المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة هود (11) : الآيات 45 إلى 47] - التحرير والتنوير - جـ ١٢

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 13]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 14]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 18 إِلَى 19]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 20]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 21 إِلَى 22]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 23]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 24]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 25 إِلَى 26]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 27]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 28]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 29]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 31]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 32 إِلَى 33]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 35]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 36]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 37]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 38 إِلَى 39]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 40]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 42 الى 43]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 45 إِلَى 47]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 48]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 49]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 50 إِلَى 52]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 53 الى 56]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 57]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 58]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 59 إِلَى 60]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 61]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 62]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 63]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 64 إِلَى 65]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 66 الى 68]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 69 إِلَى 73]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 74 إِلَى 76]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 77]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 78]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 79 إِلَى 80]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 81]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 82 إِلَى 83]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 84 إِلَى 86]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 87]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 88]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 89 إِلَى 90]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 91]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 92]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 93]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 94 إِلَى 95]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 96 إِلَى 97]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 98 إِلَى 99]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 100 إِلَى 101]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 102]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 103 إِلَى 104]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 105 إِلَى 108]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 109]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 110]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 111]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 112]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 113]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 114]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 115]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 116]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 117]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 118 إِلَى 119]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 120]

- ‌[سُورَة هود (11) : الْآيَات 121 إِلَى 122]

- ‌[سُورَة هود (11) : آيَة 123]

- ‌12- سُورَةُ يُوسُفَ

- ‌مِنْ مَقَاصِدِ هَذِهِ السُّورَةِ

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : الْآيَات 11 إِلَى 12]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : الْآيَات 13 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : الْآيَات 16 الى 18]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 20]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 21]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : الْآيَات 23 إِلَى 29]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : الْآيَات 31 إِلَى 32]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : الْآيَات 33 إِلَى 34]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 35]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 36]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : الْآيَات 37 إِلَى 38]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : الْآيَات 39 إِلَى 40]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 42]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : الْآيَات 43 إِلَى 45]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 46]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : الْآيَات 47 إِلَى 49]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 50]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 51]

- ‌[سُورَة يُوسُف (12) : آيَة 52]

الفصل: ‌[سورة هود (11) : الآيات 45 إلى 47]

وَأَمَّا النَّظَرُ فِيهَا مِنْ جَانِبِ الْفَصَاحَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ فَهِيَ كَمَا تَرَى نَظْمٌ لِلْمَعَانِي لِطَيْفٌ وَتَأْدِيَةٌ لَهَا مُلَخَّصَةٌ مُبَيَّنَةٌ، لَا تَعْقِيدَ يُعَثِّرُ الْفِكْرَ فِي طَلَبِ الْمُرَادِ. وَلَا الْتِوَاءَ يُشِيكُ الطَّرِيقَ إِلَى الْمُرْتَادِ، بَلْ إِذَا جَرَّبْتَ نَفْسَكَ عِنْدَ اسْتِمَاعِهَا وجدت ألفاظها تطابق مَعَانِيهَا ومعانيها تطابق أَلْفَاظَهَا.

وَأَمَّا النَّظَرُ فِيهَا مِنْ جَانِبِ الْفَصَاحَةِ اللَّفْظِيَّةِ فَأَلْفَاظُهَا عَلَى مَا تَرَى عَرَبِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى قَوَانِينِ اللُّغَةِ، سَلِيمَةٌ عَنِ التَّنَافُرِ، بَعِيدَةٌ عَنِ الْبَشَاعَةِ، عَذْبَةٌ على العذبات، سلسلة عَلَى الْأَسَلَاتِ

» . هَذِهِ نِهَايَةُ كَلَام الْمِفْتَاح.

[45- 47]

[سُورَة هود (11) : الْآيَات 45 إِلَى 47]

وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (45) قالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (47)

مَوْقِعُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ نِدَاءَ نُوحٍ- عليه السلام هَذَا كَانَ بَعْدَ اسْتِوَاءِ السَّفِينَةِ عَلَى الْجُودِيِّ نِدَاءً دَعَاهُ إِلَيْهِ دَاعِيَ الشَّفَقَةِ فَأَرَادَ بِهِ نَفْعَ ابْنِهِ فِي الْآخِرَةِ بَعْدَ الْيَأْسِ مِنْ نَجَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَا نَجَاةَ إِلَّا لِلَّذِينَ يَرْكَبُونَ السَّفِينَةَ، وَلِأَنَّ نُوحًا- عليه السلام لَمَّا دَعَا ابْنَهُ إِلَى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فَأَبَى وَجَرَتِ السَّفِينَةُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا وَسِيلَةَ إِلَى نَجَاتِهِ فَكَيْفَ

