الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتَابُ الرَّجْعَةِ
الرَّجْعَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ الأَزْهَرِيُّ: الْكَسْرُ أَكْثَرُ، وَهِىَ فِي اللُّغَةِ الْمَرَّةُ مِنَ الرُّجُوعِ، وَفِى الشَّرْعِ الرَّدُّ إِلَى النِّكَاحِ بَعْدَ طَلَاقٍ غَيْرِ بَائِنٍ. وَالأَصْلُ فِيْهَا قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} أَيْ فِي الْعِدَّةِ {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} (43) أَيْ رَجْعَةً قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَطَلَّقَ صلى الله عليه وسلم حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (44).
شَرْطُ الْمُرْتَجِع أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ، أي لأنها إنشاء نكاح فلا تصح رجعة صبي ولا مجنون لأنهما أهل للنكاح بوليهما لا بأنفسهما، ويدخل فيه السكران فإنه تصح رجعته على المذهب، والعبد فإنه تصح رجعته بغير إذن سيده على الصحيح، والسفيه، فإنَّهما من أهل النكاح بأنفسهما وإن كان يشترط إذن المولى والولي، وليس للمرتد الرجعة كابتداء النكاح.
(44)
عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ عن عمر رضي الله عنه؛ (أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا). رواه أبو داود في السنن: كتاب الطلاق: باب في المراجعة: الحديث (2283). والنسائى في السنن: كتاب الطلاق: باب الرجعة: ج 6 ص 213. وابن ماجه في السنن: كتاب الطلاق: الحديث (2016).
وَلَوْ طَلَّقَ فَجُنَّ فَلِلْوَلِيِّ الرَّجْعَةُ عَلَى الصَّحِيْحِ حَيْثُ لَهُ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ، أي بناءً على جواز التوكيل في الرجعة وهو الصحيح، وَتَحْصُلُ بِرَاجَعْتُكِ وَرَجَعْتُكِ وَارْتَجَعْتُكِ، لقوله صلى الله عليه وسلم في قضية ابن عمر لعمر:[مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا](45) وهذه الألفاظ صريحة لشيوعها، وورود الأخبار بها وسواء أضاف إليه أو إلى النكاح أم لا، لكنه مستحب ولا بد من إضافة هذه الألفاظ إلى مُظْهَرٍ كراجعت فلانة، أو مُضْمَرٍ كما مثله المصنف، أو مُشَارٍ إليه كراجعت هذه، وأما مجرد راجعت وارتجعت فلا يقع، وَالأَصَحُّ أَنَّ الرَّدَّ وَالإِمْسَاكَ صَرِيْحَانِ، لتكرر الثاني في القرآن، وورود الأول فيه، وفي السُّنَّة أيضاً، والثاني أنهما كنايتان لعدم اشتهارهما اشتهار الرجعة، ونص عليه في الأم في الرد، ونقله في البحر في الإمساك عن نص الشافعي في عامة كتبه، وفي الثانية وجه ثالث: أنه لغو، لأن معنى الإمساك الاستدامة، قال تعالى:{أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} (46) والرجعة ابتداء استحلال.
تَنْبِيْهٌ: يشترط أن يقول رددتها إليّ على الأصح في الرافعي، وبه جزم المصنف كما ذكره بعد وفي الكفاية أن الأشهر خلافه كلفظ الرجعة، والخلاف فيه جار في الإمساك، لكن أجاب البغوي فيه بالاستحباب.
وَأَنَّ التَّزْوِيْجَ وَالنِّكَاحَ كنَايَتَانِ، لعدم استعمالهما (•) في الرجعة، والثاني: أنهما صريحان لأنه أقوى وأبلغ في إرادة الاستدامة، والثالث: أنهما لغو لعدم الإشعار بالتدارك، وادّعى الروياني: أنه ظاهر المذهب، ويجرى الخلاف فيما إذا جرى العقد على صورة الإيجاب والقبول، قال الروياني: لكن الأصح هنا الصحة لأنه آكد في الإباحة، ووجه مقابله أن الشرع لم يرد به.
فَرْعٌ: لو قال اخترت رجعتك ونوى الرجعة، فوجهان؛ أصحهما من زوائد الروضة: الحصول.
