفاظِ الجاهليَّةِ (387).

فَرْعٌ: يُستحبُّ للزوجِ أن يأخُذَ بناصيتها أولَ ما يَلْقَاهَا ويقولُ بَارَكَ الله لِكُلٍّ مِنَّا فِي صَاحِبِهِ.

(386) الحاوي الكبير للماورديِّ: كتاب النكاح: باب الكلام الذى ينعقد به النكاح: فصل: اذا تقرر ما وصفنا من حال الخطبة: ج 9 ص 165: قال: ولأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا زَوَّجَ عَلِيًّا خَطَبَا جَمِيعاً.

(387)

عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرْفَأَ الإِنْسَانُ إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: [بَارَكَ الله لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب النكاح: باب ما يقال للمتزوج: الحديث (14151).

عن الحسن قال: قَدِمَ عَقِيْلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْبَصْرَةَ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنيِ جُشَمْ، فَقَالُواْ لَهُ: بالرَّفَاء وَالْبَنِيْنَ. فَقَالَ: لَا تَقُوْلُواْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَقُوْلَ:[بَارَكَ اللهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب النكاح: الحديث (14152).

ص: 1190

فَرْعٌ: يُستحبُّ العقدُ في شوال والدخولُ فيه أيضاً، وعن ابنِ رُشدٍ المالكيِّ أنهُ ذَكَرَ في مقدماته: أنهُ روَى عن النبي صلى الله عليه وسلم[أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ النِّكَاحَ فِي رَمَضَانَ] قال: واستحَبَّهُ جماعةٌ في يوم الجمعة (388). قُلْتُ: وفيه حديثٌ من طريق أبي سعيدٍ مرفوعاً [يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ خِطْبَةٍ وَنِكَاحٍ] لكنه ضعيف (389).

فَرْعٌ: يُسْتَحَبُّ أنْ يقولَ عندَ الجِمَاعِ: [بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا] للحديث الصحيح فيه (390)، واستحبَّ الغزاليُّ في الإحياء أنْ يقولَ قبلَ هذا الدُّعاءِ: بِسْمِ اللهِ وَيَقْرَأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (391) وَيُكَبِّرَ وَيُهَلِّلَ

(388) قال ابن رُشد رحمه الله: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنِّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ النِّكَاحَ فِى رَمَضَانَ رَجَاءَ الْبَرَكَةِ فِيْهِ؛ وفيه تَزَوَّجَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَائشَةَ رضي الله عنها. وكان جماعةٌ من أهلِ العلمِ يَسْتَحْسِنُوْنَ النِّكاحَ في يومِ الجُمُعَةِ، وباللهِ سبحانه وتعالى التوفيق. ينظر: المقدمات الممهدات لأبي الوليد محمد بن رشد القرطبي: كتاب النكاح: فصل: ج 1 ص 482. طبعة دار الغرب الإسلامي: تحقيق د. محمد حُجي.

(389)

عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: (يَوْمُ الأَحَدِ يَوْمُ عُرْسٍ وَبِنَاءٍ؛ وَيَوْمُ الاِثْنَيْنِ يَوْمُ السَّفَرِ؛ وَيَوْمُ الثُّلَاثَاءِ يَوْمُ الدَّمِّ -أَيِ الْحِجَامَةِ- وَيَوْمُ الأَرْبِعَاءِ يَوْمُ الأَخْذِ وَلَا عَطَاءَ فِيْهِ؛ وَيَوْمُ الخَمِيْسِ يَوْمُ الدُّخُولِ عَلَى السُّلْطَانِ؛ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ تَزْوِيْجٍ وَبَاءَةٍ). حكاه الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: كتاب النكاح: باب أى يوم يكون التزويج: ج 4 ص 385، وقال: رواه أبو يعلى وفيه يحيى بن العلاء وهو متروك.

عن أَبِي أُمامة، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:[مَنْ صَلْى الْجُمُعَةَ وَصَامَ يَوْمَهُ وَعَادَ مَرِيْضاً وَشَهِدَ جَنَازَةً وَشَهِدَ نِكَاحاً وَجَبَت لَهُ الْجَنَّةُ]. حكاه الهيثمى في مجمع الزوائد: ج 4 ص 285، وقال: رواه الطبراني في الأوسط محمد بن حفص الأوصابي وهو ضعيف. وفي ج 2 ص 169: باب ما يفعل من الخير يوم الجمعة: قال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله فيهم محمد بن حفص الأوصابي، وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يغرب. إنتهى. قلتُ: رواه الطبراني في المعجم الكبير: ج 8 ص 97: الرقم (7484).

(390)

رواه البخاري في الصحيح: كتاب بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده: الحديث (3283)، وكناب النكاح: باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله: الحديث (5165).

(391)

الإخلاص / 1.

ص: 1191

ويقول: بِسْمِ اللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، اللهُمَّ اجْعَلْها ذُريَّة طيبةً إِنْ كُنْتَ قَدَّرتَ وَلَدا يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِى، قال: وإذا قَرُبَ الإنزالُ فقُلْ في نفسِكَ ولا تحرك به شفتَيْكَ: الحمد للهِ الذي {خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا

} الآية (392).

فَرْعٌ: لا يُكره الجِماع مستقبلَ القِبْلَةَ ولا مستدبرها لا في البنيان ولا في الصحراء قاله في الروضة من زوائده، وقال الغزالي في الإحياء: لا يستقبلُ الْقِبلَةَ به إكراماً لها، قال: ولْيَتَغَطيَا بثوب. فَرعٌ: يستحبُّ أنْ لا يُعَطِّلَها وأنْ لا يُطل عَهْدَها بالجِماع من غيرِ عُذرٍ، قاله في الروضة، وقال الغزاليُّ في الإحياء: ينبغى أن يأتيها في كلِّ أربع ليالٍ مرَّة وأن يزيدَ وينقصَ بحسبِ حاجتِها في التحصين فإن تحصينها واجبٌ، وإن لم تثبتِ المطالبَةُ بالوطء، قال: ويكرهُ الجماعُ في الليلة الأُولى من الشهر والأخيرة منهُ وليلة نصفه فيقالُ: إن الشيطان يحضُر الجِماع في هذه الليالي ويقال: أنه يُجامع، قال: وإذا قضى وَطْرَهُ فليمهِل عليها حتى تقضى وطرها، وذكرَ أبو نعيم في كتاب الطب أثراً عن على في الجِماع وقتَ السَّحَرِ وعن أبى هريرة رفعه [أَيعجَزُ أَحَدُكُم أَنْ يُجَامِعَ أَهْلَهُ فِى كُل يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَإن لَهُ أَجْرَيْنِ، أَجْرَ غُسْلِهِ وَاجْرَ غُسْلِ امرَأَتِهِ](393) وعن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: [لَا تُجَامِع أَهلَكَ فِي النِّصْف مِنَ الشهْرِ فَإنهُ مَحضَرُ الشياطِيْنِ](394).

فرع: يستحبُّ أن لا يتركَ الجِماع عند قدومِهِ من سَفَرِهِ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: [فَإِذَا قَدِمْتَ فَأتبَع الكيْسَ الْكَيْسَ] أي اتبعَ الولدَ الولد (395). ذكرَهُ في

(392) الفرقان / 54.

(393)

رواه الديلمى في الفردوس. بمأثور الخطاب: النص (1598).

(394)

في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: ص 130: الرقم (33) من كتاب النكاح: قال الشوكانى: حديث الوصية لعلى كيف يجامع. قال في الذيل: هو من أباطيل إسحاق الملطى. إنتهى.

(395)

رواه البخاري قوله في الصحيح: كتاب البيوع: باب شراء الدواب: الحديث (2097)، وكتاب النكاح: باب طلب الولد: الحديث (5245). ومسلم في الصحيح: كتاب =

ص: 1192

الروضة من زوائده.

فرع: لَا يحرُمُ وَطْءُ الْمُرضِع وَالْحَامِلِ (396).

فرع: فيما يقوى الانعاظ ويزيد في الباه؛ فيه أحاديثُ؛ منها عن علىّ في أكلِ البيضِ فقيل: يا رسول الله؛ وأي بيضٍ؟ فقال [كُل بَيْضٍ وَلَوْ بَيظَ النملِ](397) ومنها عن ابن عباس في أكلِ اللحمِ، ومنها عن معاذ وأبي هريرة في أكل الهريسةِ وأنها تزيد قوة أربعين رجلاً فيه (398)، ومنها الوضوءُ من الْجِمَاعَيْنِ فإنه أنشطُ للعودِ

= الرضاع: باب استحباب نكاح البكر: الحديث (55) وما بعده من الباب. والدارمى في السنن: كتاب النكاح: باب في تزويج الأبكار: الحديث (2216).

(396)

عن جدَامَةَ بنت وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: [أرَدتُ أن أنهى عَنِ الغِيَالِ، فإذَا فَارِسُ وَالرُّومُ يَفْعَلونَ وَلَا يَقتلُونَ أوْلَادَهُم]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب النكَاح: باب جواز الغيلة وهى وطأ المرضع وكراهة العزل: الحديث (140/ 1442)، وينظر منه الحديثين (143 و 144) عن سعد بن أبي وقاص. وأبو داود في السنن: كتاب الطب: باب في الغيل: الحديث (3881) عن أسماء بنت زيد بن السكن، والحديث (3882). والترمذي في الجامع: كتاب الطب: باب ما جاء في الغيلة: الحديث (2076 و 2077). والنسائي في السنن: كتاب النكاح: باب الغيلة: ج 6 ص 106 - 107. وابن ماجه في السنن: كتاب النكاح: باب الغيل: الحديث (2011).

(397)

في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: ص 174: كتاب الأطعمة والأشربة: الحديث (53) منه، قال الشوكاني: قال في اللآلئ: أخرجه ابن السني في الطب عن على رضي الله عنه مرفوعاً. واقتصر على أكل البيض. وفي إسناده: الفيض بن وفيق. قال ابن معين: كذاب خبيث.

(398)

حديث معاذ بن حبل قال: قلت: يَا رَسُولَ اللهِ، هلْ أتِيْتَ مِنَ الجَنةِ بطَعَام؟ قَالَ: نَعَم! أتِيْتُ بِهريسَةِ فَأكَلتها؛ فَزَادَت فِي قُوَّتِي، قُوَّةَ أربعِيْنَ وَفِى نِكَاحِي، قوةَ أربعِيْن]. رواه العقيلى وقال: هذا حديث وضعه محمد بن الحجاج اللخمى، وكان صاحب هريس. وقد رواه الخطب وأبو نعيم في الطب. نقله الشوكاني في الفوائد: ص 176: الحديث (54) من كتاب الأطعمة. قلتُ: وما ينبغي لابن الملقن رحمه الله أن يأتي بهذا في مثل كتابه هذا.

ص: 1193

كما رواهُ أبو سعيد، ومنها عن أبي رافع وأنسٍ في الحَفَا، ومنها عن الهذيل بن الحكم أنه صلى الله عليه وسلم قال:[جَزُّ الشَّعرِ يَزيدُ فِي الْجِمَاع] رواهُنَّ أبو نعيم في كتاب الطب وترجم عليها. بما قدمناه.

فَعل: إِنْمَا يَصِحُّ النكاح بإِيجَابِ وَهُوَ: زَوَّجْتُكَ أو أنكَحْتُكَ، وَقبولِ بِأَن يَقُولَ الزوْجُ: تزَوَّجتُ أو نَكَحتُ أو قَبِلْتُ نكاحَها أَوْ تَزْوِيجَها، أيْ وكذا قَبِلْتُ هذَا النكَاحَ كما صرَّح به الغزاليُّ في وسيطه كغيره من العقود وأَولى، ورَضِيْتُ نِكَاحها كَقَبِلْتُ نِكَاحَها على ما حكاهُ ابنُ هُبَيْرَةَ عن إجماع الأئمَّةِ الأربعةِ وفيه وقفةٌ.

وَيَصِحُّ تقدمُ لَفظِ الزوْج عَلَى الوليِّ، أي في غيرِ قَبِلْتُ كما إذا قال الزوجُ: تَزَوَّجْتُها أوْ نَكَحتها، فقال الولي: زَوجتُكَ أَوْ أَنْكَحْتُكَ، لحصول المقصودِ تقدَّمَ أو تأخرَ، أما لفظُ قَبِلتُ فلا يجوزُ تقديمُهُ لأنهُ يستدعي مقبولاً متقدماً عليه، وقد تقدَّم مثل ذلك في البيع.

وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ التزويج أوِ الإِنكَاحِ، لأنهما اللفظان اللذان وَرَدَ بهما القُرآنُ وصحَّ أنه صلى الله عليه وسلم قال في خُطبة الوداع:[اتقُوا الله فِي النسَاءِ، فَإِنكُم أَخَذتمُوهُنَّ بِأمَانَةِ اللهِ، وَاستحلَلتم فُرُوْجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ](399) وكلمتُهُ التَّزْوِيْجُ أَوِ الإِنكَاحُ. والنكاحُ نوع من العبادات لورُوْدِ الندبِ فيه؛ والأذكارُ في العبادات تتلقى من الشَّرع، فلا ينعقدُ بلفظ البيع والهبة والتمليك، ومما استدلَّ به أصحابنا قولهُ تعالى {خَالِصَة لَكَ} (400) جَعَلَ النكَاحَ بلفظِ الهِبَةِ من خصائصهِ صلى الله عليه وسلم.

(399) رواه مسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم: الحديث (1218/ 147) شطر حديث طويل.

(400)

الأحزاب / 50: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ=

ص: 1194

وَيَصحُّ بِالْعَجَمِيةِ فِي الأصَحِّ، اعتباراً بالمعنى، والثانى: لا، كقراءَةِ القرآنِ، والثالث: إن عَجَزَ عن العربيةِ صحَّ وإلا فلا كالتكبير. وعبّر في المُحَرَّرِ بدل العجمية بسائِرِ اللُّغَاتِ؛ وهو هُوَ؛ لأن العِجْميةَ ضدَ العَربيةِ، وإذا صحَّحناهُ فذاك إذا فَهِمَ كلٌّ منهُما كلامَ الآخر؛ فإن لم يَفْهم، وأخبرَهُ ثقة عن معناهُ ففى الصحة وجهان. وفي اشتراط تَوافق اللغَتَيْنِ وجهان، لَا بِكنَايَةِ قَطْعاً، لأنهُ لا مطلعَ للشهودِ على النيَّةِ، كذا عللوهُ. وقد يجابُ عنه بأن المقصود تمييزُ النكاح عن سائر العقود باعتبار الشَّهادَةِ فيه، لا لغرَضِ الإثباتِ، بدليل أنه لا يُشترط الإشهادُ على رضى المرأة حيث يُعتبر رضاها كما سيأتى، ثم ما جَزَمُوا به من عدم الانعقاد يُشكل. مما إذا قال: زَوجتُكَ بِنْنِى وَنَوَيَا فاطمةَ فإنهُ يَصِح قطعاً، وقوله (قَطْعاً) زيادةً من المصنِّف على الْمُحَررِ ألحقَها بِخَطِّهِ.

فرْعٌ: لا ينعقدُ النكاحُ بالكتابةِ؛ وقيل: يصح في الغائب. وهذا يجعلُ الكنابة صريحاً لا كناية.

وَلَوْ قَالَ: زَوجْتُكَ. فَقَالَ: قَبِلْتُ، أي واقتصر عليه فلم يقُل نكاحها ولا تزويجها، لَمْ يَنعَقِدْ عَلَى الْمَذْهبِ، لأنهُ لم يوجدْ منه التصريحُ بواحدٍ من لفظَى النكاح والتزويج، والنكاحُ لا ينعقدُ بالكنايات، وأشارَ في الْمُحَرَّرِ إلى أنَّ الاقتصارَ على قوله قَبِلْتُ في معنى الكناية. والثاني: يصحُّ، لأنه ينصرفُ إل ما أوجبَهُ الوليُّ، فكان كالمعادِ لفظاً هو الأصحُّ في نظيره من البيع هذا أصحُّ الطرقِ، والطريقُ الثانى: القطعُ بالمنع، والثالث: القطعُ بمقابِلِهِ.

فرع: لو قال: قبلْتُ النكاحَ أو قَبِلتها، فخلافٌ مرتب وَأَوْلَى بالصحة (•).

فرع: لو قال: زَوِّجْنِى أو أنكِحْنِى، فقال الولي: قَدْ فَعَلْتُ ذلكَ أبي نَعَم، أو قال

= يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50)}.

(•) النسخة (1)؛ قلْتُ: ونص الشافعى في الأصحِّ على البطلان.

ص: 1195

الوليُّ: زَوَّجْتُكَها أو أَنكحتُكَها أَقَبِلَتْ؟ فقال: نَعَم، أو قال: نَعَم من غيرِ قولِ الوليّ: أَقَبِلتَ، فقيل: بالمنع قطعاً، وقيل: بطرد الخلاف، قال الرافعىُّ: وهو أقيس. قُلْتُ: وأما صاحبُ البيان، فنَسَبَ ما ذكرَ الرافعيُّ في الصُّورة الأخيرةِ أنهُ أقيسُ إلى الضَّيْمَرِيِّ وحدَهُ ثم قال: وقال الشيخُ أبو حامد: وأكثرُ أصحابنا لا يصحُّ قطعاً، ولم يذكُر تعليلَهُ. وعلى كل حال فالصحيحُ البطلانُ، لأن المعتبرَ أن يكون لفظُ كُل واحد من العاقِدَينِ يشتملُ على لفظِ التزْوِيج أَوِ الإِنْكَاح.

فرع: لو خاطبَ غائباً بلسانه فقالَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، ثم كتَبَ فبلغَهُ الكتابُ، أو لم يبلُغْهُ وبلغَهُ الخبرُ، فقالَ: قَبِلْتُ نِكَاحَها لم يصح على الصحيح، وإذا صححناهُ فشرطُهُ القبولُ على الفورِ وأن يكونَ بحضرَةِ شاهدَى الإيجابِ.

فرع: إذا استخلفَ القاضي فَقِيهاً في تزويج امرأة لم تَكْفِ الكتابة بل يشترطُ اللفظُ على المذهب، وقيل: وجهان، وليس للمكتُوبِ إليه اعتمادُ الخط على الصحيح.

فرع: إذا قلنا يصحُّ في قوله قَبِلْتُ، قال الماورديُّ: يكونُ قبولاً للنكاح والصداقِ معًا بخلاف ما إذا قال قَبِلتُ نِكَاحَها، وسكتَ عن المهرِ؛ فإنه لا يثبتُ لها إلا مهرُ المِثْلِ، وصحَّحَهُ في بابِ الْخلْع، وادعى البارزيُّ: أنه إذا لم يذكُرِ الْمُسَمَّى في القبول، أنَّ النكاحَ لا يصحُّ، لأنه يجوزُ أن يكونَ قَبِلَهُ بدونِ الْمُسَمى؛ فلا يكونُ مطابقاً للإيجابِ، وإن نَوَى ذلكَ فهو كناية، والنِّكَاحُ لا ينعقدُ بها وما ذكرَهُ لا يساعَدُ عليه.

وَلَوْ قَالَ: زَوجْنِي. فَقَال زَوَّجْتُكَ أَوْ قَالَ: الْوَلي تَزَوَّجْها. فَقَالَ: تَزَوَّجْتُ، صَحَّ؛ لوجود الاستدعاء الجازم، وقيل: على الخلاف في البيع ذكره الرافعى في الأولى نقلًا؛ وفي الثانية بحثاً. نَعَم: صرَّحَ الماورديُّ بعدم الصحة وفرق بين استيجاب الزوج واستيجاب الولي وبه قال في البيع أيضاً ولو قال في الأولى بعده قَبِلتُ صحَّ قطعاً.

فَرْعٌ: لو قال الزوجُ للولي: قُل زَوَّجتُكَها. قال الشيخُ أبو محمدٍ: ليس هو استيجاباً لأنه استَدْعَى اللفظَ دون التزويج فإذا تلفظَ اقتضى القبولَ، قال ولده الإمامُ: وهو حسن لطيفٌ لا يخلو عن احتمالِ.

ص: 1196

فرعٌ: لو قال: أَتُزَوِّجُنِي ابْنَتَكَ أو زَوَّجْتَنِى ابْنَتَكَ، فقال الوليُّ: زَوَّجْتُكَ لم ينعقدْ، إلا أن يقولَ الخاطبُ بعدهُ: تَزَوَّجْتُ، وكذا لو قال الوليُّ: لِتَتَزَوَّج بِنْتِى أو تَزَوُّجتَها، فقالَ: تَزَوَّجْتُ لا ينعقدُ إلا أن يقولَ الولي بعدَهُ: زَوَّجْتُكَ؛ لأنهُ استفهام.

فَرْعٌ: لو قال المتوسطُ للوليِّ: زَوَّجْتَهُ ابْنَتَكَ، فقال: زَوَّجْتُ. ثم أَقبلَ على الزوج فقالَ: أَقَبِلْتَ نِكَاحَها؟ فقال: قَبِلْتُ صَحَّ على الأصح لوجُود الإيجابِ والقبولِ مترابطين، ومنعَهُ القفالُ لعدمِ التخاطُبِ، وقطعَ الماوردي بالمنع فيما إذا قال المتوسط للولي: زَوِّجْ بِنتكَ مِنْ فُلَان، فقال: نَعَم، وقال للزوج: قَبِلْتَ نِكَاحَها؟ فقال: نَعَم، قال ابنُ الرفعةِ: والأشبهُ أنَّ يُقال إن قلنا فيما إذا قال: زَوَّجْتُكَ فقال: قَبِلْتُ لا يصح، فهنا أَولى وإلا فوجهان.

فرعٌ: لو قال الرُّوح للولي: زوَّجتُ نَفْسِي مِنْ ابْنَتِكَ، فقال الولي: قبِلْتُ النِّكَاحَ. أو قال أبو الطفلِ: زَوَّجْتُ ابْنِي مِنْ ابْنَتِكَ، فقال الولى: قبِلْتُ النكَاحَ، قال المتَوليِّ: يَنْبَنِي على أن الزوجَ في النكاحِ معقودٌ عليه، وفيه طريْقان؛ إن قُلنا أنه غيرُ معقودٍ عليهِ فالعقدُ باطلٌ، وإن قلنا معقودٌ عليه، فعن الشيخ أبى سهل الأبيوَردي أنَّ العقدَ صحيح وساعدَهُ عليهِ الشيخُ أبو عاصم وذكَرَ القاضى حُسين أن العقدَ لا يَصحُّ، لأنهُ غيرُ معهودٍ.

فُرُوع نَختِمُ بِها الْكَلَامَ عَلَى الصيغَةِ: لا يشترطُ اتفاقُ اللفظينِ من الجانبين، ويُشترطُ الموالاةُ بين الإيجابِ والقبولِ، وقيل: يكفى وقوعُ القبولِ في مجلسِ الإيجابِ، وقيل: لا يضر صبرَ نصف ساعةٍ حكاهُ في البيان. ويُشترطُ أن لا يتخلَّلَ بينهما كلامُ أجنبىّ وبقاءُ الموجبِ على إيجابه إلى تمامِ القبولِ، وكذا أهلِيتُهُ، فلو أوجبَ ثم جُن أو أُغْمِىَ عليه لغا إيجابُهُ وامتنَعَ القبولُ، وكذا لو أذِنَت المرأَةُ في تزويجها حيثُ يعتبرُ إذنُها ثم أُغْمِىَ عليها قبلَ العقدِ بطَلَ إذنُها.

قَاعِدَةٌ: يُشتَرَطُ فِي كُل وَاحِدِ مِنَ الزَّوْجَيْنِ التعيِيْنُ.

فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ تَعلِيقُهُ، كالمعاوضات وأَولَى، وَلَوْ بُشرَ بِوَلَدِ، فَقَالَ: إِن كَان

ص: 1197

أُنْثَى فَقَد زَوَّجْتُكَها. أَوْ قَالَ: إِن كَانت بِنْتِي طَلُقَتْ وَاعتدتْ فَقَد زَوَّجْتُكَها، فَالْمَذْهبُ بُطْلانهُ، أيْ وإِنْ كانَ الواقعُ ما ذكرَهُ لوجود التعليقِ وفسادِ الصِّيغَةِ، والطريقُ الثاني فيه وجهانِ كمَنْ باعَ مالَ أبيهِ ظانًّا حياتَهُ فبانَ موتُهُ كذا حكاهُما في الروضة وقطعَ القاضى حُسين بالبطلانِ ونقل الصحةَ عن أبي حنيفة وأنه قاسَهُ على ما لو قالَ لعبدِ مورّثه: إن ملكتُكَ بعدَ موتِ مورثى فأنتَ حُرٌّ، وفرَّقَ القاضي بأنَّ العتقَ مبناهُ على الغلبةِ والسرايةِ بخلاف النكاح، وَلَا تَوْقِيْتُهُ، أى. بمدَّةٍ معلومةٍ أو مجهولةٍ للنهى عن نكاح المتعةِ. وَلَا نِكَاحَ الشِّغَارِ، للنهى عنه في الصحيحين (401) وجعلَهُ الإمامُ من أنكحَةِ العَرَبِ وفيه نظر، والشغارُ بكسر الشين وبالغين المعجمتين سُميَ بِهِ لِخُلُوِّهِ عنِ المَهرِ أو عن بعضِ الشرائِطِ. وَهُوَ: زَوجتُكَها عَلَى أَن تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وبُضع كُلِّ وَاحِدَةِ صَدَاقُ الأخْرَى فَيُقْبَلُ، كذا فُسِّرَ في آخرِ الحديثِ وهو يجوزُ أن يكون مرفوعاً وأن يكون من عند راوية ابن عمر وهو أعلمُ بتفسيرِ الحديثِ من غيرِهِ، ومن جهةِ المعنى أن فيه تشريكاً في البُضْع وتعليقاً، وشبَّهَ أبو على بن أبى هريرة الشغار برَجُلٍ يزوِّج ابنتَهُ واستثنى عُضواً منها لأن كلَّ واحد زوَّج ابنتَهُ واستثنى بُضْعَها حيثُ جعلَهُ صِداقاً، والبُضْعُ بضمِّ الباء الفرجُ. فإِن لَم يَجعَلِ الْبُضْعَ صَدَاقاً، أي بأنْ قال: زَوَّجْتُكَ ابنَتِى على أن تُزَوجنِى ابنتك، فالأصَحُّ الصِّحَّةُ، لعدم التشريك فِى البُضع وليس فيه إلاّ شرطَ عقد في عقدٍ وذلك لا يُفسد النكاح فيصحَّان ولكل مَهْرُ مِثل، والثاني: لا يصح لِمَغنَى التعليقِ والتوقيفِ، وخصَّصَ الإمامُ الخلافَ بما إذا كانت الصيْغَةُ هذه ولم يذكُرَا مَهْراً وقطعَ بالصحةِ فيما لو قال: زَوجتكَ بنْتِي بألْف على أنْ تُزَوِّجَنِى بِنتكَ وفيما قالَهُ نظرٌ، وَلَوْ سمَّيَا مَالاً مَعَ جعلِ البضع صَدَاقاً بَطَلَ في الأصَح، لقيامِ معنى التشريك والتوقيف، والثاني: يصح، لأنه ليس

(401) عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ (أن رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم نَهى عَنِ الشغَارِ. وَالشغَارُ) أن يزوجَ الرجلُ ابنَتَهُ عَلَى أنْ يزوِّجَهُ الرجُلُ الآخَرُ ابنَتَهُ، وَلَيسَ بَيْنَهُمَا صِدَاق). رواه البخاري في الصحيح: كتاب النكاح: باب الشغار: الحديث (5112). ومسلم في الصحيح: كتاب النكاح: باب تحريم نكاح الشغار: الحديث (57/ 1415).

