الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
و (مَا تَعِدُنا) مِصْدَاقُهُ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: 26] .
وَالْقَصْرُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ قَصْرُ قَلْبٍ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ طَلَبِهِمْ، حَمَلَا لِكَلَامِهِمْ عَلَى ظَاهِرِهِ عَلَى طَرِيقَةِ مُجَارَاةِ الَخَصْمِ فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُمْ جَازِمُونَ بِتَعَذُّرِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَهُ كَاذِبًا وَهُمْ جَازِمُونَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَوَعَّدْهُمْ، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: إِنْ شاءَ احْتِرَاسٌ رَاجِعٌ إِلَى حَمْلِ الْعَذَابِ عَلَى عَذَابِ الدُّنْيَا.
وَمَعْنَى وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ مَا أَنْتُمْ بِنَاجِينَ وَفَالِتِينَ مِنَ الْوَعِيدِ، يُرِيدُ أَنَّ الْعَذَابَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ. وَلَعَلَّ نُوحًا- عليه السلام لَمْ يَكُنْ لَهُ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأَنْ يَحُلَّ بِهِمْ عَذَابُ الدُّنْيَا، فَلِذَلِكَ فَوَّضَهُ إِلَى الْمَشِيئَةِ أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ يُوقِنُ بِنُزُولِهِ بِهِمْ فَيَكُونُ التَّعْلِيقُ بِ إِنْ شاءَ مَنْظُورًا فِيهِ إِلَى كَوْنِ الْعَذَابِ مُعَجَّلًا أَو مُؤَخرا.
[34]
[سُورَة هود (11) : آيَة 34]
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)
عَطْفٌ عَلَى وَعْظِهِمْ بِحُلُولِ الْعَذَابِ وَتَوَقُّعِهِ بَيَانَ حَالِ مُجَادَلَتِهِ إِيَّاهُمُ الَّتِي امْتَعَضُوا مِنْهَا بِأَنَّهَا مُجَادَلَةٌ لِنَفْعِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ وَتَسْفِيهِ آرَائِهِمْ حَيْثُ كَرِهُوا مَا هُوَ نَفْعٌ لَهُمْ.
وَالنُّصْحُ: قَوْلٌ أَوْ عَمَلٌ يُرِيدُ صَاحِبُهُ صَلَاحَ الْمَعْمُولِ لِأَجْلِهِ. وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْأَقْوَالِ النَّافِعَةِ الْمُنْقِذَةِ مِنَ الْأَضْرَارِ. وَيَكُونُ بِالْعَمَلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ [91] .
وَفِي الْحَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ»
أَيِ الْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ لَهُمَا لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُنَبَّأُ بِشَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [79] . فَالْمُرَادُ بِالنُّصْحِ هُنَا هُوَ مَا سَمَّاهُ قَوْمُهُ بِالْجِدَالِ، أَيْ هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُسَمَّى نُصْحًا، لِأَنَّ الْجِدَالَ يَكُونُ لِلْخَيْرِ
وَالشَّرِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَجُمْلَةُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هِيَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْكَلَامِ، فَجَوَابُهَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي وَلَكِنَّ نَظْمَ الْكَلَامِ بُنِيَ عَلَى الْإِخْبَارِ بِعَدَمِ نَفْعِ النُّصْحِ اهْتِمَامًا بِذَلِكَ فَجُعِلَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ وَأُتِيَ بِالشَّرْطِ قَيْدًا لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ فَهُوَ شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَبَيْنَ دَلِيلِ جَوَابِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيقِ وَلَكِنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى تَعْلِيقٍ، وَغَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ التَّقْيِيدُ أَصْلًا، فَلَيْسَ هَذَا مِنَ الشَّرْطِ فِي الشُّرُوطِ الْمَفْرُوضَةِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ فِي نَحْوِ قَوْلِ الْقَائِلِ: إِنْ أَكَلْتِ، إِنْ شَرِبْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِي شَرْطٍ مُقَيِّدٍ لِشَرْطٍ آخَرَ. عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ إِذَا اجْتَمَعَ فِعْلَا الشَّرْطَيْنِ حَصَلَ مَضْمُونُ جَوَابِهِمَا. وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا
…
مِنَّا مَعَاقِلَ عِزٍّ زَانَهَا كَرَمُ
فَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ فَكُلٌّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَقْصُودٌ التَّعْلِيقِ بِهِ. وَقَدْ حُذِفَ جَوَابُ أَحَدِهِمَا لِدَلَالَةِ جَوَابِ الْآخَرِ عَلَيْهِ.
وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ مُؤْذِنٌ بِعَزْمِهِ عَلَى تَجْدِيدِ النُّصْحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّ وَاجِبَهُ هُوَ الْبَلَاغُ وَإِنْ كَرِهُوا ذَلِكَ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ إِلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنْ كَرَاهِيَةِ دَعْوَةِ نُوحٍ- عليه السلام سَبَبُهُ خِذْلَانُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ وَلَوْلَاهُ لَنَفَعَهُمْ نُصْحُهُ، وَلَكِنَّ نُوحًا- عليه السلام لَا يَعْلَمُ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ إِغْوَائِهِمْ وَلَا مَدَى اسْتِمْرَارِ غَوَايَتِهِمْ فَلِذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْصَحَ لَهُمْ إِلَى نِهَايَةِ الْأَمْرِ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى دُخُولِ اللَّامِ عَلَى مَفْعُولِ (نَصَحَ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي بَرَاءَةَ