وَلْيَقُلْ: رَدَدْتُهَا إِلَيَّ أَوْ إِلَى نِكَاحِي أي حتى يكون صريحاً كما سلف، وإلاّ يكون
(45) تقدم في الرقم (40).
(46)
الأحزاب / 37.
(•) في نسخة: اشتهارهما.
كناية، وخالف لفظ الرجعة فإنها مشهورة في معناها، والرد المطلق قد يفهم منه الرد إلى الأبوين، ولم يذكر الإضافة في الإمساك، ومقتضاها عدم الاشتراط كما سلف عن البغوى، وَالْجَدِيْدُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الإِشْهَادُ، لأن الرجعة في حكم استدامة النكاح السابق، ولذلك لا يحتاج إلى الولي ورضى المرأة، وقال الشافعي في الإملاء: لا يشترط لقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (47) وحكى عن القديم أيضاً، وهو ظاهر إيراد المصنف، ولمن نصر الأول؛ أن يحمل الآية على الاستحباب كما في قوله تعالى:{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} (48)، فَتَصِحُّ بِكِنَايَةٍ. أي تفريعاً على أن الإشهاد فيها ليس بشرط، فإن قلنا بمقابله، فلا؛ لأن الشهود لا يطلعون على النية، وفيه احتمال للغزالي، لأن القرينة قد يفهما الشهود.
فَرْعٌ: يصح أيضاً بالكتابة مع القدرة على النطق على الأصح.
وَلَا تَقْبَلُ تَعْلِيْقاً، كالنكاح وسائر العقود، وَلَا تَحْمُلُ بِفِعْلٍ كَوَطءٍ، لأنه قادر على القول فلا تحصل منه الرجعة بالفعل كما إذا أشار بالرجعة.
فَصْلٌ: وَتَخْتَصُّ الرَّجْعَةُ بِمَوْطُوْءَةٍ، أي فإن طلقت قبله فلا رجعة لأجل عدم العدة، نعم؛ إذا قلنا: بأن الخلوة مقررة للمهر، فتجب العدة على الأصح، وتثبت له الرجعة على الأصح، وكذا إذا أوجبنا العدة في الموطوءة في الدبر وهو جارٍ في استدخال الماء، طُلِّقَتْ، أي فإن فسخ النكاح أو انفسخ فلا رجعة، لأن الله تعالى أناطها بالطلاق فاختصت به، لأنه هو الذى يختص به الزوج، والفسخ لا يختص به، بِلَا عِوَضٍ، أي فإنْ طلقت به فقد بانت وملكت نفسها، وليس له عليها الرجعة لما أسلفناه في بابه. لَمْ يُسْتَوْفَ عَدَدُ طَلَاقِهَا، أي فإن استوفى، فإنها لا تحل له إلاّ بعد نكاح زوج آخر، كما تقرر في موضعه، بَاقِيَةٍ فِي الْعِدَّةِ، فإن انقضت قبل الرجعة فقد بانت وتعذرت الرجعة، ويدخل في كلامه ما إذا كانت تعتد منه بالإقراء، ثم طرأت عِدَةُ حمل منه كما سنذكره في العدد، ويستثنى من رجعتها في العدة ما إذا
(47) الطلاق / 2.
(48)
البقرة / 282.
طلق زوجته طلقة رجعية ثم دام يعاشرها معاشرة الأزواج حتَّى مضى قدر العدة بالإقراء أو الأشهر فإن عدتها لا تنقضي ولا يملك رجعتها بعد انقضاء الإقراء والأشهر، كما ذكره المصنف في باب العدد أيضًا، مَحَلٍّ لِحِلٍّ لَا مُرْتَدَّةِ، كالنِّكَاح.
تَنْبِيْهٌ: كلام المصنف يشمل الطلاق المبهم، والأصح أنَّه لا رجعة حال الإبهام، لأنها لا تقبل التعليق فلا يقبل الإبهام.
فَرْعٌ: لو قال لغير المدخول بها: إن وطأتك فأنت طالق فوطئ، طلقت طلقة رجعية، فهذا طلاقٌ وُجِدَ مع الدخول وفيه الرجعة.