ص: 1198

على تفسيرِ صُورةِ الشِّغَارِ؛ ولأنه لم يخلُ عن المهرِ.

فَصلٌ: وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِحَضْرَةِ شَاهِدَينِ، لقوله صلى الله عليه وسلم:[لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوليٍّ مُرشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدلٍ وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاح عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُرَ بَاطل فَكانْ تَشَاجَرُوْا فَالسلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لَا وَلِىَّ له]، رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة وقال: لا يصحُّ في ذكْرِ الشاهدين غيره (402)، والمعنى فيه الاحتياط للإبضاع وصيانة الأنكحة عن الجحود والتواطؤ بالكتمانِ لا يقدحُ خلافاً لمالك حيث قال: إنَّ الشرطَ الإعلانُ وتركُ التواطُؤِ بالكتمان دون الشهادة، واشترطَ ابنُ حزمٍ الظاهري إما الإشهادُ وإما الإعلان، وخرج بالحَضرَةِ في كلامِ المصنف الإحضارُ نأنَّه غيرُ شرطٍ، بل إذا حَضَرَا بأنفسهما وسمِعَا الإيجاب والقبولَ صَحَّ وإن لم يسمَعَا الصدَاقَ.

فَرْعٌ: يستحبُّ إحضارُ جمع من أهلِ الصلاح زيادةَ على الشاهدين، وَشَرطُهُمَا: حُرِّيَّة؛ وَذُكُورَة، وَعَدَالَة؛ وَسمع؛ وَبَصَرٌ، لأن المقصودَ الإثباتُ ولا يثبتُ بدون ذلك، والخنثى كالمرأة، نَعَم: لو عقد بخنثيين فَبَانَا ذكرين فالأصحُّ من زوائد الروضة الصحَّةُ بخلافِ نظيرِهِ من الصَّلاةِ، فإن عدمَ جزمِ النِّيَّةِ يؤثِّرُ فيها، وَفِي الأعمَى وَجهٌ، لأنهُ عدل فَاهِمٌ، ونسبَهُ الروياني إلى النصِّ. والأصحُّ النزاع كالأصَمِّ، فإنَّ الأقوال لا تثبتُ إلا بالمعاينَةِ والسَّمَاع، وقال الفارقىُّ: إن كان يَعرِفُ الزَّوْجَينِ انعقدَ بشهادتِهِ، وإلا فَلا، وذكَرَ في الْمُحَرَّرِ مع ذلك الإسلامَ والتكْلِيفَ واكتفى عنهما المصنِّفُ بالعدالة، لأنهُما شرطانِ فيها ولذلك لم يذكر المصنِّفُ عدمَ التغَفُّلِ وهو من شروطه؛ نَعَم: لا بُدَّ أن يعرِفَا لغَةَ المتعاقدَيْنِ في الأصح. وفي الأخْرَسِ وذوي المِهنِ الدَّنِيَّةِ والصَّباغ والصَّائغ وجهانِ، قال ابن الرفعةِ: والظاهرُ أنه تفريع على أنه لا تقبل شهادَتهم، وكلامُ ابن الصباغ يفْهِمُ بناءَهُ عليهِ.

وَالأصَحُّ انْعِقَادُهُ بِاِبْنَي الزَّوْجَينِ وَعَدُويْهِمَا، اكتفاءَ بالعدالة والفَهمِ وثبوتِ

(402) رواه في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: باب الولي: الحديث (4063): ج 6 ص 152.

ص: 1199

الأنكِحَةِ بقولهما في الجملَةِ، والثانى: لا ينعقدُ، لتعذُّرِ إثباته بشهادتهما وينعقد بحضور ابنيهِ مع ابنيها وعدُوَّيْهِ مع عَدُوَّيها بلا خلافٍ كما قاله في الروضة لأمكان إثباتِ شَقيْهِ، وَينْعَقِدُ بِمَسْتُوْرَيِ الْعَدَالَةِ عَلَى الصحِيْح، أيْ وهو من عُرفتْ عدالته ظاهراً لا باطناً، لأن النكاحَ يجري فيما بين أوساطِ الناسِ والعوام، ولو كُلِّفُوا بمعرفة العدالة الباطنة لطالَ الأمرُ وشقَّ بخلافِ الحكمِ وحيثُ لا تجوزُ شهادَةُ المستورين، لأنه يسهلُ على الحاكم مراجعة المزكّيين ومعرفة العدالة الباطنة. والثانى: لا ينعقدُ، بل لا بدَّ من معرفة العدالة الباطنة وهى المستندة إلى التَّزكِيَةِ لتمكُّنِ الإثبات بشهادتهما، والثالث: إن كان الحاكمُ عاقداً (•) لم يَكْفي المستورُ لسهولة البحثِ عليهِ وهى طريقةٌ في التَّتِمَّةِ جزَمَ بها ابنُ الصَّلاح والمصنّفُ فِى نكتِهِ على التنبيه، قال: ومَحِل الخلافِ في غيرِهِ وصحح المتولي: أنَّ الحاكِمَ كغيرِهِ، لأنَّ الحاكم فيما طريقُهُ المعاملةُ كغيرِهِ.

فَرْعٌ: استتابة المستورَيْنِ قبلَ العقدِ احتياطاً واستظهاراً، وكان الْجُوينيُّ يفعلُهُ، ورأيت في فتاوى الحناطي أنهُ سُئل هل يجبُ على الفقِيْهِ الفحصُ عن حال الوليِّ وشهودِ العقدِ أم لا؟ فأجابَ: بأنَّهُ يفحصُ، ولو تساهلَ أساءَ وجازَ ما لم يظهر فِسْقُهم، ولو ظهرَ حكمَ ببطلان النكاح في أصحِّ الوجهين.

لَا مستُورِ الإِسْلَامِ وَالْحُريةِ، أي بأنْ يَكُونَ فِي مَوْضِع يَختلِطُ فِيْهِ الْمسلِمُوْنَ بِالْكُفَّارِ، والأَحرَارُ بالأرقَّاءِ ولا غالبَ. والفرقُ سُهولَةُ الوقوفِ عليهما بخلافِ العدالةِ والفسقِ، وَلَوْ بَان فِسْقُ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَبَاطلٌ عَلَى الْمَذهبِ، لفواتِ الشرطِ كما لو بَانَا كَافِرَيْنِ، والطريقُ الثانى: فيه قولان، أحدُهما هذا، والثانى: لا، اكتفاء بالسَّتْرِ يومئذٍ، ولم يرجِّع الرافعىُّ واحداً من هذين الطريقين، وقال بعد حكايتهما: هُما كالطريقين فيما إذا حكمَ الحاكمُ بشهادةِ شاهدَيْنِ فبَانَا فاسقين هل يُنقضُ الحْكمُ؟ قال: والأصحُّ تبين البطلان وإن ثبتَ الخلافُ، وَإِنمَا يَبِيْنُ، أي

(•) في النسخة (1): العاقد حاكمًا.

ص: 1200

الفِسْقُ، بِبَيِّنَةٍ أَوِ اتفَاقِ الزوْجَيْنِ، على أنهما كانَا فاسقين، ولم يعلما أو نَسِيَا فِسْقَهُمَا، فأمَّا لو قال: عَلِمْنَا فِسْقَهُمَا حينئذٍ تَبَيَّنَ البُطلانُ قطعاً ذكرَهُ الإمامُ، لأنهُمَا لم يكونَا مَسْتُوْرَيْنِ عندَ الزَّوجينِ. والتعوِيْلُ عليهِمَا.

فَرْعٌ: لو طلقَها ثلاثاً ثم توافَقَا على فسَادِ النكاحٍ بهذا السببِ أو غيره، قال الْخَوَارِزْمِيُّ في كافِيْهِ: لا يجوزُ أن يُوقِعَا نكاحاً جديداً من غير تحلِيْلٍ لمكانِ التهْمَةِ، ولأنهُ حق الله فلا يسقُط بقولهِمَا.

وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ كُنَّا فَاسِقَيْنِ، كما لو قالَا بعد الحكمِ بشهادتهما: كُنا فاسقَين، وَلَوِ اعتَرَفَ بِهِ، أي بالفسق، الزوْجُ وَأَنْكَرَتْ فُرقَ بَيْنَهُمَا، أيْ فِرقةَ فسخ لا ينقصُ به العددُ كما صحَّحَهُ في الروضة، وَعَلَيْهِ نِصْف الْمَهْرِ إِن لَمْ يَدخُلْ بِها، وَإِلَّا فَكُلُّهُ، لأنه لا يُقبل قوله عليها فيه.

فَرْعٌ: لو اعترفت الزوجةُ وأنكرَ، فالأصحُّ في الروضة قبولُ قولهِ وصحَّحَ الفارقي أنَّ القولَ قولُها، قال صاحب الْمُعِيْنِ من فُقهاء اليمَنِ: وربما كان أقيسُ، فإنَّ الخلافَ هو الخلافُ في اجتماع الأصلِ، والظاهرُ قولها، قال: إذ الأصلُ عدمُ العدالةِ والظاهرُ وجودُها.

فَرْعٌ: نظيرُ هذا ما لو زوَّج أُختَهُ وماتَ الزَّوْجُ فادعى ورثتُهُ أنَّ أخاها زوَّجها بغيرِ إذنِها، فقالت: بل زوَّجني بإذنى، فالقولُ قولُها كما نصَّ عليه في الإملاءِ نقلَهُ عنه في الروضة قُبَيْل الطرفِ الثانى هنا من زياداته، والرافعىُّ ذكرَهُ قُبَيْلَ الصَّداقِ، وبحَثَ في مجئ وجه فيه مما إذا ادَّعى أحدُهما صحَّة البيع، والآخرَ فسادهُ، وردَّهُ فِى الروضة هناك بأنَّ الغالب في النكاح الاحتياطُ.

ويُستحَبُّ الإِشْهادُ عَلَى رِضَا الْمرأةِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ رِضَاها، احتياطاً، وَلَا يُشْتَرَطُ، لأن رضاها ليس من نفسِ النكاح وإنما هو شرطُهُ فإذا وُجد من غيرِ إشهادٍ كفى، وثبوتهُ يحصُل إما بإقرارها أو بِبَينةٍ، والمقصودُ أنه ليس كالشهادةِ على النكاح حتى لا يصحُّ إلا به.

ص: 1201

فَصلٌ: لَا تُزَوِّجُ امرَأة نَفْسَهَا بإِذْنِ، لقوله تعالى:{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} (403) وقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (404) وقوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} (405). ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه هذه الآياتِ الثلاثةِ؛ ودليلُهُ من حيثُ السُّنة الحديثُ السالفُ في الكلامِ على اشتراط الشاهدَين، قال الترمذيُّ: وهو الذي عليه العملُ عند أهلِ العلمِ من أصحابِ النبىِّ صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم (406).

فَرْعٌ: وَكَّلَ بِنتهُ بأنْ تُوكِلَ رَجُلًا في تزويجِها فوَكلَت؛ نُظِرَ إن قال: وَكِّلِى عَنْ نَفْسِك لم يَصُح، وإن قَال: وَكلِي عَنِّى أو أطْلَقَ فوجهان؛ لا ترجيحَ فيهما في الروضة تبعًا للرافعى، وصحَّحَ في الشَّامِلِ وَالتتِمَّةِ الجوازَ وصحَّحَ المُزَنِيُّ والقاضى المنعَ، وفي فتاوى البغوي عن التقريب: أنَّ الوليَّ إذا وَكلَهَا أنْ تُوكِلَ رَجُلًا في الإيجابِ أو وَكلهَا بالزوج في أنْ تُوكِلَ في القبولِ جازَ.

فَرْعٌ: لو أذِنَتْ للوليِّ بصيغةِ الوَكَالَةِ صَحَّ؛ نصَّ عليه خلافًا للبغويِّ.

فَرْعٌ: لو لم يكنْ لها وليٌّ، وكانت في موضع لا حاكِمَ فيه، فالمختارُ أنها تَرُدَّ أمْرَهَا إلى عَدْلٍ وإنْ لم يَكُنْ مُجْتَهِدًا، أو تُحَكمَ فَقِيْهًا بناء على الأصحِّ في جوازِهِ في النكاح، كما ستعلَمُهُ في القضاءِ. ولابد من تحكيمِ الزوج أيضًا، وسيأتى هُناك أيضًا أن التحْكِيْمَ جائزٌ فيه مع وجودِ الحاكمِ على الأصحِّ، فعلى هذا لا يختصُّ بما إذا كانت بموضعٍ لا حَاكِمَ فِيْهِ.

(403) البقرة / 232.

(404)

النساء / 34.

(405)

النساء / 25.

(406)

قال الترمذي: وَالعَمَلُ فِى هَذَا البَابِ عَلَى حَدِيثِ النبِى صلى الله عليه وسلم: [لَا نِكَاحَ إِلا بوَليّ] عِنْدَ أهلِ العِلمِ مِنْ أصحَابِ النبِي صلى الله عليه وسلم مِنْهُم عُمَرُ بن الخَطابِ، وَعَلِى بن أبى طَالِبٍ، وَعَبدُ اللهِ بن عباسٍ، وَأبو هُرَيرَةَ وغَيرُهُم. وَهَكَذَا رُوِىَ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ التابَعِيْنَ؛ أنْهُمْ قَالُوا:[لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ]. مِنهُمْ سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ وَالحَسَنُ البَصريُّ وَشُرَيحٌ وَإِبرَاهِيْمُ النخَعِيّ وَعُمَرُ بن عَبْدِ العَزِيزِ وَغَيرُهُمْ. وَبِهَذَا يَقولُ سُفْيَانُ الثورِي وَالأوْزَاعِيُّ وَعَبدُ اللهِ بن المُبَارَكِ وَمالكٌ وَالشَّافِعِي وَأحْمَدُ وَإِسحَاقُ. ينظر الجامع الصحيح: كتاب النكاح: باب ما جاء لا نكاح إلا بِوَليّ: آخر الباب: ج 3 ص 410 - 411.

ص: 1202

وَلَا غيرَهَا بِوَكَالَةٍ، لقوله عليه الصلاة والسلام:[لَا تُزَوِّجُ المَرأَةُ المَرأَةَ، وَلَا المَرأةُ نَفْسَهَا، فإن الزَّانِيَةَ التِى تُزَوج نَفْسَهَا] رواهُ ابنُ ماجه وأخرجهُ الدارقطني أيضًا بإسنادٍ على شرطِ الشيخينِ (407)، وَلَا تَقبَلُ نِكاحًا لأحَدٍ، أي لا بوكالةٍ ولا بولايةٍ، فمحاسنُ الشَّرع تقتضي فَطْمَهُنَّ عن ذلك لما يحصل (•) منهُنَّ من الحياء وعدم ذكر ذلك بالكلية.

وَالوَطء في نِكاحِ بِلَا وَليٍّ يُوجِبُ مَهْرَ المِثلِ، لقوله عليه الصلاة والسلام:[أَيَّمَا امْرأةٍ نَكَحَت بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثًا، فَإنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهرُ بِمَا اسْتَحَل مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُواْ فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ] حسَّنهُ الترمذي وصحَّحَهُ الحاكمُ وابنُ حبان (408)، وقال ابن معين: إنه أصح ما في الباب، لَا الْحَد، أي سواء صدَرَ ممن يعتقدُ تحريمه أو إباحته باجتهادٍ أو تقليدٍ لشبهةِ اختلافِ العلماءِ ولكن يُعَزَّرُ معتقدُ التحريمِ، وقيل: يُحَدُّ معتقدُ الإباحَةِ حكاهُ الغزاليُّ في وسيطه في الحدودِ، ومحِلُّ الخلافِ ما إذا حضَرَ العقدَ شاهدانِ كما قال القاضى، فإن لم يحضُراهُ؛ ولا حصلَ فيه إعلانٌ، فالحَدُّ واجبٌ لانتفاء شُبْهَةِ العلماءِ، وإنْ وُجد الإعلانُ خاصَّةً؛ فإن لم يكن وليٌّ (•) وجبَ وإلا فلا. ومحلهُ أيضًا إذا لم يَقْضِ به قاضٍ كما قال الماورديُّ، فإن قضَى قاضٍ شَافِعِيٌّ ببطلانِهِ في الأولِ وفرَّق بينهما فاجتمعا حُدًّا يعني قطعًا لارتفاع شُبْهَةِ العقدِ بحكمِ الحاكِمِ بالفرقةِ، فلو ترافَعَا بعد ذلك إلى حاكمٍ

(407) رواه ابن ماجه في السنن: كتاب النكاح: باب لا نِكَاحَ إلّا بِوَليّ: الحديث (1882). والدارقطني في السنن: كتاب النكاح: الحديث (25) منه: ج 3 ص 227. وإسناده صحيح.

(•) في النسخة (1): قصد.

(408)

رواه أبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب في الولي: الحديث (3083). والترمذي في الجامع: كتاب النكاح: الحديث (1102)، وقال: حديث حسن. والحاكم في المستدرك: كاب النكاح: الحديث (2706/ 35)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وابن حبان في الإحسان: باب الولي: الحديث (4062).

(•) في النسخة (1): تَكُنْ دَنِيَّة.

ص: 1203

حَنَفِيٍّ لم يكُنْ له أن يحكُمَ بجوازِهِ لنفُوذِ الحكْمِ بإبطالِهِ، قال: وإنْ ترَافَعَا إلى حَنَفِيٍّ ابتداءً فحَكَمَ بِصِحَّتِهِ فلا حَدَّ، فلو تَرَافَعَا بعدَ ذلكَ إلى شَافِعِيّ فهل ينقض حُكم الحنفيِّ، فيه وجهان وصحَّحَ الرافعيُّ عدمَ النقْضِ.

ويقْبَلُ إِقْرَارُ الْوَلِي بِالنِّكَاح إِنِ اسْتَقَل بِالإِنْشَاءِ، أي وإن لم توافقْهُ البالِغَةُ. لأن من ملكَ الإنشاءَ ملكَ الإقرارَ بِهِ، إلا ما استثنيَ في بابه، وَإِلَّا، أيْ وإنْ لم يستقلَّ بالإنشاءِ إما لكونِهِ غيرَ مُجْبَرٍ، أو لكونِ الزوج غيرَ كفوءٍ، فَلَا، لعدم قدرتهِ على الإنشاءِ.

فَرْعٌ: لو قال وهى ثيِّبٌ: كنتُ زَوَّجْتُها في وقتِ بكارتها لم يقبل واعتُبر وقتُ الأداءِ، كذا أطلقَهُ الإمامُ وهو الظاهرُ، كما قاله الرافعي. قال: ويمكنُ جعلُهُ على الخلافِ فيما لو أقرَّ مريضٌ لوارثِهِ بهبةٍ في الصحة، وهذا الفرعُ يدخل في قول الْمُحَرَّرِ، ويقبلُ إقرارُ الوليِّ بالنكاح إذا كان مستقلًا بالإنشاءِ، فإنَّ معناهُ وصفَهُ بذلك حين الإقرارِ بخلافِ عبارةِ المصنِّفِ.

ويُقْبَلُ إِقْرَارُ الْبَالِغَةِ الْعاقِلَةِ بِالنِّكَاحِ عَلَى الْجَدِيْدِ، أي مع تصديقِ الزوج لأنه حقُّهُما فيثبتُ بتصادقِهما كغيره، والقديمُ إن كانا غريبين ثَبَتَ، وإلا طُوْلبَا بِالْبَينَةِ لسهولَتِهَا، وعن القديم أيضًا عدمُ القبولِ مُطلقًا، ومنهم من حَمَلَ القديمَ على الحكايةِ عن الغير.

فَرعٌ: إقرارُ السَّفِيْهَةِ بِالنِّكَاحِ كالرَّشِيْدَةِ وفيه احتمالٌ للإمَامِ. فَصْلٌ: وَللأبِ تَزْويجُ الْبِكْرِ صَغِيْرَةٌ أَوْ كبِيْرَةٌ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، أيْ مِن كفوءٍ بمهرِ المثلِ ولا عَدَاوَةَ لقوله صلى الله عليه وسلم:[الثيبُ أحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ يُزَوِّجُهَا أبوْهَا] رواه الدارقطني ورواه مسلم إلى قوله [مِنْ وَلِيِّهَا] زاد [وَالْبِكْرُ تُسْتَأمَرُ (•) وَإِذنهَا سُكُوتُهَا](409) وهو إجماع في الصغيرة كما حكاهُ ابنُ المنذر، فلو زوّجها من غير

(•) في النسخة (1): تستأذن.

(409)

رواه الدارقطني في السنن: كتاب النكاح: الحديث (70) منه: ج 3 ص 240. ومسلم =

ص: 1204

كفوءٍ فلا إجبارَ، وفي فتاوى القاضى: أنه لو زوّج بنتَهُ البكر بغير إذنها بمهر مثلها رجلًا معسرًا بغير رضاها لم يصحَّ النكاحُ على المذهب، لأنه بخَس حقَّها لتزويجها بغير كفوءٍ، وأقرَّهُ الرافعيُّ عليه. ورأيتُ القفال في فتاويه؛ جزم به أيضًا؛ فقال: إذا زوّج ابنتَهُ الصغيرة ممن لا يقدِرُ على أداء مهرِهَا بطَلَ النكاحُ، ثم علَّلَهُ بأنَّ المالَ معتبرٌ في الكفاءة، والأبُ إذا زوَّجَها بغير رِضاها ممن لا يُكافؤها بطلَ، قُلْتُ: فلو طلبتْ البالغة تزويجها منهُ فالذي يظهر وجوبُ إجابتها، كما لو طلبتْ منهُ التزويجَ بدون مهْرِ المثل، فإنه يجبُ عليه كما نصَّ عليه، ولو زوَّجها بدون مهر المثل، أو بغير نقدِ البلدِ فلا إجبار أيضًا كما جزم به ابنُ الرِّفْعَةِ؛ ولو زوجها بدونه، فقد ذكرَهُ المصنِّفُ في الصَّدَاقِ كما سيأتي، وفي زوائده من الروضة نقلًا عن البيان عن أصحابنا المتأخرينَ أنهُ إذا استأذَنَ الوليُّ البكرَ فِي أن يزوِّجها بغيرِ نقدِ البلدِ أو بأقل من مهرِ المثل لم يكنْ سُكوتُها إذنًا في ذلك، ولو كان بين الأبِ وبنتِهِ عداوَةْ ظاهرةٌ فليس له إجبارُها كما قاله ابنُ كَجٍّ وابنُ الْمَرزبَانِ وفيه احتمال للحناطيِّ وجزمَ به الماوردي والروياني، لأن الوليَّ يحتاط لأجل نسبِهِ. وقالَ ابنُ الرِّقْعَةِ في كلامه على تزويج اليهودي للنصرانية كما سيأتى: إِنه المذهبُ، ويستحَبُّ اسْتِئْذَانُهَا، أي الكبيرة للحديث السالف. أمَّا الصغيرة فلا إذن لها عند جمهور العلماء، وعند أحمدَ أن المميِّزَةَ تُسْتَأذَنُ فيصحُّ على هذا عودُه إليهما تنبيهًا على الخلاف، قالَ الشَّافِعِي؛ كما حكاه في الروضة: أَسْتَحِبُّ للأبِ أن لا يزوِّج البكرَ حتى تبلُغَ ويستأذِنُهَا، قال الصيمريُّ: فإن قاربت البلوغ وأرادَ تزويجها أَستحبُّ أنْ يُرسل إليها ثِقاب يَنْظرنَ (•) ما في نفسِها؛ ومحلُّ ما ذكرَهُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه من التأخيرِ إلى البلوغ مَحِلُّهُ إذا لم تكن حاجةً أو مصلحةً كما قيَّدَهُ في الروضَةِ.

فَرْعٌ: قالَ الشَّافِعِيُّ في الأمِّ: يكرَهُ لأبيها أن يزوِّجها من تكرهُهُ، قُلْتُ: وبالصحةِ

= في الصحيح: كتاب النكاح: باب استئذان الثيب: الحديث (66/ 1421) و (67 - 68). وأبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب في الثيب: الحديث (2098).

(•) في النسخة (2): ينظرون.

ص: 1205

قالَ مالكٌ وأحمدُ في أصحِّ الروايتين، وروى ابنُ حزم من حديث جابر [أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابنَتَهُ وَهِيَ بِكْرٌ مِنْ غَيْرِ أمْرِهَا فَأَتَتِ النبِي صلى الله عليه وسلم فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا] (410) وفي حديث ابن عباس [أنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنَّ أبِي زَوَّجَنِي وَأنَا كَارِهَةٌ فَرَدَّ نِكَاحَهَا] (411) وفي حديثِ ابنِ عمر مثله (412) فيحتاج إلى الجواب عنها (413).

(410) • رواه ابن حزم في المحلى: كتاب النكاح: المسألة 1822: ج 9 ص 461. وفي فتح البارى: شرح الحديث (5138): قال ابن حزم: أخرجه النسائي؛ وهذا سند ظاهر الصلاة، ولكن له علّة؛ أخرحه النسائي من وجه آخر عن الأوزاعى فأدخل بينه وبين عطاء إبراهيم بن مُرَّة؛ وفيه مقالٌ، وأرسله فلم يذكر في إسناده جابرًا. إنتهى.

