المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الخامس:قيامه صلى الله عليه وسلم عليها بالعدل - فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها - - جـ ٢

[إبراهيم بن عبد الله المديهش]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأول: الأحاديث الواردة في سيرتها

- ‌الفصل الأول: حالها مع أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الأول:ولادتها، وترتيبها بين أخواتها

- ‌ مِن الرافضة (مَن ينكر أن تكون زينب ورقية وأم كلثوم من بنات النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ ليس لزينب، ولا رقية، ولا أم كلثوم، عَقِبٌ، وإنما العقِبُ لفاطمة رضي الله عنهن

- ‌المبحث الثاني:تسميتها فاطمة، ونسبها، وكنيتها، ولقبها

- ‌اسمها، وسبب التسمية:

- ‌ أربعاً وعشرين صحابية، تُسمَّى…(فاطمة)

- ‌(الفواطم اللاتي ولدنه صلى الله عليه وسلم

- ‌الوقوف في نسب النبي صلى الله عليه وسلم على عدنان:

- ‌ روي النسب الشريف عن ابن إسحاق من طريقين بينهما اختلاف

- ‌ الكنى عند العرب

- ‌ الصِّدِّيقَة

- ‌ مِن آثار ابتداع الألقابِ للصحابة والآل رضي الله عنهم

- ‌المبحث الثالث:شبهها بأبيها محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌ أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم الخِلْقِيَّة:

- ‌حِسَابِ الجُمَّل

- ‌ هَدْي النبيِّ صلى الله عليه وسلم في مِشيته

- ‌المِشْيَات عَشْرةُ أنواع:

- ‌المبحث الرابع:نفقة النبي صلى الله عليه وسلم عليها

- ‌(الفواطم)

- ‌المبحث الخامس:قيامه صلى الله عليه وسلم عليها بالعدل

- ‌المبحث السادس:حالها في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ نسج أهل البدع من الرافضة وغيرهم أكاذيب كثيرة، في حزنها ومأتمها، مما تُنَزَّهُ عنه نساءُ المؤمنين، فكيف بسيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها

- ‌لأهل التشيع ولَعٌ بوضع الشعر على لسان آل البيت

- ‌المبحث السابع:طلبها ميراث أبيها صلى الله عليه وسلم

- ‌صدقاتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وما خلَّفَه:

- ‌الفصل الثاني: زواجها بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وفيه خمسة مباحث:

- ‌المبحث الأول:خطبتها، ومشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لها في زواجها

- ‌كلُّ حديثٍ فيه أنَّ اللَّه أوحى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم بتزويح فاطمة علياً؛ فهو مَوضوع

الفصل: ‌المبحث الخامس:قيامه صلى الله عليه وسلم عليها بالعدل

‌المبحث الخامس:

قيامه صلى الله عليه وسلم عليها بالعدل

.

17.

[1] قال الإمام مسلم رحمه الله: حدَّثَني أبو الطَّاهر، وحرْمَلةُ بن يحيى، واللفظ لحَرمَلَة، قالا: أخْبرَنا ابنْ وَهْب، قال: أخْبَرني يُونُس بن يَزيد، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: أخبَرني عُروَةُ بنُ الزُّبَير، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ قُرَيْشَاً أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:«أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله» ؟ ، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ الله.

فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ، قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ:«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» .

ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا.

ص: 297

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

[«الجامع الصحيح» للإمام مسلم، (ص 700)، كتاب الحدود، حديث رقم (1688)]

ص: 298

تخريج الحديث:

ــ أخرجه: الإمام مسلم ـ كما سبق ـ عن أبي الطاهر، وحرملة بن يحيى.

والبخاري في «صحيحه» (ص 813)، كتاب المغازي، باب مَن شهد الفتح، حديث (4304) عن محمد بن مقاتل.

(1)

ثلاثتهم: عن عبدالله بن وهب، عن يونس.

ـ وأخرجه البخاري في «صحيحه» (ص 669)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (54)، حديث (3475)، ومسلم في «صحيحه»

(ص 700)، كتاب الحدود، حديث رقم (1688) من طريق الليث.