وَإذَا ادَّعَتْ انْقِضَاءَ عِدَّةِ أَشْهُرٍ وَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، لأنه اختلاف في وقت طلاقه، أَوْ وَضْعَ حَمْلٍ لِمُدَّةِ إِمْكَانِ وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيْضُ لَا آيِسَةٌ فَالأَصَحُ تَصْدِيْقُهَا بِيَمِيْنٍ، لأن النساء مؤتمنات على أرحامهن، والمعنى فيه أن إقامة البينة على الولادة تتعذر أو تتعسر فيقنع منها باليمين، والثاني: لا؛ وتطالب بالبينة، لأنها مدعية، والغالب أنَّ القوابل يشهدن بالولادة، واحترز بقوله (وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيْضُ) عن الصغيرة والآيسة فإنهما لا يحبلان فلا تصدقان في الوضع، ثم صرح بالآيسة بعده وبقوله (لِمُدَّةِ إِمْكَانٍ) عما إذا ادعته لدونها.
وَإنِ ادَّعَتْ وِلَادَةَ تَامٍّ فَإِمْكَانُهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَان مِنَ وَقْتِ النِّكَاحِ.
لأنه قول عليٍّ، وتبعه عثمان وغيره فصار إجماعًا (49)، واللحظة الأُولى لإمكان الوطء، والثانية للولادة.
(49) قول علي؛ قال الإمام مالك؛ (إنَّهُ بَلَغَهُ، أنَّ عُثمَانَ بْنَ عَفَّانَ؛ أُتِىَ بِامْرَأَةٍ قَدْ وَلَدَتْ فِي سِتَّة أَشْهُرٍ. فَأمَرَ بِهَا) أَنْ تُرْجَمَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا. إِنَّ الله تبارك وتعالى يَقُولُ في كِتَابِهِ {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} وَقَالَ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فالْحَمْلُ يَكُونُ سِتَّةَ أشْهُرٍ. فَلَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَبَعَثَ عُثْمَانُ في أثَرِهَا. فَوَجَدَهَا قَدْ رُجِمَتْ). رواه الإمام مالك في الموطأ: كتاب الحدود: باب ما جاء في الرجم: الحديث (11): ج 2 ص 825.
أَوْ سِقْطٍ مُصَوَّرٍ فَمِائَةٌ وَعِشْرُون يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أي من وقت النِّكَاح لحظة للوطء ولحظة للإسقاط، ومائة وعشرون يومًا لمقامه في البطن، كما هو ثابت في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه (50)، وذكر الرافعي في الكلام على عدة الأمَة إذا كانت صغيرة أو آيسة أن الولد (•) يتخلق في ثمانين يومًا ثم يتبين الحمل بعد ذلك، فهذا مخالف لما ذكره هنا، وفي صحيح مسلم (51) ما يعارض حديث ابن مسعود، وأن التصوير بعد مضي اثنين وأربعين يومًا، وفي الجميع نظر.
أَوْ مُضْغَةِ بِلَا صُوْرَةٍ؛ فَثَمَانُوْنَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أي من يوم العقد للحديث
(50) عن ابن مسعود رضي الله عنه؛ قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم-وَهُوَ الصَّادِقُ الصَّدُوقُ- قَالَ: [إِنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِيْنَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا يُؤْمَرُ بأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اُكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌّ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِيْهِ الرُّوْحُ، فَإِنَّ الْرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ يَعْمَلُ بعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ. وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلا ذِرَاعٌ، فَيسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فِيَعْمَلُ بعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب بدء الخلق: باب ذكر الملائكة: الحديث (3208)، وكتاب أحاديث الأنبياء: باب خلق آدم وذريته: الحديث (3323) أتم منه. ومسلم في الصحيح: كتاب القدر: باب كيفية الخلق الآدمي: الحديث (1/ 2643).
(•) في نسخة: الوليد.
(51)
أخرج مسلم عن أبي الزبير المكي؛ أن عامر بن واثلة حدثه أنَّه سمِع عبد الله بن مسعود يقول: (الشَّقِىُّ مَنْ شَقِىَ في بَطنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيْدُ مَنْ وُعِظَ بغَيْرِهِ) فَأَتَى رَجُلًا مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يُقَالُ لَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ أُسَيْدٍ الْغِفَارِيِّ. فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَقَالَ -أي أبو الزبير-: وَكَيْفَ يَشْقَى الرَّجُلُ بِغَيْرِ عَمَلٍ؟ فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أتَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسَولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:[إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبعُون لَيْلَةً؛ بَعَثَ اللهُ إلَيْهَا مَلَكًا؛ فَصَوَّرَهَا؛ وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعَظْمَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ الْمَلَكُ: يَا رَبِّ رِزْقَهُ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ. ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيْفَةِ فِي يَدِهِ فَلَا يَزِيْدُ عَلَى مَا أمَرَ وَلَا يَنْقُصُ]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب القدر: الحديث (3/ 2645).
