المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب من سأل وهو قائم عالما جالسا) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري - جـ ٢

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌(كتاب الْعلم)

- ‌(بابُ فَضْلِ العِلْمِ)

- ‌(بَاب مَنْ سُئِلَ عِلْماً وَهوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أجابَ السَّائِلَ

- ‌(بابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعلْمِ)

- ‌(بَاب قَوْلِ المُحَدِّثِ: حدّثنا أوْ أخْبَرَنَا وأنْبأَنَا)

- ‌(بَاب طرْحِ الإِمَامِ المَسْألَةَ عَلى أصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ)

- ‌(بابٌ القِرَاءَةُ والعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ)

- ‌(بَاب مَا يُذْكَرُ فِي المُناوَلَةِ)

- ‌(بَاب مَنْ قعَدَ حَيْث يَنْتَهِي بِه المَجْلِسُ ومَنْ رَأى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها)

- ‌(بَاب قَولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم رُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سامِعٍ)

- ‌(بابٌ العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ لِقولِهِ تَعَالَى {فاعلَمْ أنَّهُ لَا إلَهَ إلَاّ الله} (مُحَمَّد: 19) فبَدَأ بالعلْمِ)

- ‌(بَاب مَا كانَ النبيُّ يَتَخَوَّلُهُمْ بالموْعِظَةِ والعِلْمِ كَي لَا يَنْفِرُوا)

- ‌(بَاب مَنْ جَعَلَ لأهْلِ العِلْمِ أيَّاماً مَعلُومَةً)

- ‌(بَاب مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْراً يُفَقِّههُ فِي الدِّينِ)

- ‌(بَاب الفَهمِ فِي العِلْمِ)

- ‌(بَاب الاغْتِباطِ فِي العِلْمِ والحِكْمَةِ)

- ‌(بَاب مَا ذُكِرَ فِي ذَهابِ مُوسَى صَلَّى الله عَلَيْهِ فِي البَحْرِ إِلى الخضِرِ)

- ‌(بَاب قوْل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ)

- ‌(بَاب متَى يَصِحُّ سَماعُ الصَّغِيرِ)

- ‌(بابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ)

- ‌(بَاب فَضْل مَنْ عَلِمَ وعلَّمَ)

- ‌(بَاب رفْعِ العِلْمِ وظُهُورِ الجَهْلِ)

- ‌(بابُ فَضْلِ العلْمِ)

- ‌(بَاب الفُتْيا وهْوَ واقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وغَيْرها)

- ‌(بَاب مَنْ أجَاب الفُتْيا باشارَةِ اليَدِ والرَّأسِ)

- ‌(بَاب تحْرِيضِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى أنْ يَحْفَظُوا الإِيمانَ والعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ)

- ‌(بَاب الرِّحْلةِ فِي المَسْألَةِ النَّازِلِةِ وتَعْلِيمِ أهْلِهِ)

- ‌(بَاب التَّناوُبِ فِي العِلْمِ)

- ‌(بَاب الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ والتَّعْلِيمِ إِذَا رَأى مَا يَكْرَهُ)

- ‌(بابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبتَيْهِ عِنْدَ الإِمامِ أَو المُحِدِّثِ)

- ‌(بَاب مَنْ أعادَ الحَدِيثَ ثَلاثاً لِيُفْهَمَ عَنْهُ)

- ‌(بَاب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أمَتَهُ وأهْلَهُ)

- ‌(بَاب عِظَةِ الإِمامِ النِّساءَ وتَعْلِيمهنَّ)

- ‌(بابُ الحِرْصِ علَى الحدِيثِ)

- ‌(بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ)

- ‌(بابٌ هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّساءِ يَوْمٌ علَى حِدَةٍ فِي العِلْم)

- ‌(بابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئاً فَرَاجَعَهُ حَتَّى يَعْرِفَهُ)

- ‌(بابٌ لِيُبَلّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغائبَ)

- ‌(بابُ إثْمِ مَنْ كَذَبَ علَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بابُ كِتَابَةِ العلْمِ)

- ‌(تَابعه معمر عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة)

- ‌(بابُ العِلْمِ والعِظَةِ باللَّيْلِ)

- ‌(بابُ السَّمَر فِي العِلْمِ)

- ‌(بابُ حِفْظِ العِلْمِ)

- ‌(بابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ)

- ‌(بابُ مَا يُسْتَحَبُّ للْعَالِمِ إذَا سُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أعْلَمُ؟ فَيَكِلُ العِلْمَ إلَى اللَّهِ)