كلاهما: (يونس، والليث) عن ابن شهاب الزهري، به.

18.

[2] قال الإمام مسلم: حدثني سَلَمةُ بن شَبِيْب، قال: حَدَّثَنا الحسَنُ بنُ أعْيُن، قال: حدَّثَنَا مَعْقِلُ، عَن أبي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«وَالله لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» ، فَقُطِعَتْ.

[«الجامع الصحيح» للإمام مسلم، (ص 701)، كتاب الحدود، حديث رقم (1688)]

تخريج الحديث:

ــ أخرجه: الإمام مسلم ـ كما سبق ـ من طريق معقل بن يسار.

ــ وأخرجه: الإمام أحمد في «مسنده» (23/ 346) رقم (15149) عن الحسن بن موسى الأشيب، عن ابن لهيعة.

و (23/ 402) رقم (15247) من طريق عبدالرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة.

ثلاثتهم: (معقل، وابن لهيعة، وموسى بن عقبة) عن أبي الزبير، به.

ــ حديث ابن لهيعة: فيه أنها عاذت بأسامة بن زيد حِبُّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

ــ وحديث موسى: عاذت بربيبِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم

وفي

(1)

وفيه: (أخبرني عروة بن الزبير، أنَّ امرأة سرقت). قال الدارقطني في «العلل»

(14/ 118) رقم (3466): (مرسلاً، ورفعه في آخر الحديث). وقال ابن حجر في

«فتح الباري» (8/ 25): (كذا فيه بصورة الإرسال، لكن في آخره ما يقتضي أنه عن عائشة، لقوله في آخره: قالت عائشة: «فكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها»).

ص: 299

آخر الحديث: قال ابن أبي الزناد: وكان ربيبُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: سلمةَ بن أبي سلمة، وعمر بن أبي سلمة، فعاذت بأحدهما.

ــ ابن لهيعة، فيه ضعف. وعبدالرحمن بن أبي الزناد، قال عنه في

«التقريب» (ص 373): صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقهياً. وموسى بن عقبة بن أبي عياش، ثقة، فقيه، إمام في المغازي، كما في

«التقريب» (ص 582).

إن صحَّت الطرق الأخرى، فتكون المرأة استعاذت بوَاحدٍ تِلْوَ الآخَر، حتى شَفَعَ فيها أسامةُ بنُ زيد، وإلا فالمقدَّمُ ما في الصحِيحَين.

(1)

* * *

(1)

وانظر: «فتح الباري» لابن حجر (12/ 94).

ص: 300

19.

[3] قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه قال: قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلَ اللهُ عز وجل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، قال:«يا معشر قريش ـ أو كلمةً نحوها ـ اشتروا أنفسكم، لا أُغْنِي عنكم من اللهِ شيئاً، يا بني عبدِ مَناف لا أُغنِي عنكم من الله شيئاً، يا عباسَ بنَ عبد المطلب لا أُغنِي عنك من الله شيئاً، ويا صفيةَ عمَّةَ رسولِ الله لا أُغنِي عنكِ من الله شيئاً، ويا فاطمةَ بنتَ محمَّد سَلِيْنِي ما شِئتِ من مالي، لا أُغنِي عنكِ من الله شَيئاً» .

[«الجامع الصحيح» للبخاري (ص 530)، كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب، حديث (2753)]

تخريج الحديث:

ـ أخرجه البخاري في «صحيحه» ـ كما سبق ـ وأخرجه أيضاً

(ص 678)، كتاب المناقب، باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية، حديث (3527) ـ مختصراً ـ، و (ص 929)، كتاب التفسير، باب

(وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك)، حديث (4771) ـ بمثله ـ

ص: 301

من طريق أبي اليمان، عن شعيب.

ومسلم في «صحيحه» (ص 113)، كتاب الإيمان، حديث (204) من طريق ابن وهب، عن يونس.