• رواه النسائي في السنن الكبرى: كتاب النكاح: باب البكر يزوجها أبوها وهي كارهة: الحديث (5384/ 4) بإسناد ظاهر الصحة كما قال ابن حجر. ورواه مرسلًا في الرقم (5385/ 5).

(411)

• رواه ابن حزم في المحلى: ج 9 ص 461. قال ابن حجر رحمه الله: رجاله ثقات لكن قال أبو حاتم وأبو زرعة: إنه خطأ والصواب إرساله.

• رواه أبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها: الحديث (2096) والحديث (2097)، وقال: لم يذكر ابن عباس، وكذلك رواه ناس مرسلًا معروفًا. إهـ. ورواه ابن ماجه في السنن: كتاب النكاح: باب من زوج ابنته وهي كارهة: الحديث (1875). والنسائى في الكبرى: كتاب النكاح: الحديث (5387/ 7).

(412)

حديث ابن عمر؛ عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال:[إنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابنَتَهُ بِكْرًا فَكَرِهَت؛ فَأتَت النبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَرَد نِكَاحَهَا]. رواه ابن حزم في المحلى: ج 9 ص 461.

(413)

وفي الجواب قلتُ:

• قال ابن حجر: (وقال البيهقى: إن ثبت الحديث في البكر حمل على أنها زوجت بغير كفء، والله أعلم. قلتُ -أي ابن حجر-: وهذا الجواب هو المعتمد).

• أما قول الإمام الشافعي رحمه الله في كراهة هذا الفعل، وقول الإمام مالك والإمام أحمد؛ فإنه لا تعارض بينهما، إذ كل رأى منهما اتجه في المسألة إلى محل نظر؛ فاتجه نظر الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى الفعل فقال بالكراهة، واتجه نظر الإمام مالك رضي الله عنه إلى العقد فعدَّهُ لازمًا وصحيحًا، وإلا على ما طلب الشارع أن يأخذ الولى إذنها في زواجها من الطالب لها.

ص: 1206

فَصْلٌ: وَلَيسَ لَهُ تزْويجُ ثيبٍ إلا بإذْنِهَا، للحديث السالف (414)، فَإن كانَتْ،

• أمَّا القولُ بالكفاءة وأنها سبب الردِّ ونقض عقد النكاح فلحديث عائشة رضي الله عنها؛ قالت: [إِنَّ فَتَاةً دَخلَتْ عَلَيهَا؛ فَقَالَت: إِنَّ أبِي زَوَّجَنِي ابنَ أخِيْهِ لِيَرفعَ بِهِ خَسِيسَتَهُ وَأنَا كَارِهَةٌ. قالت: اجلِسِي حَتى يَأتيَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم؛ فَجَاءَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأخْبرَتهُ. فَأرسَلَ إلَى أبيهَا فَدَعَاهُ. فَجَعَلَ الأمرَ إِلَيهَا؛ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ أجَزتُ مَا صَنَعَ أبيَ، وَلَكِنِّي أرَدتُ أنْ أعَلمَ النسَاءَ مِنَ الأمْرِ شَيْئًا] وفي لفظ [وَلَكِني أرَدتُ أن تَعلَمَ النسَاءُ أنْ لَيسَ إِلَى الآباء مِنَ الأمْرِ شَئٌ]. رواه ابن ماجه في السنن: كتاب النكاح: الحديث (1874). قال في الزوائد: إسناده صحيح عن ابن بريدة عن أبيه. وقد رواه غير ابن ماجه من حديث عائشة وغيرها. ورواه النسائي في السنن الكبرى: كتاب النكاح: الحديث (5390/ 10)، وقال: هذا الحديث يوثقونه. إنتهى.

(414)

• ليس للولي تزويج الثيب إلا بإذنها؛ لأن في الحديث [الثيبُ أحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا]. وكذلك البِكر، ولهما حق نقض ما عقد الوليُّ وردُّهُ. كما جاء في حديث جابر وابن عباس وابن عمر في كراهة البكر. فالإذن لهما في الأحوال كافة. أما تزويج الولي قبل الرجوع إليهما، فإن هذا فيه نظر، وهو متعلق المسألة موضوعًا. لهذا جاء في حديث الخنساء بنت خذام الأنصارية، أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها.

• عن عبد الرحمن ومُجْرَحٍ ابنَي يزيد بن جارية عن خنساء بنت خِدامِ الأنصارية: [أن أباهَا زَوجهَا؛ وَهي ثيبٌ؛ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ؛ فَأتَتْ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فرَد نِكَاحَهَا]. رواه البخارى في الصحيح: كتاب النكاح: باب إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة: الحديث (5381). وأبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب في الثيب: الحديث (2101). والنسائي في السنن: كتاب النكاح: باب الثيب يزوجها أبوها وهى كارهة: ج 6 ص 86: وفيه [فَرَد نِكَاحَهَا]. وفي السنن الكبرى: كتاب النكاح: الحديث (5383/ 3) ولفظ [وَأنَا كَارِهَةٌ وَأنَا بكْرٌ]: الحديث (5382/ 2) بإسناد عن عبد الله بن يزيد. ولا يعتدُّ به، لأن الثابتَ أنها كانت ثيِّبًا وليست بكرًا. ينظر: شرح ابن حجر في الفتح. وابن ماجه في السنن: كتاب النكاح: الحديث (1873). فدلالة الأحاديث صريحة في أن إمضاء العقد يعتمد إقرار النساء بتزويج الولي، فعقده صحيح ما لم تردُّه المرأة بكرًا أو ثيبًا. والله أعلم.

• وضبط اسم خنساء؛ أنها خَنْسَاءُ بِنْتُ خِدَامٍ الأنصَارِيةُ الأوْسِيَّةُ. وليس كما في

ص: 1207

أي الثيبُ، صَغِيْرَة لم تُزَوَّجْ حَتى تَبْلُغَ، لأنَّ عبارتَها مُلْغَاةٌ، نعم لو كانت مجنونة زوّجتْ في الأصحِّ كما سيأتي، وَالْجَدُّ كَالأبِ عِنْدَ عَدَمِهِ، لأن له ولايةٌ وعصوبةٌ كالأب، قال الخفَّاف في خصاله: وَوَكِيلُهُمَا كَهُمَا. وهذا لفظهُ: لا يجوزُ أنْ يَعْقُدَ على الكبيرةِ إلّا بِإذنهَا، إلّا أَنْ يَعْقِدَ عليها أبوها أو جدُّها أو وكيلٌ لهما إذا كانت بِكرًا. وَسَوَاءٌ زَالَتِ الْبَكارَةُ بِوَطْءٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، يعني في حصول الثِّيُوبةِ واعتبار إذنها لأنها ثيب، وكذا لو وطئت بِشُبهَةٍ أو مجنونةٍ أو مكرهةٍ أو نائمةٍ، وعن القديم أن المصابةَ بالزنا حكمُها حكم الأَبْكَارِ، وَلَا أَثَرَ لِزَوَالِهَا بِلَا وَطْء كَسَقْطَةٍ، فِي الأصَحّ، أي بل حكمها حكم الأبكار؛ لأنها لم تمارس الرجال وهى على غباوتها وحيائها، والثانى: أنها كالثيب لزوال العذرة ومثلُ السقطة زوالُها بإصبع وبحدَّةِ طمثٍ وطول تعنيس أي وهو الكِبَرُ، وحكى الخفافُ؛ وهو من أصحابنا؛ هذا قولًا؛ والذي قبله كذا رأيته في خصاله.

فَرْعٌ: لا أثر لزوالها في الوطء في الدُّبُرِ على الصحيح.

فَرْعٌ: لو خُلقت بلا بَكارةٍ فلها حُكْمُ الأَبْكَارِ.

وَمَنْ عَلَى حَاشِيَةِ النّسَبِ كَأَخٍ وَعَمٍّ لَا يُزَوِّجُ صَغِيْرَة بِحَالٍ، أيْ بِكرًا كانت أو ثيبًا، لأنهم ليسوا في معنى الأب والجَدِّ ولم يَرِدْ نَصٌّ في غير الأب والجد وقدْ قال صلى الله عليه وسلم: [لَا تُنْكِحُوا الْيَتَامَى حَتى تَسْتَأمِرُوهُنَّ، رواه الترمذي وصححه (415)، ويؤخذ

= المطبوع من الكتب بلفظ خذام بالذال. والصحيح بالدال. هكذا ضبطه ابن حجر في الفتح، وفي ترجمتها في تهذيب التهذيب: الرقم (8871). وفي الاستيعاب لابن عبد البر: الترجمة (3350).

(415)

• رواه أبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب في الاستئمار: الحديث (2093) عن أبى هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [تُستَأمَر الْيتِيمَةُ في نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذنهَا؛ وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا]. والترمذي في الجامع الصحيح: كتاب النكاح: باب ما جاء في إكراه اليتيمة: الحديث (1109)، قال: وفي الباب عن أبى موسى وابن عمر وعائشة، وحديث أبى هريرة حسن. والنسائي في السنن: كتاب النكاح: باب البكر يزوجها أبوها وهى كارهة: ج 6 ص 87. والحاكم في=

ص: 1208

من تنصيص المصنّف على الأخ والعمِّ أنَّ مَن هو أبعدُ منهُما كَبَنِيْهِمَا، والمعتقُ؛ والسلطانُ؛ لا يزوِّجونها من باب أَوْلى.

وَتَزْويجُ الثيبِ البَالِغَةِ بِصَرِيْح الإذْنِ، للحديث السالف [الثيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا] وفي سنن أبي داود وغيره من حديث ابن عباس مرفوعًا [لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثيِّبِ أَمْرٌ] (416) قال البيهقى في خلافياته: رواته ثِقاتٌ. ولو أذنت بلفظ التوكيل جاز كما سلف.

وَيَكفِي فِي الْبِكْرِ سُكوتهَا، فِي الأصَح، لرواية مسلم السالفة [إِذنهَا سُكُوتُهَا]، والثاني: لا بد من النطق كما في الثيب وعَلَّلَهُ الْجُرْجَانِىُّ بأنَّ الحياءَ في حَقِّ الآباء والأجداد دون غيرهم، والثالثُ: أنه لا حاجة إلى الاستئذان أصلًا؛ بل إذا عقدَ بين يديها ولم تنكر كان رضى. وأبعَدَ مَن قالَ من الظاهرية أنَّ نُطْقَهَا ليس بإِذْنٍ. وَاعْلَمْ: أَنَّ عبارَةَ الْمُحَرَّر ويزوّجونَ الثيبَ البالغةَ بصريح الإذن والحكمُ في البِكر كذلك أو يكتفى بالسكوت بعد المراجَعَةِ، فيه وجهان أصحُّهُما الثاني، وهي أحسنُ مِن عبارة

= المستدرك: كتاب النكاح: الحديث (2702/ 31)، وقال: صحيح على شرط الشيخين.

• أما اللفظ الذي نصَّ عليه ابن النحوي رحمه الله؛ فهو عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما؛ أنهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالِهِ عُثْمَانَ بنِ مَضْعُونٍ؛ قَالَ: فَذَهَبَتْ أمُّهَا إِلَى رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِن ابنَتِى تَكْرَهُ ذَلِكَ، فَأَمَرَهُ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُفَارِقَهَا؛ وقَالَ:[لَا تَنْكِحُواْ الْيَتَامَى حَتَّى تَستَأمِرُوهُنَّ؛ فَإِذَا سَكَتَت فَهُوَ إِذنهَا] فَتَزَوَّجَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعبةَ. رواه الدارقطني في السنن: كتاب النكاح: ج 3 ص 229. وفيه قصة. والحاكم في المستدرك: كتاب النكاح: الحديث (3204/ 37)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.

(416)

عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لَيسَ لِلْوَليِّ مَعَ الثيبِ أمرٌ؛ وَاليتِيمَةُ تُستَأمَرُ؛ فَصَمْتُهَا إِقرَارُهَا]. رواه أبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب في الثيب: الحديث (2100). والنسائى في السنن: كتاب النكاح: باب في استئذان البكر في نفسها: ج 6 ص 85. والدارقطني في السنن: كتاب النكاح: الحديث (66) منه: ج 3 ص 239.

ص: 1209

الكتاب، لأنها لو زوِّجت بحضرتها وهى ساكتَةٌ لا يصحُّ في الأصحِّ، وذلك يدخلُ في عبارته دونَ عبارةِ الْمُحَرَّرِ، ثم الخلافُ في سكوت البِكر إنما هو في غيرِ الأبِ والجدِّ كما هو ظاهر إيرادِ المصنف تبعًا للرافعيِّ وبه يُشْعِرُ تعليلُ الجُرْجَانِي السالف، أما الأبُ والجدُّ إذا استأذناها استحبابًا فيُكتفى به قطعًا، وحكى الرافعيُّ الخلافَ المذكور فيما إذا أرادَ الأبُ تزويجَها بغيرِ كفوءٍ فاستأذنها فسكتَت. ونقلَ الرافعيُّ في آخر كتاب النكاح عن فتاوى القاضي الجزمَ بالاكتفاء به وصحَّحَهُ المتوليُّ أيضًا. وأعادها المصنفُ في الروضة من زوائدهِ قَبلَ الطرف الثامِنِ وقال: هل يصح قطعًا أمْ يكون على الخلاف؟ فيه طريقان قال: والمذهبُ الصِّحَّةُ، وقد قدمت الجزمَ في أوَّل الفصلِ من نقل صاحب البيان ما يتعلق بهذا أيضًا فراجِعْهُ. وَالْمُعْتِق، وَالسُّلْطَان كاَلأخِ، أيْ فيزوِّجان الثيبَ البالغةَ بصريح الإذن ولا يزوِّجان الصغيرة كما سبق في الأخ والعمِّ وكذا عصباتُ المعتق قال صلى الله عليه وسلم:[الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النسَبِ] صححه ابنُ حبان والحاكم (417). وقال أيضًا: [وَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِىَّ لَه](418) وقد تقدم. ومقتضى إيرادُ المصنف أنه يَكفي في البِكر سكوتُها بالنسبة إليهما ونقلَهُ

(417) رواه في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: باب البيع المنهى عنه: الحديث (4929). والحاكم في المستدرك: كتاب الفرائض: الحديث (7990/ 43)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. والشافعى في الأُم: باب والولاء والحلف: ج 4 ص 125. وفي تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج: الحديث (1433)؛ قال ابن النحوي رحمه الله: وخالف البيهقى فَأعَلَّهُ. وفي السنن الكبرى للبيهقي: كتاب الولاء: الحديث (22047) والأثر (22048)، قال: أبو بكر بن زياد النيسابوري عُقَيبَ هذا الحديث: هذا خطأٌ؛ لأن الثقات لم يرْوُوه هكذا؛ وإنما رواه الحسن مرسلًا.

(418)

عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قال رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [أيَّما امْرَأةٍ نَكَحَت بِغَيْرِ وَليّ فنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَإن دَخَلَ بِهَا فَالمَهرُ لَهَا بِمَا أصَابَ مِنهَا؛ فَإنْ تَشَاجَرُوا؛ فالسلطان وَليُّ مَن لَا وليّ لَهُ]. رواه أبو داود في السنن: كتاب النكاح: الحديث (2083). والترمذي في الجامع: كتاب النكاح: باب ما جاء لا نكاح إلا بولي: الحديث (1102)، وقال: حديث حسن. وابن ماجه في السنن: كتاب النكاح: باب لا نكاح إلا بولي: الحديث (1879). وقد تقدم في الرقم (127).

ص: 1210

الْقَمُولِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى عن نصِّهِ فيما إذا كانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْحَاكِمُ، وجزَمَ به البغويُّ في فتاوى في الْمُتَحَكِّمِ ثُمَّ السُّلْطَان يُزَوِّج في ستة مواضع عند عدم الوليِّ الخاصِّ وعضلهِ؛ وإحرامهِ؛ وغيبتهِ؛ وإذا أراد أن يُزَوِّجَهَا وَلِيُّهَا؛ والمجنونة. وقد ذكرها المصنف على هذا الترتيب في هذه الفصول كما سيأتي وجمع بعضهم هذه المواضع في بيتين فقال:

خَمسٌ مُحَرَّرَةٌ تَبَيِّنَ حُكْمُهَا

فِيْهَا يَكُوْنُ العَقْدُ لِلْحُكامِ

فَقْدُ الوَليِّ وَعَضلُهُ وَنِكَاحُهُ

وَكَذَاكَ غيبتُهُ مَعَ الإحْرَامِ

وَأَحَقُّ الأوْليَاءِ أَبٌ، لأنَّ مَن عداهُ يُدلي به ولوفور شفقته، ثم جَدٌّ، لأنه كالأب عند عدمه، ثم أبوهُ، لأن لهُ ولايةٌ وعصوبةٌ فَقُدِّمَ على مَن ليس له عصوبةٌ، ثم أَخٌ لأبوين أَوْ لأبٍ، لأنهُ يُدْلِي بالأبِ وكان أقرب. وأتى المصنف بـ (أَوْ) بينهما؛ لأنه سيُبَيِّنُ الخلافَ بعد في المقدَّم منهما، ثم ابنُهُ وإن سَفَلَ، لأنه أقربُ من العَمِّ، ثم عَمٌّ ثمَّ سَائِرُ الْعَصَبَة كَالإرْثِ، لأنَّ المأخذَ فيهما واحدٌ ومرادُه بقوله (كالإرث) بالنسبة إلى سائر العصبة فقط. فترتيبهم هنا كترتيبهم هُناك فيقدَّمُ بعدَ العمِّ من الأبوين أو مِن الأبِ ابنُهُ وإن سَفَلَ ثُمَّ سائرُ العَصَبَاتِ، ولا يصحُّ عودُهُ إلى جميع ما ذكره؛ لأن الجد والأخ يستويانِ في الإرثِ وهنا الجدُّ مُقَدَّمٌ، ويقَدَّمُ أَخٌ لأبَوَيْنِ عَلَى أَخٍ لأبٍ فِي الأظهَرِ، لزيادة القُربِ والشفقةِ كما في الميراث. والثاني: أنهُما سواءٌ؛ لأن قرابةَ الأمِّ لا تفيدُ ولاية النكاح فلا تَرْجِيْحَ.

وَلَا يُزَوَّجُ ابن بِبُنُوَّةٍ، لأنه لا مشاركةَ بينَهُ وبينَهَا في النسب فلا يعتني بدفع العارِ عن النسب ولهذا لم تثبتْ الولايةُ للأخ مِن الأُمِّ وخالف المزنىُّ فقال: يُزَوِّجُ بِهَا، وبه قالَ الأئِمَّةُ الثلاثةُ، فَإن كَان ابْنَ ابْنِ عَمٍّ أَو مُعْتِقًا أوْ قَاضِيًا زَوَّجَ بِهِ، أي لا بالبنُوَّة وكذا لو توالدتْ قرابةٌ أخرى من أنكحة المجوس أو وطء الشبهة بأن كان ابنُها أخاها أو ابنُ أخيها أو ابنُ عمِّها، وكذا لو كان وكيلًا لوليِّها، لأن البُنُوَّةَ لا تقتضي الولاية وليست مانعةٌ، فإذا وُجد معها سببٌ آخرٌ يقتضي الولاية لم يمنعْهُ

ص: 1211

وحديث أم سلمة [قُمْ يَا غُلَامُ زَوِّج أُمَّكَ](419) إن ثبتَ، فإنما لأنه كان من بني أعمامِها ولم يكن لها وليٌّ أقربَ منهُ، وكذا ما يروى من [أَن أَنَساً زَوج أُمَّهُ](420) إن ثبت، فإنما كان ببنوةِ العَمِّ فإنهما من الأنصار، فَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ نسِيْبٌ زَوَّجَ الْمُعْتِقُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ، لما سلف، كَالإِرْثِ، أيْ في ترتيبِهم كما صَرَّحَ به في الْمُحَرَّرِ فتقدَّم بعدَ عصبةِ المعتقِ معتقُ المعتقِ ثم عصبتُهُ وهكذا على ترتيبهم هُناك، وترتيبُ العَصَبَاتِ هنا كالنسب إلَاّ في ثلاث مسائلَ؛ الأُولى: جَدُّهَا أَوْلى من أَخِيْهَا؛ وفي جَدِّ الْمُعتق وأخيهِ قولان كإرثهما بالولاء أظهرهُما تقدُّم الأخ، والثانى: يستويان كذا حكى الرافعيُّ هذا القولَ. وحكى الماورديُّ بدلَهُ أنَّ الْجَدَّ يُقدَّم عليه، ولو اجتمع جدُّ

(419) • عن ابن عمر بن أبى سَلَمَة عن أبيه؛ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيْهَا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: مَرحَبًا برَسُوْل اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبِرَسُوْلِهِ. أخْبِرْ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي امْرَأةٌ غَيْرَى، وَإِنِّى مُصْبِيَّةٌ؛ وَإِنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنْ أَوْليَائِى شَاهِدًا. فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:[أَمَّا قَوْلُكِ إِنَّكِ مُصْبِيَّةٌ؛ فَإِنَّ اللَه سَيَكْفِيْكِ صِبْيَانِكِ؛ وَأَمَّا قَوْلُكِ إنِّي غَيْرَى؛ فَسَأَدْعُو الله أَنْ يُذْهِبَ غَيْرَتَكِ، وَأَمَّا الأوْلِيَاءُ؛ فَلَيْسَ أحَدٌ مِنْهُمْ شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ إِلَّا سَيَرضَانِى].

• عن سَلَمَةَ بْنَ أبِى سَلَمَةَ عَنْ أم سَلَمَةَ: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [مُرِي ابْنَكِ أَنْ يُزَوِّجكِ].

• عن ابن عمر بن أبى سَلَمَةَ عن أبيه: أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ لِابْنِهَا: (يَا عُمَرْ قُمْ فَزَوِّجْ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) فَزَوَّجَهُ. رواه البيهقى في السنن الكبرى: كتاب النكاح: باب الابن يزوجها إذا كان عصبة لها بغير البنوة: الحديث (14053) و (14056). والإمام أحمد في المسند: ج 6 ص 295 و 313 - 314. وأبو داود في السنن: كتاب الجنائز: باب في الاسترجاع: الحديث (3119) مختصرًا.

(420)

عن أنَسٍ؛ أنَّ أبا طَلْحَةَ خَطَبَ أُمَّ سُلَيْمٍ؛ فَقَالَتْ: يَا طَلْحَةَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ إِلَهَكَ الَّذِي تَعْبُدُ خَشَبَةٌ تَنْبُتُ مِنَ الأَرْضِ نَجَرَهَا حَبَشِيُّ بَنِى فُلَان؛ إِنْ أَنْتَ أَسْلَمْتَ لَمْ أُرِدْ مِنْكَ مِنَ الصَّدَاقِ غَيْرَهُ. قَالَ: حَتَّى أنْظُرَ فِى أمْرِى؟ قَالَ: فَدهَبَ ثُمَّ جَاءَ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأنً مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ. قَالتْ: (يَا أَنَسْ زَوِّجْ أَبَا طَلْحَةَ). رواه البيهقي في السنن الكبرى: الأثر (14057). والحاكم في المستدرك: كتاب النكاح: الحديث (2735/ 64) وقال: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.

ص: 1212

المعتقِ وابنُ أخيه فإنْ قدَّمْنَا الأخَ على الجدِّ قدَّمْنَا ابنَهُ وإلا فَيُقَدَّمُ الجدُّ، وفي الإرث وجه: أنهما يستويانِ فيجوزُ أنْ يُطرد هنا كما قالَهُ الرافعيُّ. الثانية: ابنُ المرأةِ لا يزوِّجها وابنُ المعتقِ يزوّج ويقدَّم على أبيهِ، لأن التَّعْصِيْبَ لَهُ، الثالثة: إذا اجتمع أخو المعتق لأبويهِ وأخوهُ لأبيه فالمذهبُ القطعُ بتقديم الأخِ لأبوَين، وقيل: يطردُ القولين كالنَّسَبِ، وقيل: يستويان قطعاً.

وَيُزَوِّجُ عَتِيْقَةَ الْمَرْأَةِ مَنْ يُزَوِّجُ الْمُعْتِقَةَ مَا دَامَتْ حَيَّةً، أيْ لا السُّلْطَانُ، وتجعل الولايةُ عليها تبعاً للولايةِ على الْمُعْتَقَةِ فيزوِّجها أبو المعتقة ثم جدُّها ثم ترتيبُ الأولياء ولا يزوِّجها ابنُ المعتقةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ إِذْنُ الْمُعْتِقَةِ فِي الأصَحِّ، إذ لا ولايةَ لها ولا إجبارَ، والثاني: يُعتبر؛ لأنَّ الولاءَ لها والعصبةُ يزوِّجون لإدلائِهم بها فَلَا أَقَلَّ مِن مُراجعتها ولا يَخفى اشتراطُ رِضَى العتيقةِ، فَإِذَا مَاتَتْ زَوَّجَ مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ، أي من عصباتِ المعتقة ويقدَّم الابنُ على الأبِ على الصحيح.

فَرْعٌ: المبعَّضةُ يزوِّجها مَالِكُ الْبَعْضِ ومعهُ وَلِيُّهَا القريبُ؛ فإن لم يكن فمعتقُ بَعْضِهَا، وإلَاّ فالسلطانُ وهو أصحُّ الأوجهِ الخمسةِ. وثانيها: يكون معه معتقُ البَعْضِ، وثالثها: يكونُ معهُ السلطانُ، ورابعها: يستقلُّ مالِكُ البَعْضِ، وخامسها: لا يجوزُ تزويجُها أصلاً لضَعْفِ الْمِلْكِ والولايةِ بِالتَّبْعِيضِ.

