الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الِاكْتِيَالِ نَظَرًا إِلَى الْغَالِبِ، وَذَكَرَ فِي بَيْعِهِمْ لِلْمُبْتَاعِينَ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ لِأَنَّهُمْ يَبِيعُونَ الْأَشْيَاءَ كَيْلًا وَيَقْبِضُونَ الْأَثْمَانَ وَزْنًا.
وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّطْفِيفَ مِنْ عَمَلِ تُجَّارِهِمْ.
ويَسْتَوْفُونَ جَوَابُ إِذَا وَالِاسْتِيفَاءُ أَخْذُ الشَّيْءِ وَافِيًا، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْفِعْلِ مِثْلَ: اسْتَجَابَ.
وَمَعْنَى يُخْسِرُونَ يُوقِعُونَ الَّذِينَ كَالُوا لَهُمْ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ فِي الْخَسَارَةِ، وَالْخَسَارَةُ النَّقْصُ مِنَ المَال من التَّبَايُعِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي التطفيف إِذْ وجوده فَاشِيًا فِي الْمَدِينَةِ فِي أَوَّلِ هِجْرَتِهِمْ وَذَمٌّ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ مَكَّةَ.
وَحَسْبُهُمْ أَنَّ التَّطْفِيفَ يَجْمَعُ ظُلْمًا وَاخْتِلَاسًا وَلُؤْمًا، وَالْعَرَبُ كَانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخلال متفرّقة ويتبرؤون مِنْهَا، ثُمَّ يَأْتُونَهَا مُجْتَمِعَةً، وَنَاهِيكَ بذلك أفنا.
[4- 6]
[سُورَة المطففين (83) : الْآيَات 4 إِلَى 6]
أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (6)
اسْتِئْنَاف ناشىء عَنِ الْوَعِيدِ وَالتَّقْرِيعِ لَهُمْ بِالْوَيْلِ عَلَى التَّطْفِيفِ وَمَا وُصِفُوا بِهِ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى حُقُوقِ الْمُبْتَاعِينَ.
وَالْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ التَّعْجِيبِيِّ بِحَيْثُ يَسْأَلُ السَّائِل عَن عَمَلهم بِالْبَعْثِ، وَهَذَا يرجح أَنَّ الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: 1] مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُسْلِمِينَ. وَيرجع الْإِنْكَار والتعجيب مِنْ ذَلِكَ إِلَى إِنْكَارِ مَا سِيقَ هَذَا لِأَجْلِهِ وَهُوَ فِعْلُ التَّطْفِيفِ. فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ الْخُلَّصُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُمُ انْتَهَوْا عَنِ التَّطْفِيفِ بِخِلَافِ الْمُنَافِقِينَ.
وَالظَّنُّ: مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ الْمَشْهُورِ وَهُوَ اعْتِقَاد وُقُوع الشَّيْء اعْتِقَادًا رَاجِحًا عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية: 32] .
وَفِي الْعُدُولِ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ لِقَصْدِ
تَمْيِيزِهِمْ وَتَشْهِيرِ ذِكْرِهِمْ فِي مَقَامِ الذَّمِّ، وَلِأَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِ «الْمُطَفِّفِينَ» تُؤْذِنُ بِأَنَّ الْوَصْفَ مَلْحُوظٌ فِي الْإِشَارَةِ فَيُؤْذِنُ ذَلِكَ بِتَعْلِيلِ الْإِنْكَارِ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِيَوْمٍ عَظِيمٍ لَامُ التَّوْقِيتِ مِثْلُ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الْإِسْرَاء: 78] .
وَفَائِدَةُ لَامِ التَّوْقِيتِ إِدْمَاجُ الرَّدِّ عَلَى شُبْهَتِهِمُ الْحَامِلَةِ لَهُمْ عَلَى إِنْكَارِ الْبَعْثِ بِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْثٌ لَبُعِثَتْ أَمْوَاتُ الْقُرُونِ الْغَابِرَةِ، فَأَوْمَأَ قَوْلُهُ لِيَوْمٍ أَنَّ لِلْبَعْثِ وَقْتًا مُعَيَّنًا يَقَعُ عِنْدَهُ لَا قَبْلَهُ.
وَوَصْفُ يَوْمٍ بِ عَظِيمٍ بِاعْتِبَارِ عَظَمَةِ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ، فَهُوَ وَصْفٌ مَجَازِيٌّ عَقْلِيٌّ.
ويَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ بَدَلٌ مِنْ «يَوْمٍ عَظِيمٍ» بَدَلًا مُطَابِقًا وَفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ بِنَاءٍ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً فِي سُورَةِ الِانْفِطَارِ [19] عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ ذَلِكَ بِالْفَتْحِ.
وَمَعْنَى يَقُومُ النَّاسُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ قِيَامًا، فَالتَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ.
وَاللَّامُ فِي لِرَبِّ الْعالَمِينَ لِلْأَجْلِ، أَي لأجل ربوبيته وَتَلَقِّي حُكْمِهِ.
وَالتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِوَصْفِ «رَبِّ الْعَالَمِينَ» لِاسْتِحْضَارِ عَظَمَتِهِ بِأَنَّهُ مَالِكٌ أَصْنَافَ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَاللَّامُ فِي الْعالَمِينَ لِلِاسْتِغْرَاقِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ.
قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» «وَفِي هَذَا الْإِنْكَارِ، وَالتَّعْجِيبِ، وَكَلِمَةِ الظَّنِّ، وَوَصْفِ الْيَوْمِ بِالْعَظِيمِ، وَقِيَامِ النَّاس فِيهِ الله خَاضِعِينَ، وَوَصْفِ ذَاتِهِ بِ «رَبِّ الْعَالَمِينَ» بَيَانٌ بَلِيغٌ لِعَظِيمِ الذَّنْبِ وَتَفَاقُمِ الْإِثْمِ فِي التَّطْفِيفِ وَفِيمَا كَانَ مِثْلُ حَالِهِ مِنَ الْحَيْفِ وَتَرْكِ الْقِيَامِ بِالْقِسْطِ وَالْعَمَلِ عَلَى السَّوِيَّةِ» اهـ.
وَلَمَّا كَانَ الْحَامِل لَهُم عَلَى التَّطْفِيفِ احْتِقَارُهُمْ أَهْلَ الْجَلْبِ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي فَلَا