كلاهما، عن الزهري، به.

ورواه مسلم أيضاً برقم (206) من طريق زائدة، عن عبدالله بن ذكوان، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.

ورواه أيضاً برقم (204) من حديث جرير، عن عبدالملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه:

لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] دَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قُرَيْشاً فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ «يَا بَنِى كَعْبِ بْنِ لُؤَىٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِى نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّى لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئاً، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمَاً سَأَبُلُّهَا بِبَلالِهَا» .

ورواه بعده من حديث أبي عوانة، عن عبدالملك بن عمير، به. قال الإمام مسلم: وحديثُ جَريرٍ أتَمُّ، وأشبَعُ.

ص: 302

ورواه الإمام مسلم ـ أيضاً ـ من حديث عائشة رضي الله عنها برقم

(205) من طريق وكيع، ويونس بن بُكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، مختصراً.

* * *

ص: 303

الدراسة الموضوعية:

دلَّت الأحاديث الثلاثة على قيام نبينا صلى الله عليه وسلم بالعدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، امتثالاً لقول اللهِ تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (سورة النحل، آية 90 (، فمعَ حبِّه صلى الله عليه وسلم لابنتِه فاطمة رضي الله عنها وأنها ابنته الصغرى، والوحيدة التي بقيت حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلَّها، إلا أنه يُقسِم بالله ـ وهو الصادق المصدوق ـ:«أن فاطمة لو سرقَتْ لقطعتُ يدها» ! قالها مبالغة في إثبات الحدود وتطبيقها.

فلا محاباة في دين الله لأحد، والشرع يُطبَّقُ على الكبير والصغير، وبيَّن صلى الله عليه وسلم أنَّ هلاك الأمم السابقة حينما ميزت الناس في تطبيق العدل، فيطبق على الوضيع، ويترك الشريف، ثم أقسم بقيامه على ابنته فاطمة بالعدل كغيرها.

قال ابن تيمية رحمه الله: (وكان بنو مخزوم من أشرف بطون قريش، واشتد عليهم أنْ تُقطع يدُ امرأةٍ منهم، فبيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر أنَّ فاطمة ابنته ـ التي هي أشرفُ النساء ـ لو سرقت ـ وقد أعاذها الله من ذلك ـ، لقطع

ص: 305

يدها؛ لِيُبَيِّنَ: أنَّ وجوبَ العدل والتعميم في الحدود، لا يُستثنى منه بنتُ الرسول، فضلاً عن بنت غيره).

(1)

قال ابن حجر رحمه الله في شرح حديث: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت

»: (وقد ذكر ابن ماجه، عن محمد بن رمح ـ شيخه في هذا الحديث ـ

(2)

: سمعت الليث يقول عقب هذا الحديث: قد أعاذها اللهُ من أنْ تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا.

(3)

ووقع للشافعي أنه لما ذكر هذا الحديثَ قال: فذكر عضواً شريفاً من امرأةٍ شَرِيفَةٍ. واستحسنوا ذلك منه؛ لما فيه من الأدب البالغ.

وإنما خَصَّ صلى الله عليه وسلم فاطمةَ ابنتَه بالذِّكر؛ لأنها أعزُّ أهلِه عندَه،

(1)

«اقتضاء الصراط المستقيم» (1/ 330).

(2)

«سنن ابن ماجه» ، عقب حديث رقم (2547).

(3)

سبق قبل قليل قول ابن تيمية: (وقد أعاذها الله من ذلك).

قال السخاوي رحمه الله في «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التوريخ» (ص 220): (وما أحسن قول الإمام الليث بن سعد: إنه ينبغي لمن سمع حديث: «لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت؛ لقطعت يدها». أن يقول: أعاذها الله من ذلك).

قلت: ولم يقل بذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم حينما قال الحديث، ولا راويه من الصحابة، والتابعين، ومَن بعدهم، ولسنا أكثر حباً وأدباً منهم.