فَإِن فُقِدَ الْمُعْتِقُ وَعَصَبَتُهُ زَوَّجَ السُّلْطَانُ، لأنه وليُّ مَن لا وليَّ لهُ وهو نائبٌ عن الشرع في ذلك. والمرادُ به مَن لهُ الولايةُ العامَّةُ؛ واليًا كان أو قاضيًا في محل حكمهِ خاصةً دون غيره؛ وسواءً كانت مستوطِنَةً مَحِل ولايتهِ أمْ غيرها؟ وَكَذَا يُزَوِّجُ إذَا عَضَلَ، أيْ منعَ، الْقَرِيْبُ وَالْمُعْتِقُ، لأن التزويج حقٌّ عليهما فإذا امتنعا من وفائهِ وَفَّاهُ الحاكمُ. وهل هذا التزويج منه بطريق الولاية أو النيابة عن الوليِّ؟ فيه خلاف، تظهرُ ثمرتُهُ فيما إذا كانت ببلدٍ وأَذِنَتْ لحاكم بلدٍ آخر في تزويجها والوليُّ فيه، وَإِنَّما يَحْصُلُ الْعَضْلُ إِذَا دَعَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً إِلَى كُفْءٍ، وَامْتَنَعَ، لأنهُ إنما يجبُ عليه تزويجها من كفوء، فإن دعت إلى غيره فلَهُ الامتناعُ ولا يكونُ عضلاً، وإذا

ص: 1213

حصلتِ الكفاءَةُ فليس لهُ الامتناعُ من نقصانِ المهرِ، لأنه محضُ حقِّها ولا بُدَّ من ثبوت العضل عند الحاكم ليزوِّجها كما أوضحتُهُ في شَرْح التَّنْبِيْهِ فراجِعْهُ منهُ.

وَلَوْ عَيَّنَتْ كُفْوءًا وَأرَادَ الأبُ غَيْرَهُ، وهو كفوءٌ أيضًا، فَلَهُ ذَلِكَ في الأصَحِّ، لأنهُ أكملُ نظراً مِنْهَا، والثانى: لا، إعفافاً لها وهو قويٌّ وظاهرُ نصه في المختصر يقتضيهِ، فإنه قال: والعَضْلُ أن تدعو إلى مثلها فيمتنعُ. ونقلَهُ صاحبُ الْمَطْلَبِ عن ظاهر نصِّه في الأُمِّ أيضاً، وعبارةُ الشَّامِلِ الصَّغِيْرِ: مُعَيَّنُهَا أوْلى وَإِنْ نَقَصَ مَهْرُهَا مِمَّا عَيَّنَهُ الْوَلِيُّ، وعُلِمَ من فرضِ المصنِّفِ في إرادة الأبِ غيرهُ أنَّ الكلام في الْمُجبر ليخرِّج غَيرَهُ؛ فإنَّ مَنْ عَيَّنَتْهُ أَوْلى قطعاً، لأن إذنها شرطٌ وكما هو شرطٌ في أصل التزويج هو شَرْطٌ فِي عَيْنِ مَنْ عيَّنَتْهُ؛ إذا لم تُطْلِقْ. وقول الغزاليِّ: الكفوءُ الذي عَيَّنَتْهُ أوْلى مِنَ الَّذي عَيَّنَهُ على وجهٍ يجبُ حملُهُ على إرادةِ الْمُجْبِرِ فَقَطْ.

فَصْلٌ: لَا وِلَايَةَ لِرَقِيْقٍ، لنقصِهِ، نعم يصحُّ أن يكون وكيلاً في القبولِ فقط كما سلَفَ فِى بابه، وَصَبِيٍّ، لسلب عبارته، وَمَجْنُونٍ، كذلك أيضًا وهو في الجنونُ المطبقُ، وكذا المتقطعُ؛ على ما صحَّحَهُ في أصل الروضة وإن كان الأشبَهُ في الشَّرحِ الصغير أنه لا يُزيل الولايةَ كالإغماء. قال في المطلبِ: وهو ظاهرُ نَصِّهِ في الأُمِّ فعلى هذا يُنتظر حتَّى يفيقَ على الصحيح. وقيل: يزوجها الحاكمُ كالغيبة، وَمُخْتَلِّ النَّظَرِ بِهَرَمٍ أَوْ خَبَلٍ، أي أصليٍّ أو عارضٍ للعجز عن اختيار الأكِفَّاءِ، وَكَذَا مَحْجُورٍ عَليْهِ بِسَفَهٍ، عَلَى المَذْهَبِ، لأنَّ الْحَجْرَ عليه لنقصانهِ فلا يحسنُ أن يُفَوَّضَ إليهِ أمرَ غيرهِ، والطريقُ الثانى وجهان؛ أحدهما: هذا، والثاني: نعم، لأنه كاملُ النظرِ في أمر النكاح وإنما الْحَجْرُ عليهِ لحفظ ماله؛ وهذا التعليلُ مُخْتَصٌّ بالسفيهِ في المال؛ والسفيهُ في الدَّيْنِ حُكْمُهُ مثلُهُ، واحترزَ بالمحجورِ عليه عمَّا إذا كان غرَ محجورٍ عليه، فإنَّ ولايتَهُ باقيةَ كذا اقتضاهُ كلامهُ وذكرَهُ الرافعيُّ بحثاً. لكن صحَّحَ صاحبُ الذخائرِ سلبَها، وكذا ابنُ الرفعةِ فِى مطلبِهِ، وهو ظاهرٌ لزوالِ أهليتهِ بتبذيره، واحترزَ بالسفيهِ عن المفلس، وبه قطعَ الرافعيُّ في الشرح الصغير، لكن فيه وجهٌ حكاهُ في الرَّوضة عن الشَّاشِيِّ.

ص: 1214

فَرْعٌ: توكيلُ المحجورِ عليه بسفهٍ في طرفيِّ النكاحِ كتوكيل العبد، فيصحُّ في القَبُول دُوْنَ الإيجابِ.

وَمَتَى كاَن الأقْرَبُ بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَالْوِلَايَةُ لِلأبْعَدِ، لخروج الأقرب عن أن يكونَ وليًا فإذا زالَتْ عادَتْ كما أَفْهَمَهُ لَفْظُ (مَتَى)، وَالإِغْمَاءُ إِنْ كَان لَا يَدُومُ غَالِبًا انْتُظِرَ إِفَاقَتُهُ، أيْ ويكونُ كالنومِ ولا يُزوِّج غيرهُ، ومجرد الغشية من هيجانِ الصَّفْرَاءِ ونحوُها من ذلكَ، كما صرح به الإمامُ. قال: ومِن جملةِ ذلك الصَّرَعُ، وَإنْ كَان يَدُومُ أَيَّامًا انْتُظِرَ، لأنه قريبُ الزوال كالنوم، وَقِيْلَ: يَنْقُلُ الولاية، لِلأبْعَدِ، كالجنون، وقولُه (أيامًا) فيه مخالفةٌ لعبارته في الرَّوضَةِ تبعاً للشَّرْحِ، وإن كان مما يدومُ يومًا ويومين وأكثرَ فوجهان، وفِي تقتضي جريانَ الخلاف فيما يدوم يومًا أيضاً، والغزاليُّ ذكَرَ اختيارَهُ للتقدير بالثلاث بعدَ أن حكى مقالة الإمام الآتية، وقال الرافعيُّ في الشَّرح: التقديرُ بالثلاث لم يتعرض إليه غيرُ الغزاليِّ. وقال الإمام: ينبغى أن تُعتبر مُدَّتُهُ بالسَّفر، فإن كانت مدَّةً يُعتبر فيها إذْنُ الوليِّ الغائبِ وقطعَ المسافة ذهابًا ورجوعًا انتظرتْ إفاقتُهُ وإلا فيزوِّج الحاكمُ. ويرجع في معرفة مدته إلى أهل الخبرة.

فَرْعٌ: الأسْقَامُ والآلامُ الشَّاغِلَةُ عن النظرِ ومعرفةِ المصلحةِ تَمْنَعُ الولايةَ أيضاً وتنقلُها إلى الأبعد، نصَّ عديه، وتابعُوهُ وهو داخلٌ في قول المصنف (ومُختلِّ النِّظَرِ).

فَرْعٌ: في معنى الإغماءِ السُّكْرُ الحاصلُ بلا تَعَدٍّ فلا يزوِّجُ وينتظرُ إفاقتُهُ على المذهب، وهذا إذا بَقِىَ لهُ تمييزٌ ونظرٌ، أما الطافحُ فكلامُهُ لغوٌ، وَلَا يَقْدَحُ الْعَمَى فِي الأصَحِّ، لحصول المقصود بالبحث والسَّماعِ وإنما رُدت شهادتُهُ لعدمِ التَّحَمُّلِ، والثانى: يقدحُ، لأنه نقصٌ يؤثّر في الشهادة فأشبهَ الصَّغير، وقال الفارقي: إنْ عرفَتِ الزَّوجةُ الزوجَ ورضيَتْ بهِ جازَ أنْ يكونَ الوليُّ أعمَى قطعًا لقصةِ موسى مع شُعيب، وإلَاّ فلا. وعلى الوجه الثانى، قال الإمامُ: يُنْتَقَلُ إِلَى الأبْعَدِ.

فَرْعٌ: الأخرسُ إنْ كانت لهُ كتابةٌ أو إشارةٌ مُفْهِمَةٌ جرَى الخلاف المذكور فيه، أعنى الوجهَ الأصحّ، والثاني: وقيل: يزوِّج قطعاً، فإن لم تكن مُفْهِمَةً فلا ولايةَ لهُ.

ص: 1215

وَلَا وِلَايَةَ لِفَاسِقٍ، عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنهُ نقصٌ يقدحُ في الشهادة فتمنَعُ الولايةُ كالرِّقِّ. وبالقياسِ على ولايةِ المالِ؛ والقولُ الثانى: لهُ الولايةُ؛ لأن الفسقَةَ لم يُمنَعُوا من التزويج في عصر الأَوَّلِينَ، وفي هذا الاستدلالِ نَظرٌ، لأن ذلك مُخْتَلَفٌ فيه، فلا يُنْكَرُ، وقد يتعذَّرُ الإنكارُ وبهِ أفتَى أَكَابِرُ المتأخرينَ لا سيما الْخُرَاسَانِيُّونَ. والطريقُ الثانى: القطعُ بالأول، والثالثُ: القطعُ بالثاني، ومجموعُ ما فِى المسألةِ من الطرقِ أحدَ عشرَ طريقًا فراجعها مِن الأصلِ، ويُستثنى من ذلك الإمامُ الأعظمُ إذا لم ينعزل بالفسق، وهُو الأصحُّ، فإنهُ يزوِّج بناتَهُ وبناتَ غيرِهِ بالولاية العامَّةِ على الأصحِّ تفخيمًا لشأنهِ، وقال المتولِّي: كان القاضى حُسين يقول: عندي الإمامُ الفاسقُ لا يزوِّج الأيَامَى ولا يَقْضِي، كما لا يشهدُ، ولكنَّهُ يُنَصِّبُ القُضاةَ حتى يزوِّجوا. قال: وَكَأَنَّ المعنى في ذلك أنَّ تنفيذَ ولايةِ الإمامِ مع الفِسْقِ لخوفِ وُقُوع الفتنةِ والقتالِ بينَ الناسِ وليس في مَنْعِهِ مِن القضاءِ والتِّزويج خوفُ فِتْنةٍ؛ لأنه يفوِّضُ ذلك إلى من يصلح لهُ. واستفتيَ الغزاليُّ في ولاية الفاسق، فقال: إنْ كانتْ بحيثُ لو سلبنَاهُ الولايةَ لانتقلَتْ إلى حاكمٍ يرتكبُ ما نُفَسِّقُهُ بِهِ وَلِىَ، وإلَاّ فلا. قال في الروضة: وهذا الذي قالَهُ حسنٌ، وينبغي أن يكونَ العملُ به.

فَرْعٌ: لا خلاف أنَّ المستورَ يَلِي، قالهُ الإمامُ.

فَرْعٌ: من الأصحاب من أجرَى الخلافَ في ولايةِ الفاسقِ لمالِ ولَدِهِ، والمذهبُ القطعُ بالمنعِ، لأن المالَ مَحِلُّ الجناياتِ الخفِيَّةِ، وأمرُ النكاح خطير، فالاهتمامُ بشأنِهِ وإنْ كانَ الشخصُ فاسقًا أقربُ.

فَرْعٌ: إذا تابَ الفاسقُ، قال البغويُّ: هنا لهُ التزويجُ في الحال. والقياسُ وهو المذكورُ في الشَّهَادَاتِ اعتبارُ الاِسْتِبْرَاءِ لعودِ الولايةِ حيثُ يعتبرُ لقبولِ الشَّهَادَةِ.

فَرْعٌ: المذهبُ من زوائدِ الرَّوضة القطعُ بثبوت ولاية أصحاب الحِرَفِ الدَّنيَّةِ، إذا قُلنا الفاسقُ لا يَلي.

فَرْعٌ: إذا قُلنا لا ولاية للفاسقِ، انتقلَتْ للأبعَدِ، وقيل: إلى السُّلطانِ.

ص: 1216

فَرْعٌ: الفسقُ إنما يتحقَّقُ بِارتكابِ كَبِيْرَةٍ أو إصرارٍ على صغيرةٍ وليسَ العَضْلُ من الكبائِرِ، وإنما يفسُق به إذا عَضَلَ مراتٍ أقلُّها فيما حكَى بعضُهم ثلاثًا، وحينئذٍ فالولايةُ للأَبعَدِ ذكرَهُ الرافعيُّ، قال ابنُ الرفعةِ: وفي كلام القاضى ما يُخالِفُهُ، وصرَّحَ الرافعيُّ في موضع آخر: بأنَّ السُّلطانَ يزوِّج من غيرِ تقييدٍ بثلاث ودُونَها. وقَالَ الإمامُ: إنْ كانَ في الخطةِ حاكمٌ فَلا يأْثَمُ بالعَضْلِ وإلَاّ فَيَأْثَمُ.

فَرْعٌ: إذا كانَ له بِنْتَانِ فَعَضَلَ واحدةً فهل لهُ تزويجُ الأُخرَى على قولنا الفاسقُ لا يَلي؟ فيه وجهان حكاهُما القاضى حُسين من قِبَلِهِ: أنَّ الفسقَ يُخرجهُ عن الولاية لكنه فسقٌ مخصوصٌ، قال: ويمتحنُ بهذه المسألة فيقالُ لرجل ابْنَتَانِ أو أُختانِ مُتَّفِقَتَانِ في جميع الصِّفاتِ إلى تختلفُ بها أَحْكَامُ النِّكاح يملكُ تزويجَ إِحداهُما دُوْنَ الأُخرَى.

وَيَلِي الْكَافِرُ الْكَافِرَةَ، لقوله تعالى:{بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (421) ولأنه قريبٌ ناظرٌ، وخالفَ شهادته، لأنها محضُ ولايةٍ في الغيرِ بخلاف النكاح. وهذه العبارةُ أعمُّ من عبارَة الْمُحَرَّرِ: ويَلى الكافرُ ابْنَتَهُ الكافرَةُ، لأنَّ الحكمَ عامٌّ سواءٌ كانت المزوَّجة بِنْتَهُ أو قريبتَهُ، ثم هذا إذا كان لا يرتكبُ محظوراً في دِينه، فإنِ ارتكبَ فتزويجُهُ إيَّاها كتزويج الْمُسْلِمِ الفاسِقِ ابنتَهُ، وعن الحليمى: أنَّ الكافرَ لا يَلي التزويجَ وأنَّ المسلِمَ إذا أراد تزويجَ ذِمِّيَّةٍ زوَّجه القَاضِى، والصحيحُ ما جزَمَ به في المصنفِ وإن كان ابنُ يُونس صحَّحَ المنعَ وادَّعى المتولِّى أنهُ لا خلاف أنه يزوِّجُها من ذِمِّيٍّ، وإنما الخلافُ في تزويجِها من مسلمٍ وَأَفْهَمَ كلامُ المصنِّفِ أن الكافرَ لا يَلي الْمُسْلِمَةَ وهو كذلك، وإنما يزوِّجها الأبْعَدُ وهو صريحُ كلامِ الْمُحَرَّرِ حيثُ قالَ: والكافرُ يَلي نكاحَ ابنتِهِ الكافرةِ؛ فعبارته مفيدةٌ للحصرِ فكأنَّهُ قالَ: إِنَّ الكافرَ لا يلي إلَاّ الكافرةَ، والمصنفُ قدَّمَ الفعل فلا يُؤْخذ ذلك صريحاً منهُ، فعبارةُ كل منهُما أحسنُ من الأُخرى من وجهٍ. ولا يجوزُ أن يكون وليُّ الكافرةِ مُسْلِمًا أيضاً لانقطاع الموالاة بينهما. وقيل: يجوزُ بالولاية الخاصَّةِ حكاهُ في الكفاية، قُلْتُ: قد ذكرها الرافعيُّ في فصْلِ ولاية السَّيِّدِ، قال في الروضة: ولا يزوجُ مسلم كافرةً إلا السُّلطانُ والسَّيِّدُ على الأصحِّ،

(421) الأنفال / 73.

ص: 1217

وإذا زوَّج أَمَةَ موليته، قال: ولا يزوِّجُ كافرٌ مسلِمَةً إلا أُمَّ ولدِهِ على وجه قاله الفورانيُّ. قُلْتُ: وإلَاّ إذا كانَ لهُ أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ، فقال ابن الحدَّاد: يزوِّجها بالمِلْك، وقد ذكرَهُ بعد ذلك مع أُمِّ الولَدِ.

فَرْعٌ: هل للحاكمِ أَنْ يزوِّج المجوسِيَّةَ الْحُرَّةَ؟ فيه وجهان. في طبقاتِ الْعَبَّاديِّ وفي فتاوى القفال: أنَّ تزويجَ الحاكمِ كافرةً لا وليَّ لها من كافرٍ يخالفُها في الدِّينِ كيهوديٍّ من وَثَنِيَّةٍ أو مجوسيةٍ أو نصرانيةٍ دَارَتْ بينَ القفالِ وأبي الفَضْلِ العراقِيِّ، فأفتى الأوَّلُ بالجوازِ، كما أَنَّا نُفِرُّهُمْ لو فعلوهُ وترافَعُوا إلينا. وأفتَى الثَّاني بالمنعِ.

فَرْعٌ: لو أرادَ المسلمُ أن يتزوَّج ذِمِّيَّةً فلهُ أن يتزوَّجها من ولِيِّها الذِّمِّيِّ، فإن لم يكُنْ فالقاضِى، فإن لم يكن فقيل: يجوزُ للمسلِمِ قبولُ نِكَاحِهَا من قاضيهم. والمذهبُ المنعُ. قال الإمامُ: لأنه لا وَقْعَ لِقَضَائِهِمْ.

فَرْعٌ: هل يزوِّجُ اليهوديُّ النصرانيَّةَ؟ ظاهرُ إطلاقِ المصنفِ: نعم، وقال الرافعيُّ: يمكنُ أنْ يُلحق بالإِرثِ، ويمكنُ أنْ يُمْنَعَ، لأن اختلافَ الْمِلَلِ وإن كانت باطلةً، مَنْشَأْ العداوَةِ، وسقوطُ النظرِ. قال ابن الرفعة: العداوةُ لا تَمْنَعُ الولايَةَ ولا الإِجبارَ على المذهبِ، والاحتمال الأوَّلُ الذى ذكرَهُ الرافعيُّ سبقَهُ إليه المتولِّى، فإنه قال: اليهوديُّ هل تَثْبُتُ لهُ ولاية على النصرانيَّةِ وعكسُهُ أمْ لا؟ ينبني على أنَّ الكفرَ مِلَّةٌ واحدةٌ أو مِلَلٌ، فإن قلنا بالأوَّلِ ثبتَتْ؛ وإلَاّ فلا، وجزمَ بإلحاقِهِ بالإرْثِ الإمامُ والماوردِيُّ والرويانيُّ.

فَرْعٌ: الْمُرْتَدُّ لا ولايَةَ لهُ على مُسْلِمَةٍ ولا على مُرْتَدَّةٍ ولا على غَيْرِهِمَا مِن الكافراتِ.

فَرْعٌ: إذا كان للنصرانية أخٌ نصرانيُّ وأخٌ مجوسيُّ وأخٌ يهوديُّ، قال الماورديُّ: كانوا في الولاية علَيْها سواءٌ كما يشاركون في ميراثها فلو كانَ في إخْوَتِها مَن يدَّعِى الإِسلامَ فلا ولاية لهُ كما لا ميراثَ.

وَإحْرَامُ أحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، أي سواءٌ كان وليًّا أو زَوْجاً أو وكيلاً، أوِ الزَّوْجَةِ،

ص: 1218

أي بالحَجِّ والعُمرةِ أو أحدِهما، يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاح، لقوله صلى الله عليه وسلم:[لَا يَنْكِحَ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحَ] رواه مسلم (422). وهذا في غيرِ الإمامِ وكذا الإمامُ والقاضِي على الأصحِّ لإطلاقِ الحديثِ، قال الخفافُ من قدماء أصحابنا في خِصَالِهِ: كلُّ نكاحٍ عَقَدَه وكيلُ الْمُحْرِمِ فهُو باطل إلَاّ الحاكمُ إذا عقدَ خلفاؤُهُ النكاحَ وهو مُحْرِمٌ وكذا الخليفةُ إذا أَحْرَمَ يَعقدُ خلفاؤُه النكاحَ وفي هذا وجهٌ حكاهُ الماورديُّ.

فَرْعٌ: يجوزُ أن تُزَفَّ إليه زوجتُهُ التى عَقَدَ عليها قبلَ إحرامِهِ، وأنْ تُزَفَّ الْمُحْرِمَةُ إلى زوجِها الحلالُ والْمُحْرِمُ.

وَلَا ينْقُلُ الْوِلَايَةَ فِي الأَصَحِّ، لبقاءِ الرُّشْدِ والنظرِ، والثاني: يَنْقُلَهَا إلى الأبْعَدِ كالجنون، قال في المطلب: وهُو الذى يظهَرُ رَجحَانَهُ، فِيُزَوِّجُ السُّلْطَان عدَ إِحْرَامِ الْوَليِّ لَا الأبْعَدُ، كما لو غابَ. قُلْتُ: وَلَوْ أحْرَمَ الْوَليُّ أَوِ الزَّوْجُ فَعَقَدَ وَكِيْلُهُ الْحَلَالُ لَمْ يَصِحَّ، وَاللهُ أعْلَمُ، لأنهُ يبعد أن ينصرفَ النائبُ مع عجز الأصليِّ فيزوِّج بعدَ التَّحَلُّلِ بالوكالةِ السابقةِ ولا ينعزلُ على الأصحِّ، وَلَوْ غَابَ الأقْرَبُ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ زَوَّجَ السُّلْطَانُ، لأنه حقٌّ عليه فإذا تعذَّرَ استيفاؤُهُ منهُ نابَ عنهُ القاضِي، وهذا إذا عرف مكان الغائبِ، فإنْ لم يعرِفْ مكانهُ ولا حياتهُ ولا موتَهُ زوَّجَها أيضًا، وإنِ انتهَى الأمرُ إلى غايةٍ يُحْكَمُ فيها بالموتِ وقُسِّمَ مالُهُ بينَ ورثتِهِ على ما تقرَّرَ في الفرائضِ انتقلَتْ الولايةُ إلى الأبعَدِ، وَدُوْنَهُمَا لَا يُزَوِّجُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ فِي الأَصَحِّ، لأنَّ المسافةَ القصيرةَ كالإقامةِ. ولو كان مقيمًا في البلدٍ لم يزوجها الحاكمُ. فكذا هُنا وهذا ما نصَّ عليه في الإمْلَاءِ. والثاني: يزوِّج لِئَلَاّ تتضرَّرَ بفواتِ الكفُوءِ الرَّاغِبِ

(422) عن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه؛ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [لَا يَنْكِحَ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحَ وَلَا يَخْطُبَ]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب النكاح: باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته: الحديث (41/ 1409). وأبو داود في السنن: كتاب المناسك: باب المحرم يتزوج: الحديث (1841 و 1842). والترمذي في الجامع: كتاب الحج: باب ما حاء في كراهية تزويج المحرم: الحديث (840)، وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في السنن: كتاب الحج: باب في النهى عن ذلك: ج 5 ص 192، وفي السنن الكبرى: كتاب الحج: الحديث (3825/ 1) والحديث (3862/ 2).

ص: 1219

كالمسافة الطويلة، وفي تعليق الشيخ أبي حامدٍ والبيانِ أنَّهُ المذهبُ، والثالثُ: إن كان بحيثُ يتمكن المبكِّرُ إليها مِن الرجُوع إلى منزلِهِ قَبْلَ الليلِ اشترطَ مراجعتُهُ وإلَاّ فلا.

فَرْعٌ: ليكن تواري الوليُّ وسجنُهُ بحيث يتعذَّرُ استئذانُهُ كالغيبة.

فَرْعٌ: الأصحُّ في الروضة تصديقُ المرأةِ في غيبة الوليِّ وخُلُوِّ المانِع، ولا يشترطُ فيها شهادة خبيرين بالباطن، فلو أَلَحَّتْ بالمطالبَةِ ورأى السلطانُ التأخير فهل لهُ ذلك؟ وجهان في الرَّوضة والرافعيِّ قال: رواهُما الإمامُ عن أهلِ الأُصولِ، قُلْتُ: ولفظُهُ: ذهب قُدْوَتُنَا في الأُصول إلى أنَّها تُجَابُ، وقال القاضي أبو بكر الباقلانيِّ: لا يُجيبها إنْ رأى ذلك. انتهى. والقاضي هذا مالكيُّ المذهَبِ والظاهرُ أنَّ الآخر هو الأشعريُّ وحينئذ فالمسألة ليست ذات وجهين فَاعْلَمْهُ، قال الإمامُ: ولو زوَّجَ قَبْلَ إِلْحَاحِهَا نَفَذَ تزويجُهُ وكانَ مُسِيْئًا.

فَرْعٌ: إذا غابَ الوليُّ الأقربُ الغيبةَ المعتبرةَ، فالأولى للقاضي أنْ يَأْذَنَ للأبعَدِ أنْ يُزوِّجَ أو يَسْتَأْذِنَهُ ليزوِّج القاضى، للخروج من الخلاف.

