المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الصَّدَاق الصَّدَاق: هُوَ بِفَتْح الصَّادِ وَكَسرهَا، وَأصلُهُ مِنَ الصِّدقِ لإشعَارِهِ - عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج - جـ ٣

[ابن الملقن]

الفصل: ‌ ‌كتاب الصَّدَاق الصَّدَاق: هُوَ بِفَتْح الصَّادِ وَكَسرهَا، وَأصلُهُ مِنَ الصِّدقِ لإشعَارِهِ

‌كتاب الصَّدَاق

الصَّدَاق: هُوَ بِفَتْح الصَّادِ وَكَسرهَا، وَأصلُهُ مِنَ الصِّدقِ لإشعَارِهِ بصِدْقِ رَغْبَةِ الزَّوْج فِي الزَّوْجَةِ، ويقَالُ: صَدُقةً بِفَتحِ الصَّادِ وَضَم الدَّال، وَبِضَم الصَّادِ وَإِسكَانِ الدَّال وَبِفَتحِهِمَا وَبِضَمهِمَا وَبِالفَتْح وَسُكُونِ الدَّالِ فَهَذِهِ سَبْعُ لُغَاتِ، وَلَهُ ثَمَانِيَةُ أسْمَاَء مَجْمُوعة فِي بَيْتٍ:

صدَاق وَمَهْرٌ نِحْلَة وَفَرِيضَة

حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عُقْرٌ عَلَائِقُ

الأصل فيه الكتابُ والسنةُ والإجماعُ؛ قال الله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (479) وقال تعالى: {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} (480) وكان الصداقُ في شرع من قبلِنا للأولياءِ كما قالهُ صاحبُ المستعذبِ على المهذبِ، وقال صلى الله عليه وسلم:[التَمِسْ وَلَوْ خاتَمَاً مِنْ حَدِيدٍ](481) وانعقدَ الإجماعُ على ما يصح جعلُهُ صداقاً أنهُ يثبتُ

(479) النساء / 4.

(480)

القصص / 27.

(481)

* عن سَهلِ بنِ سَعْدٍ؛ أن النبِي صلى الله عليه وسلم قالَ لِرَجُلٍ: [تَزَوَّجْ وَلو بِخَاتَمِ مِنْ حدِيدٍ]. رواه البخارى في الصحيح: كتاب النكاح: باب المهر بالعُروض وخاتم من حديد: الحديث (5150) مختصراً، وبقصته في باب التزويج على القرآن وبغير صداق: الحديث (5149) بلفظ: [اِذْهَب فَاطلب وَلَو خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ]. ومسلم في الصحيح: كتاب النكاح: باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآنٍ: الحديث (76/ 1425). =

ص: 1291

بالتسميةِ الصحيحةِ.

يُسَنُّ تَسْمِيَتُهُ فِي الْعَقْدِ، للاتباع (482)، وَيَجُوزُ إِخْلَاؤهُ مِنْهُ، لقوله تعالى:{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} (483) نَعَمْ، يُكْرَهُ إخلاؤُهُ منهُ كما قالهُ المتولِّي.

وَمَا صَحَّ مَبيْعاً صَحَّ صَدَاقاً، أي قَلَّ أو كَثُرَ لأنه عوضٌ في العقدِ؛ فإن انتهَى في القلَّةِ إلى حدٍّ لا يُتَمَوَّلُ فسدَتِ التسميةُ، ويستحبُّ أن لا ينقُصَ عن عشرةِ دراهِمَ خالصةً؛ لأنَّ أبا حنيفة لا يجوِّزُ أقَلَّ منها؛ وأن لا يزيدَ على خمسمائةِ دِرْهَمٍ (484)، ومقتضى كلامِ المصنِّفِ أنهُ يستحبُّ التسميةُ فيما إذا زوَّج أَمَتَهُ من عبدِهِ وهي الجديد

= ورواه البخارى في الصحيح: كتاب النكاح: باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح: الحديث (5121). وأبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب في التزويج على العمل: الحديث (2111). والترمذي في الجامع: كتاب النكاح: باب ما جاء في مهور النساء: الحديث (1114)، وقال: هنا حديث حسن صحيح. والنسائي في السنن: كتاب النكاح: باب هبة المرأة نفسها لرجل بغر صداق: ج 6 ص 123. ومالك في الموطأ: كتاب النكاح: باب ما جاء في الصداق: الحديث (8) منه: ج 2 ص 526 واللفظ له.

(482)

عن سهل بن سعد؛ قال: كُنَّا عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَجَاءَتهُ امْرَأَةٌ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ؛ فَخَفَّضَ فِيْهَا الْبَصَرَ وَرَفَعَهُ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: زَوِّجْنِيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: [هَل مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ شَيْءٌ؟ ] قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:[إِذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ]. رواه البخارى وتقدم في الرقم السابق.

(483)

البقرة / 236.

(484)

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ قال: (سَألْتُ عَائِشَةَ رَضىَ اللهُ عَنْهَا؛ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوْقِيَّةً وَنَشٍّ. قَالَت: أَتَدْرِي مَا النّشُّ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَت: نِصْفُ أُوْقِيَّةٍ، فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأَزْوَاجِهِ). رواه مسلم في الصحيح: كتاب النكاح: باب الصداق: الحديث (78/ 1426). وأبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب الصداق: الحديث (2105). والنسائى في السنن: كتاب النكاح: باب القسط في الأصدقة: ج 6 ص 117.

ص: 1292

في الروضةِ، وبعضُ نُسَخِ الرافعيِّ لكن في النسَخِ المعتمَدَةِ منهُ أنَّ الجديدَ عدمُ الاستحبابِ، وَاعْلَمْ: أنهُ يستثنَى من قولِ المصنِّفِ: (وَمَا صَحَّ مَبِيْعاً صَحَّ صَدَاقاً)؛ جعلُ رقبَةِ العبدِ صَدَاقاً للمرأةِ، وجعلُ الأبِ والدَةُ ابنه صَداقاً لابنهِ، وجعلُ أحدِ أبَوَي الزوجةِ الصغيرةِ صَداقاً لها؛ فإنَّ ذلكَ لا يثبتُ صداقاً مع شرائطِ المبيعِ في كلِّ واحدةٍ عن الصُّوَرِ المذكورةِ، وقد يُجَابُ بأنهُ يصحُّ إصداقُهُ في ذاتِهِ والمانعُ لمعنَى آخر. وقال الشيخُ أبو حامدٍ: كما لا يجوزُ السَّلَمُ في الجواهِرِ لا يجوزُ جعلُها صَدَاقاً وكذلك القِسِيْ.

فَصْلٌ: وَإِذَا أَصْدَقَهَا عَيْناً؛ فَتَلِفَت فِي يَدِهِ ضَمِنَهَا ضَمَان عَقْدٍ، كالمبيع في يدِ البائع، وَفِي قَوْلِ: ضَمَان يَدٍ، كَالْمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَامِ، فَعَلَى الأَوَّلِ لَيْسَ لَهَا بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، لما سبقَ في البيعِ، وعلى الثاني: نَعَمْ، وَلَوْ تَلِفَ في يَدِهِ وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ، لأنه بدلُهُ، وعلى الثانى: الصداقُ بتلفٍ على مِلكِها فيجبُ لها مثلَهُ إن كان مِثْلِيًاً وقيمتُهُ إن كان مُتَقَوَّماً، وَإنْ أَتْلَفَتهُ فَقَابِضَةٌ، أيْ وَبُرِّئَ الزوجُ، وِإِن أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ تَخَيَّرَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ، لفواتِ وصفِ السلامَةِ، فَإِنْ فَسَخَتِ الصَّدَاقَ أَخَذَت مِنَ الزَّوْجِ مَهْرَ مِثْلٍ، وَإِلَاّ غَرَّمَتِ الْمُتْلِفَ، وأشارَ بالمذهبِ إلى أنَّا إنْ قُلْنَا: إنَّ إتلافَ الأجنبيِّ المبيعَ قبلَ القبضِ كتلفِهِ بالآفَةِ السماويَّةِ فالحكمُ كما مَرَّ، وإنْ قُلْنَا: يوجِبُ الخيارَ للمشترِي؛ وهو الأصحُّ، فللمرأةِ الخيارُ إنْ شاءَتْ فسخَتِ الصَّداقَ وحينئذٍ تأخُذُ من الزوجِ مَهْرَ المِثْلِ إن قُلْنَا بضمانِ العقدِ، ومثلَ الصداقِ أو قيمتِهِ إنْ قلنَا بضمانِ اليدِ ويأخذُ الزوجُ الغُرْمَ من الْمُتْلِفِ وإنْ لم يفسِخْ أخذَتْ من الْمُتْلِفِ الْمِثْلَ أو القيمةَ ولها أنْ تطالِبَ الزوجَ بالغُرْمِ فيرجعُ هو على الْمُتْلِفِ، إنْ قلنا بضمانِ اليدِ أو قلنَا بضمانِ العقدِ فليس لها مطالبتهُ، وَإنْ أَتْلَفَهُ الزَّوْجُ فَكَتَلَفِهِ، أيْ بنفسهِ، وَقِيلَ: كَأَجْنَبِيٍّ، الخلافُ مبنيٌّ على الخلافِ في أنَّ إتلافَ البائعِ المبيعَ قبلَ القبضِ كالتلفِ بالآفَةِ السماويَّةِ أو كإتلافِ الأجنبيِّ، والأصحُّ الأوَّلُ، وقد بيَّنّا حكمَ الصداقِ على التقديرينِ.

وَلَوْ أَصْدَقَ عَبْدَينِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ انْفَسَخَ فِيهِ لَا فِي الْبَاقِي عَلَى

ص: 1293

الْمَذْهَبِ، هو الخلافُ في تفريقِ الصفقةِ وقد تقدَّمَ إيضاحهُ في موضعهِ، وَلَهَا الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَتْ فَمَهْرُ مِثْلِ، على قولِ ضمانِ العقدِ وعلى مقابلِهِ تأخُذُ قيمةَ العبدينِ، وَإِلَاّ، أيْ وإنْ أجازَتْ أيْ في الباقِي، فَحِصَّةُ التَّالِفِ مِنْهُ، أى من قيمتِهِ من مهرِ المثلِ على القولِ الأوَّل، وعلى الثاني: يرجعُ إلى قيمةِ التالفِ.

وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهِ، أي كعمَى العبدِ ونسيانِ الحِرْفَةِ ونحوِهِما، تَخَيَّرَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ، اِعْلَمْ: أن عبارتَهُ في الروضةِ تبعاً للرافعىِّ في شرحَيْهِ: فللمرأةِ الخيارُ، وفِى الوسيط: أنَّ أبا حفصٍ بن الوكيلِ قالَ: لا خيارَ على قولِ ضمانِ اليَدِ؛ والمذهبُ الأوَّلُ. انتهى، وعبارةُ الْمُحَرَّرِ: الأصحُّ بدلَ المذهبِ، فَإِنْ فَسَخَتْ فَمَهْرُ مِثْلٍ، أي على القول الأوَّلِ: الأصحُّ، وعلى الثاني: بدلَ الصداقِ، وَإِلَاّ، أيْ وإن أجازَتْ، فَلَا شَيْءَ، أي على القول الأوَّلِ: كما إذا رضِيَ المشترِي بعيبِ المبيعِ، وإنْ قُلْنَا بالثاني؛ فلهَا أَرْشُ النُّقْصَانِ، وَالْمَنَافِعُ الْفَائِتَةُ فِي يَدِ الزَّوْجِ لَا يَضْمَنُهَا، وَإنْ طَلَبَتِ التَّسْلِيمَ فَامْتَنَعَ، على قولٍ، ضَمِنَ ضَمَانَ الْعَقْدِ، أيْ وإنْ قُلْنَا بضمانِ اليَدِ فعلَيْهِ أُجرةُ المثلِ من وقتِ الاستمتاعِ؛ لأنهُ بِمَنعِهِ غَاصِبٌ، وَكَذَا الَّتِي اسْتَوْفَاهَا بِرُكُوبٍ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَذهَبِ، هو الخلاف في أنَّ إتلافَ البائِع كَتَلَفِهِ بآفةٍ سماويَّةٍ وقد سلفَ في بابهِ.

فَصْلٌ: وَلَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لِتَقْبِضَ الْمَهْرَ الْمُعَيَّنَ وَالْحَالَّ، أيْ ولو من غيرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ لها فلهَا الامتناعُ من التسليمِ حتى تقبضَهُ، لَا الْمُؤَجَّلَ، لرِضَاهَا بالتأخيرِ، فَلَوْ حَلَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا حَبْسَ فِي الأَصَحِّ، لأنَّها قدْ رضيَتْ أوَّلاً بأنْ يكونَ الصداقُ في ذِمَّتِهِ ووجبَ عليها التسليمُ قبلَ القبضِ فلا يرتفعُ بحلولِ الحَقِّ، والثاني: لها الحبسُ؛ لأنها تستحِقُّ الآنَ المطالبة، ووقعَ في الشَّرْح الصغيرِ للرافعيِّ تصحيحُهُ، وَلَوْ قَالَ كُلٌّ، أيْ مِن الزوجينِ: لَا أُسَلِّمُ حَتَّى تُسَلِّمَ فَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرُ هُوَ، لأنَّ استردادَ الصداق ممكنٌ دون البُضع، وَفِي قَوْلٍ: لَا إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ أُجْبِرَ صَاحِبُهُ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما وجبَ عليهِ الحَقُّ بإزاءِ حَقِّ لهُ، فلم يُجبَرْ على إِيْفَاءِ ما عليهِ دونَ ما لَهُ، وَالأَظْهَرُ يُجْبرَانِ فَيُؤْمَرُ بِوَضْعِهِ عِنْدَ عَدْلٍ؛ وَتُؤمَرُ بِالتَّمْكِيْنِ

ص: 1294

فَإِذَا سَلَّمَت أَعْطَاهَا الْعَدْلُ المَهْرَ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما قد استحقَّ التسليمَ فأُجْبِرَ كلُّ واحدٍ على إيفاءِ صاحبِهِ حَقَّهُ، قال الإِمامُ: ولو سلَّمَتْ نفسَها فلم يَأْتِهَا فالذِى أراهُ أنَّ على العَدْلِ تسليمُ الصداقِ إليهَا، فلو سَلَّمَ إليها فَهَمَّ بالوطءِ فامتنعَتْ فالوجهُ استردادُ الصداقِ منها، ولا يَجِيْءُ القولُ الرابعُ في البيعِ هُنا وهو إجبارُ الزوجةِ؛ فإنَّ مقتضَى كلامِ الفورانيِّ مَجِيْؤُهُ، ومحلُّ القولِ الأوَّل ما إذا كانَتْ متهيِّئَةً للاستمتاع.