المذكور، أَوِ انْقِضَاءَ أَقرَاءٍ، فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً: وَطُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ فَأَقَلُّ الإِمْكَانِ اثْنَانِ وَثَلَاثُوْنَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أي وذلك بأن يطلق وقد بقي من الطهر لحظة ثم تحيض يومًا وليلة ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر يومًا، ثم تطعن فِي الحيض وهذه اللحظة لاستبانة القرء الثالث لا من نفس العدة، فلو عبر بقوله ولحظة لَصَحَّ أيضًا.
فَائِدَةٌ: فِي قدر مدة الحمل فِي الجنَّة روى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رفعه [الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ وَضْعُهُ وَحَمْلُهُ وَسِنُّهُ فَي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي] ثم قال: حديث حسن غريب (52)، قال: وقد اختلف أهل العلم فِي هذا، فقال بعضهم: فِي الجنة جماع من غير حمل ولا ولد، يروى ذلك عن طاووس ومجاهد والنخعي، وقال البخاري: قال إسحاق بن إبراهيم فِي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: [إِذَا اشْتَهَى الْمُؤمِنُ الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ كَمَا يَشتَهِي فِي سَاعَةٍ وَلَكِنْ لَا يَشْتَهِي] قال البخاري: وقد روى عن أبي رزين العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيْهَا وَلَدٌ](53).
أَوْ فِي حَيْضٍ فَسَبْعَةٌ وَأرْبَعُوْنَ، يومًا، وَلَحْظَةٌ، أي وذلك بأن يطلق فِي آخر جزء من الحيض، ويظهر تصويره فيما إذا علق طلاقها بآخر جزء من حيضها، ثم تطهر خمسة عشر يومًا ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر يومًا، وتطعن فِي الحيض، وهذه اللحظة للتبيين وليست من العدة، ولا يحتاج هنا إلى تصوير لحظة فِي الأُولى، لأن اللحظة هناك تحسب قُرءًا، هذا فِي غير المُبتدأة، أما المُبتدأة إذا طلقت قبل أن تحيض ثم حاضت فأقل الإمكان
(52) رواه الترمذي فِي الجامع: كتاب. صفة الجنَّة: باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنَّة: الحديث (2563). واللفظ له. وابن ماجة فِي السنن: كتاب الزهد: باب صفة الجنَّة: الحديث (4338).
(53)
هو كما قال؛ قاله الترمذي فِي الجامع عقب الحديث السابق مع شيء من التصرف فِي العبارة.
ثمانية وأربعون يومًا ولحظة بأن تطلق فِي آخر جزء من طهرها بناء على أن القرء هو المحتوش بدمين، فإن قلنا هو الانتقال فحكمها كغيرها، أَوْ أَمَةً وَطُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ فَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، لاحتمال أن يكون الباقي من الطهر الذي طلقت فيه لحظة، ويحسب قِراءٌ وتحيض بعدها يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر يومًا، ثم تطعن فِي الدم لحظة أخرى، أَوْ فِي حَيْضٍ فَأَحَدٌ وَثَلَاثُوْنَ وَلَحْظَةٌ، أي بأن يفرض وقوع طلاقها فِي آخر جزء من الحيض، ثم تطهر خمسة عشر يومًا وتحيض يومًا وليلة، ثُمَّ تَطْهُرُ خمسة عشر يومًا وتطعن فِي الدم لحظة، كذا ذكره الرافعى، وقال الماوردي: أقل الإمكان فِي حقها اثنان وثلاثون يومًا ولحظتان، فإن كانت الأمة مبتداة فطلقت قبل أن تحيض ثم ابتدأ حيضها، فأقل مدة الإمكان فِي حقها اثنان وثلاثون يومًا ولحظة، ووجهه ظاهر مما مرَّ، وَتُصَدَّقُ إِنْ لَمْ تُخَالِفْ عَادَةً دَائِرَةً، أي بيمينها، وَكَذَا إِنْ خَالَفَتْ فِي الأصَحِّ، لأن العادة قد تتغير، والثانى: لا تصدق للتهمة، قال الشيخ أبو حامد: وهو المذهب، وقال الروياني: إنه الاختيار فِي هذا الزمان، قال: وإذا قالت لنا امرأة انقضت عدتى؛ وجب أن نسألها عن حالها كيف الطهر والحيض ونحلفها عند التهمة لكثرة الفساد، وجزم به الماوردى قبله، ونص الشافعي فِي الأم على عدم الانقضاء حيث قال فِي باب ما يكون رجعة: وإن قالت قد حضت فِي أربعين ليلة ثلاث حيض وما أشبه، وفي هذ انظر؛ إن كانت هي أو غيرها من النساء وتذكر ذلك صُدِّقت، وإن لم تكن هي ولا أحد من النساء يذكرن مثل هذا لم تصدق.