فَصْلٌ: وَللِمُجْبِرِ التَّوْكِيْلُ فِي التَّزْويْج بِغَيرِ إِذْنِهَا، كما يزوِّجها بغيرِ إذنها، وقيل: لا يجوزُ إلا بإذنها، وقال أبو ثور: لا يجوزُ للوليِّ التوكيلُ كما لا يوصى بالولاية، ولأنه نائب فلا يستنيبُ. واستدلَّ الماورديُّ على جوازِهِ بالحديثِ السالف [أيَّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ](423) وإذنُ وليِّها هو التوكيلُ لغيرها لا لها، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِيْنُ الزَّوْج فِي الأظْهَرِ، لأنه يملِكُ التعيينَ في التوكيل فيملك الإطلاق كما في البيع وسائر التَّصَرُّفَاتِ وشفقتُهُ تدعو إلى أنه لا يُوْكِلُ إلا من يَثِقُ بنظرِهِ وَاخْتِيَارِهِ، والثانى: يُشترط ذلك لاختلاف الأغراضِ واختلافِ الأزواج وليس للوكيل شفقة تدعو إلى حُسن الاختيار وصحَّحَهُ الفارقيُّ، ولو أَذِنَتِ الثَّيِّبُ في النكاح أو البِكْرُ لغير الأبِ والجدِّ، ففي اشتراط التَّعيينِ القولانِ، وقيل: لا يُشترط قطعًا، لأن الوليَّ يعتني بدفْع العارِ عن النَّسَبِ بخلافِ الوكيل، قال الإمامُ:

(423) تقدم في الرقم (138).

ص: 1220

وظاهرُ كلام الأصحابِ يقتضي طرد الخلاف وإنْ رضيَتِ المرأةُ بترك الكفاءة، لكن القياس تخصيصُهُ بمَنْ لم تَرْضَ، فأما من أسقطت الكفاءَةَ، فلا معنَى لاشتراط التعيين فيها.

فَرْعٌ: لو وَكَّلَهُ أن يتزوَّج لهُ امرأةً، ففى اشتراط تعيينها وجهان، صحَّحَ في الروضة في الوكالة: الاشتراطَ؛ ورجَّح هنا عَدَمَهُ.

وَيَحْتَاطُ الْوَكِيْلُ فَلَا يُزَوِّجُ غَيْرَ كُفْءٍ، رعايةً للنظر، فلو زوَّج بغير كفوءٍ لم يصحَّ على الصحيح.

فَرْعٌ: لو خطبَ كفُوءَان وأحدُهما أشرَفُ فزوَّجَ الآخَرَ لم يصِحَّ، لأنه خلافُ الحظِّ. فَرْعٌ: إذا جوَّزنا الإِذْنَ المطلَقَ؛ فقالت: زوِّجى ممَّن شِئْتَ، فهل له تزويجُها غير كفوءٍ؟ وجهان أصحُّهُمَا عندَ الإِمامِ والسَّرْخَسِيِّ وغيرهما: نعم، إنما تظهَرُ الصِحَّةُ إذا كانت المشيئةُ في مُعَيَّنَيْنِ، أمَّا إذا كانت مُطْلَقَةً فَلا؛ كما لو قَالَتْ: زوِّجنى ممَّنْ شِئتَ كفوءٌ كان أو غيرَهُ.

فَرْعٌ: قال الوليُّ للوكيل وَزَوِّجْهَا مَن شَاءَتْ بِكَمْ شَاءَتْ؟ فزوَّجها برضاها بغيرِ كفوءٍ بدونِ مَهرِ الْمِثْلِ صَحَّ، ذكرَهُ الرافعيُّ في الصَّدَاقِ.

وَغَيْرُ الْمُجْبِرِ، إما لكونه غيرَ الأب وإما لكونِها ثيِّبًا، إِنْ قَالَتْ لَهُ: وَكِّلْ، وَكَّلَ، وَإن نَهَتْهُ فَلَا، كما يراعى إذنها وعدمُه في أصل التزويج، وادَّعى الإمامُ والبغويُّ أنه لا خلافَ في الثانى لكن قال الماوردي: إذا قُلنا لا يعتبرُ إِذْنُهَا في التوكيل كما لا يُؤثر منعُها منهُ لكن ليس للوكيل أنْ يزوِّجها إلا بِإِذنِهَا، وِإنْ قَالَتْ: زَوِّجْنِي، وأطلقَتْ فلم تأمرهُ بالتوكيل ولا نهتْهُ، فَلَهُ التَّوْكِيْلُ فِي الأصَحِّ، لأنه متصرِّفٌ بالولاية فأشبهَ الوصيَّ والقَّيِّمَ يتمكَّنانِ من التوكيل بغير إذنٍ بل أَوْلى منهُما، لأنهما نائبان وهو ولايتُهُ أصليَّةٌ بالشرع، وإذنُها في التزويج شَرْطٌ في صحةِ تصرفهِ وقد حَصَلَ، والثاني: لا، لأنه متصرِّفٌ بالإِذْنِ فلا يُوَكِّلُ إلَاّ بالإِذْنِ كالوكيل، وَلَوْ

ص: 1221

وَكَّلَ قَبْلَ اسْتِئْذَانَهَا فِي النِّكَاحِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنهُ لا يَمْلِكُ التَّزْوِيْجَ بنفسِهِ حينئذٍ فكيفَ يُوَكِّلُ غيْرَهُ، والثانى: يصحُّ، لأنه يَلي تزويجَها بشرطِ الإذنِ فلهُ تفويضُ ما لَهُ لغيرِهِ ويبقى موقوفًا على ذلك الشرط. فعلى هذا يستأذنُ الوليُّ المرأةَ أو الوكيلَ للوليِّ ثم يزوِّجُ، ولا يجوزُ أن يستأذِنَ لنفسِهِ، لأنهُ حينئذٍ يكونُ وكيلًا عنها والمرأةُ ليسَتْ لها ولايةَ التوكيلِ في النكاح، جزَمَ به الرافعيُّ، وقال ابنُ الرفعةِ: الأشبهُ أنْ يُجَوِّزَ أنْ يَسْتَأْذِنْهَا لنفسِهِ.

فَرْعٌ: قالَتْ: وَكّلْ بتزويْجِى واقتصرت عليه فله التوكيلُ، وهل لهُ أن يزوِّج بنفسهِ؟ فيه وجهان؛ أصحُّهما في أصل الروضة: نعم؛ لأنه يبعد منعُهُ ممَّا له التوكيلُ فيه، وعبارةُ الرافعيِّ كأنَّهُ الأظهَرُ، لأنه قال في النهاية: لو قالَتْ أَذِنْتُ لَكَ في تزويجِي ولا تزوِّجْنِي بنفسِكَ، فالذى ذهَبَ إليه الأئمَّةُ أنه لا يصحُّ الإذنُ على هذا الوجهِ، لأنها منعَتِ الوليَّ وجعلت التفويضَ لِلأجْنَبِيِّ ابتداءً. وجعَلَ المصنِّفُ في الروضة هذا فرعًا مُستقلًا.

فَرْعٌ: إذا وُكِّلَ غيرُ الْمُجبرِ بعد إذنِ المرأةِ فهل يُشترط تعيين الزوج إنْ أطلقَتِ الإذنَ؟ فيه وجهان كما في توكيل الْمُجبرِ.

فَرْعٌ: لو رجعَتْ في الإذنِ بعدَ التوكيلِ بطلَتِ الوكالةُ ولم يكُنْ لهُ التزويجُ، وفيه نظرٌ لابنِ الرفعةِ.

فَرْعٌ: في فتاوى البغوي: إذا وكِّل في التزويجِ بمائة دينار ينصرفُ إلى أعمِّ نقودِ البلدِ، فإن كان في البلدِ نقودٌ متساويةٌ فلا بدَّ مِن أنْ تُعَيِّنَ نقدًا حتى يصِحَّ التوكيلُ والتزويجُ. قال: ولا بدَّ من عِلْمِ الشُّهُودِ بأنَّ العاقدَ وكيلٌ حتَّى لو زُوِّجَتِ ابْنَهُ فلانٍ ولم يعلَمِ الشُّهودُ أنهُ وكيلُهُ لا يصِحُّ ما لم يَقُلْ إنِّى وكيلُ فلانٍ بالتزويجِ.

وَلْيقُلْ وَكِيْلُ الْوَليِّ زَوَّجْتُكَ بِنْتَ فُلَانٍ، وَلْيَقُلِ الْوَلِيُّ لِوَكِيْلِ الزَّوْجِ: زَوَّجْتُ بِنْتِي فُلَانًا، فَيَقُولُ وَكِيْلُهُ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لَهُ، أيْ فإنْ لم يَقُلْ لهُ فعلى الخلاف السَّالف فيما إذا قال: قبلتُ، ولم يقل: نِكَاحَهَا أو تزويجَها، ولو قال: قَبِلْتُ لَهُ، ولم

ص: 1222

يقل: نكاحَها، قال ابن الرفعة: يتعيَّنُ أن يقالَ في الصحَّةِ طريقان القطعُ بالبطلانِ والتخريجُ على الوجهين في قولِ الزوج قَبِلْتُ.

فَرْعٌ: لو قالَ وكيلُ الزوجِ أوَّلًا: قبلتُ نكاحَ فلانةٍ منكَ لفلانٍ، فقال وكيلُ الوليِّ: زَوَّجْتُهَا فُلانًا. جازَ. قال الرافعيُّ: قال ابنُ الرفعةِ: وَأَغْرَبَ في ذلكَ من جهَةِ الاكتفاءِ بالابتداءِ بالقَبُولِ وهو فرعٌ الإيجابِ والفرعُ لا يسبِقُ الأصلَ.

فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ تَزْويْجُ مَجْنُونَةٍ بَالِغَةٍ وَمَجْنُونٍ ظَهَرَتْ حَاجَتُهُ، أيْ بظهورِ أَمَارَاتِ التَّوَقَانِ أي ويتوقَّعُ الشِّفَاءَ عندَ إشارةِ الأَطِبَّاءِ بظهورِ المصلحةِ المترتِّبةِ على ذلك، ولو قال: ظهرَتْ حاجتُهُما كان أحسنَ، فإنه لا فرقَ بينهُما في ذلك، صرَّح به في الروضة تبعًا للرافعىِّ، وعبارةُ الْمُحَرَّرِ محتملَةٌ فَتَبِعَهُ المصنِّفُ واشترطَ البلوغَ في المجنونَةِ، لأنه مَحِلُّ الحاجَةِ ولم يذكرهُ المصنِّفُ في المجنون اكتفاءًا. مما قبلَهُ وما بعدَهُ في الدلالَةِ عليه، لَا صَغِيْرَةٍ وَصَغِيْرِ، لعدم الحاجة في الحالِ، نَعَمْ لو ظهرت الْغِبْطَةُ ففي الوجوبِ احتمالٌ للإمامِ مَالَ إليه كما إذا طلَبَ ما لَهُ بزيادةٍ يجبُ البيعُ، والوجوبُ في الصغير أبعَدُ لِلُزُومِ الْمُؤَنِ، وَيلْزَمُ الْمُجْبِرَ وَغَيْرَهُ إِنْ تَعَيَّنَ إِجَابَةُ مُلْتَمِسَةِ التَّزْوِيْجِ، تَحْصِيْنًا لَهَا.

فائدة: الإجبارُ من الجانبين في صورٍ منها الأبُ والجدُّ يُحبران البِكرَ بشروطه كما سَلَفَ، وهىَ تُجبرهُما، ومنها العبدُ يجبرُهُ سَيِّدُهُ على قولٍ ويُجبرُ هُو السيِّدَ على قول كما سيأتي.

فَإنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَإخْوَةٍ فَسَأَلَت بَعْضَهُمْ لَزِمَهُ الإجَابَةُ فِي الأَصَحِّ، لئلا يتواكلُوا فيتعطَّلَ الحقُّ، والوجهان كالوجهين فيما إذا كان في الواقعة شهودٌ فدُعي بعضهم إلى أداءِ الشهادة والأصحُّ هناك الوجوبُ أيضًا، وَإذَا اجْتَمَعَ أَوْليَاءٌ فِي دَرَجَةٍ، أي كَأَعْمَامٍ وأخوةٍ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُزَوِّجَهَا أَفْقَهُهُمْ، لأنه أَعْلَمُ بشرائطِ العقدِ وبعده أورعُهم، لأنه أَشْفَقُ وأَحْرَصُ على طلَبِ الحَظِّ، وَأَسَنُّهُمْ، لأنه أَخْبَرُ بالأمورِ لكثرة تجربتهِ، بِرِضَاهُمْ، لتجتمع الآراءُ ولا يتأَذَّى بعضُهم باستيثارِ البعضِ، ولو زوَّج غير

ص: 1223

الأَسَنِّ؛ والأفضل برضاها بكفوءٍ صحَّ ولا اعتراضَ للباقينَ، فَإنْ تَشَاحُّواْ أُقْرِعَ، أي عند اتحادِ الخاطِبِ كما يُقرع بين أولياء القِصَاصِ فيمن يتولَاّةُ منهُم، فإن تعدَّدَ فالتزويجُ مِمَّنْ ترضاهُ المرأةُ، فإن رضيتهُما جميعًا، نَظَرَ القاضِي في الأصلَحِ وأمر بتزويجِهِ، فإن تشاحُّوا بعدَ ذلكَ فهو عَضْلٌ فَيُزَوِّجُ القاضِي الأصلَحَ منهُما قالَهُ الفورانىُّ وغيرُهُ، فَلَوْ زَوَّجَ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ وَقَدْ أَذِنَتْ لِكُلِّ مِنْهُمْ صَحَّ فِي الأصَحِّ، لأنَّ القُرْعَةَ ليسَتْ لِسَلْبِ ولايةِ البعضِ وإنما هي لقطعِ المنازعَةِ. والثاني: لا تصحُّ، لتظهر فائدةُ القُرْعَةِ، قال الماورديُّ: فعلى هذا إذا فُوِّضَ مَن خرجَتْ قُرْعَتُهُ التزويجَ إلى غيرِهِ مِنَ الأولياءِ كان نَائبًا عنهُ، وعلى الأوَّل لا يكونُ نائبًا، أمَّا إذا أَذِنَتْ لواحدٍ فزوَّج غيره لم يصحَّ قطعًا، ولو قالَتْ: زَوِّجُونِى، اشترط اجتماعهُم على الأصحِّ، وصحَّحَ مُجلّي مقابلَهُ، وإذا قُلنا بالصحة، قال الإمامُ: فيتجهُ أن يكونَ التزويجَ مكروهًا إذا كان الإقراعُ مِن السُّلطانِ وإن كان من غيرِهِ فلا، وكذا إذا ابتدرَ أحدُهما إلى التزويج مع التنازُعِ فيمن يُزَوِّجُ قَبْلَ الإِقْرَاع. فإنهُ يَصِحُّ قطعًا ولا يكون مكروهًا وقد صرَّح بذلك مُجلِّي.

وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ زَيْدًا وَآخَرُ عَمْرًا فَإنَّ عُرِفَ السَّابِقُ، أيْ بالبَيِّنَةِ أو التَّصَادُقِ، فَهُوَ الصَّحِيْحُ، أي ويكونُ الثانى باطلًا دَخَلَ بها الثانى أمْ لا لقوله صلى الله عليه وسلم[إِذَا نَكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالأوَّلُ أَحَقُّ] صحَّحَهُ الحاكمُ على شرط البخاري (424)، ومحل ذلك إذا كان كل من الزوجين كفوءًا، فإن كانا غيرَ كفءٍ فلا نكاح، وإن كان أحدُهما غيرَ كفوءٍ والآخرُ كفوءًا فنكاحُ الكفوءِ هو الصحيحُ، وإن تأخَّرَ نَصَّ عليه وهو محمولٌ على ما إذا لم يُسقطوا الكفاءةَ، وَإنْ وَقَعَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّبْقُ وَالْمَعِيَّةُ

(424) • رواه الحاكم في المستدرك: كتاب النكاح: الحديث (2723/ 52) عن سَمُرَةَ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: هذه الطرق الواضحة التي ذكرتها لهذا المتن كلها صحيحة على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي مقرًّا على شرط البخاري. والطبراني في المعجم الكبير: الحديث (6839 - 6843): ج 7 ص 203.

• رواه أبو داود في السنن: كتاب النكاح: الحديث (2088). والترمذي في الجامع: كتاب النكاح: الحديث (1110)، وقال: حسن.

ص: 1224

فَبَاطِلَانِ، أمَّا في الأُوْلى؛ فلأنَّ الجمعَ ممتنعٌ وليس أحدهما أَوْلى من الآخر فتعيَّنَ بُطْلَانَهُمَا، وأما الثانية؛ فلأنَّهُما إنْ وقعا معًا تدافعا مُرَتَّبًا فلا اطلاعَ على السَّابِقِ منهُما، وإذا تعذَّر إمضاءُ العقدِ لُغِيَ، وَكَذَا لَوْ عُرِفَ سَبْقُ أحَدِهِمَا، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْمَذْهَبِ، كما لو احتملَ السَّبْقَ والمعيَّةَ لتعذُّرِ الإمضاءِ، والعلمُ بتقدُّمِ أحدِهما لا يُغني إذا لم يُعلم المتقدِّمُ، والطريقُ الثاني: قولان؛ أحدهُما هذا، والثاني: مخرَّجٌ من الْجُمْعَتَيْنِ في مثل هذه الصُّورةِ أنه يتوقفُ كما في الصُّورة الآتية، وَلَوْ سَبَقَ مُعَيَّنٌ ثُمَّ اشْتَبَهَ وَجَبَ التَّوقُّفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ، لأنَّا تَحَقَّقْنَا صحَّةَ العقدِ. والهجومُ على رفعهِ والحكمُ بارتفاعه لا معنى له إلا بطريق شرعي، وحكمُ الشَّرع أن يثبتَ فيما يثبتَ ويتوقفُ فيما يُشكلُ أصْلُهُ، وفي التهذيب: أنَّ الأحوطَ أن يقولَ الحاكمُ فَسَخْتُ نكاحَ مَن سبَقَ أو يَأْمُرُهُمَا بالتَّطْلِيْقِ أو يُطَلِّقَ أحدُهما ثُمَّ يُزَوِّجَهَا من الآخر، فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ زَوْجٍ عِلْمَهَا بِسَبْقِهِ سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا بِنَاءً عَلَى الْجَدِيْدِ، أي السالف، وَهُوَ قَبُولُ إِقْرَارِهَا بِالنِّكَاح، أي فإن لم تقبلْهُ فلا، إذ لا فائدة، وقولُه (كُلُّ زَوْجٍ) هو بيانٌ للمسألة ولم يقصِدْ أنهُ شرطٌ، فإنه لو ادَّعى أحدُهما عِلْمَهَا سُمِعَتْ. وقولُهُ (عِلْمَهَا) يعني عليها كما صرَّح به في الْمُحَرَّرِ وهو احترازٌ من دَعواهُما على الوليِّ وحكمُهُ أنه إنْ كان مُجبرًا سُمِعَتْ على الأصحِّ؛ وإلا فلا؛ لأن إقرارَهُ لا يُقْبَلُ، واحتراز أيضًا من دَعْوَى أحدهما على الآخر وحُكمُهُ أنها لا تُسمَعُ ولا يُحَلَّفُ أحدُهما للآخر كما قاله الجمهور، وقوله (بِسَبْقِهِ) يحترزُ به عما إذا ادَّعيا أنها تَعْلَمُ سَبْقَ أحدِ النِّكَاحَيْنِ، فإنها لا تُسمعُ للجهل، فَإنْ أَنْكَرَتْ حُلِّفَتْ، أي أنها تَجْهَلُ السَّابِقَ. فَإذَا حَلَفَتْ، فالمنصوصُ في الأُمِّ وبه قال العراقيون والماوردي كما أفادَهُ ابنُ الرفعةِ: بطلانهما؛ وقال الإمامُ: النكاحُ لِمَنْ حَلَفَ منهُما إذا نكلَ الآخَرُ وَتَبِعَهُ الرافعىُّ والحاوِيُّ الصغيرُ، وَإنْ أَقَرْتْ لأَحَدِهِمَا ثَبَتَ نِكَاحُهُ وَسَمَاعُ دَعْوَى الآخَرِ، وَتَحْلِيْفُهَا لَهُ يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ، السابقين في باب الإقرار، فِيْمَنْ قَالَ: هَذَا لِزَيْدٍ؛ بَلْ لِعَمْرٍو؛ هَلْ يَغْرَمْ لِعَمْرٍو؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ؛ فَنَعَمْ، رجاءَ أنْ تُقِرَّ فتغرمُ؛ وإن لم يحصل لِلْمُدَّعِى الزوجيَّةِ. وإن قلنا: لا، فقولانِ بناءً على أنَّ يمينَ المدعي بعد نكولِ المدعَى

ص: 1225

عليه كإقرار المدعَى عليه أو كبيِّنة يقيمُها المدعي. وفيه قولان يأتيان في بابهما حيثُ ذكرَهُما المصنِّفُ إن شاءَ الله أظهَرَهُما الأوَّل، فعلى هذا لا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمَا، لأنَّ غايَتَها أنْ تُقِرَّ وَيُحَلَّفَ هو بعدَ نُكولِها وهو كإقرارِها، ولا فائدةَ منهُ على هذا القول.

فَصْلٌ: وَلَوْ تَوَلَّى طَرَفَىَ عَقْدٍ فِي تَزْوِيْج بِنْتِ ابْنِهِ بابْنِ اِبْنِهِ الآخَرِ، أي وكانَ الجدُّ يَلِيهِما بولاية الإجبارِ، صَحَّ في الأَصَحِّ، لقوَّةِ ولايتِهِ فيشترطُ الإتيانُ بشِقَّي الإيجابِ والقبولِ، وقيل: يكفي أحدَهما، والثاني: لا يصحُّ، لأن خِطَابَ الإنسانِ معَ نفسِهِ لا يَنْتَظِمُ. وبنَى القاضي حُسين الخلافَ على الخلافِ في بيعِ الأبِ مالَ أحدِ الوالدين مِن الآخرِ وهما تحت حُجْرِهِ، ولو أرادَ أن يُزَوِّجَ بنتَ بنتِهِ وهو وليُّها من جهَةِ العُمُومَةِ بابنٍ لهُ تحت حجرهِ ففيهِ وجهانِ حكاهُما الإمامُ؛ وقال: إنهما مشهوران وكأنَّهُ أشارَ إلى مسألةِ الكتابِ، ورأى أنهُ لا يختصُّ بكونهما مجبورين، وفي الحاوي: أنَّ الوليَّ لو أرادَ أن يزوِّجَ وليَّتَهُ بابنه كوليٍّ هُو عَمٌّ فأراد أن يزوِّجَ بنتَ أخيهِ بابنِهِ، فإنْ كانت صغيرةً لم يُجْزِ لأنه لا يَمْلِكُ إجبارَها، وإن كانت كبيرةً وابنُهُ صغيرٌ لم يُجْزِ أيضًا، لأنه يصيرُ باذلًا للنكاح عليها وقابلًا لهُ عن ابنِهِ فاجتمَعَ الْبَذْلُ والقبولُ مِن جهتِهِ فلمْ يصحَّ كما في نفسه، وإن كان ابنُهُ كبيرًا ففي جواز تزويجه بها وجهان. وجهُ المنعِ: أنهُ يميلُ بالطبعِ إلى حَظِّ الابنِ دونَها، قال ابنُ الرفعةِ: وهذا قريبٌ إنْ كان عند إطلاقِ الإذنِ وبعيدٍّ مع التنصيصِ عليه.

فَرْعٌ: وقال الرافعىُّ: لِلْعَمِّ تزويجُ بنتِ أخيهِ بابنِهِ البالِغِ، ولابن العَمِّ تزويجُها بابنِهِ على المذهب، فيهما هذا إذا أطلقَتِ الإذنَ وجوَّزناه، فإنْ عَيَّنَتْهُ في الإذنِ جازَ قطعًا لانتفاء التُّهْمَةِ، وإن زوَّجها بابنِهِ الطفلِ لم يصحَّ على المذهب، لأنهُ نكاحٌ لم يحضُرْهُ أربعةٌ وليس له قوَّةُ الْجُدُودَةِ.

وَلَا يُزَوِّجُ ابْنُ الْعَمِّ نَفْسَهُ بَل يُزَوِّجُهُ ابْنُ عَمِّ في دَرَجَتِهِ، فإنْ فُقِدَ فَالْقَاضِي، لِفَقْدِ المعنَى الذي في الْجَدِّ والمعتقُ كابنِ العَمِّ، فَلَوْ أَرَادَ الْقَاضِي نِكَاحَ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا زَوَّجَهُ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْوُلَاةِ أَوْ خَلِيْفَتُهُ، هذا هو الأصَحُّ وذهبَ أبو يحيَى البلخيُّ

ص: 1226

القاضي إلى أنهُ يتولَاّهُ وَفَعَلَهُ فَرُئِىَ وَلَدَهُ مِنْهَا بِكَذَى. وتزويجُ خليفتِهِ لهُ جزَمَ به الأصحابُ، وحاولَ ابنُ الرفعةِ تخريجَ وجهٍ فيهِ إذا قُلنا ينعزِلُ بِمَوْتِهِ.

فَرْعٌ: في الإمامِ الأَعْظَمِ هذا الخلافُ أيضًا. وجه الجواز: أنه ليسَ فوقَهُ من يزوِّجُها. والأصحُّ أن القاضي يزوِّجَها منهُ بالولاية كما يزوِّجُ خليفةُ القاضِي من القاضي، وَوَافَقَنَا على المنعِ داودُ الظاهريُّ وخالَفَهُ ابنُ حزمٍ فقال بالجوازِ فيه، وفي الوليِّ مطلقًا، ونقلَهُ عن أبي حنيفةَ ومالكٍ قال: ولم يشترطِ الشارعُ أن الوليَّ غيرُ الناكِحِ ولا جاءَ نَصٌّ بالمنعِ. وقد أعتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَها.

فَرْعٌ: لو أرادَ أحدُ هؤلاءِ تزويجَها بابنهِ الصغيرِ فَكَنَفْسِهِ.

فَرْعٌ: حيثُ جوَّزْنا لنفسه فذلك إذا سَمَّتْهُ في إذْنِهَا، فإن أطلقَتْ وجوَّزْنا الإطلاقَ فوجهان.

وَكَمَا لَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ تَوَلِّي الطْرَفَينِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيْلًا فِي أَحَدِهِمَا أَوْ وَكِيْلَيْنِ فِيْهِمَا فِي الأَصَحِّ، لأنَّ فِعْلَ الوكيلِ فعْلُ الموكِّل بخلافِ القاضِي وخليفتِهِ فإنهما يتصرَّفانِ بالولاية لا بالوَكالةِ، والثاني: يجوزُ لوجودِ العدَدِ، والثالث: يجوزُ للجَدِّ لِتَمَامِ ولايتِهِ من الطرفين.