وَلَوْ بَادَرَت فَمَكَّنَتْ طَالَبَتهُ، إذ بَذَلَت ما في وسعِها، فَإِنْ لَمْ يَطَأَ امْتَنَعَتْ حَتَّى يُسَلَّمَ، أيْ ويكونُ الحكمُ كما قبلَ التمكينِ، وَإِنْ وَطَئَ، أي طائعَةً، فَلَا، كما لو تبرَّعَ البائعُ فسَلَّمَ المبيعَ قبلَ قبضِ الثمنِ فليس لهُ أخذُهُ وحبسُهُ، فإنْ كانَتْ مكرهَةً فلها الامتناعُ على الأصحِّ.

وَلَوْ بَادَرَ فَسَلَّمَ فَلْتُمَكَّنْ، إذْ بَذَلَ ما في وسعِه، فَإِنِ امْتَنَعَتْ بِلَا عُذْرِ اسْتَرَدَّ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يُجْبَرُ، أي أوَّلاً؛ لأنَّ الإجبارَ شرطُهُ التمكينُ، فإنْ قُلنَا: لا يجبِرُ فليسَ لهُ الاستردادُ على الأصحِّ؛ لأنه تبرَّعَ بالمبادرَةِ كتعجيلِ الدَّيْنِ المؤجَّلِ.

وَلَوِ اسْتَمْهَلَتْ لَتَنَظُّفٍ وَنَحْوِهِ، أى كاستحدادٍ وإزالةِ وَسَخٍ، أُمْهِلَتْ مَا يَرَاهُ قَاضٍ، أيْ من يومٍ ويومينِ، وَلَا تُجَاوِزُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لأنها أكثرُ القليلِ وأقَلُّ الكثيرِ ولها في الشرع اعتبارٌ، وهذا الإمهالُ واجبٌ على الأصحِّ، لَا لِينْقطِعَ حَيْضٌ، بل يسلم كسائرِ الاستمتاعاتِ كَالرَّتْقَاءِ وَالْقَرْنَاءِ، نَعَمْ لو لم تأْمَنْ على نفسِها فلها الامتناعُ.

وَلَا تُسَلَّمُ صَغِيرَةٌ وَلَا مَرِيضَةٌ حَتَّى يَزُولَ مَانِعُ وَطْءٍ، لحصولِ الضَّرَرِ ويُكرَهُ للوليِّ تسليمُ هذه الصغيرةِ؛ ولا يجوزُ للزوج وطؤُها إلى أنْ تصير محتمِلَةً.

فَرْعٌ: لو قال الزوجُ: سَلِّمُوهَا إِلَيَّ ولا أغْشَاهَا ففي التهذيبِ: أنهُ يجابُ إليه في المريضَةِ دونَ الصغيرةِ، فإنَّ الأقارِبَ أَوْلى بالحضانةِ، وفي الوسيط: المنعُ فيهِما؛ لأنهُ ربما وَطِئَ فيتضَرُّرَانِ، وهذا مما يوافقُ إطلاقَ الكتابِ.

وَيَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ بِوَطءٍ، وَإِنْ حَرُمَ كحَائِضٍ، لأنَّ وطءَ الشبهَةِ يوجِبُ المهرَ

ص: 1295

ابتداءً فذا أَوْلى بالتقريرِ، ويَخْرُجُ بالوطْئِ ما إذا أزالَ البكارةَ بغيرِ آلةِ الجماعِ وهو ظاهرُ كلامهم، وَبِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، أيْ من غيرِ قتلٍ سواءٌ كانَتِ الزوجةُ حُرَّةً أمْ أمَةً؛ لأنهُ لا يبطُلُ النكاحُ بدليلِ التوارُثِ فكانَ الموت نهايةً لهُ، وانتهاءُ العقدِ كاستيفاء الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بدليلِ الإجارَةِ، أما إذا كان بِقَتْلِ فقد سلفَ حكمُهُ، ثُمَّ اعْلَمْ: أنَّ الموتَ إنما يكونُ مُقَرَّراً إذا كانَ النكاحُ صحيحاً دونَ ما إذا كانَ فاسِداً كما نبَّهَ عليه الجيليّ، لَا بخَلْوَةٍ فِي الْجَدِيْدِ، لقوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ

} الآية (485)، ولا مَسِيْسَ، والقديمُ تقريرُهُ بها وإنْ لم تَدَّعِ المرأةُ الوطءَ لأَثَرِ عَلِيٍّ وعُمَرَ فيهِ (486)؛ ولأنه وجدَ التمكينَ من الاستيفاءِ فاستقرَّ بهِ البدلُ كما في الإِجارَةِ، وشرطُهُ على هذا القولِ أنْ لا يكونَ بها مانعٌ حِسِّيٌّ وكذا شَرْعِيٌّ على ما ذهب إليه المحقِّقُونَ كما في الوسيطِ، وفي قولٍ على القديمِ: أنها إنَّمَا يؤثِّرُ في تصديقِها في الوطْىِء ولا يتقرَّرُ بمجرَّدِها.

فَصْلٌ: نَكحَهَا بخَمْرٍ أو حُرٍّ أَوْ مَغْصُوبٍ وَجَبَ مَهْرُ مِثلٍ. وَفِي قَوْلٍ: قِيْمَتُهُ، الخلافُ مبنيٌّ على أنَّ الصَّدَاقَ في يَدِ الزوج مضمونٌّ ضمانَ عقدٍ أو ضمانَ يدٍ واختلفَ في محلِّ القولينِ في الْحُرِّ؛ فقيلَ: مطلقاً، والأصحُّ هما فيما إذا قالَ: أَصْدَقْتُكِ هذا العبدَ على ظنِّ أنهُ عبدٌ، أمَّا إذا قالَ: أَصْدَقْتُكِ هذا الْحُرَّ؛ فالعبارةُ فاسدةٌ ويجبُ مَهْرُ الْمِثلِ قَطعاً، أَوْ بِمَمْلُوكِ وَمَغْصُوبِ بَطَلَ فِيهِ، وَصَحَّ فِي الْمَمْلُوكِ فِي الأَظْهَرِ، هذا هو الخلافُ المسمَّى بتفريقِ الصفقةِ وقد عرفتَهُ في بابهِ، وَتَتَخَيَّرُ، هي لأنَّ المسمَّى

(485) البقرة / 237: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

(486)

عن الأَحْنَفَ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا رضي الله عنهما؛ قَالَا:(إِذَا أَغْلَقَ بَاباً؛ وَأَرْخَى سِتْراً، فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلاً؛ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ). رواه البيهقي في السنن: كتاب الصداق: باب من قال من أغلق باباً أو أرخى ستراً فقد وجب الصداق: الأثر (14843) وله طرائق انفرادية عن عمر وعلى رضى الله عنهما.

ص: 1296

بتمامِهِ لم يُسَلَّمْ لها، فَإِنْ فَسَخَتْ فَمَهْرُ مِثلٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُمَا، هُما القولانِ السابقانِ وقد تقدَّمَا، وَإِنْ أَجَازَتْ فَلَهَا مَعَ الْمَمْلُوكِ حِصَّةُ الْمَغصُوبِ مِن مَهْرِ مِثْلِ بِحَسَبِ قِيْمَتِهِمَا، وَفِي قَوْلٍ: تَقْنَعْ بِهِ، أي ولا شيءَ لها غيرُهُ.

وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَبِعْتُكَ ثَوْبَهَا بِهَذَا الْعَبْدِ صَحَّ النِّكَاحُ، وَكَذَا الْمَهْرُ وَالْبَيْعُ فِي الأَظْهَرِ، وَيُوَزَّعُ الْعَبْدُ عَلَى الثَّوْبِ وَمَهْرِ مِثلٍ، لما علمتَهُ في آخرِ بابِ بيعِ المناهِي والمسألةُ مكرَّرَةٌ.

وَلَوْ نَكَحَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ لأَبِيهَا، أَلْفاً، أَوْ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفاً؛ فَالْمَذهَبُ فَسَادُ الصَّدَاقِ وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثلِ، اِعْلَمْ: أنَّ الْمُزَنِيَّ رحمهُ اللهُ تعالَى نقلَ في المختصَرِ في الأُولى: فسادُ الصَّداقِ، وفي الثانية: جوازُهُ وهي علَى أنْ يعطهِ ألْفاً، وحذفَ في الروضة حرفَ العطفِ جَوَازَهُ، وللأصحابِ طرقٌ أصحُّها ما ذكرَهُ المصنِّفُ، ويفسدُ بشرطِ الإعطاءِ كما يفسدُ بشرطِ الاستحقاقِ، لأنَّ لفظَ الإعطاءِ يقتضي الاستحقاقَ والتمليكَ أيضاً، وعلى هذا منهُم من غلَّطَ الْمُزَنِيَّ في نقلهِ الصورةَ الثانيةَ، ومنهُم من تأوَّلَهُ فقالُوا: قولُهُ: جَازَ؛ يحتملُ أنْ يريدَ النكاحَ دون الصَّداقِ، والطريقُ الثانى: تقريرُ النَّصَّيْنِ، والفرقُ أنَّ قولَهُ:(عَلَى أنَّ لأَبِيْهَا) ظاهرٌ في استحقاقِ الألفِ لغيرِ الزوجةِ بخلافِ الثانِى، والثالثُ: طردُ قولين فيهما وجهُ الفسادِ ما بيَّنَّاهُ، ووجهُ الصحةِ أنَّ الكلَّ في مقابلَةِ البُضْعِ وهي المالكَةُ لهُ فتستحِقُّهُما وتَلْغُو الإضافةُ إلى الأبِ، وقيل: إنْ شَرَطَ الزوجُ فسدَ وإنْ شَرَطَتْ فَلَا.

وَلَوْ شَرَطَ خِيَاراً فِي النِّكَاحِ بَطَلَ النِّكَاحُ، لأنهُ عقدُ معاوضةٍ لا يثبتُ فيه خيارُ الشرطِ فيفسدُ بشرطِهِ كالصرفِ، أَوْ فِي الْمَهْرِ فَالأَظْهَرُ صِحَّةُ النِّكَاحِ، كما في سائِرِ الشروطِ الفاسدةِ، والثاني: لا، لأنهُ أحدُ العوضينِ والخيارُ في أحدِ العوضينِ يتداعَى إلى الآخرِ، فكأنهُ شرطَ الخيارَ فِى المنكوحةِ، لَا الْمَهْرِ، لأنهُ لا يتمخَّضُ عوضاً بل فيه معنَى النِّحْلَةِ فلا يليقُ بهِ الخيارُ، والمرأةُ لم ترْضَ بالمسمَّى إلاّ بالخيارِ، والثانى: يصحُّ؛ لأنَّ الصَّداقَ عقدٌ مستقلٌّ بنفسِهِ والمقصودُ منهُ المالُ فلا يَفْسَدُ

ص: 1297

بشرطِ الخيارِ كالبيع، وَسَائِرُ الشُّرُوطِ، أيْ بَاقِيْهَا، إِنْ وَافَقَ مُقْتَضَى النِّكَاح، أيْ كشرطِ القَسْمِ والنفقةِ، أَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ، أي كما إذا زوَّجَهُ على أنْ يَهَبَ لفلانٍ شيئاً، لَغَا، كما في نظيرهِ من البيع، وَصَحَّ النِّكَاحُ، لأنَّ ذلكَ تأكيدٌ لهُ من غيرِ منافاةٍ، وَالْمَهْرُ، لصحةِ الشَّرطِ، وَإِنْ خَالَفَ، أيْ مقتضاهُ، وَلَمْ يُخِلَّ بِمَقْصُودِهِ الأَصْلِيِّ كَشَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيهَا أَوْ لَا نَفَقَةَ لَهَا صَحَّ النِّكَاحُ، لأنهُ لا يمنعُ المقصودَ وهو الاستمتاعُ، وَفَسَدَ الشَّرْطُ، لأنهُ يخالفُ موجِبَ العقدِ، وَالْمَهْرُ، لبطلانِ ما شرَطَ وهو يقتضي سقوطَ ما يقابلَهُ وهو مجهولٌ، والمجهولُ إذا أُسقِطَ من المعلومِ يصيرُ الباقى مجهولاً، وإذا فسدَ وجَبَ مهرُ المثلِ دفعاً للضرَرِ سواءٌ زادَ على ما في العقدِ أو نقصَ أولا، وَإِنْ أَخَلَّ كَأَنْ لَا يَطَأَ أَوْ يُطَلِّقَ بَطَلَ النِّكَاحُ، لأنهُ ينافي مقصودَ العقدِ فأبطلَهُ، وكذا إذا شرطَ أنْ لا يَطَأَ في السَّنَةِ إلاّ مرَّةً أو أنهُ لا يَطَأُ إلاّ بالنهارِ، وقيل: إنْ كانَ الشَّارِطُ الزوجَةَ بَطَلَ، أو هو فَلا، لأنهُ حَقُّهُ فلَهُ تركهُ وصحَّحَهُ في الروضة تبعاً للرافعيِّ، وما جزمَ به هُنا تَبِعَ فيه الْمُحَرَّرَ، وفي فتاوى البغويِّ: أن مَنْ وَقَعَ اليَأْسُ في احتمالِها الجماعَ إذا نكحَها بشرطِ أنْ لا يطأَها صحَّ؛ لأنه قضيَّةُ العقدِ، قال: وكذا إذا كانَتْ لا تحتملُ في الحالِ؛ وشرطُ أنْ لا يطأَها إلى مدَّةِ الاحتمالِ.