يَسْأَلُهَا مِنَ اللَّهِ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ سَأَلَ لَهُ الْمَغْفِرَةَ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ كَمَا سَيَأْتِي.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءُ نُوحٍ- عليه السلام هَذَا وَقَعَ قَبْلَ غَرَقِ النَّاسِ، أَيْ نَادَى رَبَّهُ أَنْ يُنَجِّيَ ابْنَهُ مِنَ الْغَرَقِ.

ص: 83

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ غَرَقِ مَنْ غَرِقُوا، أَيْ نَادَى رَبَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لِابْنِهِ وَأَنْ لَا يُعَامِلَهُ مُعَامَلَةَ الْكَافِرِينَ فِي الْآخِرَةِ.

وَالنِّدَاءُ هَنَا نِدَاءُ دُعَاءٍ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَدَعَا نُوحٌ رَبَّهُ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ يَصْدُرُ بِالنِّدَاءِ غَالِبًا، وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الْجَلَالَةِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضَافًا إِلَى نُوحٍ- عليه السلام تَشْرِيفٌ لِنُوحٍ وَإِيمَاءٌ إِلَى رَأْفَةِ اللَّهِ بِهِ وَأَنَّ نَهْيَهُ الْوَارِدَ بَعْدَهُ نَهْيُ عِتَابٍ.

وَجُمْلَةُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي بَيَانٌ لِلنِّدَاءِ، وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ لَا تُعْطَفَ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ كَمَا لَمْ يُعْطَفِ الْبَيَانُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [مَرْيَم: 3، 4] ، وَخُولِفَ ذَلِكَ هُنَا. وَوَجَّهَ فِي «الْكَشَّافِ» اقْتِرَانَهُ بِالْفَاءِ بِأَنَّ فِعْلَ نَادَى مُسْتَعْمَلٌ فِي إِرَادَةِ النِّدَاءِ، أَيْ مِثْلَ فِعْلِ (قُمْتُمْ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [الْمَائِدَة: 6] الْآيَةَ، يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ إِخْرَاجٌ لِلْكَلَامِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فَإِنَّ وُجُودَ الْفَاءِ فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ بَيَانٌ لِلنِّدَاءِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَ نَادَى مُسْتَعَارٌ لِمَعْنَى إِرَادَةِ النِّدَاءِ، أَيْ أَرَادَ نِدَاءَ رَبِّهِ فَأَعْقَبَ إِرَادَتَهُ بِإِصْدَارِ النِّدَاءِ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ النِّدَاءَ فَتَرَدَّدَ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [هود: 40] فَلَمْ يَطُلْ تَرَدُّدُهُ لَمَّا غَلَبَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَى ابْنِهِ فَأَقْدَمَ عَلَى نِدَاءِ، رَبِّهِ، وَلِذَلِكَ قَدَّمَ الِاعْتِذَارَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي. فَقَوْلُهُ: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الِاعْتِذَارِ وَالتَّمْهِيدِ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ سُؤَالًا لَا يَدْرِي قَبُولَهُ وَلَكِنَّهُ اقْتَحَمَهُ لِأَنَّ الْمَسْئُولَ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ فَلَهُ عُذْرُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ إِنَّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.

وَكَذَلِكَ جُمْلَةُ وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِ الْفَائِدَةِ. وَهُوَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.