ص: 306

ولأنه لم يبقَ من بنَاتِه حينئذٍ غيرُها

(1)

، فأراد المبالغة في إثبات إقامةِ الحَدِّ على كلِّ مُكلَّفٍ، وتَركِ المحابَاةِ في ذلك؛ ولأن اسم السارقة وافَقَ اسمَها عليها السلام؛ فناسَب أن يَضرِبَ المثلَ بها).

(2)

قال أبو زرعة أحمد ابن العراقي رحمه الله: (فيه مبالغةٌ في النهيِّ عن المحاباة في حدودِ الله تعالى، وإنْ فُرِضَت في أبعد الناس من الوقوع فيها، وقد قال الليث بنُ سعد رحمه الله بعد روايته لهذا الحديث: «وقد أعاذها الله من ذلك» أي: حفظها من الوقوع في ذلك وحماها منه؛ إذْ هي بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كقوله تعالى {(43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ}

(سورة الحاقة، آية 44) إلى آخر الآية، وهو معصوم من ذلك.

وقد سمعنا أشياخنا رحمهم الله عند قراءة هذا الحديث يقولون: أعاذها الله من ذلك.

وبلَغَنا عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه لم ينطق هذا اللفظ إعظاماً لفاطمة رضي الله عنها، وإجلالاً لمحلِّها، وإنما قال: فذكر عضواً شريفاً من امرأة

(1)

يُشكل عليه أنَّ أم كلثوم رضي الله عنها توفيت في شعبان، سنة (9 هـ)، كما في ترجمتها:«سير أعلام النبلاء» (2/ 253)، «الإصابة» (8/ 460)، والمرأة المخزومية سَرقَت عام الفتح (8 هـ).

(2)

وانظر: «فتح الباري» لابن حجر (12/ 95).

ص: 307

شريفة. وما أحسنَ هذا وأنزهه.

والظاهرُ أنَّ ذِكر فاطمة رضي الله عنها دون غيرها؛ لأنها أفضل نساء زمانها، فهي غايةٌ

(1)

في النساء لا شيءَ بعدها، فلا يحصل تأكيد المبالغة إلا بذكرِها، وانضمَّ إلى هذا أنها عضوٌ من النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فلم يحمله ذلك على محاباتها في الحقِّ.

وفيها شيء آخر وهو: أنها مشارِكةً لهذه المرأة في الاسم، فينتقل اللفظُ والذِّهْنُ من إحداهما إلى الأخرى، وإن تبايَن ما بين المحَلَّيْن).

(2)

قلتُ: وثَمَّةَ احتِمَالٌ أراه قريباً، وهو:

أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذكر فاطمة مع وجود أم كلثوم ـ دون رقية وزينب لأنهما توفيا قَبلُ ـ، كما ذكرها من قبل في «مكة» لما نادى على الصفا

ـ في حياة جميعِ بناته ـ؛ والسبب في تخصيصها؛ لأنها أصغرُ أولاده؛ وللصغيرِ شَفَقةٌ ورَحمةٌ خاصة، وربما كان ذلك من عادة العرب في تخصيص الصغيرِ من الأولاد، في مثل هذه المواقف ـ والله أعلم ـ.

فإن صحَّ هذا الاحتمال فهو مما يُقوِّي القول المرجَّح سابقاً أنَّ فاطِمةَ أصغرُ بناتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ـ وهو قول الجمهور كما سبق ـ والله أعلم.

(1)

في المطبوع «عائشة» ، والتصحيح من ط. دار ابن الجوزي (6/ 284).

(2)

«طرح التثريب» للعراقي وابنه أحمد (8/ 35 ـ 36).

