الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هموم تائبة
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الرقائق والأذكار/التوبة
التاريخ 9/11/1422
السؤال
أنا امرأة أفعل المعاصي، لكنني كثيرة التوبة والرجوع إلى الله، حيث إنني على سبيل المثال: كنت أستمع للأغاني، ثم أعود تائبة إلى الله متوعدة نفسي بعدم الرجوع إليها، لكن الشيطان يعود لإغوائي فأعود للاستماع لها، وهكذا تكررت مرات كثيرة حتى جاء يوم، وقالت لي إحدى صديقاتي: إنك امرأة ليست لك شخصية، وكل يوم لك حال! حددي موقفك واستمري عليه، فضاقت نفسي جداً جداً، وبدأت تنتابني التساؤلات:
هل الله لن يقبل توبتي، وأنا أتوب ثم أعود للذنب مرة أخرى، أم أن هذه هي حال المسلم بين ذنب وتوبة؟
ومن هم التوابون الذين يحبهم الله؟
وما النفس اللوامة، ولمَ أقسم الله بها في سورة القيامة؟
وهل يجب علي ألاّ أنهى عن المنكر وأنا على هذه الحال؟
وهل آثم إن لم أنه عن المنكر وأنا أراه؛ لعدم جراءتي على ذلك، وقلة علمي بأمور الدين؟
أجيبوني بأسرع وقت ممكن؛ لحاجتي الماسة لذلك، مستشهدين لي بالأدلة من القرآن والسنة؟
الجواب
الحمد لله، وبعد.
الأخت الكريمة، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد قرأت رسالتك مراراً، وتوقفت عند قولك:"أجيبوني بأسرع وقت ممكن لحاجتي الماسة لذلك مستشهدين لي بالأدلة من القرآن والسنة " فأحببت أن تكون هذه الجملة هي محور الجواب وركيزته الأساس قبل أن أتناول أسئلتك الخمسة بالرد المفصل، فأقول، وبالله التوفيق.
إن من يظن أن سعادته تتحقق في إشباع غرائزه، وإرضاء نزواته، وتلبية رغبات نفسه الأمارة بالسوء، فهو يعيش وهماً كبيراً، ويطارد سراباً يستحيل أن يظفر منه بقطرة تروي ظمأه إلى السعادة الحقيقية، والبهجة الأبدية.
إن حاجتك الماسة إلى الإجابة على تساؤلاتك فيدل بكل تأكيد أن جميع ما استمعت إليه من أغان، وما شاهدته من أفلام ومسلسلات وبرامج، وكل ما طالعته من صحف ومجلات وغير ذلك لم يشبع حاجتك إلى الاستقرار النفسي والاطمئنان الروحي، وما ذلك إلا بسبب ابتعادك - وللأسف - عن المنهج القويم، والمسلك الآمن الموصل إلى سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.
ولحسن الحظ فأشعر أن الله - تعالى - أراد بك خيراً حيث بدأت تتخذين خطوات عملية في تغيير واقعك إلى الأفضل، وتصححين مسارك إلى الاتجاه الصحيح - فحمداً لله أن لطف وستر -.
أختنا الكريمة، أما بخصوص سؤالك الأول فأبشري بأن الله - تعالى - واسع المغفرة يقبل التوبة ويفرح بها، قال الله - تعالى -:" وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون "[الشورى:25] ولا يضرك وقوع الذنب منك أكثر من مرة إن لم يكن هناك استهتار أو استخفاف في إحداث التوبة ثم نقضها، إلا أنني أنصحك أن تكوني أكثر جدية مع نفسك، وأمضى حزماً في معالجة دوافع نفسك وكبح جماحها حين تحدثك بمعاودة الذنب مرة أخرى.
ومما يعينك في الثبات على التوبة تذكري مراراً الندم عقب الفراغ الكئيب من ممارسة الخطأ، ومعاقرة الذنب، يضاف قبل هذا ومعه وبعده صدق الملجأ إلى الله عز وجل، وطلب العون والمدد منه - سبحانه - أن يأخذ بيدك إلى التوبة النصوح.