وَالْمُرَادُ بِالْوَعْدِ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: 37] إِذْ أَفَادَ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِهِ قَدْ سَبَقَ

ص: 84

مِنَ اللَّهِ تَقْدِيرٌ بِأَنَّهُ لَا يَرْكَبُ السَّفِينَةَ. وَهَذَا الْمَوْصُولُ مُتَعَيِّنٌ لِكَوْنِهِ صَادِقًا عَلَى ابْنِهِ إِذْ لَيْسَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِهِ

طَلَبَ مِنْهُ رُكُوبَ السَّفِينَةِ وَأَبَى، وَأَنَّ مَنْ سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ بِأَنَّهُ لَا يَرْكَبُ السَّفِينَةَ مِنَ النَّاسِ فَهُوَ ظَالِمٌ، أَيْ كَافِرٌ، وَأَنَّهُ مُغْرَقٌ، فَكَانَ عَدَمُ رُكُوبِهِ السَّفِينَةَ وَغَرَقُهُ أَمَارَةً أَنَّهُ كَافِرٌ. فَالْمَعْنَى: أَنَّ نُوحًا- عليه السلام لَا يَجْهَلُ أَنَّ ابْنَهُ كَافِرٌ، وَلِذَلِكَ فَسُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ لَهُ عَنْ عِلْمٍ بِأَنَّهُ كَافِرٌ، وَلَكِنَّهُ يَطْمَعُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ لِأَجْلِ قَرَابَتِهِ بِهِ، فَسُؤَالُهُ لَهُ الْمَغْفِرَةُ بِمَنْزِلَةِ الشَّفَاعَةِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ أَخْذٌ بِأَقْصَى دَوَاعِي الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ بِابْنِهِ.

وَقَرِينَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ: وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ الْمُفِيدُ أَنَّهُ لَا رَادَّ لِمَا حَكَمَ بِهِ وَقَضَاهُ، وَأَنَّهُ لَا دَالَّةَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ مَقَامُ تَضَرُّعٍ وَسُؤَالِ مَا لَيْسَ بِمُحَالٍ.

وَقَدْ كَانَ نُوحٌ- عليه السلام غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ تَقَرَّرَ فِي شَرْعِهِ الْعِلْمُ بِعَدَمِ الْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِينَ، فَكَانَ حَالُ نُوحٍ- عليه السلام كَحال النبيء صلى الله عليه وسلم حِينَ

قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»

قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كَانَ للنبيء وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التَّوْبَة: 113] الْآيَةَ.

وَالِاقْتِصَارُ عَلَى هَذِهِ الْجُمَلِ الثَّلَاثِ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ تَعْرِيضٌ بِالْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ التَّأَدُّبِ وَالتَّرَدُّدِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَسْئُولِ اسْتِغْنَاءً بِعِلْمِ الْمَسْئُولِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَسْأَلُكَ أَمْ أَتْرُكُ، كَقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:

أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي

حَيَاؤُكَ أَنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ

وَمَعْنَى أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ أَشَدُّهُمْ حُكْمًا. وَاسْمُ التَّفْضِيلِ يَتَعَلَّقُ بِمَاهِيَّةِ الْفِعْلِ، فَيُفِيدُ أَنَّ حكمه لَا يجوز وَأَنَّهُ لَا يُبْطِلُهُ أَحَدٌ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ نَفْيُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ وَاعْتِقَادِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إِبْطَالًا لِقَوْلِ نُوحٍ- عليه السلام: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَلَكِنَّهُ إِعْلَامٌ بِأَنَّ قَرَابَةَ الدِّينِ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ هِيَ الْقَرَابَةُ، وَهَذَا الْمَعْنَى شَائِعٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ.

ص: 85

قَالَ النَّابِغَةُ يُخَاطِبُ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ:

إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورًا

فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي

وَقَالَ تَعَالَى: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [التَّوْبَة:

56] .

وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ لِتَحْقِيقِهِ لِغَرَابَتِهِ.

وَجُمْلَةُ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ فَ (إِنَّ) فِيهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ.

وعَمَلٌ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ- بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَنْوِينِ اللَّامِ- مَصْدَرٌ أَخْبَرَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ وَبِرَفْعِ غَيْرُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ (عَمَلٌ) . وَقَرَأَهُ الْكِسَائِيُّ، وَيَعْقُوبُ عَمَلٌ- بِكَسْرِ الْمِيمِ- بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَبِنَصْبِ غَيْرُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ (عَمِلَ) . وَمَعْنَى الْعَمَلِ غَيْرِ الصَّالِحِ الْكُفْرُ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْكُفْرِ (عَمَلٌ) لِأَنَّهُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَلِأَنَّهُ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي عَمَلِ صَاحِبِهِ كَامْتِنَاعِ ابْنِ نُوحٍ مِنَ الرُّكُوبِ الدَّالِّ عَلَى تَكْذِيبِهِ بِوَعِيدِ الطُّوفَانِ.

وَتَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ نَهْيُهُ أَنْ يَسْأَلَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ نَهْيَ عِتَابٍ، لِأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ بِسَبَبِ تَعْلِيلِهِ بِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ، سَقَطَ مَا مَهَّدَ بِهِ لِإِجَابَةِ سُؤَالِهِ، فَكَانَ حَقِيقًا بِأَنْ لَا يَسْأَلَهُ وَأَنْ يَتَدَبَّرَ مَا أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهُ مِنَ اللَّهِ.

وَقَرَأَهُ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ «فَلَا تَسْأَلَنِّي» - بِتَشْدِيدِ النُّونِ- وَهِيَ نُونُ التَّوْكِيدِ الْخَفِيفَةُ وَنُونُ الْوِقَايَةِ أُدْغِمَتَا. وَأَثْبَتَ يَاءَ الْمُتَكَلِّمِ مَنْ عَدَا ابْنَ كَثِيرٍ مِنْ هَؤُلَاءِ. أَمَّا ابْنُ كَثِيرٍ فَقَرَأَ «فَلَا تسألنّ» - بنُون مشدة مَفْتُوحَةٍ-. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَيَعْقُوبُ، وَخَلَفٌ

ص: 86

«فَلَا تَسْأَلْنِ» - بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ النُّونِ مُخَفَّفَةً- عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ بِنُونِ التَّوْكِيدِ وَمُعَدَّى إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ.

وَأَكْثَرُهُمْ حَذَفَ الْيَاءَ فِي حَالَةِ الْوَصْلِ، وَأَثْبَتَهَا فِي الْوَصْلِ وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ وَأَبُو عَمْرٍو.

ثُمَّ إِنْ كَانَ نُوحٌ- عليه السلام لَمْ يَسْبِقْ لَهُ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِلْمُشْرِكِينَ فِي الْآخِرَةِ كَانَ نَهْيُهُ عَنْ أَنْ يَسْأَلَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، نَهْيَ تَنْزِيهٍ لِأَمْثَالِهِ لِأَن دَرَجَة النبوءة تَقْتَضِي أَنْ لَا يُقْدِمَ عَلَى سُؤَالِ رَبِّهِ سُؤْلًا لَا يَعْلَمُ إِجَابَتَهُ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: 23] وَقَوْلِهِ: لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [النبإ: 38] ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ، وَكَانَ سُؤَالُهُ الْمَغْفِرَةَ لِابْنِهِ طَلَبًا تَخْصِيصَهُ مِنَ الْعُمُومِ. وَكَانَ نَهْيُهُ نَهْيَ لَوْمٍ وَعِتَابٍ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ مِنْ رَبِّهِ جَوَازَ ذَلِكَ.

وَكَانَ قَوْلُهُ: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ مُحْتَمِلًا لِظَاهِرِهِ، وَمُحْتَمِلًا لِأَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْعِلْمِ بِضِدِّهِ، أَيْ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ.

ثُمَّ إِنْ كَانَ قَوْلُ نُوحٍ- عليه السلام إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي إِلَى آخِرِهِ تَعْرِيضًا بِالْمَسْئُولِ كَانَ النَّهْيُ فِي قَوْله: فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ نَهْيًا عَنِ الْإِلْحَاحِ أَوِ الْعَوْدِ إِلَى سُؤَالِهِ وَإِنْ كَانَ قَوْلُ نُوحٍ- عليه السلام مُجَرَّدَ تَمْهِيدٍ لِلسُّؤَالِ لِاخْتِبَارِ حَالِ إِقْبَالِ اللَّهِ عَلَى سُؤَالِهِ كَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا تَسْئَلْنِ نَهْيًا عَنِ الْإِفْضَاءِ بِالسُّؤَالِ الَّذِي مَهَّدَ لَهُ بِكَلَامِهِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ تَنْزِيهُهُ عَنْ تَعْرِيضِ سُؤَالِهِ لِلرَّدِّ.

وَعَلَى كُلِّ الْوُجُوهِ فَقَوْلُهُ: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ مَوْعِظَةٌ عَلَى تَرْكِ التَّثَبُّتِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ.

وَالْجَهْلُ فِيهِ ضِدُّ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.

ص: 87