فَصْلٌ: وَلَوْ نَكَحَ نِسْوَةً بِمَهْرٍ فَالأَظْهَرُ فَسَادُ الْمَهْرِ، المسمَّى؛ لأنَّ الصَّدَاقَ مجهولٌ في كُلِّ عقدٍ، والثانى: صحَّتُهُ؛ لأنَّ الجملَةَ معلومةٌ وستعلمُ التفصيلَ بالتوزيعِ، وَلِكُلٍّ مَهْرُ مِثْلٍ، أيْ ويسقطُ المذكورُ للجهالَةِ؛ وفي قول: يوزَّعُ المسمَّى على مهورِ أمثالِهِنَّ ولكلٍّ منهُنَّ ما يقتضيهِ التوزيعُ.

وَلَوْ نَكَحَ لِطِفْلٍ بِفَوْقِ مَهْرِ مِثْلٍ أَوْ أَنْكَحَ بِنْتاً لَا رَشِيدَةً أَوْ رَشِيْدَة بِكراً بِلَا إِذْنٍ بِدُونِهِ، أى بدون مهرِ مثلٍ، فَسَدَ الْمُسَمَّى، لأنَّ الوليَّ مأمورٌ بالحظٌ ولا حَظَّ والحالةُ هذهِ، والسفيهُ والمجنونُ كالطِّفْلِ، ولو كانَتِ الزيادةُ في مالِ الأبِ، ففيهِ احتمالانِ للإمامِ وحزمَ الحاوي الصغير بالصحَّةِ ومُقتضَى إطلاقِ المصنِّفِ الفسادُ،

ص: 1298

وَالأَظْهَرُ صِحَّةُ النِّكَاحِ بِمَهْرِ مِثْلٍ، كسائِرِ الأسبابِ المفسدَةِ للصَّدَاقِ، والثانى: لا يصحُّ؛ لأنه تَرَكَ مصلحَةَ المولَّى عليهِ فصارَ كتركِ الكفاءَةِ، وَلَوْ تَوَافَقُواْ عَلَى مَهْرٍ كَانَ سِرًّا وَأَعْلَنُواْ زِيَادَةً فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ مَا عُقِدَ بِهِ، لأنَّ الصَّداقَ يجبُ بهِ فوجَبَ ما عُقِدَ بِهِ، والطريقُ الثاني: إثباتُ قولينِ لتعارُضِ التصريح وإصطلاحِهما.

وَلَوْ قَالَتْ لِوَلْيِّهَا: زَوِّجْنِي بِأَلْفٍ فَنَقَصَ عَنهُ بَطَلَ النِّكَاحُ، للمخالفةِ، فَلَوْ أَطْلَقَتْ فَنَقَصَ عَن مَهْرِ مِثْلٍ بَطُلَ، لأنَّ الإذْنَ المطلَقَ محمولٌ على مهرِ المثلِ فكأنَّها قَيَّدَتْ بِهِ، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ بمَهْرِ مِثلٍ، لأنَّ المطلقَ إذا اقتضَى مهرَ المثلِ كان إطلاقُهُ العقدَ يقتضيهِ أيضًا. قُلْتُ: الَأَظْهَرُ صِحَّةُ النِّكَاح فِي الصُّوْرَتَينِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَالله أَعْلَمُ، كما في سائرِ الأسبابِ المفسدَةِ للصداقِ.

فَصْلٌ: قَالَتْ رَشِيْدَةٌ: زَوِّجْنِي بِلَا مَهْرٍ، فَزَوَّجَ وَنَفَى الْمَهْرَ أَوْ سَكَتَ فَهُوَ تَفْويضٌ صَحِيْحٌ، أيْ وسيأتِى حكمُهُ، واحترزَ بذلكَ عمَّا إذا قالَتْ: زوِّجني وسكتَتْ عنِ المهرِ؛ فإنه ليس بتفويضٍ صحيحٍ على الظاهرِ، فإنَّ النكاحَ يعقَدُ بالمهرِ غالباً فَيُحْمَلُ الأذْنُ عليهِ، ولو قالَتْ: زوِّجني بلا مَهْرٍ في الحالِ ولا عند الدخولِ ولا بعدَهُ؛ فزوَّجَها الوليُّ كذلكَ فالأصحُّ الصحَّةُ، وهل هو تفويضُ صحيحٌ أو فاسدٌ؟ وجهان؛ والأوَّلُ: هو ظاهرُ إطلاقِ المصنِّفِ، وبالثاني: قالَ أبو إسحاقٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ سَيِّدُ أَمَةٍ: زَوَّجْتُكَهَا بِلَا مَهْرٍ، أيْ فإنهُ تفويضٌ صحيحٌ، وَأَلْحَقُواْ بِهِ، كما قالَ الرافعيُّ: ما إذا سكتَ عن ذِكر المهرِ.

وَلَا يَصِحُّ تَفْوِيْضُ غَيرِ رَشِيْدَةٍ، إذ ليس لأحدٍ إسقاطُ مَهْرِهَا، نَعَمْ يستفيدُ الوليُّ من السفيهةِ بذلكَ الأذْنِ في النكاحِ.

وَإِذَا جَرَى تَفْوِيْضٌ صَحِيْحٌ؛ فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، لأنه لو وَجَبَ بهِ لتنصف بالطلاقِ، والثانى: يجبُ بهِ؛ لأنه لو لم يجِبْ بهِ لما استقَرَّ بالموتِ، فَإِنْ وَطِئَ فَمَهْرُ مِثْلٍ، لأنَّ البُضْعَ لا يتمخَّضُ حقًّا للمرأةِ بل فيه حقٌّ اللهِ تعالى، ألا ترَى أنهُ لا تباحُ بالإباحاتِ فَتُصَانُ عن التَّصَوُّرِ بصُوَرِ الْمُبَاحَاتِ.

ص: 1299

ويعْتَبَرُ، أيِ الْمَهْرُ، بِحَالِ العَقْدِ فِي الأَصَحِّ، لأنَّ العقدَ هو الذى اقتضَى الوجوبَ عند الوَطْىِء، والثاني: بحالِ الوطىِء؛ لأنه الذي لا يُعرى عن المهرِ، بخلافِ العقدِ وصحَّحَهُ في الروضةِ تبعاً للرافعيِّ.

وَلَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ بِأَنْ يَفْرِضَ مَهْراً، لتكونَ على بصيرةٍ من تسليمِ نفسِها، وَحَبْسُ نَفْسِهَا لِيَفْرِضَ، لما ذكرناهُ، وَكَذَا لِتَسْلِيْمِ الْمَفْرُوضِ فِي الأَصَحِّ، كما في المسمَّى في العقدِ، والثانى: لا؛ لأنها قد سامحَتْ بأصلِ المهرِ فكيفَ يضايَقُ بتقديمِهِ، ورواهُ الإمامُ عن الأصحابِ.

وَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا بِمَا يَفرِضُهُ الزَّوْجُ، أيْ فإنْ لم تَرْضَ بهِ فكأنَّهُ لم يَفْرِضْ، لَا عِلْمُهَا بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الأَظْهَرِ، بناءً على أنَّ التفويضَ ليس بدله بل الواجبُ أحدُهما لا بعينِهِ، والثاني: يشترطُ؛ بناءً على مقابلِهِ فلا بدَّ من العلمِ بالمبدلِ.

وَيَجُوزُ فَرْضُ مُؤَجَّلٍ فِي الأَصَحِّ، كما يجوزُ تأجيلُ المسمَّى ابتداءاً، والثاني: لا؛ لأنَّ الأصلَ مهرُ المثلِ ولا مَدْخَلَ للأجَلِ فيهِ فكذلِكَ بدلُهُ، وَفَوْقَ مَهْرِ مِثْلِ، أيْ سواءٌ كانَ من جنسِهِ أمْ لا، وَقِيْلَ: لَا؛ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، لأنَّ مهرَ المثلِ هو الأصلُ فلا يزادُ البدلُ عليهِ، والخلافُ فيما إذا كانَ المفروضُ من جنسِ مهرِ المثلِ كما فرضَهُ المصنِّفُ، وأمَّا تعيينُ عَرضٍ تزيدُ قيمتُهُ على مهرِ المثلِ فلا خلافَ في جوازِهِ؛ لأنَّ القيمةَ ترتفعُ وتنخفضُ فلا تتحقَّقُ الزيادةُ، وَلَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْفَرْضِ أَوْ تَنَازَعَا فِيْهِ فَرَضَ الْقَاضِي، لأنهُ نائِبُهُ، نَقدَ الْبَلَدِ حَالاً، أي لا يفرضهُ إلّا كذلكَ؛ لأنَّ مَنْصِبَهُ يقتضِي ذلكَ؛ فلو رضيَتِ المرأةُ بالتأجيلِ لم يُؤَجَّل بل تؤخِّرُ هي إنْ شاءَتْ. قُلْتُ: ويفْرَضُ مَهْرُ مِثْلٍ، من غيرِ زيادةٍ عليه فوقَ ما يتسامَحُ بهِ؛ ولا نقصٍ كما في قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ قاله الرافعيُّ، قال ابنُ داودٍ والماورديُّ: إلّا برضاهُما في الحالينِ، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أيْ يشترطُ علمُهُ بقدرِ مهرِ المثلِ حتى لا في يدَ عليهِ ولا ينقُصَ؛ لأنهُ متصرِّفٌ على غيرهِ بغير إذْنِهِ.

وَلَا يَصِحُّ فَرْضُ أَجْنَبِيٍّ مِنْ مَالِهِ فِي الأَصَحِّ، لأنهُ تغييرٌ لما يقتضيهِ العقدُ فلا

ص: 1300

يليقُ بغيرِ المتعاقِدِين، والثاني: يصحُّ؛ لأنَّ للأجنبيِّ أنْ يؤدِّي الصداقَ عن الزوجِ بغيرِ إذنِهِ؛ فكذلِكَ لهُ أنْ يفرِضَ ويلتزِمَ، وكلامُ المصنِّفِ والغزاليِّ يقتضي جريانَ الخلافِ في إصداق الدَّيْنِ والعَيْنِ، مَال صاحبُ المطلبِ: وكلامُ العراقيِّين يقتضي تخصيصَهُ بالعينِ وهو أَقْيَسُ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لا يقبلُ أنْ يدخلَهُ في مِلْكِ الزوجِ حتَّى يقعَ عنه بخلافِ العينِ.

وَالْفَرْضُ الصَّحِيحُ كَمُسَمَّى فَيتَشَطَّرُ بِطَلَاقٍ قَبْلَ وَطْءٍ، لأنهُ مفروضٌ؛ فصارَ كالمسمَّى في العقدِ، وَلَوْ طَلَّقَ قَبْلَ فَرْضٍ وَوَطْءٍ فَلَا تَشْطِيْرَ، أيْ ولها المتعةُ لما سيأتي في أواخِرِ البابِ.

وَإِنْ مَاتَ أحَدُهُمَا قَبْلَهُمَا لَمْ يَجِبْ مَهْرُ مِثْلٍ في الأَظْهَرِ، لأنهُ فرقةٌ كالطلاقِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لصحَّةِ الحديثِ، وهو ما رَوَى أبو داودٍ وغيرُهُ أنَّ بَرْوَعَ بنْتِ وَاشِقٍ نُكِحَتْ بِلَا مَهْرٍ فَمَاتَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا فَقَضَى لَهَا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَهْرِ نِسَائِهَا وَالْمِيْرَاثِ، قالَ الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ (487)، ولأنَّ الموتَ قبل الدخولِ مقدَّرٌ بخلافِ الطلاقِ. قُلْتُ: وهذا يرغب به؛ والصوابُ: فهو الذي رَجَعَ إليه الشافعيُّ كما أفادَهُ الترمذيُّ (488).

(487) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ أَنَّهُ أُتِيَ فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ فَمَاتَ عَنْهَا؛ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَاخْتَلَفواْ فِيْهَا قَرِيْباً مِنْ شَهْرٍ لَا يُفْتِيْهِمْ؛ ثُمَّ قَالَ: أَرَى لَهَا صَدَاقَ نِسَائِهَا، وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيْرَاث. فَقَام مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ فَشَهِدَ:(أنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ). رواه أبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب فيمن تزوج ولم يُسَمِّ صداقاً: الحديث (2114). والترمذي في الجامع: كتاب النكاح: باب ما جاء في الرجل يَتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها: الحديث (1145)، وقال: وفي الباب عن الجراح؛ وحديث ابن مسعود حديث حسن صحيح. والنسائي في السنن: كتاب النكاح: باب إباحة التزويج بغير صداق: ج 6 ص 121 - 122.

(488)

قال الترمذى: (قَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ: إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَمْ =

ص: 1301

فَصْلٌ: مَهْرُ المِثلِ مَا يُرغَبُ بِهِ فِي مِثْلِهَا، وَرُكنهُ الأعْظَمُ نَسَبٌ، فَيُرَاعَى أَقْرَبُ مَن تُنْسَبُ إِلَى مَنْ تُنسَبُ إليْهِ، أيْ كالأخواتِ والعمَّاتِ، ولا نظرَ إلى ذَوِي الأرحامِ؛ لأن المهرَ ما تقعُ به المفاخرةُ فكان كالكفاءَةِ في النكاح، ولا ينظرُ إلى البناتِ والأُمهاتِ، إذ يختلفُ ذلك بنسبِ الآباءِ.