فَرْعٌ: لو وكَّل الوليُّ رَجُلًا ووكَّلَهُ الخاطِبُ أو وكَّلَهُ في تزويجِهِ لنفسِهِ فتولَّى الطرفين لم يصحَّ في الأصحِّ.

فَرْعٌ: زوَّجَ أَمتَهُ لعبدِهِ الصغيرِ وجوَّزنا لهُ إجبارَهُ، فهو كتولِّي الجدِّ طرفَيْهِ.

فَرْعٌ: ابنا عمِّ أحدُهما لأبٍ والآخرُ لأبوينِ أرادَ الأوَّلُ نكاحَها يزوِّجه الثاني، وإنْ أرادَ الثاني وقُلنا هُما سواءٌ، زوَّجهُ الأول وإلَاّ فالقاضِي.

فَرْعٌ: قالتْ لابن عمِّها أو معتقِها: زوِّجني أو زِّوجني ممَّنْ شِئْتَ، ليس للقاضي تزويجُه بها بهذا الإذن، لأنَّ المفهوم منهُ التزويجُ بأجنبيٍّ، وإنْ قالتْ: زوِّجني نفسَكَ، حكى البغويُّ عن بعض الأصحاب أنه يجوزُ للقاضي تزويجُه إيَّاها. قال: وعندي لا

ص: 1227

يجوز، لأنها إنما أذِنَتْ لهُ لا للقاضي. قال في الروضة: والصوابُ الجوازُ، لأن معناهُ فوِّض إلى مَن يزوِّجُكَ إيَّايَ.

فَصْلٌ: زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ غَيْرَ كُفْءٍ بِرِضَاهَا أَوْ بَعْضُ الأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِيْنَ، أي كإخوةٍ وأَعمامٍ، بِرِضَاهَا وَرِضَى الْبَاقِيْنَ صَحَّ، لأن الكفاءَة حقُّها وحقُّ الأولياء فإذا رضوا بإسقاطِها فلا اعتراضَ عليهم، لأنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة [انْكِحِي أُسَامَةَ]، وفاطمةُ قُرَشِيَّةٌ وأسامَةُ كَلْبِيٌّ قُضَاعِيٌّ ومِن الموالِي أيضًا (425). وفي الصحيحين [أنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ زَوَّجَ مَوْلَاهُ سَالِمًا الذِي كَانَ تَبَناهُ بِابْنَةِ أخِيْهِ الوَلِيْدِ بْنِ عُتْبَةَ](426)[وَأنَّ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيِّ تَزَوَّج ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطِّلِبِ وَهُوَ بَهْرَاوِيٌّ أَوْ حَبَشِيٌّ وَهِىَ قُرَشِيَّةٌ](427) نعم كان الأَسودُ تبنَّاهُ وهو من بني زهرة من قريش. وفي

(425) عن فاطمة بنت قيس؛ أنَّ عَمْر بْنَ حَفْصٍ طَلْقَهَا الْبَتَّةَ؛ فَجَاءَتْ رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ؛ فَقَالَ: [اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإنَّهُ رَجُلٌ أعْمَى تَضَعِيْنَ ثِيَابَكِ، فَإذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي] قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيَانَ وَأبَا جَهْمِ خَطَبَانِي؟ فَقَالَ رَسُوْلُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: [أمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَرَجُلٌ لَا يَضَعُ عَصَاهُ -عَنِ النِّسَاءِ- عَنْ عَاتِقِهِ. وَأمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ. انْكِحِي أُسَامَةَ]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطلاق: باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها: الحديث (36/ 1480). وأبو داود في السنن: كتاب الطلاق: باب في نفقة المبتوتة: الحديث (2284). والترمذى في الجامع: كتاب النكاح: باب ما جاء أن لا يخطُبَ الرَّجُلُ على خِطبة أخيه: الحديث (1134 و 1135)، وقال: صحيح.

(426)

عن عائشة رضي الله عنها؛ [أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْن عُتْبَةَ بْنِ رَبيْعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ - وَكَانَ مِمَّن شَهدَ بَدْرًا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تَبَنَّى سَالِمًا وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيْهِ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيْعَةَ، وَهُوَ مَوْلَى لامْرَأةٍ مِنَ الأَنْصَارِ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب النكاح: باب الأكفاء في الدين: الحديث (5088). والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب النكاح: باب لا يرد نكاح غير الكفوء إذا رضيت به الزوجة: الحديث (14089)، وقال: فهذه قرشية من بني عبد شمس بن عبد مناف زُوِّجَتْ من مَوْلىَ.

(427)

• عن عائشة رضي الله عنها؛ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى ضُبَاعَةَ بنت الزُّبَيْرِ؛ فَقَالَ لَهَا: [لَعَلَّكِ أَردْتِ الْحَجَّ] قَالَتْ: وَالله لَا أَجدُنِي إِلِاّ وَجِعَةَ! فَقَالَ لَهَا: [حُجِّي وَاشْتَرِطِي؛ قُوْلِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي] وَكَانَتْ تحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ

ص: 1228

الدارقطني [أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهِيَ هَالَةُ تَحْتَ بِلَالٍ](428) وبلالٌ مولى الصِّدِّيقِ، نعم: لنا خلاف في أنَّ موالي قُريش أكفاءٌ لهم. والجمهور على المنع كما نقله في الروضة من زوائده، ورُوِيَ (أنَّ الصِّدِّيقَ زوَّجَ بنتَهُ بالأشعَثِ بن قيس) كذا ذكرَهُ الماورديُّ (429). والظاهرُ أنهُ وَهْمٌ وإنما هي أختُهُ أمُّ فَرْوَةٍ بِنْتُ أَبِي قُحَافَةَ تيميةٌ

= الأَسْوَدِ. رواه البخاري في الصحيح: كتاب النكاح: الحديث (5089). ومسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب جواز اشتراط المحرم التحلل: الحديث (104/ 1207). والبيهقى في السنن الكبرى: الحديث (14087)، وقال في الحديث (14088): والمقدام هو عَمْرُو بن ثَعْلَبَةَ بن مَالِكٍ حليفُ الأَسود رجلٌ من بني زهرة منسب إليه، ولم يكن من صُلبهم، وقد زُوِّجَتْ منه ضُبَاعَةُ بنتُ الزبير بن عبد المطلب بن هاشمٍ.

• • في النسخة (1 و 2) نهروانى ونهراني. وليس كذلك، وهو: بَهْرَاوِيُّ؛ ضبطناه من ترجمة ابن عبد البر وابن حجر له. وعلى ما يبدو أن ابن النحوي نقل من نسخة ترجمته (النهراني) لأن محقق كتاب الاستيعاب أشار إلى أن في نسخة (اوحـ) من أصول كتاب الاستيعاب المطبوع: النهراني؛ فتلاحظ.

• المقدادُ بنُ عمرِو بن ثَعْلَبَة بن مالكٍ بن ربيعةٍ بن ثُمَامَةَ بن مطرود البَهْرَانِيّ. ينظر ترجمته في تهذيب التهذيب لابن حجر: الرقم (7148). وفي الاستيعاب لابن عبد البر: الرقم (2590). وقال: والقول بأنه كان عبدًا حبشيًا ضعيف، قال ابن عبد البر: ولا يصح قول من قال فيه: إنه كان عبدًا؛ والصحيح أنه بهراوي، من بهراء، يُكَنَّى أبا معبد.

(428)

عن حَنْظَلَةِ بْنَ أَبِى سُفْيَان الْجُمَحِيِّ عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ:(رَأَيْتُ أُخْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تَحْتَ بِلَالٍ). رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب النكاح: الأثر (14090)، وقال: فيما ذكَره أبو داود في المراسيل عن زيدِ بن أَسْلَمَ مُرْسَلًا؛ أنَّ بَنِي بُكَيْرٍ أَتَوْا رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم؛ فَقَالُواْ: زَوِّجْ أُخْتَنَا مِنْ فُلَانٍ؛ فَقَالَ: [أيْنَ أَنْتُمْ مِنْ بِلَالٍ؟ ] فَعَادُواْ فَأَعَادَ ثَلَاثًا. فَزَوَّجُوهُ. قَالَ: وكَانَ بَنُو بُكَيْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ مِنْ بَنِي لَيْثٍ. انتهى. وهو في مراسيل أبي داود: كتاب النكاح: باب ما جاء في تزويج الأكفاء: ص 90 - 91.

(429)

قال الماوردي رحمه الله: (وَقَدْ زَوَّجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيْقُ رضي الله عنه بِنْتَهُ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ فَصَارَ سَلَفَ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم): الحاوي الكبير للماوردي: كتاب النكاح: باب القول في الكفاءة بين الزوجين: فصل القول فيما إذا زوجت المرأة من غير كفءٍ: ج 9 ص 108.

ص: 1229

قُرَشِيَّةٌ والأشعثُ كِنْدِيٌّ وليست كِنْدَةُ أكفاءٌ لقريشٍ (430). وكذلك هَمَّ عمرُ بأن يزوِّجَ بنتَهُ من سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ (431)، ومما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أنَّ الكفاءَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ تزويجُ النبيِّ بناته لغيره ولا أحدٌ يكافِئُهُ إلَاّ أن يقال إن ذلك جَازَ لِلضَّرُورَةِ لأجْلِ نسلهِنَّ وما حصلَ مِن الذُّرِيَّةِ الطَّاهِرَةِ كما جازَ لآدَمَ عليه السلام تزويجَ بناته من بنيهِ (432).

وَلَوْ زَوَّجَهَا الأَقْرَبُ بِرِضَاهَا، فَلَيْسَ لِلأَبْعَدِ اعْتِرَاضٌ، إذ لا حقَّ لهُ في الولاية كذا علَّلُوهُ، ومقتضاهُ أنَّ الأبعَدَ لا يكونُ وليًّا مع الأقربِ وحينئذٍ فلا حاجَةَ إلى الاحترازِ عنهُ بقوله (الْمُسْتَوِيْنَ)؛ نعم: هو زيادةُ إيضاحٍ، وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ، يعني أحدَ الأولياءِ المستويين، بِهِ، أي بغير كفوءٍ، بِرِضَاهَا دُوْن رِضَاهُمْ لَمْ يَصِحَّ، لأنهُم أصحابُ حقوقٍ في الكفاءَة فاعتُبِرَ إذْنهُمْ كإِذْنِ المرأةِ، وَفِي قَوْلٍ يَصِحُّ وَلَهُمُ الْفَسْخُ، لأنَّ النُقْصَانَ يقتضِي الخيارَ لا البُطلانَ كما لو اشترى معيبًا، وقال

= وفي النسخة المطبوعة سقط حرف الهاء من (بنته) والصحيح ما أثبتناه عن ابن النحوي -ابن الملقن رحمه الله.

(430)

• قَالَ أسْلَمْ مَوْلَى عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ كَأَنِّى أنْظُرُ إلَى الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ فِي الْحَدِيْدِ يُكَلِّمُ أبَا بَكْرٍ، وَهُوَ يَقُوْلُ: فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ حَتّى كَانَ آخِرَ ذَلِكَ سَمِعْتُ الأَشْعَثَ يَقُولُ: اسْتَبْقِنِي لِحَرْبِكَ؛ وَزَوِّجْنِي أُخْتَكَ؛ فَفَعَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه.

• قال ابن عبد البر: أُخْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْق رضي الله عنه الَّتِي تَزَوَّجَهَا الأَشْعَثُ بْنُ قَيسٍ هِيَ أُمُّ فَرْوَةَ بِنْتُ قحَافَةَ؛ وَهِيَ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ.

• ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر: الترجمة (135). وتهذيب التهذيب لابن حجر: الترجمة (573).

(431)

في الحاوى الكبير: ج 9 ص 108: قال الماورديُّ رحمه الله: (هَمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أنْ يُزَوِّجَ بِنْتَهُ مِنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِىِّ. فَكَرِهَ ابْنُهُ عَبْدُا لله ذَلِك، وَلَقِيَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَشَكَا إلَيْهِ؛ فَقَالَ: سَأَكْفِيْكَ. وَلقِيَ سَلْمَانَ. فَقَالَ: هَنِيْئًا لَكَ: إِنَّ أمِيْرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَكَ كَرِيْمَتَهُ لِيَتَوَاضَعَ بِكَ. فَقَالَ: إنِّي مُتَوَاضِعٌ وَالله لَا أَتزَوَّجُهَا).

(432)

عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ وابن مسعود رضي الله عنه؛ وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كَانَ لَا يُوْلَدُ لآدَمَ مَوْلُودٌ إِلاّ وُلِدَ مَعَهُ جَارِيَةٌ؛ فَكَانَ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ الآخرِ؛ وَيُزَوِّجُ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ الآخَرِ). رواه ابن جرير الطبري في جامع البيان: تفسير الآية 27 من سورة المائدة: الرقم (9150). الطبرى في جامع البيان: تفسير الآية 27 من سورة المائدة: الرقم (9150).

ص: 1230

الماوردي: إن كان العاقدُ عالمًا بأنَّ الزوجَ غيرَ كفوءٍ بطلَ، وإن لم يعلمْ إلَاّ بعدَ العقدِ ثبتَ الخِيَارُ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ في تَزْوِيْجِ الأَبِ، والجدِّ، بِكْرًا صَغِيْرَةً أَوْ بَالِغَةً غَيْرَ كُفءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَفِي الأظْهَرِ بَاطلٌ، لأنهُ خلافُ الغِبطةِ، وإذا كان وليُّ المال، لا يصحُّ تصرُّفهُ فيهِ بغيرِ الغبطةِ فوليُّ البُضْعِ أوْلى، وَفِي الآخَرِ يَصِحُّ، لأنَّ النُقصان يقتضي الخيار، لا البطلان كما تقدَّم.

وَللْبَالِغَةِ الْخِيَارُ، وَلِلصَّغِيرَةِ إِذَا بَلَغَت، يعني إذا صحَّحنا وفاءٌ لحقها، وقيل: إنْ عَلِمَ الوليُّ عدم الكفاءة فالنكاحُ باطلٌ وإلا فيصحُّ ويجري الخلافُ أيضًا في تزويج غير المُجبر إذا أذِنَتْ في التزويج مطلقًا، وقلنا: لا يشترطُ تعيينُ الزَّوْج.

فَرْعٌ: لو زوَّجها بعضُ الأولياءِ بكفوءٍ دونَ المهرِ برضَاها دُوْنَ رِضَى بقيَّةِ الأولياءِ صَحَّ قطعًا، إذ لا حق لهُمْ في المهرِ ولا عَارَ.

فَرْعٌ: رضيَ الجميعُ بتزويجها بغيرِ كفوءٍ ثم خالَعَها ثم زوَّجَها أحدُهم بهِ برضَاها دونَ إذْنِ الباقين، فقيل: يصحُّ قطعًا، لأنهُم رَضُوا به أولًا، وقيل: على الخلاف، لأنه عقدٌ جديدٌ حكاهُ البَغَوِيُّ.

وَلَوْ طَلَبَتْ مَن لَا وَليَّ لَهَا أَن يُزَوِّجَهَا السُّلْطَانُ بِغَيرِ كُفءٍ فَفَعَلَ لَمْ يَصحَّ في الأصَحِّ، لأنهُ كالنائب، فلا يُترَكُ الحظُّ. والثانى: يصحُّ كالوليِّ بالنسبِ والولاءِ وتؤيدُهُ قصَّة فاطمةُ بنتُ قيسٍ السَّالفة إذا فرَّعْنَا على أنَّ موالي قريشٍ لَيسُوا أكفاءَ قريشٍ وهُو رأيُ الجمهورِ كما سلف، والظاهرُ أنهُ لم يكن لها وليٌّ خاصٌّ أعني مستحِقًّا للولاية، لأن أخاها الضَّحاكُ إمَّا كانَ صغيرًا أو لَم يُسلِمْ وهي قُرَشِيَّةٌ وهو كَلْبِي كَمَا سلَفَ (433). لكن للأوَّلِ أن يُجيب عن هذه بأنهُ ليس في الحديثِ أنه صلى الله عليه وسلم

(433) • في الحاوى الكبير: ج 9 ص 107 - 108: قال الماوردى: (فاطمة بنت قيس المخزومية، وهي بنت عمَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم). انتهى.

• وهي فاطمة بنت قيس بن خالدٍ القُرَشيُّةُ الفِهرِيَّةُ أُخت الضحاك بن قيس الأمير، وكانت أسَنَّ منه. وكانت من المهاجرات الأول؛ وكانت ذات جمال وعقل وكمال. وفي بيتها اجتمع أصحابُ الشورى عند قتل عمر بن الخطاب. قال الزبير: =

ص: 1231

زوَّجَها بَلْ أشَارَ عليها فقطْ. وأفتَى بعضُ المتأخرين بأنَّ المرأةَ إنْ كانَتْ تَتَضَرَّرُ من عدمِ تَزْوِيجِهَا من غيرِ الكفوءٍ بأن قَلَّ الرَّاغِبُ فيها من الأكِفَّاءِ زُوِّجتْ من غيرِ كفوءٍ، وإلَّا فلا، وهو حسنٌ.

وَخِصَالُ الْكَفَاءَةِ: سَلَامَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ المُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ، لأنَّ النفسَ تَعَافُ صُحْبَةَ مَن بهِ تلك العيوبِ، ويختَلُّ بها مقصودُ النِّكَاح قال صلى الله عليه وسلم[فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ](434) وقال [لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ](435) ولا فرقَ بين التعيين وغيرِهِ خِلافًا للبغويِّ، وَحُرِّيَّة. فَالرَّقِيْقُ لَيْسَ كُفْؤًا لِحُرَّةٍ، أي أصلِيَّةٌ كانت أو عتيقةٌ؛ لأنَّ الْحُرَّةَ تَتَعَيَّرُ بأنْ تكونَ تحتَ عبدٍ، ولهذا خُيِّرَتْ بُرَيْرَةُ لَمَّا عُتِقَتْ تحتَ زوجِها وكانَ عَبْدًا لما سَتَعْلَمُهُ فِي الخيار، وَالعَتِيْقَ لَيْسَ كُفْوءًا لِحُرَّةٍ أَصْلِيَّةِ، لأنها رُبما تَتَعَيَّرُ بِهِ، قالهُ فِي الروضة، والمفهومُ مِن كلامِ الأصحابِ أنَّ الرِّقَّ في الأُمَّهَاتِ لا يُؤَثِّرُ وقد صرَّح به صاحبُ البيانِ، وَنَسَبٌ، لأنَّ العربَ تَفْخَرُ بَأَنْسَابِهَا أَتَمَّ الفَخَارِ، وقال صلى الله عليه وسلم:

= كانت امرأة نجودًا -والنجود النبيلة-. قاله ابن عبد البر فِي الاستيعاب: الترجمة (3496) وابن حجر فِي تهذيب التهذيب: الرقم (8951).

* أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ بْنِ حَارثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ الكَلْبِيّ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ الحِبُّ بْنُ الحِبِّ مَوْلَى رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأُمُّهُ أُمُّ أيمَنَ حاضِنَةُ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قال عمر بن الخطاب لابنه: (إِنَّ أُسَامَةَ كَانَ أحَبَّ؛ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْكَ، وَأَبُوهُ كَانَ أحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أبِيكَ). ينظر: ترجمته فِي الاستيعاب لابن عبد البر: الرقم (21). وفي تهذيب التهذيب لابن حجر: الرقم (344).

(434)

عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ. وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ]. أو قال: [كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ] أو [مِنَ الأَسْوَدِ]. رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الطب: باب الْجُذَام: الحديث (5707). والإمام أحمد فِي المسند: ج 2 ص 443. والبيهقى فِي السنن الكبرى: كتاب النِّكَاح: الحديث (14075)

(435)

رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الطب: باب لا هامة: الحديث (5771)، وباب لا عدوى: الحديث (5774). ومسلم فِي الصحيح: كتاب السلام: باب لا عدوى: الحديث (104 و 105/ 2221).

ص: 1232

[تَجدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ](436) والاعتبار فِي النَّسَبِ بالأَبِ، فَالْعَجَمِيُّ لَيسَ كُفْءَ عَرَبيَّةٍ، لأنَّ الله تعالى اصطفَى العربَ على غيرهم، وَلَا غَيْرُ قُرَشِيٍّ قُرَشِيَّةٍ، لقوله صلى الله عليه وسلم[قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا] رواه الشافعي بلاغًا وحديثُ [الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ] مُنْكَرٌ مَوْضُوعٌ (437)، وَلَا غَيْرُ هَاشِمِيِّ وَمُطَّلِبِيٍّ لَهُمَا، لقوله صلى الله عليه وسلم[وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمَ] رواه مسلم (438)، لكنَّ الْمُطَّلِبِىَّ كفوء للهاشميَّة لقوله صلى الله عليه وسلم[نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَىْءٌ وَاحِدٌ] رواه البخاري (439) وهُما جميعًا أشرفُ مِن عَبْدِ شَمْسٍ ونَوْفَل، ولا يفضَّلُ بَنُو عبدِ شمسٍ على بي نوفل ولا بَنُو عَبْدِ الْعُزَّى على بنى عَبْدِ الدَّارِ ولا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ على بَنِي زُهْرَةَ. لأنهم كلهم صريحُ قرَيْشٍ، قال الماورديُّ: ولو كان فيهم بَنُو أبٍ لهم سابقةٌ فِي الإسلام كبني أبي بكر؛ هل يكافؤونهم من فوقهم من بنى عَدِيٍّ؟ يحتملُ وجهين، قال فِي الروضة: ومقتضى كلام كثيرين أنَّ غيرَ قريشٍ مِن العربِ أكفاءُ بعضٍ، وذكرَ الشيخُ إبراهيم المرورُوزي: أنَّ غير كِنانة ليسوا أكفَّاء لكِنانة، قُلْتُ: ووجهُهُ قوله صلى الله عليه وسلم[إنَّ الله اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ بَنِى إِسْمَاعِيْلَ، رواه مسلم](440).

وَالأَصَحُّ اعْتِبَارُ النَّسَبِ فِي الْعَجَمِ كَالْعَرَبِ، أي فالفُرسُ أفضلُ من القِبْطِ (•)

(436) عن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم؛ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: [تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ: خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فقِهُواْ]. رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب المناقب: الحديث (3493). ومسلم فِي الصحيح: كتاب فضائل الصحابة: باب خيار الناس: الحديث (199/ 2526).

(437)

رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب النِّكَاح: باب اعتبار الصنعة فِي الكفاءة: الحديث (14072)، وقال: هذا منقطع. والحديث (14073)، وقال: ضعيف. والحديث (14074)، وقال: ضعيف.

(438)

رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الفضائل: باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم: الحديث (1/ 2276). والبيهقى فِي السنن الكبرى: باب اعتبار النسب فِي الكفاءة: الحديث (14067).

(439)

تقدم فِي الرقم (299).

(440)

تقدم فِي الرقم (438).

(•) فِي حاشية النسخة (2) رمز إلى نسخة أخرى ينقل منها؛ بدل القُبْطِ النَّبْطِ، وقال: النَّبْطُ=

ص: 1233

لقوله صلى الله عليه وسلم[لَوْ كَانَ الدِّيْنُ مُعَلَّقًا فِي الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ](441). وبنُو إسرائيلَ أفضلُ مِن القُبْطِ لِسَلَفِهِمْ وكثرةِ الأنبياءِ منهُم، قال الماورديُّ: والثاني: لا، إذ لا يعتنونَ بحفظِ الأنْسَابِ، ولا تدْوِينِها.

فَرْعٌ: قال الرافعيُّ: قضيةُ كَلَامِ النَّقَلَةِ أنَّ النَّسْبَةَ إلى عُظَمَاءِ الدُّنيا والظَّلَمَةِ المُسْتَوْلِينَ على الزمانِ معتبرةٌ، وخالفَ فيه الإمامَ والغزاليَّ.

وَعِفَّةٌ، لقوله تعالى:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً} الآية (442)، فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفْءَ عَفِيفَةٍ، لما ذكرناهُ، قال الغزاليُّ: والصلاحُ فِي الزوج يكفِي فيه التَّنَقّى مِن الفِسْقِ، قال ابنُ الصلاح: ولا يُعتبر كونهُ عدلًا، بل يكفي أن لا يكون فاسقًا مردودَ الشهادةِ فحسب، وإنْ كان مستورًا؛ قال ابنُ الرِّفْعَةِ: وذلك صريحٌ فِي أنَّ ارتكابَ بعض الصَّغَائِرِ لا يمنعُ، وأكرَبَ أبو الحسن الْجُورِيُّ من أصحابنا فاختارَ أنَّ الزاني والزانيةَ لا يصحُّ نكاحَهُما إلَّا لِمَن هُو مِثْلُهُمَا، وإنَّ الزِّنا لو طَرَأَ مِن أحدِهما انفسخَ النِّكَاحُ.

فَرْعٌ: لا اعتبار بالشهرة، بل الَّذي لم يشتهر بالصَّلاح كفوءٌ للمشهور به.

فَرْعْ: إذا لم يكن الفاسقُ كفوًا للعفيفة، فالمبتدعُ أوْلى أنْ لا يكونَ كَفُوًا لِلسُّنِّيةِ، وبه صرَّحَ الرويانيُّ، والكافرُ ليس كَفُؤًا للمسلمةِ من باب أوْلى وأحْرَى ولا فرقَ فِي اعتبار هذا الشرط بين المسلمين والكفَّار حتَّى لا يكون الكافرُ والفاسقُ فِي دِينهِ كفُؤًا للعفيفة فِي دِينها منهُم. قالهُ ابنُ الرفعةِ قال: والاعتبارُ فِي هذا بالزوج والزوجة أنفُسُهُما، لا بِمَنْ سَلَفَ مِن آبائِهِما، وذلك مطردٌ فِي أصل الدِّينِ، حتَّى نقولُ: مَن

= قَوْمٌ يَنْزِلُونَ بِالبَطَائِحِ بَيْنَ العِرَاقَيْنِ. وأنهُ فِي الصِّحَاح للرازي، وهو كما قال.

