الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل يضمن الطبيب خطأه
المجيب هاني بن عبد الله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
التصنيف الفهرسة/الجنايات
التاريخ 01/09/1426هـ
السؤال
ما حكم الشرع في رجل يجري إزالة للوز بطريقة شعبية، وكان يزاول هذه المهنة لمدة طويلة، ويجري هذه الجراحة أو العملية للصغار والكبار، ويكتب الله لهم السلامة والعافية بفضله عز وجل، وقدر الله أن مات أحد الأطفال بعد إجراء هذه العملية له، والذي قام بإجرائها على النحو الذي كان يجريها دائما.
وقد طالب والد الطفل بدية طفله الذي توفي إثر النزيف الناتج عن هذه الجراحة، وقد ذهب هذا الرجل ووالد الطفل إلى المحكمة الدستورية (غير الإسلامية) ، وقضت بأن عليه أن يدفع دية رجل كامل، وقد اتصل هذا الرجل بأقاربه ليساعدوه في دفع الدية، فنود أن نعرف حكم الشرع في المسائل التالية:
أولاً: هل يعتبر هذا الحادث قتلاً خطأ أم ماذا؟ وهل يضمن الرجل هذا الطفل؟ وما ديته في هذه الحالة إذا كان يضمنه؟
ثانياً: هل يجوز الاحتكام إلى المحكمة غير الإسلامية (أو المدنية) في حالة وجود محاكم شرعية في المنطقة؟ وماذا يفعل الرجل إذا رفض ذوو الطفل سوى الاحتكام إلى المحاكم غير الشرعية؟ أفتونا مأجورين، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالطبيب الذي لم يحصل على شهادة في الطب من جهة أكاديمية، وإنما تعلم هذا الفن عمن سبقه ممن كان يتقن هذا العمل عن طريق أدوية يصنعها من الأعشاب والنباتات، أو عن طريق كي مناطق معينة من الجسم، أو بطريق أخرى -كما ذكر في السؤال- من الوسائل التي لم تعد تستخدم في الطب الحديث.
فهذا إن كان صاحب خبرة تامّة، ومارس علاج المرضى فشفوا فإنّ حكمه حكم الطبيب النظامي؛ إذ حَدّد الفقهاء حذق الطبيب بأنه الذي يعرف العلة ودواءها، وله مشايخ في هذه الصناعة شهدوا له بالحذق، ولأن الطبيب النظامي لا يوجد في كل مكان، بل ما تزال جهات كثيرة تعاني من نقص في الأطباء، وفي بعض الإحصاءات أن نسبة الأطباء في الأرياف في الدول النامية طبيب واحد لكل عشرين ألف نسمة، بينما هي في المدن طبيب لكل خمسمائة نسمة، ومن هنا يحتاج الكثيرون إلى مراجعة هؤلاء الأطباء الشعبيين.
والدراسات الحديثة تثبت منافع عدة ونتائج طيبة لجملة من الممارسات الطبَّية القديمة، بل أنشأت لهذا الغرض جامعات في عدد من الدول كالهند والصين.
ولكن لا بد أن يكون عمل الطبيب الشعبي هذا لم يخالف فيه الطريقة والأصول الفنية التي يتبعها أمثاله، فإن كان قد قصر أو تعدى فإنه يضمن وإلا فلا.
وضمانه إذا أخطأ يكون بالدية
أما لو مارس العمل المعتاد فأدى ذلك لتلف المريض فلا شيء عليه.
قال ابن رشد: (وأجمعوا على أن الطبيب إذا أخطأ لزمته الدية؛ لأنه في معنى الجاني خطأ، وعن مالك رواية أنه ليس عليه شيء..الخ)[بداية المجتهد (31312) ] .
ويدل له مفهوم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مرفوعاً:"من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن" أخرجه أبو داود (4586) ، النسائي (4830) ، وابن ماجة (3466) ، والحاكم في المستدرك (4/212) ، وصححه ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
فإذا كان الطبيب المذكور خبيراً ولم يخالف ما يتبع عادة في هذا العمل فليس عليه شيء، وإن كان قد أخطأ أو لم تكن لديه الخبرة الكافية فإنه يضمن دية الطفل المذكور إن كانت وفاته بسبب إجرائه، ومقدار الدية مائة من الإبل أو ما يعادلها مما هو مفصل في كتب الفقه.
والدية الناتجة عن الخطأ تتحملها العاقلة، وهم أقارب الجاني الذكور، فتوزع بينهم على قدر غناهم، لكن أول ما توجه على الجاني وهو يقوم بتحصيلها منهم ولو برفع دعوى عليهم كما عليه المحققون، وللحاكم أن يحكم على العاقلة مباشرة كما هو رأي طائفة كبيرة من الفقهاء، لكن أقارب الجاني يتحملون الدية في الحالين.
والذي يتحمله الإنسان منهم هو ما لا يشق عليه حسب اجتهاد الحاكم، ولا فرق بين كونه قريباً أو بعيداً.
وفي حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في المرأة التي قتلتها جارتها بالعقل على عصبتها أخرجه البخاري (5758) ، ومسلم (1681) .
وأما الاحتكام إلى المحاكم التي لا تحكم بالشريعة الإسلامية فهو من الكبائر العظيمة، فإن من أصول الإسلام الرضى بالله ورسوله حكما، ً وهو معنى الإسلام، قال تعالى:"أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون"[المائدة: 50] ، فلا يجوز التحاكم لها.
وإذا دُعي إنسان لمحكمة غير شرعية فعليه أن يحاول التحاكم إلى الشرع ولو بالصلح، فإن لم يتمكن فإنه يدافع عن نفسه لديها -لكونه مضطراً- وقد قال تعالى:"وقد فَصَّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه"[الأنعام:119] .
وإذا ألزم بشيء لا يلزمه ولم يتمكن من الخلاص منه فله أن يدفع عن نفسه الضرر، لكن لا يجوز لأحد أن يأخذ شيئاً لا يحل له ولو حكمت به المحاكم، فإن حكم الحاكم لا يحلل الحرام. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.