ص: 308

وفي الحديث الأخير بَيَّنَ لها أنه لن يغني عنها من اللهِ شيئاً، فعليها أن تتقي اللهَ عز وجل، ولا تتَّكِل على قُربِها من والدها صلى الله عليه وسلم

(1)

(1)

قال الشيخ الإمام: محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في كتاب «التوحيد» : (قوله صلى الله عليه وسلم للأبعد والأقرب: «لا أغني عنك من الله شيئاً» حتى قال: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئاً». فإذا صرَّحَ وهُوَ سيِّدُ المرسلين بأنه لا يُغنِي شيئاً عن سيِّدةِ نساء العالمين، وآمَنَ الإنسانُ أنه صلى الله عليه وسلم لا يقولُ إلا الحق، ثم نظَرَ فيما وقعَ في قلوبِ خواصِّ الناسِ اليوم، تبيَّن له التوحيدُ وغُربَةُ الدِّين).

علَّقَ الشيخ الإمام: محمد بن عثيمين رحمه الله في «القول المفيد على كتاب التوحيد»

(1/ 304) بقوله: (صدقَ رحمه الله فيما قال؛ فإنه إذا كان هذا القائل سيِّد المرسلين، وقاله لسيدة نساء العالمين، ثم نحن نؤمن أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق، وأنه لا يُغني عن ابنته شيئاً؛ تبيَّن لنا الآن أنَّ ما يفعلُه خواصُّ الناس ترك للتوحيد؛ لأنه يوجد أناسٌ خواصُّ يرون أنفسَهم علماءَ، ويراهم مَن حولهم علماءَ وأهلاً للتقليد، يَدْعُون الرسولَ صلى الله عليه وسلم لكشف الضرِّ، وجلبِ النفع، دعوةً صريحةً، ويردِّدُونَ:

يا أكرمَ الخلقِ ما لي مَن ألوذُ بِهِ * سِواكَ عندَ حُلُولِ الحادِثِ العَمِمِ! !

وغير ذلك من الشِّرْكِ، وإذا أُنكِرَ عليهم ذلك، ردُّوا على المنكِرِ بأنه لا يَعْرِفُ حقَّ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ومقامَه عندَ الله، وأنه سيِّد الكونِ، وما خُلِقَتْ الجنُّ والإنسُ إلا مِن أجلِهِ! ! وأنه خُلِقَ من نُورِ العرش! ! ويُلَبِّسُونَ بذلكَ على العَامَّةِ، فيُصَدِّقُهُم البعضُ لجَهْلِهِم، ولو جاءَهم مَن يدعوهُم إلى التوحيد، لم يستجيبوا له؛ لأنَّ سيِّدَهُم وعالمهَم على خلافِ التوحيد، {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ}

(سورة البقرة، آية 145)

=

ثم إن المؤمنَ عاطفتُه وميلُه للرسولِ صلى الله عليه وسلم أمرٌ لا يُنكَر، لكنَّ الإنسانَ لا ينبَغِي له أنْ يُحَكِّم العاطفة، بلْ يجبُ عليه أنْ يتَّبِعَ ما دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ، وأيَّدَهُ العقلُ الصريحُ السالمُ من الشبهات والشهوات.

ولهذا نعى الله ـ سبحانه ـ على الكفار الذين اتَّبَعُوا مَا ألِفُوا عليه آباءَهم بأنَّهُم لا يَعْقِلُون، وكلامُ المؤلِّفِ حَقٌّ؛ فإنَّ مَنْ تأمَّل ما عليه الناسُ اليومَ في كثيرٍ من البلدان الإسلامية؛ تَبيَّنَ لهُ تركُ التوحِيدِ، وغُرْبَةُ الدِّينِ).

وانظر كلاماً جميلاً على الحديث في: «تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد» للشيخ المحدِّث: سليمان بن عبدالله بن الإمام محمد بن عبدالوهاب (1/ 547).

ص: 309

وورد في حديث يرويه سماك بن حذيفة، عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: جئتُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والعباس جالس عن يمينه، وفاطمة عن يساره، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا فاطمةَ بنتَ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اعمَلي للهِ خَيراً، إني لا أغني عنكِ من اللهِ شيئاً يوم القيامة ـ قال ذلك ثلاث مرات ـ، ثم قال للعباس مثله .. إلخ

(1)

(1)

أخرجه البزار في «البحر الزخار» (7/ 320) حديث رقم (2919)، وابن الشجري في «أماليه» (2/ 33) رقم (1478) من طريق الحسن بن علي بن عفان العامري، قال: أخبرنا الحسن بن عطية ـ هو ابن نجيح القرشي ـ قال: أخبرنا قطري الخشاب، عن سماك بن حذيفة، عن حذيفة رضي الله عنه.