- ‌(بابُ مَنْ سَأَلَ وَهُوَ قائِمٌ عالِما جالِسا)

- ‌(بابٌ السُّؤَال والفُتْيا عِنْدَ رَمْيِ الجِمارِ)

- ‌(بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلَاّ قَلِيلاً} )

- ‌(بَاب من خص بِالْعلمِ قوما دون قوم كَرَاهِيَة أَن لَا يفهموا)

- ‌(بَاب الْحيَاء فِي الْعلم)

- ‌(بَاب من استحيا فَأمر غَيره بالسؤال)

- ‌(بَاب ذكر الْعلم والفتيا فِي الْمَسْجِد)

- ‌(بَاب من أجَاب السَّائِل بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ)

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌(كتاب الْوضُوء)

- ‌(بَاب مَا جَاءَ فِي الْوضُوء وَقَول الله تَعَالَى {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ} )

- ‌(بَاب لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور)

- ‌(بَاب فضل الْوضُوء والغر المحجلون من آثَار الْوضُوء)

- ‌(بَاب لَا يتَوَضَّأ من الشَّك حَتَّى يستيقن)

- ‌(بَاب التَّخْفِيف فِي الْوضُوء)

- ‌(بَاب إسباغ الْوضُوء)

- ‌(بَاب غسل الْوَجْه باليدين من غرفَة وَاحِدَة)

- ‌(بَاب التَّسْمِيَة على كل حَال وَعند الوقاع)

- ‌(بَاب مَا يَقُول عِنْد الْخَلَاء)

- ‌(بَاب وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء)

- ‌(بَاب لَا تسْتَقْبل الْقبْلَة بغائط أَو بَوْل إِلَّا عِنْد الْبناء جِدَار أَو نَحوه)

- ‌(بَاب من تبرز على لبنتين)

- ‌(بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى البرَاز)

- ‌(بَاب التبرز فِي الْبيُوت)

- ‌(بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ)

- ‌(بَاب من حمل مَعَه المَاء لطهوره)

- ‌(بَاب حمل العنزة مَعَ المَاء فِي الِاسْتِنْجَاء)

- ‌(بَاب النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ)

- ‌(بَاب لَا يمسك ذكره بِيَمِينِهِ إِذا بَال)

- ‌(بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ)

- ‌(بَاب لَا يستنجى بروث)

الفصل: ‌(باب من سأل وهو قائم عالما جالسا)

صورتيهما صُورَة الْمُنكر، وَكَانَ صَحِيحا فِي نفس الْأَمر لَهُ حِكْمَة بَيِّنَة، لَكِنَّهَا لَا تظهر لِلْخلقِ فَإِذا علمهمْ الله تَعَالَى بهَا علموها، وَلِهَذَا قَالَ:{وَمَا فعلته عَن أَمْرِي} (الْكَهْف: 82) الثَّانِي عشر: قَالَ ابْن بطال: وَفِيه أصل وَهُوَ: مَا تعبد الله تَعَالَى بِهِ خلقه من شَرِيعَته يجب أَن يكون حجَّة على الْعُقُول، وَلَا تكون الْعُقُول حجَّة عَلَيْهِ، أَلا ترى أَن إِنْكَار مُوسَى، عليه الصلاة والسلام، كَانَ صَوَابا فِي الظَّاهِر، وَكَانَ غير ملوم فِيهِ، فَلَمَّا بيَّن الْخضر وَجه ذَلِك صَار الصَّوَاب الَّذِي ظهر لمُوسَى فِي إِنْكَاره خطأ، وَالْخَطَأ الَّذِي ظهر لَهُ من فعل الْخضر صَوَابا، وَهَذَا حجَّة قَاطِعَة فِي أَنه يجب التَّسْلِيم لله تَعَالَى فِي دينه وَلِرَسُولِهِ فِي سنته، واتهام الْعُقُول إِذا قصرت عَن إِدْرَاك وَجه الْحِكْمَة فِيهِ. الثَّالِث عشر: فِيهِ أَن قَوْله: {وَمَا فعلته عَن أَمْرِي} (الْكَهْف: 82) يدل على أَنه فعله بِالْوَحْي، فَلَا يجوز لأحد أَن يقتل نفسا لما يتَوَقَّع وُقُوعه مِنْهَا، لِأَن الْحُدُود لَا تجب إِلَّا بعد الْوُقُوع، وَكَذَا لَا يقطع على أحد قبل بُلُوغه، لِأَنَّهُ إِخْبَار عَن الْغَيْب، وَكَذَا الْإِخْبَار عَن أَخذ الْملك السَّفِينَة، وَعَن اسْتِخْرَاج الغلامين الْكَنْز، لِأَن هَذَا كُله لَا يدْرك إلَاّ بِالْوَحْي. الرَّابِع عشر: فِيهِ حجَّة لمن قَالَ بنبوة الْخضر، عليه الصلاة والسلام. الْخَامِس عشر: قَالَ القَاضِي: فِيهِ جَوَاز إِفْسَاد بعض المَال لإِصْلَاح بَاقِيه، وخصاء الْأَنْعَام، وَقطع بعض آذانها لتميز.

الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: فِي قَوْله: (فَإِنِّي نسيت الْحُوت) كَيفَ نسي ذَلِك وَمثله لَا ينسى لكَونه أَمارَة على الْمَطْلُوب، وَلِأَن ثمَّة معجزتين: حَيَاة السَّمَكَة المملوحة الْمَأْكُول مِنْهَا على الْمَشْهُور، وانتصاب المَاء مثل الطاق ونفوذها فِي مثل السرب مِنْهُ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ قد شغله الشَّيْطَان بوسواسه والتعود بمشاهدة أَمْثَاله عِنْد مُوسَى، عليه الصلاة والسلام، من الْعَجَائِب والاستئناس بأخواته مُوجب لقلَّة الاهتمام بِهِ. وَمِنْهَا مَا قيل: فِي قَوْله: (على أَن تعلمني مِمَّا علمت رشدا) أما دلّت حَاجته إِلَى التَّعَلُّم من آخر فِي عَهده أَنه كَمَا قيل: مُوسَى بن مِيشَا لَا مُوسَى بن عمرَان، لِأَن النَّبِي يجب أَن يكون أعلم أهل زَمَانه وإمامهم المرجوع إِلَيْهِ فِي أَبْوَاب الدّين؟ أُجِيب: لَا غَضَاضَة بِالنَّبِيِّ فِي أَخذ الْعلم من نَبِي مثله، وَإِنَّمَا يغض مِنْهُ أَن يَأْخُذ مِمَّن دونه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا الْجَواب لَا يتم على تَقْدِير ولَايَته. قلت: هَذَا الْجَواب للزمخشري، وَهُوَ قَائِل بنبوته، كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور، بل هُوَ رَسُول وَيَنْبَغِي اعْتِقَاد ذَلِك لِئَلَّا يتوسل بِهِ أهل الزيغ وَالْفساد من المبتدعة الْمَلَاحِدَة فِي دَعوَاهُم: أَن الْوَلِيّ أفضل من النَّبِي، نَعُوذ بِاللَّه تَعَالَى من هَذِه الْبِدْعَة. وَقَالَ بَعضهم: وَفِي هَذَا الْجَواب نظر، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم نفي مَا أوجب. قلت: هَذِه الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة، فَلَو بَين وَجههَا لأجيب عَن ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: فِي قَوْله: فحملوهما، وهم ثَلَاثَة. فَقَالَ: كلموهم بِلَفْظَة الْجمع، فَلم قَالَ: فحملوهما بالتثنية؟ أُجِيب: بِأَن يُوشَع كَانَ تَابعا فَاكْتفى بِذكر الأَصْل عَن الْفَرْع. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن نِسْبَة النقرة إِلَى الْبَحْر نِسْبَة المتناهي إِلَى المتناهي، وَنسبَة علمهما إِلَى علم الله نِسْبَة المتناهي إِلَى غير المتناهي، وللنقرة إِلَى الْبَحْر فِي الْجُمْلَة نِسْبَة مَا بِخِلَاف علمهما، فَإِنَّهُ لَا نِسْبَة لَهُ إِلَى علم الله. أُجِيب: بِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ التَّشْبِيه فِي الْقلَّة والحقارة، لَا الْمُمَاثلَة من كل الْوُجُوه. وَمِنْهَا مَا قيل: مَتى كَانَت قصَّة الْخضر مَعَ مُوسَى عليهما السلام؟ أُجِيب: حَيْثُ كَانَ مُوسَى فِي التيه، فَلَمَّا فَارقه الْخضر رفع إِلَى قومه وهم فِي التيه. وَقيل: كَانَت قبل خُرُوجه من مصر. وَالله أعلم.

