الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابن مسعود والمذهب الحنفي
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 16/05/1425هـ
السؤال
نعيش بإحباط في منطقتنا بأمريكا، فهناك بعض من يتلفظ بالسوء على ابن مسعود رضي الله عنه لأجل إظهار ضعف الفقه الحنفي، لأن مدرسة عبد الله بن مسعود هي مدرسة أهل الطرق فماذا نقول لهم عندما يتلفظون بذلك؟ وما هي نصيحتكم لي؛ كي تزيد ثقتي في اتباع المذهب الحنفي بينما الآخرون يهاجمونه؟.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم خير الناس بعد الرسل والأنبياء، وبهم نصر الله دينه، وحفظ شرعه، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيما رواه القرطبي في تفسيره (1/60) وغيره:"من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقهاً علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"، ولذلك فإن الواجب على المسلمين محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم، ومعرفة قدرهم، والقيام بحقهم، والترضي عنهم؛ امتثالاً لما اشتملت عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، كقوله تعالى:"والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه"[التوبة: 100] ، وفي الجملة فإن عدالة الصحابة رضي الله عنهم ومحبتهم والترضي عنهم مما هو معلوم من الدين بالضرورة.
ولذلك حذر أهل العلم من انتقاص الصحابة رضي الله عنهم أو سبهم أو الاستهزاء بهم، وعدوا ذلك مخالفة صريحة لمعتقد أهل السنة والجماعة، وجعل العلماء سب الصحابة رضي الله عنهم وانتقاص قدرهم قدحاً في الشريعة؛ لأن الشريعة لم تصل إلينا إلا عن طريقهم، فهم كتبة الوحي ونقلة السنة، ومن جملة الصحابة المشهود لهم بالعدالة والفضل: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي- رضي الله عنه فهو من أكابر الصحابة رضي الله عنهم فضلاً وعلماً وعقلاً، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بالقرآن بمكة المكرمة، ويشهد لفضله أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عنه لما ضحك الصحابة رضي الله عنهم من تمايل الريح به:"لهو أثقل عند الله يوم القيامة ميزاناً من أُحد" أخرجه الإمام أحمد (920) ، وابن أبي شيبة (12/114)، وقال عنه عمر رضي الله عنه:"وعاء مليء علماً"، كما كان ابن مسعود رضي الله عنه من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم، ومن المشتهرين منهم باستنباط الأحكام والعمل بالرأي المحمود في المسائل التي لم يرد فيها نص، ولذلك فإن مدرسة عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه في العراق تعد النواة الأولى لمدرسة أهل الرأي التي ينسب مذهب الإمام أبي حنيفة إليها، وغير ذلك مما ثبت لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه من الفضائل، وبعد هذا كيف يجرؤ أحد على انتقاصه أو التلفظ عليه بسوء إلا من كان زائغ القلب فاسد السيرة والسريرة.
ونصيحتي لك فيما يتعلق باتباع مذهب معين: أن الواجب على المسلم عموماً التمسك بالكتاب والسنة، والعمل بما تقتضيه النصوص الشرعية، والوقوف عند حدودها؛ لأن الله سبحانه وتعالى تعبدنا باتباع ما شرعه هو أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يتعبدنا باتباع الأشخاص مهما بلغوا في العلم والدين، وإنما جاز للعامي اتباع مذهب معين من المذاهب المعتبرة عند أهل العلم؛ لأنه عاجز عن النظر في الأدلة واستنباط الأحكام منها، ولكن ينبغي أن يكون هذا الاتباع متجرداً عن التعصب للمذهب والموالاة والمعاداة فيه، كما أنه لا يجوز لأحد من الناس أن ينتقص مذاهب الأئمة المعتبرة عند أهل العلم كالمذاهب الأربعة المشهود لها:(الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي) ؛ لأن هذه المذاهب اعتبرها العلماء قديماً وحديثاً وشهدوا لأئمتها بالعلم والفضل، ولا يعني هذا أن هذه المذاهب معصومة عن الخطأ أو أن كل ما فيها صحيح وحق، بل فيها الصحيح وغيره، ولكن الذي لا شك فيه أن هؤلاء الأئمة مجتهدون، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.