(441)

عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [لَوْ كَانَ الدِّيْنُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بهِ رَجُل مِنْ فَارِسَ] أو قال: [مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ حَتَّى يتَنَاوَلُهُ]. رواه مسلم فِي الصحيحَ: كتاب فضائل الصحابة: باب فضل فارس: الحديث (230/ 2546). وفي الحديث (231) بلفظ [لَوْ كَانَ الإِيْمَانُ عِندَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ] وَقَدْ وَضَعَ رَسُوْلُ اللهِ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ الفارِسِيُّ رضي الله عنه. والبخاري فِي الصحيح: كتاب التفسير: سورة الجمعة: الحديث (4897).

(442)

النور / 3: {أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} =

ص: 1234

كانَ أبوهُ كافرًا كَفُوءٌ لمن كانَ أبوها مُسْلمًا خلافًا لأبي حنيفة، لأنَّ فَضْلَ الدِّيْنِ لا يتعدَّى إلى الأبناءِ بخلافِ فضلِ النَّسَبِ، لكن فِي الروضة: ومَنْ أسلَمَ بنفسِهِ ليس كفوءً لمن لها أبوانِ أو ثلاثةٍ فِي الإسلام على الأصحِّ.

وَحِرْفَةٌ، لقوله تعالى:{وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} (443)، فَصَاحِبُ حِرْفَةٍ دَنِيئَةٍ لَيسَ كُفءَ أَرْفَعَ مِنْهُ، فَكَنَّاسٌ؛ وَحَجَّامٌ؛ وَحَارِسٌ؛ وَرَاعٍ؛ وَقَيِّمُ الْحَمَّامِ، لَيسَ كُفءَ بِنْتِ خَيَّاطٍ، وَلَا خَيَّاطٌ بِنتِ تَاجِرٍ أَو بَزَّارٍ؛ وَلَا هُمَا بِنْتَ عَالِمٍ وَقَاصٍ، لاقتضاءِ العُرفِ ذلك. وهل المؤثرُ من الحِرَفِ ما اتَّصفَ به الزوج أو ما اتصف به أحدُ آبائه؟ قال ابنُ الرفعةِ: لا شَكَّ أنَّ اتصافَ الزوجِ بها مؤثِّر إذا فُقِدَ اتصافُ المرأةِ بهِ، نَعَمْ: لو كان أبوها غيرَ متصفٍ بذلك، وَوَلِيُّهَا الحاضرُ كأخيها متصفٌ بها، إطلاقُ الأصحابِ يقتضي أنَّه غيرُ كفوءٍ لها ويُشبهُ أنْ يقال: إنْ كانَتِ الكفاءةُ معتبرةً لِحَقِّ المرأةِ فقطْ، بأن يكون أطْلَقَتِ الإِذنَ فِي التزويج، وصحَّحناهُ، فالكفاءةُ غيرُ حاصلةٍ، وإنْ كان الحقُّ للوليِّ فقط، بأنْ عَضَلَ أو غابَ ورَضِيَتْ هِيَ فيخرُجُ على الخلافِ فيما إذا وجدَ أحدُ الزوجين فِي الآخرِ عَيْبًا وبهِ مِثْلَهُ هل يثبُتُ لهُ الخيارُ؟ فإن قلنا: يثبتُ فلا كفاءةَ، وإنْ قلنا: لا يثبُتُ فالكفاءةُ حاصلة، فلو كانت حرفةُ الرجلِ كحرفة أَبِى المرأةِ لكن حرفةُ أبي الزوج دونَ ذلك. كلامُ الإمامِ يُفْهِمُ: أنَّ ذلك يؤثُرُ فِي الكفاءَةِ وعليه جَرَى الرافعيُّ.

وَالأصَحُّ؛ أَنَّ اليَسَارَ لَا يُعْتَبَرُ، لأنَّ المالَ غادٍ ورائحٍ، فَلَا يَفْتَخِرُ بِهِ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ وَالبَصَائِرِ، والثانى: يعتبر، لأنه إذا كان مُعسرًا لم ينفق على الولدِ وتَتَضَرَّرُ هي بنفقتِهِ عليها نفقةَ المُعْسِريْنَ، وادَّعَى الرويانىُّ أنهُ المذهبُ وصحَّحَهُ سليمٌ والفارقيُّ واستدَلَّ لهُ بقوله صلى الله عليه وسلم[أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، (444) فعلى هذا قيل: يعتبرُ اليسار بقدرِ المهرِ والنفقةِ، والأصحُّ أنهُ لا يكفي ذلك بل الناسُ أصنافٌ غَنِيٌّ وفقير ومتوسطٌ، وكُلُّ صنفٍ أكفاءُ، وإنِ اختلفَتِ المراتِبُ. قال ابنُ الرفعة: فإذا

(443) النحل / 71.

(444)

تقدم فِي الرقم (425).

ص: 1235

اعتبرنا اليَسَارَ فذلك إذا كانت الكفاءَةُ مطلوبةً لِحَقّ المرأةِ، أما إذا كانت معتبرةً لِحَقِّ الوليِّ لِعَضُلِهِ أو غَيْبَتِهِ ورضيَتِ المرأةُ فهل يُعْتَبَرُ أو لا؟ يظهرُ أنْ يكونَ فيه احتمالان أرجَحُهُمَا: لا.

وَأَنَّ بَعْضَ الْخِصَالِ لَا يُقَابَلُ بِبَعْضٍ، أي حتَّى لا تُزَوَّجَ سليمةٌ من العيوبِ دَنِيَّةٌ مِنْ مُعَيَّبٍ نَسِيبٍ، ولا حُرَّةٍ فاسقَةِ مِن عَبْدٍ عفِيفٍ، ولا عربيَّةٍ فاسقَةٍ مِن عَجَمِيٍّ عَفِيْفٍ، ولا عفيفةً رقيقةً من فاسقٍ حُرٍّ، بل يكفي صفةُ النقصِ فِي المنع من الكفاءَةِ، وفَصَلَ الإِمامُ فقال: السَّلامَةُ مِن العيوبِ لا تُقَابَلُ بسائِرِ فضائِلِ الزَّوج، وكذا الْحُرِّيَّةُ لا تُقابلُ بفضيلةٍ أخرى، وكذا النَّسَبُ. وفي انجِبارِ دَنَاءَةِ نَسَبِهِ بِعِفَّتِهِ الظاهرةِ وجهان أصَحُّهُما المنعُ. قال: والتَّنَقّى مِن الحِرف الدنيَّةِ يُقابلهُ الصَّلاح وفاقًا واليسارُ إنِ اعتبرناهُ يُقَابَلُ بكلِّ خَصْلَةٍ والأمَةُ العربيَّةُ بالْحُرِّ العَجَمِيِّ على هذا الخلاف، وقولُ الإِمامِ هذا؛ هو قولُ المقابلِ لكلام المصنف فَاعْلَمْهُ، وقال ابنُ الرفعة فِي العيوب: هذا إذا كانَتِ الكفاءَةُ مطلوبةً لِحَقّهَا فقطْ وإن كانت مطلوبةً لِحَقِّ الوليِّ فقط، فيظهرُ أنْ يَنْجَبِرَ العيبُ بالفضائل، وكذا بالصَّلاح الظَّاهرِ إذا قُلْنَا يَنْجَبِرُ بِهِ فَقْدُ النَّسَبِ، نَعَمْ: لو كانَ بالزوجَةِ عَيْبٌ مِثْلُ عَيْبِ الرَّجُلِ أو دونَهُ فهل يمنعُ من التزويج بدون رضَاها؟ فيه خلاف، والأصحُّ المنعُ. وقال الغزاليُّ: إن كان الغالِبُ الانتسابَ إلى رَسُولٍ صلى الله عليه وسلم فلا يوازِيهِ الانتسابُ إلى غيرهِ من العلماءِ والصُّلحاءِ، وهل يُوازِيْهِ الصَّلاحُ الظاهرُ المشهورُ فِي الخاطِبِ؟ الأصحُّ: لا، وقيل: يَنجَبِرُ بِهِ، وجعلَ صاحِبُ الذَّخَائِرِ هذا الخلافَ فِي الانتسابِ إلى غيره، هل يوازيه الصَّلاحُ فِي الخاطبِ، وهو أحسَنُ.

فَائِدَةٌ: فِي البُويطي قولٌ: أَنَّ الكَفَاءَةَ فِي الدِّيْنِ وَحْدَهُ، وَدَلِيْلُهُ مِنْ حَيْثُ السُّنَّةِ قَوِيٌّ، وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم[إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِيْنَهُ وَخُلُقَهُ فَانْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُواْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ، رواه الترمذى من حديث أبي حاتمٍ المزنيِّ وقال: حسنٌ غريبٌ وأخرجه أيضًا من حديث أبي هريرة (445) وفي صحيح ابن حبان من

(445) * رواه الترمذي فِي الجامع: كتاب النِّكَاح: باب ما جاء إذا جاءكم من ترضونَ دِينهُ: الحديث (1085)، وقال: هذا حديث حسن غريب. وأبُو حَاتِمِ المُزَنِيُّ لَهُ =

ص: 1236

حديث أبي هريرة رفعه: [يَا بَنِي بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبا هِنْدِ وَانْكِحُواْ إِلَيْه](446) وكان حَجامًا. فالحديثً الأوَّلُ يَقْتَضِي اعْتَبَارَ الدِّيْنِ فَقَطْ وإنْ خُصَّ منهُ شيء بدليلِ نَفْيِّ ما عداهُ.

فَائِدَةٌ أُخْرَى: نَظَمَ بَعْضُ الْقُضَاةِ الفُقَهَاءِ خِصَالَ الْكَفَاءَةِ فِي بَيْتٍ مفردٍ فقال رحمه الله (•):

شَرْطُ الْكَفَاءَةِ سِتَّةْ قَدْ حُرِّرَتْ

يُنْبِيْكَ عَنْهَا بَيْتُ شِعْرٍ مُفْرَدِ

نَسَبٌ، وَدِيْنٌ، صِنْعَةٌ، حُرِّيَّةٌ

فَقْدُ الْعُيُوبِ وَفِي اليَسَارِ تَرَدُّدِ

وَلَيْسَ لَهُ تزْويْجُ ابْنِهِ الصَّغِيْرِ أَمَةً، لأنهُ لا يخافُ العَنَتَ، وَكَذَا مَعِيْبَةَ عَلَى الْمَذهَبِ، أي بعيبٍ يثبتُ الخيار، لأنه على خلافِ الغبطةِ، وقيل: لا يصحُّ إنكاحُهُ الرَّتْقَاءَ وَالْقَرنَاءَ قطعًا، لأنه بَدَل مالٍ فِي بُضعٍ لا يُنْتَفَعُ بهِ بخلافِ تزويجِ الصغيرةِ بمجبوبِ، وَيَجُوزُ مَنْ لَا تُكَافِئُهُ بِبَاقِي الْخِصَالِ فِي الأَصَحِّ، إذ لا عارَ على الرجُل فِي استفراش من دُونَهُ، نَعَمْ: لهُ الخيارُ إذا بلَغَ، ذكرهُ الرافعيُّ فِي أوائلِ الخيار حيثُ قالَ: ولو زوَّج الصغيرَ مَن لا تكافئهُ وصحَّحناهُ فلهُ الخيارُ إذا بلغَ. وذكرهُ أيضًا هنا حيثُ قال: فإنْ صحَّحنا فالتفريعُ كما سبقَ فِي الصغيرة، والثانى: لا يجوزُ، وهُما كالقولين فِي تزويجِ البنتِ الصغيرة مِمَّنْ لا يُكافِئُها، لكن الأصحُّ هُنا الصحَّةُ؛ لما أشرنا إليه مِن الفَرْقِ. وأيضًا الصغير يتمكنُ من الطلاقِ وقد يكونُ لهُ مصلحةٌ فِي ذلك.

= صُحْبَةٌ، ولا نعرف له عند النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث. قلتُ: وليس فيه [كَبْيرٌ].

* حديث أبي هريرة: فِي الجامع الصحيح للترمذى فِي الرقم (1084) وفيه: [تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيْضٌ].

(446)

رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب النِّكَاح: باب لا يرد نكاح غير الكفوء: الحديث (14082). وفي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: كتاب النِّكَاح: ذكر الأمر بالإنكاح إلى الحجامين: الحديث (4055). والحاكم فِي المستدرك: كتاب النِّكَاح: الحديث (22/ 2693)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي فِي التلخيص.

(•) فِي هامش النسخة: الشيخ سراج الدين.

ص: 1237

فَرْعٌ: لو زوَّجهُ عمياءَ أو عجوزًا أو مفقودةَ بعضِ الأطرافِ؛ فوجهان حكاهُما الرافعيُّ قالَ: ويجبُ أن يكونَ فِي تزويج الصغيرةِ بالأعمَى والأَقْطَع والشيخِ الهَرِمِ الوجهان.

خَاتِمَةٌ: لو طلبَتِ التزويجَ برجلٍ وادَّعَتْ كفاءتَهُ، وقال الوليُّ: ليسَ بكفوءٍ رفعَهُ إلى القاضِى، فإنْ ثَبَتَتْ كفاءتُهُ ألزمَهُ تزويجَهَا وإن امتنعَ زوَّجَها به وإن لم يَثْبُتْ فلا، ذكرهُ فِي الروضة من زوائدِهِ، نَعَمْ: لو أثبتَهَا القاضِي والوليُّ يعلَمُ ضِدَّها ولم يمكنْهُ إثباتُهُ فَيَنْتَهِضُ عُذْرًا لهُ فِي الامتناعِ فيما يظهرُ.

فَصْلٌ: لَا يُزُوَّجُ مَجْنُونٌ صَغِيْرٌ، لعَدَمِ الحاجَةِ إليهِ فِي الحالِ، وبعدَ البُلُوغِ لا يَدْرِى كَيْفَ يكونُ الأمرُ بخلافِ الصغيرِ العاقلِ، فإنَّ الظاهِرَ حاجتُهُ إليه بعدَ البلوغ، قال ابنُ داوُد فِي شرح المختصرِ: إِلَّا أنْ يحتاجَ إليه للخدمَةِ، وقيل: يُزَوِّجُهُ الأبُ أو الجدُّ كالعاقلِ وطردَ الجوينيُّ الخلافَ فِي الصغيرِ العاقلِ الممسوح، وَكَذا كَبِيْرٌ، لما فيه من لُزوم المهرِ والنفقَةِ بلا حاجة، والظاهرُ أنَّ الوجهَ المذكورَ فِي الصغيرِ لا يأتى هُنا، يفرقُ أنَّ الولايةَ على الصغير المجنونِ بسببين فهُو أقوَى من الولاية على المجنون البالغ، إِلَّا لِحَاجَةِ، هو راجعٌ إلى الكبيرِ خاصَّةً، والحاجةُ بأنْ تَظْهَرَ رغبتُهُ فِيهِنَّ بدورانِهِ حَوْلهِنَّ وتعلُّقِهِ بهِن ونحو ذلك، أو بأنْ يُتَوَقَّعُ شفاؤُهُ بالنِّكَاح، كما ذكرَهُ الرافعيُّ بحثًا، وجزمَ به فِي الروضة أو بأن يحتاجَ إلى مَن يخدمُهُ ويتعهَّدُهُ ولا يوجَدُ فِي مَحَارِمِهِ مَن يُحَصِّلُ هذا. وتكون مُؤْنَةُ النِّكَاح أخَفَّ مِن ثمن جاريةٍ، وتَوَقُّعُ الشِّفاءِ يكون بشهادَةِ عَدْلَينِ كما قاله فِي المَطْلَبِ.

فَرْعٌ: إذا جازَ تزويجُهُ زوَّجَهُ الأبُ ثم الجدُّ ثم السُّلطانُ دون سائر العصبات كولايةِ المالِ، فَوَاحِدَةً، أي يزوَّجُ عندَ الحاجَةِ واحدَةً، لأنَّ الحاجَةَ تندفِعُ بها.

فَصْلٌ: وَمَنْ حُجِرَ عَلَيهِ بِسَفَهٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنِكَاحٍ، لِئَلَّا يَفْنَى مالهُ بمؤَنِ النِّكَاح، فلا بُدَّ لهُ مِن مراجعَةِ الوليِّ، واحترزَ بالحَجْرِ عن السَّفيهِ بلا حَجْرٍ، إما بأنْ يكونَ بلغَ سفيهًا ولم يتصلْ به حكمٌ وهو المهمَلُ، فتزويجُهُ كسائِرِ تصرفاته، وفيها خلافٌ. وإما

ص: 1238

بأنهُ بلغَ رشيدًا ثم سَفِهَ فِي الدِّيْنِ أو المالِ أو فِيهِمَا ولم يُعَدَّ الْحَجْرُ عليهِ وشرطناهُ. فتصرفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ نافِذٌ، قال ابنُ الرفعةِ: وإنْ كان يجوزُ أن يكون فِي نفوذِهِ خلافٌ يؤخذُ مِن الخلافِ فِي أنَّ المُشرِفَ على الزَّوَالِ كالزَّائِلِ، ومن الخلاف فِي أنَّ دخُولَ وقتِ الشئِ هلْ يقومُ مقامَهُ كما فِي رَمْيِّ الجِمَارِ فِي الحجِّ، عن ابن سُريج وغيره وفي الجيليِّ: أنَّ السفيهَ إذا لم يُحْجَرْ عليهِ ولم يكنْ فِي الموضعِ الَّذي هُو فيه حاكمٌ نفذَت تصرُّفاتُهُ وصحَّ نكاحُهُ، بَل يَنكِحُ بإذْن وَليِّهِ، لأنهُ مُكَلَّفٌ صحيحُ العبارةِ، وإنما حُجِرَ عليهِ حِفْظًا لمالِهِ، أَوْ يَقبَلُ لَهُ الوَلِيُّ، أي وهو الأبُ ثم الجدُّ إن بلغَ سفيهًا والقاضِي أو منصوبُهُ إنْ بلغَ رشيدًا ثم طَرَأَ السَّفَهُ كما صححَهُ فِي أصلِ الروضَةِ وأهمَلَ الوصيَّ. والرافعىُّ ذكرَهُ فِي الوصايا وأَسْقَطَهُ هو هناك، فَإنْ أَذِنَ لَهُ وَعَيَّنَ امْرَأَةً لَمْ يَنْكحَ غَيرَهَا، لأنَّ الإذنَ مقصورٌ عليها، وَيَنْكِحَهَا بمَهْرِ المِثْلِ أوْ أَقَلَّ، لأنهُ حَصَلَ لنفسه خيرًا، فَإِنْ زَادَ فَالمَشْهُورُ صِحَّةُ النِّكَاحِ، لأنَّ خَلَلَ الصَّدَاقِ لا يُفْسِدُ النِّكَاحَ، والثانى: وهو مُخَرَّجٌ أنهُ باطلٌ، بِمَهْرِ الْمِثلِ، أي بقدْرِ مهْرِ المِثلِ، مِنَ الْمُسَمَّى، أي وتسقط الزيادَةُ التي لا يملِكُ التصرفَ فيها. وقال ابنُ الصَّباغِ: القياسُ بُطلانُ المسمَّى، فالرجوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، والفرقُ أنَّ على التقديرِ الأوَّلِ تَسْتَحِقُّ الزَّوجَةُ مَهْرَ المِثْلِ مِن الْمُعَيَّنِ، وعلى قوله: يَجِبُ مَهْرُ المِثلِ فِي الذِّمَّةِ وما ذكرهُ ابنُ الصَّباغ هُو ما صحَّحَهُ المصنِّفُ وغيرُهُ فِي الصَّدَاقِ فيما إذا نكحَ طِفْلٌ بِفَوْقِ مَهْرِ مِثْلٍ أو نَكَحَ ثَيِّبًا لا رشيدةً أو رشيدَةً بِكْرًا بلا إذنٍ بدونه كما سَتَعْلَمْهُ هناك.

وَلَوْ قَالَ: انْكِح بِأَلْفٍ وَلَمْ يُعَيِّنِ امْرَأَةً نَكحَ بِالأَقَلِّ مِن أَلْفٍ وَمَهْرِ مِثْلِهَا، أيْ فإنْ نَكَحَ امرأةً بألفٍ، فإن كانَ مهرُ مِثْلِها ألفًا أو أكْثَرَ صَحَّ النِّكَاحُ بالمسمَّى، وإنْ كانَ أقَلَّ صحَّ النِّكَاح بمهرِ المثلِ وسقطَتِ الزيادَةُ، لأنها تَبَرُّعْ ولا مجالَ للتبرُّع فِي مالِ السفيهِ وإنْ نكَحَ صحَّ بألفين، فإنْ كانَ مهرَ مثلها أكثرَ مِن ألفٍ لم يصحَّ النِّكَاحُ، وإن كان ألفًا أو أقلَّ صحَّ النِّكَاح بمهرِ المثلِ وسقطَتِ الزيادةُ.

فَرْعٌ: لو جمعَ الوليُّ فِي الإذن بين تعيين المرأةِ وتقديرِ المهرِ، فقال: انكحْ بألفٍ، فإن كان مهرُ مثلِهَا دونَهُ فالأذنُ باطلٌ، وإنْ كانَ ألفًا نكحَهَا بألفٍ أو أقَلَّ صَحَّ

ص: 1239

النِّكَاحُ بالمسمَّى، وإن زادَ سقطَتِ الزيادةُ، وإنْ كانَ أكثرَ مِن ألفٍ، فإنْ نَكَحَ بألفٍ صحَّ النِّكَاحُ بالمسمُّى، وإن زادَ لم يصِحَّ، قالهُ البغويُّ وبهذا الفرع مع ما سيأتِي تَكْمَلُ لِلْمَسْأَلَةِ أربعُ حالاتٍ، لأنَّ المصنِّفَ ذَكَرَ ما إذا عَيَّنَ امرأةً فقط أو مهرًا فقطْ وذَكَرَ الإطلاقَ بعدُ وأهملَ تعيينهما معًا.

وَلَوْ أَطْلَقَ الإِذْن فَالأصَحُّ صِحَّتُهُ، وَيَنْكِحُ بِمَهْرِ الْمِثلِ مَنْ تَلِيقُ بِهِ، كما لو أَذِنَ السَّيِّدُ لعبدِهِ فِي النكاحِ يكفِى الإطلاقُ، والثاني: لا يصحُّ، بل لا بُدَّ مِن الإِذْنِ المُقَيَّدِ، لأنهُ لو اعتبرنا الإِذنَ المطلَقَ لم نَأْمَنْ أنْ ينكِحَ شريفةً يستغرقُ مَهْرُ مثلِهَا، فعلى الأوَّل لو تَزَوَّجَ بأكثرِ مِن مهْرِ المثلِ صَحَّ النِّكَاحُ وسقطَتِ الزيادَةُ، وإذا تزوَّجَ بمهْرِ المثلِ أو أقلَّ صحَّ النِّكَاحُ بالمسمَّى، لكن لو نكَحَ شريفةً يستغرقُ مهرُ مثلِهَا مالَهُ فوجهان؛ اختيارُ الإِمامِ. وبه قطعَ الغزاليُّ المنعَ، ويتقيَّدُ بموافقةِ المصلحةِ، وذكرَ ابنُ كجٍ تفريعًا على اعتبارِ الإِذنِ المطلقِ وجهين فيما لو عَيَّنَ الوليُّ امرأةً فعدَلَ السفيهُ إلى غيرها فنكحَها بمثلِ مهرِ الْمُعَيَّنَةِ، لأنهُ لا غَرَضَ للوليِّ فِي أعيان الزوجاتِ، قُلْتُ: جزمَ بِهِ صاحبُ البحْرِ وعَبَّرَ بقوله لَا يجوزُ، ولو أراد الوليُّ أنْ يُزَوِّجَهُ شريفة يستغرقُ فلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ بالصحَّةِ عند وجودِ المصلحةِ إذا قلنا يجوزُ تزويجُهُ بها أو لم يَجِدْ غيَرهَا وهُوَ محتاجٌ.

فَرْعٌ: لو قال: انكحْ مَن شِئْت بما شِئْتَ! ذكرَ بعضُهم أنهُ يبطُلُ الإِذْنُ، لأنهُ رَفَعَ الْحَجْرَ بالكُلِّيَّةِ؛ قاله الرافعيُّ، وفَهِمَ ابنُ الرفعةِ من كلام القاضي أنهُ باطلٌ بلا خلافٍ وأنه قَاسَ عليهِ.

فَرْع: قال ابنُ كج: الإذنُ للسفيهِ فِي النكاح لا يفيدُ جوازُ الوكيلِ، لأنه لم يرفع الْحَجْرَ إلا عن مباشرته، ولابنِ الرفعةِ احتمالٌ فِي ذلك.

فَإِن قَبِلَ لَهُ وَلِيُّهُ اشْتُرِطَ إِذنُهُ فِي الأَصَحِّ، لأنه حُرٌّ مكلَّفٌ فلا بد مِن استئذانِهِ، كذا علَّلَهُ الرافعيُّ، والثانى: لا يشترطُ، لأنهُ فَوَّضَ إليه رعايَةَ مصلحتِهِ فإذا عرفَ حاجتَهُ زوَّجهُ كما يطعِمُهُ ويكسُوهُ وبه جزم الماورديُّ. والظاهرُ أنَّ مَحِلَّهُ إذا لم

ص: 1240

يأذَنْ ولم يكره. أمَّا إجبارُهُ عليهِ فبعيدٌ، وَاعْلَمْ: أنَّ الشَّافِعِيَّ نصَّ فِي المختصرِ على أنَّ السفِيهَ يُزَوِّجُهُ وَلِيُّهُ فرُبَّمَا استأنَسَ بهِ الآخرونَ وحملَهُ الأوَّلُونَ على أصلِ التزويج ثم يُراعَى شرطُهُ، ونقلَ الرَّبيعُ: أنهُ لا يُزوِّجُهُ وَلِيُّهُ، قال الرافعيُّ: واتفقوا على أنهُ ليسَ اختلافَ قولٍ بل حَمَلَ قومٌ روايَةَ الربيع على القَيِّمِ الَّذِي لم يأذَنْ لهُ الحاكمُ فِي التزويج، وبعضُهُم على ما إذا لم يحتَجِ السفيهُ إلى النكاح، وتردَّدَ ابنُ الرفعةِ بينَ موافقَةِ الرافعيِّ على ذلكَ وبينَ إثباتِ خلافٍ فيهِ، ثم نقَلَ عن الأُمِّ نَصًّا وقالَ: إنهُ قاطعٌ للنزَاع ومنهُ يجوزُ أنْ يُحْمَلَ على ما حُكى عن الربيع على وليِّ النسبِ دون وليِّ المالِ، وَيَقْبَلُ بِمَهْرِ المِثلِ فَأَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ صَحَّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ يَبْطُلُ، هُما القولانِ فيما إذا قَبِلَ الأبُ لابنهِ النِّكَاحَ بأكثَرِ مِن مهرِ المثلِ.