وَأَقْرَبُهُنَّ أخْتٌ لأبَوَينِ، ثُم لأبٍ، ثُمَّ بَنَاتُ أَخٍ، ثُمَّ عَمَّاتٌ كَذَلِكَ، أيْ ثُمَّ بناتُ الأعمامِ، فإن فُقِدَ نِسَاءُ الْعَصَبَةِ أَوْ لَمْ يُنْكَحْنَ أوْ جُهِلَ مَهْرُهُنَّ فَأرْحَامٌ كَجَدَّاتٍ وَخَالَاتٍ، لأنَّهُنَّ أوْلى بالإعتبارِ من الأجانِبِ وتقدَّمُ القُربى فالقُربى من الجهاتِ وكذا تقامُ القُربى فالقُربى من الجهةٍ الواحدة كالجدَّاتِ، ولا يتعذَّرُ اعتبارُ نساءِ العصباتِ بموتهِنَّ، بل يُعْتَبَرْنَ بعد موتهِنَّ، فإن تعذرَت ذواتُ المحارمِ اعتبرَتْ بمثلِها من الأجنبيَّاتِ، وكذا إذا لم يكن نسبُها معلومًا، وفي التنبيه: أنهُ إذا لم يكن لها أقاربٌ من النساءِ اعتبِرَ بنساءِ بلدِها ثم بأقرَبِ النساءِ شَبَهًا، وتعتبرُ العربيَّةُ بعربيَّبةٍ والأمَةُ بأمَةٍ مثلِها، وينظرُ إلى شرفِ سيِّدِها وخِسَّتِهِ، ومهرُ العتيقةِ بِمُعتقةٍ مثلِها، قيل: تعتبرُ المعتقةُ بنساءِ الْمَوَالِي.

فرْعٌ: يعتبرُ ما ذكرناهُ البلدُ، فإذا كانت نساءُ عصباتِها ببلدتين هى في إحدِاهما اعتبرَ بعصباتِ بلدِها، فإنْ كُنَّ كُلهُنَّ ببلده أُخرى فالاعتبارُ بِهِنَّ لا بأجنبياتِ بلدِها.

وَيُعْتَبَرُ سِنٌّ، وَعَقْلٌ، وَيَسَارٌ، وَبَكَارَةٌ، وَثُيُوبَةٌ، وَمَا اختلفَ بِهِ غرَضٌ، أي كالعِلْمِ والفَصَاحَةِ والعِفةِ والجَمَالِ والصراحةِ وهي شرفُ الأبوَين -والهجين الذي أبوهُ شريفٌ دون أمِّهِ؛ لأن الرغبةَ في هؤلاءِ أكثرُ من غيرهنَّ، وإنما لم يعتبرُ الجمالُ وكذا المالُ في الكفاءةِ على الأصحِّ؛ لأن مدارَها على دفع العارِ ومدارُ المهرِ على الرَّغبَاتِ.

= يفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا حَتى مَاتَ، قَالُواْ: لهَا المِيْراثُ؛ وَلَا صَدَاقَ لَهَا، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ. وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ: لَوْ ثَبَتَ حَدِيْثُ بَرْوَعَ بِنتِ وَاشِقٍ لَكَانَتِ الحُجَّة فِيْمَا رُوِىَ عَنِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَرُوِىَ عن الشَّافِعِيِّ أنَّهُ رَجَعَ بمِصْرَ بَعْدُ عَنْ هَذَا القَوْلِ، وَقالَ بِحَدِيْثِ بَرْوَعَ بِنتِ وَاشِقٍ). الجامع الصحيح: كتاب النكاح: التعليق على الحديث (1145).

ص: 1302

فَائِدَة: قال الفارقي وابن يونس: ويعتبرُ بحالِ الزوج أيضًا من اليَسَارِ والعِلْمِ والعِفَّةِ والنَّسَبِ فقدْ يخفَّفُ عن العالِمِ والعفيفِ وتُثَقَّلُ على غيرهِ.

فإنِ اختَصَّت بِفَضلِ أو نَقصٍ زِيدَ، أي في صورةِ الفَضلِ، أَوْ نَقِصَ، أيْ في الثاني، لَائِقٌ بِالحَالِ، والرَّأيُ في ذلك منوطٌ بنظرِ الحاكمِ، وَلَوْ سَامَحَتْ وَاحِدَة لَمْ تَجِبْ مُوَافَقُتهَا، اعتبارًا بالغالبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يكونَ لنقصٍ دخلَ النسَبَ وَفَتَرَتِ الرَّغَبَاتُ، وَلَوْ خَفَضْنَ لِلْعَشِيرَةِ فَقَطْ اعْتُبِرَ، أي منهُم دونَ غيرهِم جريًا على عَادَتِهِن، وكذا كُنَّ يخفِضْنَ للشريفِ دونَ غيرهِ اعْتُبِرَ، قال الماورديُّ: ولو كانَتْ عادَتُهُن التخفيفُ في نكاح الشبابِ دونَ الشيوخ اعْتُبِرَ.

فَرْعٌ: مهرُ المثلِ يجبُ حالًا من نقدِ البلدِ كما سبقَ، وإنْ رضيَتْ بالتأجيلِ لا يوجِبُ الحاكمُ مؤجَّلًا كما سلفَ، لكن لها أنْ تُسَامِحَ بالإنظَارِ، فإنْ كانَتِ النسوةُ المعتَبَراتُ يُنْكَحْن بمؤجَّلٍ أو بصداقٍ بعضُه مؤجَّل لم يُؤَجلِ الحاكمُ أيضًا لكن يُنْقِصُ ما يليقُ بالأجَلِ.

فَرْعٌ: تَقَادُمُ الْعَهْدِ لا يُسقط مهرَ المثلِ عندَنا.

فَصْلٌ: وَفي وَطء نكَاحٍ فَاسِدٍ مَهْرُ مِثلٍ، لاستيفائِهِ منفعةَ البُضع كوطئِ الشبهةِ، يَوْمَ الوَطْئ، أي كالوطءِ بالشبهةِ، ولا يعتبرُ بيومِ العقدِ إذ لا حرمَةَ للعقدِ الفاسدِ، فإن تكَرَّرَ فَمَهْرٌ، كما أن الوَطِيَّاتِ في النكاح الصحيح لا توجِبُ إلاّ واحدًا، فِي أعْلَى الأحْوَالِ، أي يُنْظرُ في ذلك إلى أعلى الأحوالِ في الجمالِ والسُّمنِ ونحوِهما، ويكونُ الواجبُ مهرَ تلكَ الحالةِ؛ لأنهُ لو لم يوجَدْ إلاّ الوَطأَةُ الواحدةُ في تلك الحالةِ لوجَبَ ذلكَ المهرُ؛ والوطياتُ الزائدةُ لا توجِبُ نُقْصَانًا.

قُلْتُ: وَلَوْ تكرَّرَ وَطءٌ بِشُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَهْرٌ، لشمولِ الشُّبْهَةِ، فَإنْ تعَدَّدَ جِنسُهَا، أى جنسُ الشبهةِ أي كما إذا وَطِئَ بشبهةٍ فزالَتْ ثم وطئَ بشبهةٍ أُخرى، تَعَدَّدَ المَهْرُ، لأن التَّعَدُّدَ حاصل ولكل وطي حُكمُهُ.

وَلَوْ تكَرَّرَ وَطْءُ مَغْصُوبَةٍ أَوْ مُكرَهَةٍ عَلَى زِنًا تَكَرَّرَ المَهْرُ، لأنَّ الوجوبَ هُنا

ص: 1303

بالإتلافِ، وقدْ تعدَّدَ، وهذا إذا كان عالِمًا ووجبَ المهرُ لكونِها مُكْرَهَةً، فإنْ كانَ جاهلًا لم يجِبْ إلاّ مهر، لأنَّ الجهلَ شُبهَةٌ واحدة مُطردَة، فأشبهَ الوطءَ في نكاحٍ فاسدٍ مِرَارًا فإن وطِئَها مرَّةً عالمًا ومرَّةً جاهلًا وجَبَ مَهْرَانِ.

فَرْعٌ: لو كانت حربيَّةً فوطِئَت بشبهةٍ أو إكراهٍ فلا مَهْرَ؛ لأنَّ مَالَهَا غيرُ مضمونٍ فكذا منفعةُ بُضعها.

وَلَو تَكَرَّرَ وَطءُ الأبِ، أي جاريةَ الابنِ، وَالشَّرِيكِ وَسيِّدٍ مُكَاَتبَةً فَمَهْرٌ، لشمولِ الشبهةِ، وَقِيْلَ: مُهُورٌ، لتعدُّدِ الإتلافِ في مِلْك الغَيْرِ مع العلمِ بحقيقةِ الحالِ، وَقِيلَ: إِنِ اتَّحَدَ المَجْلِسُ فَمَهْرٌ، وَإِلَاّ فَمُهُورٌ، وَالله أَعْلَمُ، قالهُ البغويُّ وخصَّصَ الوجهينِ بالأوْلى.

فَصلٌ: الفُرْقَةُ قَبْلَ وَطْءٍ مِنْهَا، أى كفسخِها النكاحَ بعيبِهِ أو عتقِها، أَوْ بِسَبَبِهَا كَفَسْخِهِ بِعَيْبِهَا تُسقِطُ المَهْرَ، لأنها إنْ كانَتْ هىَ الفاسِخَةُ فهي المختارةُ للفُرقَةِ، وإن كانَ هو الفاسِخُ بعَيْبِها فكأَنَّها هي الفاسِخَةُ، وَما لَا، أي وما لا يكونُ منها ولا بِسَبَبِهَا، كَطَلَاق؛ وَإسْلَامِهِ؛ وَرِدَّتِهِ؛ وَلعَانِهِ؛ وَإِرْضَاع أُمِّهِ؛ أَوْ أُمِّهَا يُشَطِّرُهُ، أما في الطَّلاقِ فللآيةِ (489)، وأمَّا فِى الباقي فبالقياسِ عليهِ، ثُمَّ قِيْلَ: مَعنى التَّشطِيرِ أنَّ لَهُ خِيَارَ الرُّجُوع، أي في النصفِ وإنْ شاءَ تَمَلَّكَهُ وإن شاءَ تركَهُ كَالشُّفْعَةِ، وَالصَّحِيْحُ عَوْدُهُ، أى للنصفِ، بِنَفسِ الطَّلَاقِ، للآيةِ المتقدِّمَةِ، وقيل: لا يعودُ إلاّ بقضاءِ القاضى؛ وهو بعيدٌ، فَلَوْ زَادَ بَعْدَهُ، أي بعدَ الطلاقِ، فَلَهُ، أى نصفُ الزيادةِ لأنها حدثَتْ في مِلْكِهِ، فإنْ قلنا بالأوَّلِ فالجميعُ للزوجَةِ إنْ حدثَتْ قبلَ اختيارِ التْمَلُّكِ كالحادثِ قبل الطلاقِ، وسواءٌ في ذلك الزيادةُ المُتصِلَةُ والمنفصلَةُ على الأصحِّ.

وَإنْ طَلقَ وَالمَهْرُ تالفٌ فَنِصفُ بَدَلِهِ مِن مِثلٍ، أيْ إن كانَ مِثلِيًا، أَو قيْمَةٍ، أيْ

ص: 1304

إنْ كانَ متقوِّمًا؛ لأنهُ لو كانَ باقيًا لأخَذَ نصفَهُ فإذا كان فائتًا (•) رجعَ بنصفِ بدلِهِ كما في الردِّ بالعيبِ، وقوله (نِصْفُ قِيْمَةٍ) هو عبارةُ الشافعيِّ والجمهورِ، قال الإمامُ: وفيه تساهلٌ فإنَّ الواجبَ قيمةُ النصفِ وهو أقلُّ من نصفِ القيمةِ، وَإِنْ تَعَيْبَ فِي يَدِهَا، فَإِنْ قَنِعَ بِهِ، أي فذاك ولا أرشَ لهُ كما إذا تَعَيَّبَ المبيعُ في يدِ البائعِ، وَإلَّا فَنِصْفُ قِيْمَتِهِ سَلِيْماً، دفعاً للضررِ عنهُ.

وَإِنْ تَعَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهَا فَلَهُ نِصْفُهُ نَاقِصاً بِلَا خِبَارٍ، أي ولا طلبَ أَرشٍ؛ لأنَّ حالَةَ نقصِهِ كانَ من ضمانِهِ، فَإِنْ عَابَ بِجِنَايَةٍ وَأَخَذَتْ أَرْشهَا؛ فَالأصَحُّ أَنَّ لَهُ نِصْفَ الأَرْشِ، لأنهُ بدلُ الفائِتِ، والثاني: لا؛ كالزيادةِ المنفصلَةِ، وَلَهَا زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، أي كالوَلَدِ والثَّمَرَةِ سواءٌ حصلَتْ فِى يدِهِ أو يدِها؛ لأنها غيرُ مفروضةٍ فيرجعُ في نصفِ الأصلِ، اللَّهُمَّ إلاّ إذَا يَضْمَنُ التفريقَ فيرجعُ بالقيمةِ، وَلَهَا خِيَارٌ فِي مُتَّصِلَةٍ، أي كالسمن والحِرفةِ، فَإِنْ شَحَّتْ فَنِصْفُ قِيْمَةٍ بِلَا زِيَادَةٍ، لأنَّ الزيادةَ غيرُ مفروضةٍ فلا يمكنُ الرَّدُّ دونَها فجعل المفروضُ كالهالِكِ، وَإِنْ سَمَحَتْ لَزِمَهُ الْقَبُولُ، لأنهُ نصفُ المفروضِ مع زيادةٍ لا تتميَّزُ، ولا تمنعُ الزيادةُ المتصلَةُ الاستقلالَ بالرجوعِ إلاّ في هذه المواضِعِ من وجوهٍ؛ مِنْهَا: أنَّ الزَّوجَ مُتَّهَمٌ بالطلاقِ بخلافِ غيرهِ.