أما السؤال الثاني: فالتوابون الذين يحبهم الله - تعالى - كما في قوله الكريم: " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين "[البقرة:222] فهم الذين يصدقون في توبتهم، ويبادرون إليها، ويتفانون في الحفاظ عليها مهما كانت نوازع النفس ودوافع الهوى، وحتى تكوني منهم أيتها الأخت الفاضلة، ينبغي أن تتمسكي بتوبتك حتى الممات، وأن تحافظي عليها حفاظك على روحك التي بين جنبيك بل أشد، وكم ستشعرين بالبهجة والفخر يوم تكونين واحدة من أولئك المحظوظين الذين شملتهم محبة الله.
فحذار - يرحمك الله - أن تستبدلي الذي هو أدنى بالذي هو خير فتفرطي بمحبة الله من أجل أغنية هابطة أو مشهد خليع!!
وأما السؤال الثالث: فالنفس اللوامة هي التي تلوم صاحبها حين لا ينفعها اللوم، فهي النفس المذمومة، وهذا المعنى نقله ابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل: هي النفس المؤمنة قاله الحسن البصري رحمه الله، وقال:(لا يُرى المؤمن إلا يلوم نفسه على كل حال) .
والأظهر - والله أعلم - صحة القولين كليهما - فإن لوم النفس أحياناً لصاحبها لا ينفع حين يتعذر استدراك الفائت، كما أن المؤمن الحق لا يزال لائماً لنفسه إن عمل خيراً قال: هلاّ زدت، وإن عمل شراً قال: ليتني لم أفعل.
وأما لِمَ أقسم الله بها؟ فذلك - والله أعلم - لبيان فضل النفس التي تلوم صاحبها عند وقوع التقصير منها إما بارتكاب ذنب أو تفويت فضيلة، ولا ريب أن نفساً كهذه جديرة بأن يقسم الرب - تعالى شأنه- بها إذ هي دائمة السعي في البحث عن سعادتها في كنف الله وقربه.
أما السؤال الرابع: فلا ريب أن الكمال أن تأمري بالمعروف وأنت أول الفاعلين له، وأن تنهي عن المنكر وأنت أول المبتعدين عنه، فإن زلت بك القدم وارتكبت مخالفة ما فحذار أن تحجبك مخالفتك تلك عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مبادرة في الوقت نفسه إلى سرعة التخلص من مغبة المخالفة وإعلان التوبة من جديد بالكيفية التي أشرت إليها سلفاً.
وأما السؤال الخامس: فكل من يمتنع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو قادر على إنكاره بيده، أو بلسانه، أو بقلبه فهو واقع في دائرة الذم، ومعرض نفسه، بل وغيره إلى مغبة تعطيل هذه الفريضة الجليلة، خصوصاً في زمننا هذا الذي كثرت فيه المنكرات، وانتشرت فيه المخالفات، وقلََّ المنكرون لها.
وختاماً أسأل الله - تعالى - أن يوفقك للتوبة النصوح التي لا رجعة بعدها، وأنصحك بأن تكثري من قراءة القرآن، ومطالعة تفسير ابن كثير وابن سعدي، (وإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) لابن القيم و (تلبيس إبليس) لابن الجوزي ونحوها من الكتب المفيدة، كما أدعوك إلى تكوين صحبة طيبة من الزميلات الملتزمات الحريصات على اقتفاء سبيل الصحابيات الكريمات إرضاء لفاطر الأرض والسماوات - سبحانه -.
كما أوصيك بالابتعاد عن مطالعة الفضائيات ونحوها ولو بالتدريج، واستبدال ذلك بتصفح المواقع النافعة عبر الإنترنت لشغل الفراغ بالمفيد، واحرصي- حماك الله - على أداء الفرائض والواجبات، وقراءة كتب السير والوعظ والرقائق علَّ الله أن يُلين لك قلبك ويشرح صدرك، والله يحفظك والسلام.