قال البزار بعد أن ساق حديثين بهذا الإسناد: (لا نعلمهما يرويان عن حذيفة إلا بهذا الإسناد، ولا نعلم لحذيفة ابناً يقال له: سماك، إلا في هذا الحديث).

ــ الحسن بن علي، والحسن بن عطية: صدوقان، كما في «التقريب» (ص 200)،

(ص 199).

ــ قطري الخشاب، مولى طارق. أثنى عليه أبو نعيم الفضل بن دكين، قال عنه: كان رجلاً من أهل الخير.

وقال عنه أبو حاتم، وأبو داوود السجستاني: لا بأس به. وقال ابن معين: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في «الثقات» ، قال الذهبي: محله الصدق.

ينظر: «تاريخ ابن معين رواية الدوري» (4/ 27)، «الجرح والتعديل» (7/ 148)،

«سؤالات الآجري لأبي داوود» (2/ 257) رقم (1770)، «الثقات» (7/ 346)،

«المؤتلف والمختلف» للدارقطني (4/ 1906)، «تاريخ الإسلام» (4/ 482).

ــ سماك بن حذيفة بن اليمان: لم أجد له ترجمة.

والحديث رُوي من وجه آخر عن حذيفة رضي الله عنه، وليس فيه ذكر لفاطمة رضي الله عنها:

أخرجه: الطبراني في «مسند الشاميين» (3/ 350)، وأبو نعيم في «الحلية» (5/ 208)، وقوام السنة في «الترغيب» (1/ 116) رقم (104)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق»

(12/ 269)، وغيرهم.

وانظر: «المطالب العالية» لابن حجر ـ ط. العاصمة ـ (5/ 689).

ص: 310

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعدل بين الأولاد:

فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهدَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فأتى رسولَ اللهَ صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيتُ ابني مِن عمرةَ بنتِ رواحة عَطيَّةً، فأمرتني أنْ أُشهِدُكَ يا رسولَ اللهِ، قال:«أعطيتَ سائرَ ولَدِكَ مِثلَ هذا» ؟ ، قال: لا، قال:«فاتَّقُوا اللهَ واعدِلُوا بين أولادِكُم» ، قال: فرجع فرَدَّ

ص: 311

عطيته.

(1)

ورَسولُنا صلى الله عليه وسلم إمامُ المتقين، وإمامُ العادلين، لما قسَمَ غنائم حُنين، قال له ذو الخويصرة التميمي: يا رسولَ الله، اعدِلْ، فقال صلى الله عليه وسلم:«ويلك! ومَن يعدِلْ إذا لم أعدِلْ، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» .

(2)

ولما أمر صلى الله عليه وسلم أصحابه ممن لم يسق الهدي في حجة الوداع أن يحلُّوا، ويجعلوها عمرة، فتباطؤا، قال صلى الله عليه وسلم:«قد علمتم أني أتقاكُم للهِ، وأصدَقُكم، وأبرُّكم، ولولا هَدْيي لَحللتُ كما تحلُّون، فحُلُّوا، فلو استقبلتُ من أمري ما استدبَرتُ ما أهدَيْتُ» . قال جابر رضي الله عنه: فحلَلْنا وسمعنا وأطعنا.

(3)

وقال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة رضي الله عنه لما سأله عن القبلة للصائم: «

أما والله، إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له».

(4)

* * *

(1)

أخرجه: البخاري (2587) ـ واللفظ له ـ، ومسلم (1623).

(2)

أخرجه: البخاري (3610)، (6933)، ومسلم (1063) و (1064).

(3)

أخرجه: البخاري (7367)، ومسلم (1216).

(4)

أخرجه: مسلم (1108).

ص: 312