فَرْعٌ: إنما يمنعُ الاستقلالُ بالرجوعِ إذا كان بسببٍ عارضٍ كالطلاقِ، وإنْ كان الرجوعُ بسببٍ مُقارنٍ للعقدِ فإنهُ يعودُ بزيادتهِ إلى الزوج ولا حاجَةَ إلى رِضَاهَا على الأصحِّ كفسخِ البيعِ بالعيبِ.

وَإنْ زَادَ وَنَقَصَ كَكِبَرِ عَبْدٍ؛ وَطُولِ نَخْلَةٍ؛ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، مَعَ بَرَصٍ، فَإِنِ اتَّفَقَا بِنِصْفِ الْعَيْنِ؛ وَإلاّ فَنِصْفِ قِيْمَةٍ، لأنهُ الأَعْدَلُ، وَزِرَاعَةُ الأرْضِ نَقصٌ، لأنها تَسْتَوْفِي قوَّةَ الأرضِ، وَحَرْثُهَا زِيَادَةٌ، أيْ إذا كانَتْ مُعَدَّةً للزراعةِ؛ لأنَّ الأرضَ تَتَهَيَّأُ بهِ للزراعةِ، فإن كانت معدَّةً للبناءِ فنقصٌ محضٌ؛ لأنَّ البَانِي يحتاجُ إلى تَنْضِيْدِ الأرضِ وَتَسْوِيَتِهَا.

(•) في النسخة (1): غائبًا.

ص: 1305

وَحَمْلُ أَمَةٍ وَبَهِيْمَةٍ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ، أمَّا الأمَةُ فلتوقُّعِ الولدِ، وخطَرُ الولادةِ، والضعفُ في الحالِ، وأمَّا البهيمةُ فلأنَّ حَمْلَهَا أَرْدَأُ، وَقِيْلَ: الْبَهِيْمَةُ زَيَادَةٌ، إذ لا خطرَ فيه، وَإطْلَاعُ نَخْلٍ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، أى فيُمنَع الرجوعُ إلى القهرى كما سبقَ.

وَإِنْ طَلَّقَ وَعَلَيْهِ ثَمَرٌ مُؤَبَّرٌ لَمْ يَلْزَمْهَا قَطْفُهُ، لأنها حدثَتْ في خالِصِ ملكِهَا فّتُمَكَّنُ من إبقائِهِ إلى الجدادِ، فَإِنْ قَطَفَتْ، أي قُطعَ، تَعَيَّنَ نِصْفُ النَّخْلِ، أي إذا لم يمتدَّ زمنُ القطعِ ولم يحدُثْ به نقصٌ في الشجرِ لانكسارِ السَّعَفِ والأغصانِ، وَلَوْ رَضِيَ بِنِصْفِ النَّخْلِ وَتَبْقِيَةِ الثَّمَرِ إِلَى جَدَادِهِ أُجْبِرَتْ فِي الأَصَحِّ؛ وَيصِيْرُ النَّخْلُ فِى يَدِهِمَا، لأنَّ الأشجارَ في يدِهِما كسائِرِ الأملاكِ المشتركةِ، والثاني: لا تُجْبَرُ؛ لأنها قد لا ترضَى بيدهِ ودخوله البُستانَ، وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ، أي برجوعِهِ في نصفِ الشجرِ، وترك ثمرها إلى الجداد، فَلَهُ الاِمْتِنَاعُ وَالْقِيْمَةُ، أي طلَبِها؛ لأنَّ حقَّهُ في الشجرِ خاليةً وليسَ لها تكليفُهُ تأخيرَ الرجوع إلى الجدادِ؛ لأنَّ حقَّهُ ناجزٌ في العينِ أو القيمةِ، وَمَتَى ثَبَتَ خِيَارٌ لَهُ، أي لنقصانِ الصَدَاقِ، أَوْ لَهَا، أي لزيادتهِ أو لَهُمَا لاجتماع الْمَعْنَيَيْنِ، لَمْ يَمْلِكْ نِصْفَهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذُو الاِخْتِيَارِ، أيْ إنْ كانَ الاختيارُ لأحدِهما وَقَبْلَ أنْ يَتَوَافَقَا إنْ كان الخيارُ لهما، وإنْ قُلْنَا: الطلاقُ يشطُرُ الصَّدَاقَ بنفسِهِ وإلاّ لَمَا كان للتخييرِ واعتبارِ التوافُقِ معنًى وهو كخيارِ الهِبَةِ لا يُبْطَلُ بالتأخيرِ، وَمَتَى رَجَعَ بِقِيْمَةٍ، أي لهلاكِ الصداقِ أو غيرهِ، اعْتُبِرَ الأَقَلُّ مِنْ يَوْمَي الإصْدَاقِ وَالقَبْضِ، أي ولا يعتبرُ الحالةُ المتوسِّطَةُ التي بينَهُما حتى لو كانَ يومَ العقدِ قيمتُهُ مِائَةً ثم رجعَتْ قَبْلَ القبضِ إلى خمسينَ ثم قبضَتْهُ وقيمتُهُ تسعونَ فيجبُ تسعونَ، لأنهُ إنْ كان قيمةُ يومِ الإصداقِ أقلَّ فالزيادةُ بعد ذلك حادثةٌ على مِلكها، ولا تعلُّقَ للزوجِ بها، وإنْ كانَتْ قيمتُهُ يومَ القبضِ أقلَّ مما نَقَصَ قبلَ ذلك فهو من ضمانِهِ، فكيفَ يرجعُ عليها بما هو مضمونٌ عليهِ، نَعَمْ لو تلفَ الصداقُ في يدِهَا بعد الطلاقِ، وقُلْنَا إنهُ مضمونٌ عليها اعتبرَتْ قيمتُهُ يومَ التلفِ؛ لأنهُ تَلِفَ تحتَ يدٍ مضمونةٍ، ثُمَّ اعْلَمْ: أنَّ الرافعيِّ خالفَ ما ذكرَهُ هُنا وجزَمَ في كتابِ الزكاةِ في الكلامِ على التعجيلِ بأنَّ الواجبَ قيمةُ يومِ القبضِ وهو الصوابُ وقد نصَّ عليه في الأُمِّ في تسعةِ مواضعٍ.

ص: 1306

وَلَوْ أَصْدَقَ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَطَلَّقَ قَبْلَهُ فَالأَصَحُّ تَعَذُّرُ تَعْلِيمِهِ، لأنها صارَتْ أجنبيَّةً ولا تُؤْمَنُ المفسدةُ لو عَلَّمَ، وهذا هو المنصوصُ في المختصرِ وأيضاً فالقيامُ بتعليمِهِ نصف مشاع غيرُ ممكنٍ والقولُ باستحقاقِ نصفِ مُعَيَّنٍ دونَ نصف آخر تَحَكُّمٌ ومُفْضٍ إلى النزاعِ؛ لا سيما والسورةُ الواحدةُ مختلفةُ الآياتِ طُوْلاً وقِصَراً وسهولةً وصعوبةً فتعيَّنَ المصيرُ إلى البدلِ، والثاني: لا، بأنْ يعلِّمَها من وراءِ حجابٍ من غيرِ خُلْوَةٍ، وقوله:(وَطَلَّقَ) أحسنُ من تعبرِ الحاوي بقولِهِ: فَبَانَتْ؛ لأنها أَعَمُّ.

وَيجِبُ مَهْرُ مِثْلِ بَعْدَ وَطْءٍ وَنِصْفُهُ قَبْلَهُ، جرياً على القاعدةِ، واحترَزَ بقوله:(قَبْلَهُ) عمَّا إذا طلَّقَها بعد التعليمِ؛ فإنهُ إنْ كانَ بعد الدخولِ فذاكَ، وإنْ كانَ قبلَهُ فيرجِعُ عليها بنصفِ أُجْرَةِ التَّعْلِيْمِ، ثُمَّ اعْلَمْ: أنَّ ما ذكرَهُ المصنِّفُ وهو فيما إذا كان التعليمُ بنفسِهِ، أمَّا إذا كان التعليمُ في الذِّمَّةِ فلا يتعذَّرُ ذلكَ بالطلاقِ، بَلْ تَسْتَأْجِرُ امْرَأَةً أَوْ مَحْرَماً لِيُعَلِّمَهَا.

فَصْلٌ: وَلَوْ طَلَّقَ، أيْ قَبْلَ الدخولِ، وَقَدْ زَالَ مِلْكُهَا عَنْهُ، أيْ عن الصداقِ إمَّا ببيعٍ أو إعتاقٍ أو هِبَةٍ مقبوضةٍ، فَنِصْفُ بَدَلِهِ، أيِ المثل إن كان مِثْلِيًّا، والقيمةُ إنْ كان متقوَّماً لهلاكهِ، فَإِنْ كَانَ زَالَ وَعَادَ، أي ثم طلَّقَها قبلَ الدخولِ، تَعَلَّقَ بالْعَيْنِ فِي الأصَحِّ، لأنهُ حَقُّهُ لا يختصُّ بالعينِ بل يتعَّلقُ بالبدلِ، فالعينُ العائدةُ أوْلَى من البدلِ، والثانى: أنَّ حقَّهُ ينتقلُ إلى البدلِ؛ لأنَّ الْمِلْكَ الآنَ مستفادٌ من جهةٍ أُخرى لا من جهةِ الصداقِ.

وَلَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَ فَالأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ نِصْفَ بَدَلِهِ، كما لو وهبَتْهُ لأجنبيِّ ووهبَهُ أجنبىٌّ لهُ، والثاني: لا يرجعُ عليها بشئٍ؛ لأن النصفَ يُعَجَّلُ إليه بالهبةِ والأصحُّ طردُ الخلافِ سواءٌ قبضَتْهُ أمْ لا.

فَرْعٌ: لو كانَ الصداقُ دَيْنًا فوهبَتْهُ منهُ كلهُ جرَى الخلافُ ومنهم من قطعَ بالرجوع.

وَعَلَى هَذَا لَوْ وَهَبَتْهُ النِّصْفَ فَلَهُ نِصْفُ الْبَاقِي وَرُبُعُ بَدَلِ كُلِّهِ، لأنَّ الهبةَ وردَتْ

ص: 1307

على مُطْلَقِ الْجُمْلَةِ فتشيعُ، وَفِي قَوْلٍ: النِّصْفُ الْبَاقِي، لأنهُ استحقَّ النصفَ وقد وجدَهُ وتنحصِرُ هِبَتُهَا في نصِيبِهَا، وَفِي قَوْلٍ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ بَدَلِ نِصْفِ كُلِّهِ أَوْ نِصْفِ الْبَاقِي وَرُبُعِ بَدَلِ كُلِّهِ، لأنهُ لا بُدَّ من الإشاعَةِ وهى تفضي إلى تنقيصِ حَقِّهِ، قَال الغزاليُّ: ويُعْرَفُ القولُ الأوَّلُ بقولِ الإشاعَةِ، والثانى: بِقَوْلِ الْحَصْرِ؛ وقوله: (أَوْ نِصْفِ) صوابهُ حذفُ الألِفِ، لأنَّ بَيْنَ إِنَّمَا تَكُوْنُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ (490).

وَلَوْ كَانَ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، كما لو شَهِدَ شَاهِدَانِ بِدَيْنٍ على إنسانٍ وحَكَمَ به الحاكمُ ثم أَبْرَأَ المحكومُ لهُ المحكومَ عليهِ عن الدَّيْنِ ثُمَّ رجعَ الشاهدانِ عن الشهادةِ لم يغرما للمحكومِ عليه شيئًا؛ والطريقُ الثاني: طردُ القولين فِى الهبةِ، ولم يرجِّحِ الرافعيُّ في شرحيهِ واحداً من هذينِ الطريقينِ، بل قالَ: واتفَقَ الْمُثْبِتُونَ للقولينِ على أنَّ الظاهرَ هُنا عدمُ الرجوعِ.

وَلَيْسَ لِوَلِيٍّ عَفْوٍّ عَنْ صَدَاقٍ عَلَى الْجَدِيْدِ، كسائِرِ الديونِ والقديمُ نَعَمْ، بناءً على أنهُ الذى بيدِهِ عُقْدَةُ النكاحٍ في الآيةِ وحَمَلَهُ الجديدُ على الزوجِ وشرطُهُ على القديمِ أنْ يكونَ الوليُّ أبًا أو جدًا مُجْبِرًا وأنْ تكونَ بكْراً صغيرةً عاقلةً قبل الدخولِ، وَكَوْنُ المهرِ دَيْنًا وكونُ الصداقِ (•) متقدِّمًا على العَفْوِ.

فَرْعٌ: خلعٌ الوليِّ كالعفوِ على الأشبهِ.

فَصْلٌ: لِمُطَلَّقَةِ قَبْلَ وَطءٍ مُتْعَةٌ إِنْ لَمْ يَجِبْ شَطرُ مَهْرٍ، لقوله تعالى:{وَمَتِّعُوهُنَّ} (491) فإنْ وجبَ لها شطرُ مهرٍ فلا متعةَ على الأظهرِ لمفهومِ الآية، وَكَذَا لِمَوْطوءَةٍ فى الأَظْهَرِ، لإطلاق قولِهِ تعالى:{مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} (492) وفي البيهقي: [أنَّهُ صلى الله عليه وسلم أمَرَ زَوْجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ يُمَتِّعَهَا] وفي إسناده ابن عقيل (493)، والثاني:

(490) المقصود استعمال (الواو) العاطفة و (أو) تفيد التخيير.