45 -

(بابُ مَنْ سَأَلَ وَهُوَ قائِمٌ عالِما جالِسا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سَأَلَ، وَالْحَال أَنه قَائِم، عَالما جَالِسا. و: من، مَوْصُولَة، و: الْوَاو، للْحَال. و: عَالما، مفعول: سَأَلَ. و: جَالِسا، صفة: عَالما. ومقصود البُخَارِيّ أَن سُؤال الْقَائِم الْعَالم الْجَالِس لَيْسَ من بَاب من يتَمَثَّل لَهُ النَّاس قيَاما، بل هَذَا جَائِز إِذا سلمت النَّفس فِيهِ من الْإِعْجَاب.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي كل مِنْهُمَا سؤالاً عَن الْعَالم، وَهَذَا لِأَن فِي الأول سُؤال مُوسَى عَن الْخضر، وَفِي هَذَا سُؤال الْقَائِم عَن الْعَالم الْجَالِس.

123 -

حدّثنا عُثْمانُ قالَ: أخبرنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبي وَائلٍ عَن أبي مُوسَى قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يَا رَسُول اللَّهِ! مَا القتالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فإنّ أحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبا ويُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إلَيْهِ رأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ إلَاّ أنَّهُ كانَ قائِما، فقالَ: (مَنْ قاتَلَ لِتَكونَ كَلِمةُ اللَّهِ هيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل .

ص: 196

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا رفع إِلَيْهِ رَأسه إلَاّ أَنه كَانَ قَائِما) .

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا كلهم، وَعُثْمَان هُوَ ابْن أبي شيبَة، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة، وَفِي كتاب الْخمس فِي: بَاب من قَاتل للمغنم هَل ينقص من أجره عَن بنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة، وَفِي التَّوْحِيد عَن مُحَمَّد بن كثير عَن الثَّوْريّ عَن الشّعبِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن غنْدر عَن شُعْبَة بن عَمْرو بن مرّة وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن نمير وَابْن رَاهَوَيْه عَن جرير عَن مَنْصُور، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي وَائِل عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن حَفْص بن عَمْرو عَن شُعْبَة، وَعَن عَليّ بن مُسلم عَن أبي دَاوُد عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة، قَالَ: سَمِعت عَن أبي وَائِل حَدِيثا أعجبني، فَذكر مَعْنَاهُ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير بِهِ.

بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا عداهُ بِكَلِمَة الِانْتِهَاء مَعَ أَن: جَاءَ، جَاءَ مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ إشعارا بِأَن الْمَقْصُود بَيَان انْتِهَاء الْمَجِيء إِلَيْهِ. قَوْله: (فَقَالَ) عطف على قَوْله: (فجَاء) . قَوْله: (مَا الْقِتَال؟) مُبْتَدأ وَخبر وَقع مقولاً لِلْقَوْلِ. قَوْله: (فَإِن أَحَدنَا) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (يُقَاتل)، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: إِن. قَوْله: (غَضبا) نصب على أَنه مفعول لَهُ، وَالْغَضَب حَالَة تحصل عِنْد غليان الدَّم فِي الْقلب لإِرَادَة الانتقام. قَوْله:(حمية)، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: نصب على أَنه مفعول لَهُ أَيْضا. قَالَ الْجَوْهَرِي: حميت عَن كَذَا حمية، بِالتَّشْدِيدِ، وتحمية إِذا أنفت مِنْهُ وداخلك عَار وأنفة أَن تَفْعَلهُ. وَقَالَ غَيره: الحمية هِيَ الْمُحَافظَة على الْحرم. وَقيل: هِيَ الأنفة والغيرة والمحاماة عَن الْعَشِيرَة، وَالْأول: إِشَارَة إِلَى مُقْتَضى الْقُوَّة الغضبية، وَالثَّانِي: إِلَى مُقْتَضى الْقُوَّة الشهوانية. أَو الأول: لأجل دفع الْمضرَّة، وَالثَّانِي: لأجل جلب الْمَنْفَعَة. قَوْله: (فَرفع إِلَيْهِ) أَي: فَرفع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى السَّائِل. قَوْله: (وَمَا رفع إِلَيْهِ رَأسه إِلَّا أَنه كَانَ قَائِما) ، ظَاهره أَن الْقَائِل هُوَ أَبُو مُوسَى، وَيحْتَمل أَن يكون من دونه فَيكون مدرجا فِي أثْنَاء الْخَبَر، وَهُوَ اسْتثِْنَاء مفرغ وَأَن مَعَ اسْمهَا وخبرها فِي تَقْدِير الْمصدر أَي: مَا رفع لأمر من الْأُمُور إِلَّا لقِيَام الرجل. قَوْله: (قَالَ) أَي النَّبِي صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ الْجَواب عَن سُؤال السَّائِل الْمَذْكُور. فَإِن قلت: السُّؤَال عَن مَاهِيَّة الْقِتَال، وَالْجَوَاب لَيْسَ عَنْهَا بل عَن الْمقَاتل. قلت: فِيهِ الْجَواب وَزِيَادَة، أَو أَن الْقِتَال بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل أَي: الْمقَاتل، بِقَرِينَة لفظ: فَإِن أَحَدنَا. وَلَفْظَة: مَا إِن قُلْنَا: إِنَّه عَام للْعَالم وَلغيره فَظَاهر، وَإِن قُلْنَا إِنَّه لغيره فَكَذَلِك إِذا لم يعْتَبر معنى الوصفية فِيهِ إِذْ صَرَّحُوا بِنَفْي الْفرق بَين الْعَالم وَغَيره عِنْد اعْتِبَارهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، فِي قَوْله تَعَالَى:{بل لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض كل لَهُ قانتون} (الْبَقَرَة: 116) فَإِن قلت: كَيفَ جَاءَ بِمَا الَّذِي لغير أولي الْعلم مَعَ قَوْله: {قانتون} ؟ قلت: هُوَ كَقَوْلِه: سُبْحَانَ مَا سخركن لنا، أَو نقُول: ضمير (فَهُوَ) رَاجع إِلَى الْقِتَال الَّذِي فِي ضمن قَاتل، أَي: فقتاله قتال فِي سَبِيل الله. فَإِن قلت: فَمن قَاتل لطلب ثَوَاب الْآخِرَة أَو لطلب رضى الله تَعَالَى عَنهُ فَهَل هُوَ فِي سَبِيل الله؟ قلت: نعم لِأَن طلب إعلاء الْكَلِمَة، وَطلب الثَّوَاب والرضى كلهَا متلازمة، وَحَاصِل الْجَواب أَن الْقِتَال فِي سَبِيل الله قتال منشؤه الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة لَا الْقُوَّة الغضبية أَو الشهوانية، وانحصار القوى الإنسانية فِي هَذِه الثَّلَاث مَذْكُور فِي مَوْضِعه. قَوْله:(لتَكون)، أَي: لِأَن تكون، وَاللَّام: لَام كي. قَوْله: (كلمة الله) أَي: دَعوته إِلَى الْإِسْلَام. وَقيل: هِيَ قَوْله: لَا إِلَه إِلَّا الله. قَوْله: (هِيَ) ، فصل، أَو مُبْتَدأ. وفيهَا تَأْكِيد فضل كلمة الله تَعَالَى فِي الْعُلُوّ، وَأَنَّهَا المختصة بِهِ دون سَائِر الْكَلَام. قَوْله:(فَهُوَ) مُبْتَدأ. و (فِي سَبِيل الله) خبر لقَوْله: (من) ، وَإِنَّمَا دخلت الْفَاء لتضمن من معنى الشَّرْط.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بَيَان أَن الْأَعْمَال إِنَّمَا تحسب بِالنِّيَّاتِ الصَّالِحَة. الثَّانِي: فِيهِ أَن الْإِخْلَاص شَرط فِي الْعِبَادَة، فَمن كَانَ لَهُ الْبَاعِث الدنياوي فَلَا شكّ فِي بطلَان عمله، وَمن إِذا كَانَ الْبَاعِث الديني أقوى فقد حكم الْحَارِث المحاسبي بِإِبْطَال الْعَمَل تمسكا بِهَذَا الحَدِيث، وَخَالفهُ الْجُمْهُور وَقَالُوا: الْعَمَل صَحِيح. وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: إِذا ابْتَدَأَ الْعَمَل بِهِ لَا يضرّهُ مَا عرض بعده من عجب يطْرَأ عَلَيْهِ. الثَّالِث: فِيهِ أَن الْفضل الَّذِي ورد فِي الْمُجَاهدين يخْتَص بِمن قَاتل لإعلاء كلمة الله تَعَالَى. الرَّابِع: فِيهِ أَنه لَا بَأْس أَن يكون المستفتي وَاقِفًا إِذا كَانَ هُنَاكَ عذر، وَكَذَلِكَ طلب الْحَاجة. الْخَامِس: فِيهِ إقبال الْمُتَكَلّم على الْمُخَاطب. السَّادِس:

ص: 197