وَلَوْ وَطِئَ، أي الزوج، رَجْعِيَّتَهُ وَاسْتَأنَفَتِ الأقْرَاءَ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ، رَاجَعَ فيْمَا كَانَ بَقِيَ، أي من إقراء الطلاق، أي فإن وقع الوطء بعد قُرأين تثبت الرجعة فِي قرء واحد، وإن كان بعد قرء؛ فله الرجعة فِي قرأين.
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا، أي وطأً وغيره من نظر ولمس، أما الوطء فلقيام العدة وهو ينافي مقتضاها، وأما الباقي؛ فلأنه طلاق حَرَّمَ الوطءَ فحرم مقدماته، فَإِنْ وَطِئَ فَلَا حَدَّ، أي وإن كان عالمًا بالتحريم لاختلاف العلماء فِي إباحته، وَلَا يُعَزَّرُ إِلَّا مُعْتَقِدُ تَحْرِيْمِهِ، فإن كان جاهلًا حله أو معتقده فلا يعزَّر، وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ
لَمْ يُرَاجِعْ، لأنها في تحريم الوطء كالبائن فكذا فِي المهر، وَكَذَا إِنْ رَاجَعَ عَلَى الْمَذْهَبِ، هذا نصه هنا، ونص فيما إذا ارتدت فوطئها الزوج فِي العدة ثم أسلمت فلا مهر، وكذا لو أسلم أحد المجوسيين أو الوثنيين ووطئها ثم أسلم المتخلف فِي العدة، وللأصحاب طريقان؛ أحدهما: حكاية قولين في الجميع نقلًا وتخريجًا، وقال ابن القطان: وجدتهما منصوصين، أحدهما: وجوب المهر لوقوع الوطء فِي حال ظهور الخلل، والثاني: المنع، لارتفاع الخلل آخرًا وعودهما إلى صلب النِّكَاح، والطريق الثاني تقرير النصين، والفرق أن الطلاق لا يرتفع بالرجعة بل يبقى نقصان العدد فيكون ما بعد الرجعة وما قبل الطلاق بمنزلة نكاحين مختلفين، والخلل الحاصل بتبديل الدين ارتفع بالاجتماع فِي الإسلام، فيكون الوطء مصادفًا للعقد الأول، ولم يرجح الرافعي يا شرحيه واحدًا من هذين الطريقين؛ بل قال: الأظهر هنا وجوب المهر، وهناك نفيه، وإن ثبت الخلاف؛ وعبارة أصل الروضة المذهب تقرير النصين.
وَيَصِحُّ إِيْلَاءٌ وَظِهَارٌ وَطَلَاقٌ وَلِعَانٌ، لبقاء الزوجية، ولا يثبت حكم الظهار وضرب مدة الإيلاء إلَّا بعد الرجعة.
وَيتَوَارَثَانِ، لبقاء الزوجية أيضًا، وهذا قد سلف فِي أثناء الطلاق.
فَرْعٌ: يصح خلعها أيضًا وتجب نفقتها كما سيأتى فِي بابه.
فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى، وَالْعِدَّةُ مُنْقَضِيَةٌ، رجْعَةً فِيْهَا فَأنْكَرَتْ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الاِنْقِضَاءِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: رَاجَعْتُ يَوْمَ الْخَمِيْسِ فَقَالَتْ بَلِ السَّبْتَ صُدِّقَتْ بِيَمِيْنِهَا، لأن وقت انقضاء العدة متفق عليه، والاختلاف قبله، والأصل أنَّه ما راجع، أَوْ عَلَى وَقْتِ الرَّجْعَةِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَالَتْ انْقَضَتِ الْخَمِيسَ، وَقَالَ: السَّبْتَ صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، لأن وقت الرجعة متفق عليه، والأصل أن العدة لم تنقض قبله، وإن تَنَازَعَا فِي السَّبْقِ بِلَا اتِّفَاقٍ، فَالأصَحُّ تَرْجِيْحُ سَبْقِ الدَّعْوَى، وَإنِ ادَّعَتِ الاِنْقِضَاءَ ثُمَّ ادَّعَى رَجْعَةً قَبْلَهُ صُدِّقَتْ بِيَمِيْنِهَا، لأنها إذا قالت انقضت عدَّتي! فلا بد من تصديقها، ولا التفات إلى قوله بعد التصديق، أَوِ ادَّعَاهَا قَبْلَ انْقِضَاءٍ، فَقَالَتْ
بَعْدَهُ صُدِّقَ، لأنه يملك الرجعة، وقد صحت فِي الظاهر، ولا يقبل قولها فِي إبطالها، قُلْتُ: فَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا، بأن قال قد راجعتك، وقالت فِي زمن قوله انقضت عدتى، صُدِّقَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أي بيمينها، لأن الرجعة قولية بخلاف انقضاء العدة، فيجعل قوله راجعتك كالإنشاء، وقولها انقضت عدَّتي إخبار عن ماضٍ، فكأن إنشاءه صادف انقضاء العدة، وهذا هو الأصح فِي هذه المسألة والتى قبلها، وحاصل الخلاف فيها خمسة أوجه. كما ذكرتها فِي الأصل فراجعها منه.
تَنبِيْهٌ: هل المراد سبق الدعوى عند الحاكم أم لا؟ اختلف فيه فقهاء اليمن، فقال ابن عُجيل: نعم، وقال الحضرمي: يظهر من كلامهم أنهم لا يريدونه. وَمَتَى ادَّعَاهَا وَالْعِدَّةَ بَاقِيَةٌ صُدِّقَ، لقدرته على الإنشاء، وَمَتَى أَنْكَرَتْهَا وَصُدِّقَتْ ثُمَّ اعْتَرَفَتْ قُبِلَ اعْتِرَافُهَا، كذا نص عليه الشافعي، قال الرافعى فِي الشرح الصغير: ورآه الأصحاب مستحيلًا؛ لأن قضية قولها الأول تحريمها عليه، وإذا أقرت بالتحريم وجب أن لا يقبل منها خلافه، كما لو أقرت أنها بنت زيد ثم رجعت وكذبت نفسها لا يقبل رجوعها، لكن الرجل إذا ادعى حقًّا فأنكرته ثم اعترفت به فلا يجوز إبطاله، كما فِي أصل الزوجية بخلاف النسب.
وَإِذَا طَلَّقَ دُوْن ثَلَاثٍ وَقَالَ: وَطِئْتُ فَلِي رَجْعَةٌ وَأَنْكَرَتْ صُدِّقَتْ بِيَمِيْنٍ، لأن الأصل عدم الدخول، وَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِالْمَهْرِ فَإنْ قَبَضَتْهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا تُطَالِبُهُ إِلَّا بِنِصْفٍ، أي فإذا أخذته ثم عادت واعترفت بالدخول؛ فهل لها أخذ النصف الآخر أم لا بد من إقرار مستأنف من جهة الزوج؟ فيه وجهان، وفي شرح المفتاح لأبي منصور البغدادي: أنها لو كانت قبضت المهر وهو عين، وامتنع الزوج من قبول النصف، فيقال له: إما أن تقبل النصف وإما أن تبرئها منه، ولو كانت العين المصدقة فِي يده، وامتنعت من أخذ الجميع أخذه الحاكم، وإن كان دَيْنًا فِي ذمته، قال لها: إما أن تبرئيه، وإما أن تقبليه، والله أعلم.