(•) في النسخة (2): الطلاق.

(491)

البقرة / 236.

(492)

البقرة / 241.

(493)

• عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: لَمَّا=

ص: 1308

لا؛ كالتي استوفَتْ نصفَ المهر وأَوْلى وحَمْلُ الآية على الاستحباب، وَفُرْقَةٌ لَا بِسَبَبِهَا، أي بل بسببٍ من جهةِ الزوج أو من أجنبيٍّ، كَطَلَاقٍ، أيْ في إيجابِ الْمُتْعَةِ في الأحوالِ الثلاثِ المتقدِّمةِ كإسلامِهِ ورِدَّتِهِ ولِعَانِهِ ونحوِها، أمَّا إذا كانَتْ بسبَبِها كإسلامِها ورِدَّتِها وفسخِها بالعيبِ فلا يجبُ لها متعةٌ، لأن المهرَ يسقطُ بذلكَ، ووجوبُهُ أكِدٌ من وجوبِ المتعةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَنْقَصَ، أي المتعةُ، عَنْ ثَلَاثِيْنَ دِرْهَمًا، أي أو ما قيمتُهُ ذلكَ، كما ذهبَ إليه ابن عمر وابن عباس (494)، فَإِنْ تَنَازَعَا، أي في قدْرِها، قَدَّرِهَا، قَدَّرَهَا الْقَاضي بنَظَرِهِ مُعْتَبِرًا حَالَهُمَا، لقوله تعالى:{عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} (495) وَقوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} (496)، وَقِيْلَ: حَالَهُ، كالنفقةِ، وَقِيْلَ: حَالَهَا، لأنهُ كالبدلِ للمهرِ، وَقيْلَ: أَقَلَّ مَالٍ، مُتَمَوَّلٍ، كما يجوزُ أنْ يجعل صَدَاقًا.

= طلَقَّ حَفْصُ بْنُ الْمُغِيْرَةِ امْرَأتهُ فَاطِمَةُ؛ فَأَتَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ فَقَالَ لِزَوْجهَا: [مَتِّعْهَا]، قَالَ: لَا أجدُ مَا أُمَتِّعُهَا! قَالَ: [فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمَتَاعِ] قَالَ: [مَتَعْهَا؛ وَلَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ تَمرٍ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصداق: باب المتعة: الحديث (14856).

• عَبْدُ اللهِ بن مُحَمَّدٍ بْنِ عَقِيْلٍ بْنِ أبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ، أبُو مُحَمَّدِ الْمَدَنِيِّ. ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقال: كان منكر الحديث، ولا يحتجون بحديثه، وكان كثير العلم. له ترجمة في تهذيب التهذيب لابن حجر: الرقم (3687).

(494)

• عن نافعٍ؛ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ؛ قَالَ: (لَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْمَرْأةِ حَتَّى يُقَدِّمَ إِلَيْهَا شَيَئًا مِنْ مَالِهِ، مَا رَضِيَتْ بِهِ مِنْ كِسْوَةٍ وَعَطَاءٍ). رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصداق: باب لا يدخل بها حتى يعطيها صداقها أو ما رضيت: الأثر (14824).

• عن عكرمة يقول: قَالَ ابنُ عَبَّاس رضي الله عنهما: (إذَا نَكَحَ الرَّجُلُ امْرَأةً فَسَمَّى لَهَا صَدَاقًا؛ فَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا، فَلْيُلْقِ إِلَيْهَا رِدَاءً أَوْ خَاتَمًا إِنْ كَانَ مَعَهُ). رواه البيهقى في السنن الكبرى: الأثر (14823).

(495)

البقرة / 236.

(496)

البقرة / 241.

ص: 1309

فَصْلٌ: اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَهْرٍ أَوْ صِفَتِهِ تَحَالَفَا، كما في البيع، وَيتَحَالَفُ وَارِثَاهُمَا أَوْ وَارِثُ وَاحِدٍ وَالآخَرُ، لقيامهِ مقامَ مورثهِ ويحلفُ الزوجان على الْبَتِّ في النفيِ والإثباتِ، ويحلفُ الوارث في الإثباتِ على الْبَتِّ، وفي النفى على نفي العلمِ على الصحيح، وكيفيَّةُ اليمينِ ومن يبدأُ به، كما سبقَ في البيعٍ، ثُمَّ يُفْسَخُ المَهْرُ، أي ولا ينفسخُ بنفس التحالُفِ، وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ، ولو كان زائدًا على ما تدَّعِيْهِ المرأةُ، وَلَوِ ادَّعَتْ تَسْمِيَةَ فَأنْكَرَهَا تَحَالَفَا فِي الأصَحِّ، لأنَّ حاصلَهُ الاختلافُ في قَدَرِ المهرِ، والثانى: القولُ قولُهُ بِيَمِيِنهِ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التسميةِ، قال الرافعيُّ: وإنما يحسنُ وضعُ المسألةِ إذا كان ما يدَّعيهِ أكثرَ من مهرِ المثلِ.

فَرْعٌ: لو ادَّعَاها الزوجُ وأنكرَتْ هىَ فالقياسُ مجئُ الوجهينِ قالهُ الرافعىُّ.

وَلَوِ ادَّعَتْ نِكَاحًا وَمَهْرَ مِثْلِ فَأقَرَّ بِالنِّكَاحِ وَأَنْكَرَ الْمَهْرَ أَوْ سَكَتَ، أي عنهُ ولم يدَّع تفويضًا ولا إخْلَاءَ النكاح عن ذِكْرِ المهرِ، فَالأصَحُّ تَكْلِيفُهُ البَيَانَ، أي ولا يسمعُ إنكارُهُ ولا اعترافهُ بما يقتضى المهرَ، فَإن ذَكَرَ قَدْرًا وَزَادَت تَحَالَفَا، وَإن أَصَرَّ مُنْكِرًا حَلَفَتْ وَقُضِيَ لَهَا، والثانى: القولُ قولُ الزوج وعليها البيِّنَةُ لأنَّ الأصلَ براءَةُ ذِمتِهِ وهُو قويٌّ، والثالثُ: القولُ قولُها بِيَمِينهَا، لأنَّ الظاهرَ معها، والرابعُ: التحالفُ، وهو مشكلٌ.

وَلَوِ اخْتَلَفَ فِي قَدْرِهِ زَوْجٌ وَوَليُّ صَغِيْرَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ تَحَالَفَا فِي الأصَحِّ، لأنَّ الوليَّ هو المالكُ للعقدِ والْمُسْتَوْفِي للصَّدَاقِ فكان اختلافهُ مع الزوج كاختلافِ البالغَةِ مع الزوج، والثانى: لا؛ لأن النيابَةَ في الأَيمانِ لا تصحُّ، وإذا قُلنا: يحلفُ الوليُّ فذاكَ إذا ادَّعَى زيادةً على مهرِ المثلِ والزوجُ معترفٌ بمهرِ المثلِ، وأما إذا ادَّعَى الزوجُ نكاحَها بدون مهرِ المثلِ فلا تحالفَ؛ لأنهُ يثبتُ مهرُ المثلِ وإنْ نقصَ الوليُّ، ولو ذَكَرَ الزوجُ قدرًا يزيدُ على مهرِ المثلِ وادَّعَى الوليُّ زيادةً عليهِ لم يتحالَفَا كَيلَا يَرْجِعَ الواجبُ إلى مهرِ المثلِ بل يأخذُ الوليُّ ما يقولهُ الزوجُ، ولو بلغَتِ الصغيرةُ قبل التحالفِ حلفَتْ هي، واحترزَ المصنِّفُ بقولهِ:(وَليُّ صَغِيْرَةٍ أَوْ مَجْنُوْنَةٍ) عمَّا إذا اختلفَ وليُّ البِكْرِ

ص: 1310

البالغَةِ وزوجُها؛ فإنَّ الصحيحَ أنها هى التي تَحْلِفُ؛ وقيل: الوليُّ لأنهُ العاقدُ.

وَلَوْ قَالَتْ: نَكَحْنِي يَوْمَ كَذَا بِأَلْفٍ وَيوْمَ كَذَا بِألْفٍ وَثَبَتَ الْعَقدَانِ بإقرَارِهِ أَوْ بِبَينَةٍ لَزِمَهُ ألْفَانِ، أيْ ولا يحتاجُ إلى التعرُّضِ لتخلُّلِ الفُرقةِ؛ ولا لحصُولِ الوطئِ؛ لأن كلَّ عقدٍ منهُما ثبتَ مسمَّاهُ والأصلُ بقاؤُهُ وسمعْنَا الدَّعْوَى في هذه الصورةِ لإمكان ذلكَ بأنْ يطأهَا في اليوم الأوَّلِ ويخالِعُها، وينكحُها في الثانى، فَإن قَالَ: لَمْ أَطَأْ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا؛ صُّدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، لأنَّ الأصلَ عَدَمُهُ، وَسَقَطَ الشَّطْرُ، لأنَّ ذلكَ فائدةُ تصديقِهِ، وَإنْ قَالَ: كَانَ الثَّانِي تَجْدِيدَ لَفْظٍ لَا عَقدًا لَمْ يُقْبَل، كما لو قالَ لغيرِهِ: بِعْ هذا العبدَ مِنِّى ثم ادَّعَى أنهُ مِلْكُهُ والأصحُّ أن الخلافَ صحَّحَهُ الجرجانىُّ في شَافِيْهِ، وهلْ لهُ تحليفُ المرأةِ على نَفْيِّ ذلكَ؟ وجهانِ؛ أصحُّهما: نَعَم؛ لإمكانِهِ.

فَصْلٌ: وَلِيمَةُ العُرْسِ سُنَّةٌ، كسائِرِ الوَلَائِمِ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ: وَاجِبَةٌ، لقوله صلى الله عليه وسلم لعبدِ الرحمن بنِ عوفٍ:[أوْلمْ وَلَوْ بِشَاةٍ](497) والأوَّلُ حَمْلُ هذا الأمرِ على الاستحبابِ، والأصحُّ أن الخلافَ قولينِ كذا صحَّحَهُ الجرجانيُّ في شَافِيْهِ، وقيلَ: فرضُ كفايةٍ حكاهُ الماورديُّ وقالَ: إِنَّهُ فَاسِدٌ، ونقلَ القاضِي عياض اتفاقَ العلماءِ على وجُوبِ الإجابَةِ في وَليْمَةِ العُرْسِ واختلَفُوا فيما سِوَاهَا، فقالَ الجمهورُ: لا يجبُ، وقال أهلُ الظَّاهِرِ: تجبُ الإجابةُ إلى كُلِّ وليمةٍ من عُرْسٍ وغيرِهِ، وبهِ قالَ بعضُ السَّلَفِ، وَالإجَابَةُ إِلَيهَا فَرْضُ عَين، لقولهِ صلى الله عليه وسلم: [شَر الطعَامِ طَعَامُ الوَليمَةِ، يُدْعَى

(497) عن أنس رضي الله عنه؛ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ المَدِيْنَةَ، فَآخَى النَّبيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبيْع الأنصَارِيِّ؛ وكان سَعْدٌ ذا غِنَى؛ فَقالَ لعَبْدِ الرَّحْمَن: أقَاسِمُك مَالِى نِصَفْيْنِ وَأُزَوِّجُكَ. قَالَ: بَارك اللهُ لَكَ فِى أهْلِك وَمَالك، دُلُّونِى عَلَى السُّوقِ، فمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أقِطًا وَسَمْنًا، فأَتَى بهِ أهْلَ مَنْزِلهِ فَمَكَثْنا يسِيْرًا -أوْ مَا شاءَ اللهُ - فَجَاءَ وَعَلَيْهِ ضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم:[مَهِيمْ؟ ] قَالَ: يَا رَسُوْلَ الله تزَوَّجْتُ امْرَأةٌ مِن الأَنْصَارِ. قَالَ: [مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟ ] قَالَ: نوَاةً مِنْ ذَهَبِ. قَالَ: [أوْلِمْ ولَوْ بِشاةٍ]. رواه البخارى في الصحيح: كتاب البيوع: الحديث (2049). ومسلم في الصحيح: كتاب النكاح: باب الصداق: الحديث (79/ 1427).

ص: 1311

إِلَيْهِ الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُوْلَهُ، رواه مسلم (498)، وَقِيْلَ: فرضُ، كِفَايَةٍ، إذِ الغرضُ إظهارُها، وَقِيْلَ: سُنَّةٌ، لأنَّهُ تملُّكُ مالٍ؛ فلم تَجِبْ كغيرِهِ، والخبرُ محمولٌ على تَأَكُّدِ الاستحبابِ، أمَّا وليمةُ غيرَ النِّكَاحِ فالإجابةُ إليها مستحبَّةٌ على المذهبِ، وقيل: يطردُ الخلافِ.

فَائِدَتَانِ: الأُوْلَى: السُّنَّة أنْ يُولِمَ بشاةٍ، وبِأَيِّ شيءٍ أَوْلَمَ مِن الطعامِ جَازَ، إذا لم يَتَمَكَّنْ. كما قيَّدَهُ ابنُ الصباغِ والمتولِّي، الثَّانِيَةُ: لم يتعرَّضِ الأصحابُ فيما رأيتُ لوقْتِ الوليمَةِ أهُوَ قبلَ الدُّخُولِ أو بعدَهُ، وفي سُنَنِ البيهقيِّ ما يقتضِي أنَّ وقْتَها بعدَهُ كما ذكرتُهُ في الأصلِ فَرَاجعْهُ (499)، وفي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ للبيهقيِّ من حديثِ إسماعيل بن عمرو: أن النَّجَاشِيَّ لَمَّا زَوَّجَ أُمَّ حَبِيْبَةَ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثمّ أرَادُواْ أَنْ يَقُومُواْ قَالَ: [اِجْلِسُواْ؛ فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الأَنْبِيَاءِ إِذَا تَزَوَّجُواْ أَنْ يُؤْكَلَ طَعَامٌ عَلَى التَّزْوِيْجِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلُواْ، ثُمَّ تَفَرَّقُواْ](500). وَالثَّالِثَةُ: الوليمةُ أصلُها الْجَمْعُ.