فَرْعٌ: لو اشتَدَّتْ حاجَةُ السفيهِ وخافَ الوقوعَ فِي الزِّنَا ولم يجدْ إلَّا امرأةً لا ترضَى إلَّا بأكثرَ من مهر مثلِها، قال الإِمامُ: فِي جرازِ نكاحِهِ إيَّاها احتمالٌ عندي.

وَلَوْ نَكَحَ السَّفِيْهُ بِلَا إِذْنٍ فَبَاطِلٌ، كما لو اشترى بغر إذنه. ويُفَرِّقُ بينهُما قبلَ الدخُولِ وبعدَهُ. وليس للوليِّ أنْ يُجِيزَهُ. قال ابنُ الرفعةِ: ولا يبعُدُ أنْ يأتى فيه القولُ فِي القديمِ بوقْفِ العُقُودِ، وقولهُ (بِلَا إِذْنٍ) أعمُّ من قول الْمُحَرَّر (مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْوَليِّ) لأنهُ يدخلُ فِي عبارةِ الكتابِ فيما إذا استأذنَهُ فمنعَهُ، وَأَذِنَ الحاكمُ فإنهُ يصحُّ قطعًا مع أنَّ الوليَّ يخرجْ بمنعهِ مرَّةً من الولاية لأنهُ صغيرٌ، ولو تزوجَ فِي هذه الحالةِ بنفسهِ من غيرِ مراجعةِ الحاكمِ لم يصِحَّ على الأصحِّ فِي الشرح الصغرِ، ولو تعذَّرَتْ مراجعةُ الوليِّ والحاكمِ، قال ابنُ الرفعةِ: إن لم ينتَهِ إلى خرفِ العَنَتِ فالوجهانِ، وإنِ انتهَى فالأصحُّ الصحَّةُ، وهو أوْلى من المرأةِ فِي الْمَفَازَةِ لا تجدُ وليًّا، فَإنْ وَطِئَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، أي لا حدَّ للشبهة ولا مَهْرَ إذا لم يكن مُكْرَهًا، كما لو اشترى شيئًا فأتلفهُ، واستشكلَهُ الرافعيُّ من جهة أنَّ المهرَ حقُّ الزوجةِ، فقد تَزوَّج ولا شعورَ لها بحال الزوج، فكيف يسقُطُ حقُّها، وأُجيب عنه بأنه يبطُلُ بتمكينها، وسواءٌ علمَتْ بسفهِهِ أو لم تعلَمْ كما صحَّحَهُ فِي الكِفايةِ لتفريطهَا بتركِ البحثِ، ولو فكَّ الحَجْرَ عنهُ فلا شيء عليه أيضًا على المذهب، كما صحَّحَهُ فِي الروضة كالصَّبِيِّ إذا وطِئَ ثم

ص: 1241

بَلَغَ، وقيل: لَا شيءَ عليهِ في الحكمِ، ويجبُ عليه فيما بينَهُ وبينَ الله تعالى أن يدفعَ إليها ما يصيرُ البُضعُ مُباحاً بهِ واختلَفَ فيهِ، فقيلَ: مهْرُ مثلٍ، وقيل: ما تطيبُ به نفسُهَا من غير تقديرٍ ما لم تُزِد على مَهرِ المثلِ، وهذا كُلهُ إذا تزوج رشيدةً، فإذا تزوَّجَ سفيهةً فإنَّ المهرَ يجبُ قالهُ المصنّفُ في فتاوِيهِ كما لو أتلفَ لها مالاً، وَقِيلَ: مَهرُ مِثل، لأنَّ تَعْرِيَةَ النكاح عن المهْرِ والحَدِّ جميعاً لا سبيلَ إليه غالباً، وَقِيلَ: أَقَل متموِّلٍ، أي عادةً كما قاله مُجلّى رعايةً لحق السفيهِ ووفاءً بحق التَّعَبدِ إذْ بهِ يتميزُ عن السفَاح، وبنَى القاضي حُسين الخلافَ على وطئِ العبدِ إذا تزوج بغير إذنِ السيدِ وَوَطِئَ.

فَرْعٌ: يشترطُ في نكاح السفيهِ الحاجةُ لا المصلحةُ في الأصح، فلا يُزَوَّجُ إلا واحدة كالمجنونِ. والحاجةُ بأنْ تَغْلِبَ شهوتُهُ، أو احتاجَ إلى مَن يخدمُهُ، ولم تَقُمْ مَحْرَم بخدمتِهِ، وكانَتْ مُؤْنَةُ الزوجَةِ أخف من ثمنِ الجاريةِ، ولم يكتفُوا بقولِ السفيهِ بل اعتبرُوا ظُهُورَ الأمَارَاتِ الدَّالةِ على غلبَةِ الشهوةِ خلافاً للإمامِ والغزاليِّ، قال الرافعيُّ: وقضيةُ التزويج لغرض الخدمةِ أن تجوزُ (•) الزيادةُ على واحدةٍ إذا لم تَكْف واحدة للخدمَةِ. وهذا يجبُ أن يقولَ بمثلِهِ في المجنونِ.

فَرْعٌ: قال البغوي: إقرارُ السفيهِ بالنكاح لا يصحُّ، لأنهُ ليسَ مِمَّن يُبَاشِرُهُ؛ واستشكلَهُ الرافعيُّ بإقرارِ المرأةِ.

فَرْعٌ: إقرارُ ولِيِّهِ عليهِ لا يصحُّ، وقال ابنُ الرفعةِ: قياسُ تَزْوِيجِهِ لهُ بغيرِ إذنِهِ أنْ يُقبَلَ إقرارُهُ عليهِ عند الحاجَةِ ولا يُقْبَلَ عندَ عدَمِ الحاجَةِ وقت الإقرارِ كالأبِ يُقِرُّ على البنتِ يُقْبَلُ مَعَ البُكَارَةِ دونَ الثُّيُوبَةِ.

وَمَنْ حُجِرَ عَلَيهِ لِفَلَسٍ يَصِح نِكاحُهُ، لأنَّ عبارتَهُ صحيحة وله ذِمةٌ، وَمُؤَن النِّكَاع فِي كَسبِهِ، لَا فِيْمَا مَعَهُ، لتعلقِ حقوق الغُرَمَاءِ بما في يدِهِ.

فَرْع: إذا لم تعلَمِ المرأةُ بفلَسِهِ ولا كَسبَ لهُ، قالَ في المَطلبِ: يشبهُ أنْ يَثْبُتَ لهَا الْخِيَارُ.

(•) في النسخة (2): تكون.

ص: 1242

فَصْلٌ: وَنِكَاحُ عَبْد بِلَا إِذْنِ سَيدِهِ بَاطل، لقوله صلى الله عليه وسلم:[أيمَا مَملُوك تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَاهِر] رواه أبو داود والترمذي وحسَّنهُ الحاكم وصححَهُ (447). وفي رواية لأبى داود [فَهُوَ بَاطِل] وضعَّفها، وقال: هو موقوف (448)، قال الترمذيُّ: والعملُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ من الصحابَةِ وغيرِهِمْ (449)، وَبإذْنِهِ صَحِيْح، لأنه عبارتَهُ صحيحة، وإنما المنعُ لتحصيلِ رِضَى السَّيِّدِ حتَّى لو أذنَتِ المرأةُ لعبدِها في النكاح صَح، وإنْ لم يكُنْ لها عبارة في النكاح، قال الماورديُّ: والصحيحُ أن لهُ أنْ يتزوَّجَ بإذنِها وحدها، وقيل: لا بُد من إذنِ ولِيهَا أيضاً، قال: وهذا إذا كان عبداً بالغًا، فإنْ كانَ صغيراً فأذنَتْ لهُ؛ فعَنِ المتولي لتزويجِهِ وجهانِ أحدُهما: وليُّها في النكاح كالأمَةِ، والثاني: مَن تأذنُ لهُ من الناسِ، وهذا بناءً منهُ على جزمِهِ بجوازِ إجبارِ العبدِ الصغيرِ، وَلَهُ إِطلَاقُ الإِذْن، وَلَهُ تَقييدُهُ بامرَأَةِ أَو قَبيلَةِ أَو بَلَدِ، وَلَا يَعدِلُ عَما أَذِنَ فِيهِ، مراعاةً لهُ، وإذا أطلقَ الإذنَ فلهُ نَكاحُ حُرَّةٍ أو أمةٍ وفي تلكَ البلدِ أو غيرِها، نَعَمْ: لِلسيدِ منعُهُ مِنَ الخرُوج إلى البلدةِ الأُخرى.

فَرْعٌ: لو قَدرَ مَهْرًا فزادَ فالزيادةُ في ذِمتِهِ يُتبعُ بها إذا أعْتِقَ، وأبدَى الإمامُ احتمالًا: أن الزيادَةَ لا تلزمُ أصلاً.

فَرْعٌ: لو نكحَ بِالمُقَدرِ امرأةً مَهرُ مثلِها أقل؟ فالأصحُّ الصحّةُ ووُجوبُ المسمى.

فَرْعٌ: لو رجعَ عن الإذنِ ولم يعلم بهِ العبدُ حتى نكَحَ فعلى الخلافِ في الوكيلِ، قالهُ ابنُ كَجٍّ.

(447) رواه أبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب في نكاح العبد بغير إذن سيده: الحديث (2078) بلفظ [أيَّمَا عَبد

]. والترمذى في الجامع الصحيح: كتاب النكاح: باب في ما جاء في نكاح العبد: الحديث (1111)، وقال: وفي الباب عن ابن عمر، وحديث جابر حديث حسن. والحاكم في المستدرك: كتاب النكاح: الحديث (2787/ 116)، وقال: حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي في تلخيصه.

(448)

عن ابنِ عُمَرَ؛ أن النبِى صلى الله عليه وسلم قالَ: [إِذَا نَكَحَ العبدُ بِغَيْرِ إِذنِ مَوْلَاهُ، فَنكَاحهُ بَاطِل]. رواه أبو داود في السنن: الحديث (2079)، وقال: هذا الحديث ضعيف وهو موقوف. وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما.

(449)

ينظر: الجامع الصحيح: عبارة الترمذي على الحديث (1111): ج 3 ص 419.

ص: 1243

فَرْعٌ: طَلَّقَ العبدُ ما نكَحَ بالإذنِ لم ينكح أخرى إلا بإذن جديدٍ قالهُ الرافعيُّ، وهل لهُ أنْ ينكِحَ التي طلقَها إذا كان الطلاقُ بائناً؟ فيه نظر، والظاهرُ المنعُ. وهل لهُ رَجْعَتَهَا إذا كانَ رجعِيًّا بدونِ إذنِ السيدِ؟ فيه خلافٌ مذكورٌ في بابِهِ.

فَرْعٌ: لو نكَحَ نكاحاً فاسداً هل لهُ نكاحُ أخرى؟ فيه خلافٌ مبني على الإذنِ يتناوَلُ الفاسِدَ أَمْ يختَصُّ بالصحيح.

فَرْعٌ: المدبرُ والمعلقُ عَتْقُهُ بصفة والمبعَضُ كالقِنّ. والمكاتَبُ لا يصحُّ نكاحُهُ بإذنِ السيدِ على المذهبِ، وقيل: قولانِ كتبرُّعاتِهِ.

وَالأظْهَرُ أَنَّهُ لَيسَ لِلسيِّدِ إجْبَارُ عَبْدِهِ عَلَى النِّكاح، لأنه لا يملِكُ رفعَ النكاحِ بالطلاقِ، فكيفَ يُجبرُ على ما لا يملِكُ رفعُهُ؟ الثاني: له إجبارُهُ كالأمَةِ وهذا هُو القديمُ، والأولُ حكاهُ الرافعيُّ عن الجديدِ، والثالث: يُجْبَرُ العبدُ الصغيرُ دونَ الكبيرِ، قال في المَطْلَبِ: ويجيء وجهٌ رَابِع عكسُهُ والكبير المجنونُ كالصغيرِ، ثمَّ هذا كلهُ إذا كانَ العبدُ مُوافقاً لهُ في الدِّين، أما إذا كانَ العبدُ مُسلِماً والمولى كافراً فهل لهُ إجبارُهُ؟ إذا رَأينَا للمسلِمِ إجبارَ العبدِ فيه الخلافُ الآتى فيما لو كانَ السيدُ مسلِماً ولهُ أَمَة كافرَة هل يملِكُ تزويجَها قالهُ الرافعيُّ.

فَرْعٌ: إذا جوَّزنا الإجبارَ فللسّيدِ أنْ يقبلَ النكاحَ للبالغ ولهُ أن يكرهَهُ على القَبُولِ، ويصح لأنهُ إكراهٌ بِحَقّ قالهُ البغويُّ، وفي التتمَّةِ: لا يصحُّ قبولَهُ كُرْهاً، ويقبلُ إقرارُ السَّيدِ على العبدِ بالنكاح كإقرارِ الأبِ على بنتِهِ ويجوزُ أن يزوِّجَ أَمتَهُ بعبدِهِ الصغيرِ والكبيرِ ولا مهْرَ كما ذكرهُ المصنِّفُ فيما سيأتى، وَلَا عَكْسِهِ، أي لا يجبَرُ السَّيِّدُ على نكاح عبدِهِ إذا طلبَهُ منهُ، لأنه يُشَوِّش عليهِ مقاصِدَ الْمِلْكِ وفوائدَهُ فلا يُجبَرُ عليهِ كنكاح الأمَةِ، والثانى: يُجبرُ عليهِ أو على البيع، لأنَّ المنعَ من ذلِكَ يوقِعُهُ في الْفُجُورِ، واستحسَنَهُ في الكِفايةِ.

فَرْعٌ: المدبَّرُ والمعلقُ عتقُهُ كالقِنَ ومَن بعضُهُ حُرٌّ لا يجبرُ وفي وجوبِ إجابتِهِ الخلافُ. والمكاتَبُ لا يُجبر وفي وجوبِ الخلافِ كالقِن وأَوْلى بالوُجُوبِ وصحَّحَ

ص: 1244

الْجُرْجَانِىُّ في شافِيهِ أن السيدَ يُخترُ عَلَيْهِ.

فَرْعٌ: العبدُ المُشْتَرَكُ هل لِسَيدَيهِ إجبارُهُ وعليهما الإجابةُ؟ فيه الخلافُ المذكورُ في الطرفينِ ولو دعاهُ أحدُهما إلى النكاح وامتنَعَ الآخرُ والعبدُ فلا إجبارَ، ولو طلَبَ أحدُهما معَ العبدِ وامتنَعَ الآخَرُ فعَنِ الشيخ أبى حامِدٍ أنهُ كالمُكَاتَبِ. وقال ابنُ الصباغ: لا توثرُ موافقةُ الآخَرِ.

وَلَهُ إِجْبَار أُمَتِهِ بِأي صِفَة كَانَت، أي بِكْراً أو ثيِّباً؛ صغيرة أو كبيرةً؛ عاقلةً كانت أو مجنونة؛ رضيَتْ أو سَخِطَتْ؛ لأنَّ النكاحَ يُرَدُّ على منافِع البُضْع وهىَ مملوكة لهُ وبهذا فارقتِ العبدَ، نَعَمْ: لا يجوزُ أنْ يزوجَها من مَجْذُوم أوْ أَبْرَصَ أوْ مَجنونٍ بغيرِ رِضَاهَا، وإن كانَ يجوزُ أن يَبِيْعَهَا مِمن هذا حالُهُ وإنْ كرهَتْ وأبَتْ كما نص عليهِ وجزمَ به الرافعيُّ وفيه وفي بقيةِ العيوبِ المُثبِتَةِ للخِيَارِ ويلزَمُها التمْكِينُ في مسألةِ البيع كما صححَهُ المتولى فلو خالَفَ السيدُ وأجبرَها على نكاح مَن بِهِ عَيْب ثَبَتَ الخيارُ أو على مَن لا يُكَافِئُهَا بسببٍ أخرَ، فهل يبطُلُ النكاحُ أو يصح ولها الخيار؟ فيهِ مثلُ الخلافِ السابقِ، وقيل: يصحُّ ولا خيارَ ولا خلافَ. إِن لهُ أنْ يزوجَها برقيقِ ودَنِىِّ النَّسَبِ، لأنهُ لا نسَبَ لهَا.

فَإن طَلبت لَم يَلْزَمْهُ تَزوِيجهَا، لأنهُ يُنْقِصُ قيمَتها أو يُفَوِّتُ الاستمتاعَ عليهِ فيمَنْ تَحِل لهُ، وَقِيلَ: إِن حَرُمَتْ عَلَيْهِ، أي تحريماً مؤبداً كنسبِ أو رَضَاع، لَزِمَه، إذ لا يتوقعُ منهُ قضاءُ شهوةٍ ولا بُدَّ من إعفافها وحكاهُ في النهاية قولاً وصحَّحَهُ الْجُرْجَانِىُّ في الْمُهَايَأَةِ وَالشَّافِى، فإنْ كانَ تحرِيماً لعارضٍ بأن مَلَكَ أُختيْنِ فَوَطِئَ إِحْدَاهُمَا ثم طَلَبَتِ الأُخْرَى تَزْوِيجَهَا، فإنهُ لا يَجِبُ عليهِ إجابَتُها، لأنَّ تحريمهَا ليسَ مؤيداً، جزَمَ بِهِ في الروضَةِ تبعاً للرافعى وأطْلَقَ في الوسيطِ الخلافَ ولم يُقيدْ بِكَوْنهَا مُحَرَّمَةَ عليهِ.

فُرُوعٌ: المدبرةُ والمعلَّقُ عِتقُها كالقِنةِ وكذا أمُّ الولَدِ على الصحيح في الروضَةِ وهو الظَّاهرُ في الرافعى وخالفَ الْجُرجَانِىُّ فقالَ: لا يملِكُ إجبَارَهَا لأنهُ لا يملِكُ

ص: 1245

بيعَها فهى كالْمُكَاتَبَةِ، وقيلَ: يَملِكُهُ، وقيل: لَا يملِكُ تزويجَها بحالٍ وإنِ اختارَتْ، قال: وعلى هَذا هل للحاكِمِ تزويجُها؟ على وجهين. وأمَةُ المُبعَضِ لا تُزَوَّجُ كما قالهُ البغويُّ في فتاويهِ، ومَن بعضُها حُرٌّ لا تُجبَرُ ولا يُجبرُ سيِّدُها على الصحيح في الروضة، وقيل: يجبَرُ سيِّدُها على الأصحِّ، والمكاتَبَةُ لا يجبِرُها سيِّدُها ولا تنكحُ بدون إذنِهِ ولا تجبُ إجابتُها على الصحيح في الروضة، وقيل: لا تزوجُ أصلاً لاختلَالِ مِلك المولَى وعدمِ استقلالِها.

وَإِذَا زَوجَهَا فَالأصَح أنَّهُ بِالمِلْكِ لَا بِالوِلَايَةِ، لأنهُ يملِكُ الاستمتاعَ بها كما يملِكُ تزويجَها، ووجهُ مقابلِهِ وهر أنهُ بالولايةِ أنَّ عليهِ النظر ورعايَةَ الحَظِّ لها حتى لا يجوزُ تزويجَها من مَعِيْب بِعَيبٍ يُثْبِتُ الخِيَارَ بغيرِ رِضَاها كما سلَفَ قريباً. وكلامُ المصنّف في كونِ التزويج بالمِلْك أوْ بالولايَةِ مقصور على تزويج الأمَةِ وكذلك كلامُ كثيرٍ من الأصحابِ، لكن كلامُ الغزالي كالصريح في أنَّ الخلافَ فيها وفي العبدِ جميعاَ، وقال الرافعى: إنهُ لا يجرِي في العبدِ إلا إذا قلنا بإجبارِهِ عليهِ. قال ابنُ الرفعةِ: وليعرفْ أن السَّيِّدَ إذا قُلنا يزوِّجُ بطريقِ الولايةِ، فسببُ الولايةِ المِلْكُ كما أن سببَ ولايةِ الأبِ القرابةُ، ويتأكدُ القولُ بهذا في العبدِ، فإنَّ مُسْتَمْتَعَهُ غيرُ مملوكٍ للمولَى والعقدُ واردٌ عليهِ فيظهرُ كونُهُ مُتَصَرِّفاً بالولايةِ ولا جَرَمَ خَصَّ مَنْ قَالَ: إنَّ الصحيحَ يتصرفُ بحكْمِ المِلْك ذلكَ بتزوِيج الأمَةِ.

فيُزَوِّجُ مُسلم أمَتَهُ الكَافِرَةَ، أيِ الكتابِيةَ كما هو لفظُ المُحَرَّرِ، وإنما يُتَصَورُ تزويجُهُ إياها بعبدٍ أو حُرٍّ كتابِى إذا أحلَلناهَا لَهُمَا وهُو الصحيحُ كما ذكرَهُ المصنفُ في الباب الآتى، وَفَاسق وَمُكَاتَب، وهذا فرعُهُ على التزويج بالملْك ولهذا أتى بالفاء الْمُفْهِمَةِ لِذَلِكَ وإنْ قُلنا بالولايةِ فلا يزوِّجُ أَمَتَهُ الكافرةَ كما يزوِّجُ ابنتَهُ الكافرةَ، ولا الفاسِقَ إن قلنا الفِسقُ يَسلُبُ الولايَةَ، وكذا المكاتَبُ، لأن الرِّقِّ يمنعُ الولايةَ ولو كان لِكَافِرِ أمَة مسلِمَةٌ أو أمُّ ولَدِ فقال ابنُ الحداد: يُزَوِّجُهَا بِحُكْمِ الْمِلْك، والأصَحُّ المنعُ، لأنَّ المسلِمَ في الولايةِ آكدُ، ولأنهُ يملِكُ الاستمتاعَ بِبُضْعِهَا بخلافِهِ ولو كانَ لمسلِمِ أمَة وَثَنِية أو مَجُوسِية فهل له تزويجُها؟ وجهان مبنيَّان على هاتين العِلَّتين إن قلنا بالأوَّل

ص: 1246

فلهُ، وإن قلنا بالثاني فلا، وهو المذكور في التهذيب وصحَّحَ الشيخُ أبو على: الجَوَازَ، واستشهدَ عليه بأن من مَلَكَ أُختَهُ من الرضاع أو النسَبِ كانَ لهُ تزويجُها، وإن لم يكُنِ الاستمتاعُ لهُ وهو ظاهرُ إطلاقِ المصنِّف، ولعلَّهُ عَدَلَ عن لفظ الْمُحَرَّرِ الكتابِيَّةَ إلى قوله الكَافِرَةَ ولهذا لو كان للكافرِ عبدٌ مسلم فقد أسلفْتُ عليه الكلامَ قريباً.

وَلَا يُزَوِّجُ وَليٌّ عَبدَ صَبِي، أي ومجنون وسفيه لما فيه من انقطاع اكتسابِهِ وفوائدِهِ عنهُم، وهذه العبارةُ أصْوَبُ من قولِ المُحَرَّرِ: وَلَا يُجْبِرُ، لأنهُ لا يلزَمُ من عَدَمِ إجبارِهِ مَنْعُ تزويجِهِ برِضَاهُ والصحيحُ منعُهُ.

ويزَوِّجُ أَمَتَهُ فِي الأصَحِّ، أى إذا ظهرَتِ الغِبطَةُ كما قيَّدَهُ في الروضة تَبَعاً للرافعيِّ اكتساباً للمَهرِ والنَّفَقَةِ، والثانى: المنعُ، لأنهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهَا، وقد تَحبلَ فَتَهْلَكَ، والثالث: يُزَوجُ أَمَةَ الصبيةِ دونَ الصَّبِي، لأنهُ قد يحتاجُ إليها إذا بَلَغَ، وقال ابنُ الرفعةِ: إنهُ المنصوصُ وحكاهُ عن ابنِ داودَ والرافعيُّ حكاهُ عن بعضِ الشُّرُوح، وهو مرادُهُ كما اسْتُقْرِئَ مِنْ كلامِهِ وإن لَم يُصَرِّح بِهِ.

فَرْعٌ: إنْ جوَّزْناهُ، قال الإمامُ: يجوزُ تزويجُ أمَةِ البنتِ الصغيرةِ وإنْ لم يَجُزْ تزويجَها، ولا يجوزُ للأبِ تزويجُ أمَةِ البِكْرِ البالغَةِ قَهْراً وإنْ كانَ يَقهَرُهَا.

فَرْعٌ: فيمن يزوجُ أمةَ الصغيرِ والمجنونِ وجهان أحدُهما: وليُّ مالِهِ، وأصحُّهما: وليُّ نكاحِهِ الذي يلى المالَ، وعلى هذا غيرُ الأبِ والجدِّ لا يزوجُها. والأبُ لا يزوّجُ أمَةَ البنتِ الصغيرةِ، فإنْ كانَتْ مجنونَة زوَّجَ وإنْ كانت لسفيهةِ، فلا بُدَّ مِن إذنِهِ قالهُ الرافعي. قال ابنُ الرفعة: ويشبِهُ أن يكونَ هذا الإذنُ، لأجْلِ تركِ حقَّهِ من الاستمتاعِ بها، فلو كانتْ مُحَرَّمَة عليهِ لم يُشْتَرَط، وقال الماوردىُّ: إنْ كانَتِ السيِّدَة صغيرة، لم يكُنْ لأحد من أوليائِها سِوَى الأبِ والجد تزويجُ أمَتِهَا، وفي جوازِهِ للأبِ وجهانِ. وهل للأبِ إذا كان لابنهِ الصغيرِ أَمَةٌ أنْ يزوجها؟ على هذين الوجهين.

فَرْعٌ: هذا كله إذا لم تطلُبِ الأمَةُ التزويجَ، فإنْ طلبتْهُ، قال ابنُ الرفعة: ينبغي إنْ كانَتْ مُحَرَّمَة على سيّدِها تحريماً مؤبداً أو كانَتْ لأنثى، وقُلنا يُجبرُ السيدُ الرشيدُ

ص: 1247