وَإنَّمَا تَجِبُ أوْ تُسَنُّ بِشَرْطِ أَلَّا يُخَصَّ الأًغْنِيَاءَ، أيْ تَقَرُّبًا إليهم للحديثِ السالفِ، وَأَنْ يَدْعُوَهُ فِي الْيَوْمِ الأوَّلِ، فَإِنْ أَوْلَمَ ثَلَاثَةً لَمْ تَجِبْ فِي الثَّانِيَةِ، أي بلا خلافٍ كما صرَّحَ به في الْمُحَرَّرِ والشرحِ والروضةِ، لكن فيه وجهٌ في التَّعجِيْزِ، وَتُكْرَهُ فِي الثَّالِثِ، لقوله صلى الله عليه وسلم: [الْوَلِيْمَةُ فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ حَقٌّ وَفِي الثَّانِي مَعْرُوفٌ

(498) رواه مسلم في الصحيح: كتاب النِّكَاح: باب الأمر بإجابة الداعي: الحديث (110/ 1432). أما أنَّه من قول أبي هريرة فرواه البخاري في الصحيح: كتاب النكاح: باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله: الحديث (5177). ومسلم في الصحيح: الحديث (107 - 109/ 1432).

(499)

في السنن الكبرى: كتاب الصداق: باب وقت الوليمة: الحديث (14874). وأصله في صحيح البخاري: كتاب النكاح: باب الوليمة ولو بشاة: الحديث (1570). وليس فيه دلاله على ما قال؛ إذ الحديث في قصة زينب بنت جحش وأن الوليمة كانت قَبْلَ الدُّخُولِ.

(500)

رواه البيهقي في دلائل النبوة: باب وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم حبيية: ج 3 ص 461 - 462.

ص: 1312

وَفِي الثَّالِثِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ] رواه أصحاب السنن الأربعة وأُعلَّ (501).

وَأَنْ لَا يُحْضِرَهُ لِخَوْفٍ أَو طَمَعٍ في جَاهِهِ، بل يكون حضورُه لمجرَّدِ التَّقَرُّبِ وَالتَّوَدُّدِ وَأَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ مَنْ يَتَأذَّى بِهِ أَوْ لَا يَلِيْقُ بِهِ مُجَالَسَتُهُ، ) أي كَالأَرَاذِلِ، فإنْ كان ذلك فهو معذورٌ في التخلُّفِ، وَلَا مُنكَرَ، لقوله عليه الصلاة والسلام:[مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الَآخِرِ؛ فَلَا يَقْعُدَنَّ عَلَى مَاِئدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ] رواه

(501) * رواه أبو داود في السنن: كتاب الأطعمة: باب في كم تستحب الوليمة: الحديث (3745) وفيه مجهول. والترمذى في الجامع: كتاب النكاح: باب ما جاء في الوليمة: الحديث (1097) عن ابن مسعود، وقال: حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديثه زياد بن عبد الله. وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير، وقال: سمعت البخاري يذكر عن محمد بن عقبة قال: وكيع: زياد مع شرفه يكذب في الحديث.

* رواه ابن ماجه في السنن: كتاب النكاح: باب إجابة الداعى: الحديث (1915) عن أبي هريرة. وفي إسناده أبو مالك النخعي، وهر ممن اتفقوا على ضعفه. والدارمى في السنن: كتاب الأطعمة: باب في الوليمة: الحديث (2064)، وإسناده ضعيف، وهو إسناد حديث أبي داود. والطبراني في المعجم الكبير: الحديث (5306): ج 5 ص 272. والإمام أحمد في المسند: ج 5 ص 28. والرجل مجهول، قال: قال قتادة: وكان يقال له معروفًا إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه. انتهى. في التاريخ الكبير للبخاري: ج 3 ص 425 (ق 1 ج 2) الرقم (1412): قال البخاري لم يصح إسناده ولا يعرف له -أي لزهير- صحبة. انتهى.

* عن أنسٍ رضي الله عنه؛ أن رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا تَزَوَجَ أُمَّ سَلَمَةَ رَضىَ الله عنها؛ أمَرَ بِالنِّطْعِ فَبُسِطَ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ تَمْرًا وَسَوِيْقًا، فَدَعَا النَّاسَ فَأَكَلُواْ وَقَالَ:[الْوَلِيْمَةُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ؛ وَالثَّانِي مَعْرُوفٌ؛ وَالثَّالِثُ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصداق: باب أيام الوليمة: الحديث (14877)، وقال: رواه بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ عن الأعمش. ثم قال: وليس هذا بقويٍّ؛ بكر بن خُنَيْسٍ تكلَّمُوا فيه. انتهى.

* في فتح الباري شرح صحيح البخاري: شرح الحديث (5173): ج 9 ص 302: قال: وهذه الأحاديث، وإنْ كان كُلٌّ منها لا يخلُو عن مقالٍ، مجموعها يدلُّ على أنَّ للحديثِ أصلًا.

ص: 1313

الترمذي وقال: حسن غريب؛ والحاكمُ وقال: صحيحٌ على شرط مسلمٍ (502)، فَإِنْ كَانَ يَزُولُ بِحُضُورِهِ فَلْيَحْضُرْ، إجابةً للدعوَةِ وإزالةً للمنكَرِ، وإنْ لم يَزُلْ بحضورِهِ فَيَحْرُمُ الحضورُ على الأصحِّ؛ لأنهُ كَالرِّضَى به، ويدخلُ في قولِ المصنِّفِ:(وَلَا مُنكَرَ) ما إذا كان هناكَ داعيَةٌ إلى الْبِدْعَةِ ولا يقدرُ المدعوُّ على رَدِّةِ، وما إذا كان هناكَ من يضحكُ بِالْفُحْشِ وَالْكَذِبِ، وبهِ صَرَّحَ الغزاليُّ في الإِحْيَاءِ، وأهمَلَ المصنِّفُ شروطًا أُخَرَ لوجوبِ الإجابَةِ أو استحبابِها: أَحَدُهَا: أنْ يَخُصَّهُ بالدعوَةِ، ثَانِيْهَا: أنْ يدعُوهُ مُسْلِمٌ، ثَالِثُهَا: كونُ طعامِ الدَّاعِي مُباحًا، رَابِعُهَا: وجُودُ مَحْرَمٍ إذا دَعَتْ أجنبيَّةٌ رَجُلًا إلى دَارِهَا، خَامِسُهَا: كونُ المدعوِّ غيرُ قَاضٍ، وكلُّ ذلكَ مُوَضَّحٌ في الأصلِ فَرَاجِعْهُ، ومنها أيضًا الأعذارُ المرخصَةُ في التخلُّفِ عن الجماعةِ وليسَ منها أنْ لا يكونَ الدَّاعِي عدُوَّ المدعُو، ولا أنْ يكونَ في الدعوةِ من هُو عَدُوٌّ لهُ، وبهِ صرَّحَ الماورديُّ، ولو اعتذرَ المدعوُّ إلى صاحبِ الدَّعْوَةِ فَرَضِيَ بتخلُّفِهِ زالَ الوجوبُ، ولو غلبَ على ظَنِّهِ أنَّ الدَّاعِي لا يتألَّمُ بانقطاعِهِ ففيهِ تردُّدٌ حكاهُ في الذَّخَائِرِ، وظاهرُ الحديثِ يقتَضي المنعَ، ولو قال: إِنْ رَأيْتَ أنْ تُحَمِّلَنِي لَزِمَهُ الإجابةُ؛ قالهُ في البَحْرِ، وذَكَرَ أنَّ الشَّبَعَ وَالزِّحَامَ ليسا بعذْرٍ.

وَمِنَ الْمُنْكَرِ فِرَاشُ حَرِيْرٍ، لِحُرمَتِهِ، وَصُورَةُ حَيوَانٍ عَلَى سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ وِسَادَةٍ؛ أي منصوبةٍ، أَوْ سِتْرٍ أَوْ ثَوْبٍ مَلْبُوسٍ وَيَجُوزُ مَا عَلَى أَرْضٍ وَبِسَاطٍ وَمَخَدَّةٍ وَمَقْطُوعُ الرَّأْسِ وَصُوَرُ شَجَرٍ، لأنَّ ما يُوْطَأَ ويطرحَ مهانٌ مبتذَلٌ، والمنصوبُ منها يشبِهُ الأصنامَ، ووجهُ الجوازِ في صور الشجرِ وكذا الشَّمْسُ والقَمَرُ كونُها تشابِهُ النقوشَ وهي غيرُ ممنوعةٍ، ولو كانت صورةُ الحيوانِ مقطوعَةَ الرأسِ فلا

(502) رواه الترمذى في الجامع: كتاب الأدب: باب ما جاء في دخول الحمَّامات: الحديث (2801) عن جابر؛ وقال: هذا الحديث حسن غريب. ورواه النسائي في الكبرى: كتاب آداب الأكل: باب النهي عن الجلوس على مائدة يدار عليها الخمر: الحديث (6741/ 1). والحاكم في المستدرك: كتاب الآداب: الحديث (7779/ 101)؛ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.

ص: 1314

بأسَ كما جزمَ به المصنِّفُ وخالَفَ المتولِّي، وَالْوِسَادَةُ بكسر الواو الْمِخَدَّةُ والجمعُ وَسَائِدُ، وقد ذكرَ المصنِّفُ بعد هذا المخدَّةَ فَغَايَرَ.

وَيَحْرُمُ تَصْوِيْرُ حَيْوَانٍ، أي على الحِيطانِ وغيرِها لِمَا في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم:[أشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْذِيْنَ يُصَوِّرُوْنَ هَذِهِ الصُّوَرَ](503) والأصحُّ في الروضة تحريمُ نسجِ الثيابِ الْمُصَوَّرَةِ أيضًا.

وَلَا تَسْقُطُ إِجَابَةٌ بِصَوْمٍ، لقوله صلى الله عليه وسلم:[إِذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَمَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، رواه مسلم (504)، وفي رواية ابن السُّني [فَإِنْ كَانَ صَائِمًا دَعَى لَهُ بِالْبَرَكَةِ]، فَإِنْ شَقَّ عَلَى الصَّائِمِ صَوْمُ نَفْلٍ فَالْفِطْرُ أفْضَلُ، ويَنْوِي بإفطارِهِ إدخالَ السُّرورِ على قلبهِ، وإنْ لم يشق فالإتمامُ أفضلُ، وخرجَ بالنفلِ الفرضُ، فإنهُ لا يجوزُ الخروجُ منه مُضَيَّقًا كانَ أو مُوَسَّعًا.

فَرْعٌ: لو كانَ المدعوُّ مفطرًا يستحبُّ الأكلُ ولا يجبُ على الأصحِّ.

وَيَأكُلُ الضَّيْفُ، مِمَّا قُدِّم لَهُ بِلَا لَفْظٍ، أي سواءٌ دعاهُ أمْ لا بشرطِ أنْ لا يكونَ منتظِرًا غيرَهُ اكتفاءً بالقرينَةِ، وهل يملكُ ما يأكلُهُ؟ فيه وجهان، أصحُّهما عندَ الجمهورِ: نَعَمْ! وفي وقت المِلْكِ أوجهٌ؛ أرجَحُها في الشرح الصغير: عندَ الوضعِ في

(503) عن عبد الله بن مسعود صلى الله عليه وسلم؛ رواه البخاري في الصحيح: كتاب اللباس: باب عذاب المصورين: الحديث (5950). ومسلم في الصحيح: كتاب اللباس والزينة: الحديث (98 و 99/ 2109)، وعن ابن عمر: الحديث (97/ 2108). والطبراني في المعجم الكبير: الحديث (10306): ج 10 ص 157.

(504)

عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم: [إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ؛ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَصِلِّ؛ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب النِّكَاح: باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوةٍ: الحديث (106/ 4131). وأبو داود في السنن: كتاب الصوم: باب في الصائم يدعى إلى وليمة: الحديث (2460)، وقال: قال هشام: وَالصَّلَاةُ الدُّعَاءُ. والترمذى في الجامع: كتاب الصوم: الحديث (780 و 781) وإسنادهما حسنٌ صحيحٌ. والإمام أحمد في المسند: ج 2 ص 279 و 489 و 507.

ص: 1315

الفَمِ؛ لأنهُ وقتُ التصرُّف بالإتلافِ فلا بدَّ أنْ يتقدَّمَهُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيْهِ إِلَّا بِأَكْلٍ، أيْ فلا يتصرَّفُ فيه بِهِبَةٍ وبيعٍ كما لا يُعِيْرُ المستعارَ، وَلَهُ أَخْذُ مَا يَعْلَمُ رِضَاهُ بِهِ، لأنَّ مَدَارَ الضيافَةِ على طِيْبِ النفسِ فإذا تحقَّقَ ولو بالقرينةِ رَتَّبَ عليهِ مقتضاهُ، ويختلفُ ذلك بقدرِ المأخُوذِ وجنسِهِ ومجالِ الْمُضَيِّفِ وبالدعوةِ، فإنْ شَكَّ في وقوعِهِ في مَحِلِّ الْمُسَامَحَةِ فالأصحُّ التحريمُ.

وَيَحِلُّ نَثْرُ سُكَّرٍ، أي وهو رميُهُ مفرَّقًا، وَغَيْرِهِ لى الإِمْلَاكِ، أيْ كالجَوْزِ واللَّوْزِ وكذا الدَّرَاهِمَ والدَّنَانِيْرَ كما ذكرهُ المسعوديُّ وإنْ سكَتَ عنهُ الأكثرونَ، وَلَا يُكْرَهُ في الأصَحِّ، أيْ بلْ تركُهُ أَوْلى؛ لأنهُ وَرَدَ فعلُهُ، والثانى: نَعَمْ، لأنَّ التقاطَهُ دَنَاءَةٌ، ونقلَهُ الماورديُّ عن الجمهورِ، والثالثُ: أنهُ مستحَبٌّ، وَيَحِلُّ الْتِقَاطُهُ، وَتَرْكُهُ أَوْلَى، أيْ إلَّا إذا عَرَفَ أنَّ النَّاثِرَ لا يُؤْثِرُ بعضَهم على بعضٍ، ولم يقدَحِ الالتقاطُ في مروءتِهِ، ونصَّ الشافعي في الأُمِّ على كراهَةِ التقاطِهِ. ونقلَهُ في الروضة من زوائدِهِ في كتابِ الشهاداتِ عن الشَّامِلِ، قال ابنُ داود: الأَوْلى أنْ يقسم النُّثَار على الحُضُورِ، أمَّا أخذُهُ من الهواءِ قبل وقُوعِهِ على الأرضِ فمكروهٌّ قطعًا، نَعَمْ؛ إنْ أخَذَهُ مَلَكَهُ.

فَرْعٌ: لو التقطَ النثارَ صبيٌّ مَلَكَهُ، وكذا لو التقطَهُ عبدٌ مَلَكَهُ سيِّدُهُ؛ والختانُ في هذا كالإِمْلَاكِ ذكرَهُ في الروضةِ من زوائدهِ.

فَائِدَةٌ: نَخْتِمُ بِهَا الْبَابَ: مِنْ أدَبِ الضَّيْفِ أنْ لا يخرُجَ إلَّا بِرِضَى صاحِبِ المنزِلِ وإذنِهِ. ومِنْ أدَبِ الْمُضَيِّفِ أنْ يُشَيِّعَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلى بابِ الدَّارِ فَهُوَ سُنَّة. وينبغي للضيفِ أنْ لا يجلُسَ في مقابلةِ حُجْرَةِ النِّساءِ وَسَتْرِهِنَّ، ولا يُكْثِرَ النظرَ إلى الموضعِ الذي يخرجُ منهُ الطعامُ، وإذا حضرَ المدعُوُّونَ وتأخَّرَ واحدٌ أو إثنانِ عن الوقتِ الموعودِ فَحَقُّ الحاضرينَ في التعجيلِ أَوْلى من حقِّهِما في التأخير إلَّا أنْ يكونَ المتأخِّرُ فقيرًا ينكسرُ قلبُهُ بذلكَ فلا بأسَ بانتظارِهِ، وينبغي أن تقدَّمَ الفاكهةُ إنْ كانَتْ لسرعَةِ انهضامِها ثم اللَّحْمُ ثم الحلاوَةُ، ويستحبُّ أنْ يكونَ على المائدَةِ الْبَقْلُ، وإذا دخلَ ضَيْفٌ لِلْمَبِيْتِ فَلْيُعَرِّفْهُ ربُّ الدارِ عند الدخولِ الْقِبْلَةَ وبيتَ الماءِ وموضِعَ الوضُوءِ،

ص: 1316

ويستحبُّ أنْ ينوِيَ بأكلِهِ وشُربِهِ التَّقَوِّيَ على الطاعَةِ، وأنْ تكونَ باليمينِ إلَّا لعذرٍ، قال الغزاليُّ: ويبدأُ بالملْحِ ونحوِهِ، ولا يكرهُ الأكلُ على المائدةِ وإنْ كانَتْ بدعةً، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يأكُلُ إلَّا على السُّفْرَةِ، ويكرَهُ الأكلُ والشربُ مضطَجِعًا؛ قال الغزالي: إلّا ما يُتَنَقَّلُ بهِ من الْحُبُوبِ، والمختارُ في الروضةِ أنَّ الشربَ قائمًا بلا عذرٍ خلافُ الأَوْلى، قال الغزاليُّ: ويكرَهُ الأكلُ قائمًا، قال: ويأكُلُ من استدارَةِ الرغيفِ إلَّا إذا قَلَّ الْخُبْزُ فيكرَهُ، ولا يقطعُ بالسكِّينِ ولا يقطعُ اللَّحْمَ ولا يوضَعُ على الخبزِ إلَّا ما يؤكَلُ بهِ، ولا يَمسَحُ يدَهُ فيهِ في الخُبْزِ، ويستحبُّ أنَّ يُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ ويُطِيْلَ مَضْغَهَا، ولا يمدُّ يدَهُ إلى أُخرى ما لم يَبْلَعْهَا، ولا ينفخُ في الطعامِ الحَارِّ ولا يجمعُ بينَ التمرِ والنوَى في طبقٍ ولا يترُكُ ما اسْتَرْذلهُ من الطعامِ في القَصْعَةِ بل يجعلُهُ في الثفلِ لِئَلَّا يلتبِسَ على غيرِهِ فيأكله، ولا يغمِسُ اللقمةَ الدَّسمَةَ في الْخَلِّ ولا الْخَلَّ في الدَّسمَةِ، وإذا قلَّلَ رفيقُهُ الأكلَ نَشَّطَهُ، ولا يزيدُ في قولهِ على ثلاثِ مرَّات، قال الغزالي: وأمَّا الحلفُ عليه بالأكلِ فممنوعٌ، ولا يقومُ حتَّى ترفَعَ المائدةُ، ولا يبتدِئُ بالطعامِ ومعهُ من يستحقُّ التقديمَ إلَّا أنْ يكونَ هو المتبوعُ، ولا يشربُ في أثناء الطعامِ إلَّا لضرورةٍ، ووردَ النهيُ عن الشربِ من ثُلْمَةِ القدح، ويستحبُّ إدارَةُ المشروبِ عن يمين المبدَّأ بالشرابِ، قال الرويانيُّ: ويكرهُ أنْ يزيدَ على قدرِ الشبع وهو ما ذكرَهُ الرافعيُّ في أواخِرِ الأطعمَةِ، وتبعَهُ في الروضة وفي الحاوي تحريمُهُ وهو ما اقتضاهُ كلامُ الشيخ عِزُّ الدِّيْنِ قال: ولا يأكل فوق ما يقتضيهِ العُرْفُ في المقدارِ، قال: وكذا لو كان الطعامُ قليلًا فأكَلَ لُقَمًا كِبارًا مُسْرِعًا مضغِها وابتلاعِها حتَّى يَحْرِمَ أصحابَهُ، ولا يكرهُ غسلُ اليدِ بالأشنانِ وإنْ كان مُحْدَثًا، قال الغزاليُّ: وكيفيَّتُهُ أنْ يغسِلَ الأصابِعَ الثلاثَ من اليمينِ أوَّلًا ويضرِبَ أصابعَهُ على الأشنانِ اليابسِ فيمسحُ به شَفتَيْهِ، ولا يكرهُ الغسلُ في الطِّسْتِ، ولهُ أنْ يَتَنَخَّمَ فيهِ إنْ كان وحدَهُ وأنْ يقدِّمَ المتبوعَ ويكونُ الخادمُ قائمًا، ويَصُبُّ صاحبُ المنزِلِ الماءَ على يَدِ ضيفِهِ، وَمِنْ آدَابِهِ حَمْدُ اللهِ تعالى في آخِرِ الأكْلِ وَالشُّرْبِ فيقولُ: الحمدُ للهِ حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فيهِ غيرُ مَكْفِىٍّ ولا مكفورٌ ولا مودِّعٌ ولا مستغني عنهُ رَبُّنا، ومن آدَابِهِ أن يَتَبَسمَلَ أوَّلًا جهْرًا فإنْ تركَ

ص: 1317

قالَ: بسمِ اللهِ أولهِ وأخرِه، ويكفى التسميةُ من واحدٍ، وقال الغزاليُّ: يقولُ مع اللُّقمةِ الأُوْلى: بسمِ اللهِ، ويزيدُ في الثانيةِ: الرَّحْمَنِ، وفي الثالثة: الرَّحِيْمِ، وأنْ يغسِلَ يديهِ قبلَ الأكلِ وبعدَهُ وغَسَلَهُمَا مالكٌ رحمه الله أوَّلَ القومِ وآخِرَهُم وقال: هُوَ الأَوْلَى، وأنْ يأكُلَ بأصابعِهِ الثلاثِ وأنْ يدعُو لصاحِبِ الطعامِ إنْ كانَ ضيفًا فيقولُ: أكلَ طعامَكُمُ الأبرارُ وأفطَرَ عندكُمُ الصائمونَ وَصَلَّتْ عليكُمُ الملائكةُ، وإنْ كان صائمًا دَعَى أيضًا، قال الغزاليُّ: وإنْ أكلَ طعامًا حَلَالًا قال: الحمدُ للهِ الَّذي بنعمتِهِ تَتِم الصالحاتُ وتنزِلُ البركاتُ، اللَّهُمَّ أَطْعِمْنَا طيِّبًا وَاسْتَعْمِلْنَا صَالِحًا، وإنْ كانَ فيه شبهةٌ قال: الحمدُ للهِ على كُلِّ حالٍ، اللَّهُمَّ لا تجعلْهُ قوَّةً لنا على معصِيَتكَ، قال: ويقرأ بعدَ الطعامِ {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، وإنْ كانَ المأكولُ لَبَنًا قالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فيما رزقتَنَا وزِدْنا منهُ، وإنْ كانَ المأكولُ غيرَهُ قال: اللَّهُم بارِكْ لنَا فيما رزقتنا وَارْزُقْنَا خَيْرًا منهُ، ويكرهُ أنْ يأكلَ مُتَّكِئًا، وأنْ يأكلَ مما يَلِي أَكِيْلَهُ، وأنْ يأكلَ من وسطِ الْقَصْعَةِ وأعلَى الثَّرِيْدِ ونحوِهِ، وخصَّهُ بعضُهم بما إذا أكلَ مع غيرهِ، ولا بأسَ بذلك في الفواكِهِ، ونصَّ الشافعىُّ في الاُمِّ على تحريمِ أكلِهِ من غيرِ ما يليهِ ومن رأسِ الطعامِ إذا كان عالِمًا بالنهي، وكذا نصَّ عليهِ في البويطيِّ والرسالَةِ، ويكرهُ أنْ يَعِيْبَ الطعامَ ولا بأسَ بقولهِ لَا أَشْتَهِيْهِ وما اعتدْتُ أكلَهُ لحديثِ الضَّبِّ (505)، ويكرهُ أنْ يَقْرِنَ بين تمرتينِ ونحوِهما كما في الروضةِ تبعًا

(505) * عن ابن عمر رضى الله عنهما؛ يقولُ: قالَ النبِى صلى الله عليه وسلم: [الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ، وَلَا أُحَرِّمُهُ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب الذبائح والصيد: باب الضَّبِّ: الحديث (5536).

* عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ عن خالد بن الوليد رضي الله عنه؛ أنهُ دَخَلَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتَ مَيْمُوْنَةَ؛ فَأتِىَ بِضَبٍّ مَحْنُودٍ، فَأهْوَى إِلَيْهِ رسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ؛ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أخْبِرُواْ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا يرُيْدُ أنْ يأكُلَ، فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ! يَا رَسُوْلَ اللهِ، فَرفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ فَقَالَ: [لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قوْمِي فَأجِدُنِي أعَافُهُ] قالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ. رواه البخاري في الصحيح: الحديث (5537).

ص: 1318

للرافعيِّ، وفصلَ في غيرها بين الطعامِ المشتركِ وغيرهِ، ويكرهُ أنْ يَتَنَفَّسَ في الإناءِ وأنْ يَنْفُخَ فيهِ، وإذا أكلَ جماعةٌ فالأدبُ أنْ يتحدَّثُوا على طعامهمْ بما لا إِثْمَ فيهِ، ويكرهُ أن يَتَمَخَّطَ وَيَبْزُقَ في حالِ أكلِهِمْ إلَّا لضرورةٍ، ويكرهُ أنْ يُقَرِّبَ فَمَهُ منَ الْقِصْعَةِ بحيثُ يرجِعَ من فمِهِ إليها شَيْءٌ، ويستحبُّ أنْ يَلْعَقَ القصعةَ، وأنْ يَلْعَقَ أصابعَهُ وأنْ يأكُلَ اللقمَةَ الساقطَةَ ما لم تَتَنجَّسْ ويتعذَّرُ تطهيرُها، والأوْلى أنْ لا يأكلَ وحدَهُ وأن لا يرتفِعَ عن مُوَاكَلَةِ الغلامِ ونحوِه، وأنْ لا يتميَّزَ عن جُلَسَائِهِ بنوعٍ إلَّا لحاجةٍ كدواءٍ ونحوِهِ، وأن يمُدَّ الأكلَ مع رِفْقَتِهِ ما دامَ يَظُنُّ لهم حاجةُ الأكلِ، وأن يُؤْثِرَهُمْ بفاخِرِ الطعامِ، ويستحبُّ التَّرحِيْبُ بالضيفِ وحمدُ اللهِ تعالى على حصولهِ ضَيْفًا عندَهُ وسرورُهُ بهِ وثناؤُهُ عليهِ يجعلِهِ أهْلًا لتضييفِهِ، ورأيتُ في كتابِ الخصالِ لأبي بكرِ الخفَّافِ من أصحابنا: أنَّ من سُنَنِ الأكلِ قِلَّةَ النظرِ في وجهِ صاحِبِكَ والجلوسَ على إحدَى راحتَيْكَ والرضى والشكرُ، وله آدابٌ أُخرى وفي هذا كفايةٌ لِمَنْ وُفِّقَ

ص: 1319